سورة القرآن surah-quran.com

سورة الدخان

سورة الدخان، الآية 59

الجزء 25، الصفحة 498.

فَٱرْتَقِبْ إِنَّهُم مُّرْتَقِبُونَ ﴿٥٩﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

فانتظر -أيها الرسول- ما وعدتك من النصر على هؤلاء المشركين بالله، وما يحلُّ بهم من العقاب، إنهم منتظرون موتك وقهرك، وسيعلمون لمن تكون النصرة والظَّفَر وعلو الكلمة في الدنيا والآخرة، إنها لك -أيها الرسول- ولمن اتبعك من المؤمنين.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 51 إلى 59

{51 ـ 53} هذا جزاءُ المتَّقين لله، الذي اتَّقوا سَخَطه وعذابه بتركهم المعاصي وفعلهم الطاعات، فلمَّا انتفى السخط عنهم والعذابُ؛ ثبت لهم الرِّضا من الله والثواب العظيم في ظلٍّ ظليل من كثرة الأشجار والفواكه، وعيونٍ سارحةٍ تجري من تحتهم الأنهار يفجِّرونها تفجيراً، في جنات النعيم، فأضاف الجناتِ إلى النعيم؛ لأن كُلَّ ما اشتملت عليه، كله نعيمٌ وسرورٌ كامل من كلِّ وجهٍ، ما فيه منغصٌ ولا مكدرٌ بوجه من الوجوه، ولباسُهم من الحرير الأخضر من السندس والإستبرق؛ أي: غليظ الحرير ورقيقه ممَّا تشتهيهُ أنفسُهم، {متقابلين}: في قلوبهم ووجوههم في كمال الراحة والطمأنينة والمحبَّة والعشرة الحسنة والآداب المستحسنة.

الآية 54:{كذلك}: النعيم التام والسرور الكامل، {وزوَّجۡناهم بحورٍ} ؛ أي: نساء جميلات من جمالهنَّ وحسنهنَّ أنَّه يَحارُ الطرفُ في حسنهنَّ، وينبهر العقل بجمالهنَّ وينخلبُ اللبُّ لكمالهن، {عينٍ}؛ أي: ضخام الأعين حسانها.

الآية 55:{يَدۡعون فيها}: أي: الجنة {بكلِّ فاكهةٍ}: مما له اسمٌ في الدُّنيا ومما لا يوجدُ له اسمٌ ولا نظير في الدنيا؛ فمهما طلبوه من أنواع الفاكهة وأجناسها؛ أحضر لهم في الحال من غير تعبٍ ولا كلفةٍ، آمنين من انقطاع ذلك، وآمنين من مضرَّته، وآمنين من كلِّ مكدِّر، وآمنين من الخروج منها والموت.

الآية 56: ولهذا قال: {لا يذوقون فيها الموتَ إلاَّ الموتةَ الأولى}؛ أي: ليس فيها موتٌ بالكلِّية، ولو كان فيها موتٌ يُستثنى؛ لم يستثنِ الموتةَ الأولى التي هي الموتة في الدنيا، فتمَّ لهم كلُّ محبوب مطلوب، {ووقاهم عذابَ الجحيم}.

الآية 57:{فضلاً من ربِّك}؛ أي: حصول النعيم واندفاع العذاب عنهم من فضل الله عليهم وكرمِهِ؛ فإنَّه تعالى هو الذي وفَّقهم للأعمال الصالحة، التي بها نالوا خير الآخرة وأعطاهم أيضاً ما لمْ تبلُغْه أعمالُهم. {ذلك هو الفوزُ العظيمُ}: وأيُّ فوزٍ أعظمُ من نيل رضوان الله وجنَّته والسلامة من عذابه وسخطِهِ.

الآية 58:{فإنما يَسَّرۡناه}؛ أي: القرآن {بلسانِكَ}؛ أي: سهَّلْناه بلسانك الذي هو أفصحُ الألسنةِ على الإطلاق وأجلُّها، فتيسر به لفظه، وتيسر به معناه، {لعلَّهم يتذكَّرون}: ما فيه نفعُهم فيفعلونَه، وما فيه ضررُهم فيترُكونه.

