سورة الذاريات، الآية 26
الجزء 26، الصفحة 521.
فَرَاغَ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦ فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ ﴿٢٦﴾
الآية في سياق السورةاستمع إلى سورة الذاريات
تفسير الآية
التفسير الميسر
يشمل هذا التفسير الآيات 26 إلى 28
فعَدَلَ ومال خفية إلى أهله، فعمد إلى عجل سمين فذبحه، وشواه بالنار، ثم وضعه أمامهم، وتلطَّف في دعوتهم إلى الطعام قائلًا: ألا تأكلون؟ فلما رآهم لا يأكلون أحسَّ في نفسه خوفًا منهم، قالوا له: لا تَخَفْ إنا رسل الله، وبشَّروه بأن زوجته «سارَةَ» ستلد له ولدًا، سيكون من أهل العلم بالله وبدينه، وهو إسحاق عليه السلام.
تفسير السعدي
يشمل هذا التفسير الآيات 24 إلى 37
الآية 24: يقول تعالى: {هل أتاك}؛ أي: أما جاءك؟ {حديثُ ضيفِ إبراهيمَ المُكۡرَمينَ}: ونبأهُم الغريب العجيب، وهم الملائكة الذين أرسلهم الله لإهلاك قوم لوطٍ، وأمرهم بالمرور على إبراهيم، فجاؤوه في صورة أضياف.
الآية 25:{إذۡ دَخَلوا عليه فقالوا سلاماً قال}: مجيباً لهم: {سلامٌ}؛ أي: عليكم، {قومٌ منكَرون}؛ أي: أنتم قوم منكَرون، فأحبُّ أن تعرِّفوني بأنفسكم، ولم يعرفهم إلاَّ بعد ذلك.
الآية 26: ولهذا راغ {إلى أهلِهِ}؛ أي: ذهب سريعاً في خفيةٍ ليحضر لهم قِراهم، {فجاء بعجلٍ سمينٍ}.
الآية 27:{فقرَّبه إليهم}: وعرض عليهم الأكل، فَـ {قَالَ ألا تأكُلونَ}؟
الآية 28:{فأوجسَ منهم خيفةً}: حين رأى أيديهم لا تصلُ إليه، {قالوا لا تخفۡ}: وأخبروه بما جاؤوا له، {وبشَّروه بغلام عليم}: وهو إسحاق عليه السلام.
الآية 29: فلمَّا سمعت المرأةُ البشارةَ؛ {أقبلتۡ}: فرحةً مستبشرةً {في صَرَّةٍ}؛ أي: صيحة، {فصكَّتۡ وجهها}: وهذا من جنس ما يجري للنساء عند السرور ونحوه من الأقوال والأفعال المخالفة للطبيعة والعادة، {وقالتۡ عجوزٌ عقيمٌ}؛ أي: أنَّى لي الولد وأنا عجوزٌ قد بلغتُ من السنِّ ما لا تلد معه النساء! ومع ذلك؛ فأنا عقيمٌ غير صالح رحمي للولادة أصلاً؛ فثمَّ مانعان، كلٌّ منهما مانعٌ من الولد، وقد ذكرت المانع الثالث في سورة هودٍ في قولها:{وهذا بعلي شيخاً إنَّ هذا