الآية 59:{فارتَقِبۡ}؛ أي: انتظرْ ما وعدك ربُّك من الخير والنصر. {إنَّهم مرتقبونَ}: ما يحلُّ بهم من العذاب، وفرقٌ بين الارتقابين: رسول الله وأتباعه يرتقبون الخير في الدُّنيا والآخرة، وضدُّهم يرتقبون الشرَّ في الدُّنيا والآخرة.

تم تفسير سورة الدخان. ولله الحمد والمنة.

* * *

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿فارْتَقِبْ﴾ انْتَظِرْ هَلاكهمْ ﴿إنّهُمْ مُرْتَقِبُونَ﴾ هَلاكك وهَذا قَبْل نُزُول الأَمْر بِجِهادِهِمْ

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يشمل هذا التفسير الآيات 51 إلى 59

لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى حَالَ الْأَشْقِيَاءِ عَطَفَ بِذِكْرِ [حَالِ] [[زيادة من ت.]] السُّعَدَاءِ -وَلِهَذَا سُمّي الْقُرْآنُ مَثَانِيَ-فَقَالَ: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ﴾ أَيْ: لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا ﴿فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾ أَيْ: فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْجَنَّةُ، قَدْ أَمِنُوا فِيهَا مِنَ الْمَوْتِ وَالْخُرُوجِ، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ وَحُزْنٍ وَجَزَعٍ [[في م: "وجوع".]] وَتَعَبٍ وَنَصَبٍ، وَمِنَ الشَّيْطَانِ وَكَيْدِهِ، وَسَائِرِ الْآفَاتِ وَالْمَصَائِبِ.

﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ وَهَذَا فِي مُقَابَلَةِ مَا أُولَئِكَ فِيهِ مِنْ شَجَرِ [[في ت، م: "شرب".]] الزَّقُّومِ، وَشُرْبِ الْحَمِيمِ.

* *

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ وَهُوَ: رَفِيعُ الْحَرِيرِ، كَالْقُمْصَانِ وَنَحْوِهَا [[في ت: "وغيرها".]] ﴿وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ وَهُوَ مَا فِيهِ بَرِيقٌ وَلَمَعَانٌ وَذَلِكَ كَالرِّيَاشِ، وَمَا يُلْبَسُ عَلَى أَعَالِي الْقُمَاشِ، ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾ أَيْ: عَلَى السُّرُرِ لَا يَجْلِسُ أَحَدٌ مِنْهُمْ وَظَهْرُهُ إِلَى غَيْرِهِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ أَيْ: هَذَا الْعَطَاءُ مَعَ مَا قَدْ مَنَحْنَاهُمْ مِنَ الزَّوْجَاتِ الْحُورِ الْعِينِ الْحِسَانِ اللَّاتِي ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٥٦، ٧٤] ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٥٨] ﴿هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إِلا الإحْسَانُ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٦٠] .

قَالَ [[في ت: "وروى".]] ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا نُوحُ بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ مُزَاحِمٍ الْعَطَّارُ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَنَسٍ -رَفَعَهُ نُوحٌ-قَالَ: لَوْ أَنَّ حَوْرَاءَ بَزَقَت فِي بَحْرٍ لُجِّي، لعَذُبَ ذَلِكَ الْمَاءُ لِعُذُوبَةِ رِيقِهَا [[ورواه أبو نعيم في صفة الجنة برقم (٣٨٦) من وجه آخر، فرواه من طريق محمد بن إسماعيل الحساني، عن منصور الواسطي، عن أبي النصر الأبار، عن أنس مرفوعا بنحوه.]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ أَيْ: مَهْمَا طَلَبُوا مِنْ أَنْوَاعِ الثِّمَارِ أُحْضِرَ لَهُمْ، وَهُمْ آمِنُونَ مِنِ انْقِطَاعِهِ وَامْتِنَاعِهِ، بَلْ يَحْضُرُ إِلَيْهِمْ [[في ت، م، أ: "لهم".]] كُلَّمَا أَرَادُوا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلا الْمَوْتَةَ الأولَى﴾ هَذَا اسْتِثْنَاءٌ يُؤَكِّدُ النَّفْيَ، فَإِنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ وَمَعْنَاهُ: أَنَّهُمْ لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ أَبَدًا، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يُؤْتَى بِالْمَوْتِ فِي صُورَةِ كَبْشٌ أَمْلَحُ، فَيُوقَفُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ثُمَّ يُذْبَحُ، ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فَلَا [[في أ: "بلا".]] مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلَا [[في أ: "بلا".]] مَوْتَ" وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ فِي سُورَةِ مَرْيَمَ [[انظر: تخريج الحديث عند الآية: ٣٩ من سورة مريم.]] .

وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ الْأَغَرِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يُقَالُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ: إِنْ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فَلَا تَسْقَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَعِيشُوا فَلَا تَمُوتُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلَا تَبْأسوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوا فَلَا تَهْرَمُوا أَبَدًا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ وَعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِهِ [[صحيح مسلم برقم (٢٨٣٧) .]] .

هَكَذَا يَقُولُ أَبُو إِسْحَاقَ وَأَهْلُ الْعِرَاقِ "أَبُو مُسْلِمٍ الْأَغَرُّ"، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ يَقُولُونَ: "أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْأَغَرُّ" [[والأول هو الصواب كما بين ذلك الإمام المزي في تهذيب الكمال.]] .

وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَفْصٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَان، عَنِ الْحَجَّاجِ -هُوَ ابْنُ حَجَّاجٍ [[في أ: "الحجاج".]] -عَنْ عُبَادَةَ [[في م، أ: "قتادة".]] ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنِ اتَّقَى اللَّهَ دَخَلَ الْجَنَّةَ، يَنْعَمُ فِيهَا وَلَا يَبْأَسُ، وَيَحْيَا فِيهَا فَلَا يَمُوتُ، لَا تَبْلَى ثِيَابُهُ، وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُ" [[ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٤٨٩٥) "مجمع البحرين" من طريق أحمد بن حفص به.]] .

وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الرَّقِّيُّ، حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ الرَّبِيعِ الْكُوفِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِر، عَنْ جَابِرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: سُئل نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: أَيَنَامُ أَهْلُ الْجَنَّةِ؟ فَقَالَ: "النَّوْمُ أَخُو الْمَوْتِ، وَأَهْلُ الْجَنَّةِ لَا يَنَامُونَ" [[المعجم الأوسط برقم (٤٨٧٥) "مجمع البحرين" وفي إسناده مصعب بن إبراهيم العبسي، منكر الحديث.]] .

وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مُرْدَويه فِي تَفْسِيرِهِ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ صَدَقَةَ الْمِصْرِيُّ، حَدَّثَنَا الْمِقْدَامُ بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمنكَدِر، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "النَّوْمُ أَخُو الْمَوْتِ، وَأَهْلُ الْجَنَّةِ لَا يَنَامُونَ" [[ورواه أبو نعيم في الحلية (٧/٩٠) من طريق أحمد بن القاسم عن المقدام بن داود به، وقال: "غريب من حديث الثوري، تفرد به عبد الله".]] .

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الفِريابي، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ يَنَامُ أَهْلُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: "لَا النَّوْمُ أَخُو الْمَوْتِ" ثُمَّ قَالَ: "لَا نَعْلَمُ أَحَدًا أَسْنَدَهُ عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ إِلَّا الثَّوْرِيَّ، وَلَا عَنِ الثَّوْرِيِّ، إِلَّا الْفِرْيَابِيَّ" [[مسند البزار برقم (٣٥١٧) "كشف الأستار" قال الهيثمي في المجمع (١٠/٤١٥) : "رجال البزار رجال الصحيح".]] هَكَذَا قَالَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ خِلَافُ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ أَيْ: مَعَ هَذَا النَّعِيمِ الْعَظِيمِ الْمُقِيمِ قَدْ وَقَاهُمْ، وَسَلَّمَهُمْ وَنَجَّاهُمْ وَزَحْزَحَهُمْ مِنَ [[في ت: "عن".]] الْعَذَابِ الْأَلِيمِ فِي دَرَكَاتِ الْجَحِيمِ، فَحَصَلَ لَهُمُ المطلوب، ونجاهم من المرهوب؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَضْلا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ أَيْ: إِنَّمَا كَانَ هَذَا [[في ت: "ذلك".]] بِفَضْلِهِ عَلَيْهِمْ وَإِحْسَانِهِ إِلَيْهِمْ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ [[في أ: "الصحيحين".]] عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "اعْمَلُوا وَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ أَحَدًا لَنْ يُدخله عَمَلُهُ الْجَنَّةَ" قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يتغمَّدني اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ" [[صحيح البخاري برقم (٦٤٦٧) من حديث عائشة، رضي الله عنها.]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ أَيْ: إِنَّمَا يَسَّرْنَا هَذَا الْقُرْآنَ الَّذِي أَنْزَلْنَاهُ سَهْلًا وَاضِحًا بَيِّنًا جَلِيًّا بِلِسَانِكَ الَّذِي هُوَ أَفْصَحُ اللُّغَاتِ وَأَجْلَاهَا وَأَحْلَاهَا وَأَعْلَاهَا ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ أَيْ: يَتَفَهَّمُونَ وَيَعْمَلُونَ. ثُمَّ لَمَّا كَانَ مَعَ هَذَا الْبَيَانِ وَالْوُضُوحِ مِنَ النَّاسِ مَنْ كَفَرَ وَخَالَفَ وَعَانَدَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ مُسَلِّيًا لَهُ وَوَاعِدًا لَهُ بِالنَّصْرِ، وَمُتَوَعِّدًا لِمَنْ كَذَّبَهُ بِالْعَطَبِ وَالْهَلَاكِ: ﴿فَارْتَقِبْ﴾ أَيِ: انْتَظِرْ ﴿إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ﴾ أَيْ: فَسَيَعْلَمُونَ [[في م: "فستعلمون".]] لِمَنْ يَكُونُ النَّصْرُ وَالظَّفَرُ وعُلُو الْكَلِمَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَإِنَّهَا لَكَ يَا مُحَمَّدُ وَلِإِخْوَانِكَ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ وَمَنِ اتَّبَعَكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الْمُجَادَلَةِ: ٢١] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غَافِرٍ: ٥١، ٥٢] .

آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ الدُّخَانِ، ولله الحمد والمنة، وبه التوفيق والعصمة

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

يشمل هذا التفسير الآيات 58 إلى 59

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (٥٩) ﴾

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: فإنما سهَّلنا قراءة هذا القرآن الذي أنزلناه إليك يا محمد بلسانك، ليتذكر هؤلاء المشركون الذين أرسلناك إليهم بعبره وحُججه، ويتَّعظوا بعظاته، ويتفكَّروا في آياته إذا أنت تتلوه عليهم، فينيبوا إلى طاعة ربهم، ويذعنوا للحقّ عند تبينهموه.

كما:-

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ : أي هذا القرآن ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ .

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ قال: القرآن، ويسَّرناه: أطلق به لسانه.

* *

وقوله ﴿فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ﴾

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: فانتظر أنت يا محمد الفتح من ربك، والنصر على هؤلاء المشركين بالله من قومك من قريش، إنهم منتظرون عند أنفسهم قهرك وغلبتك بصدّهم عما أتيتهم به من الحق من أراد قبوله واتباعك عليه.

وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله ﴿فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ﴾ قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ﴾ : أي فانتظر إنهم منتظرون.

آخر تفسير سورة الدخان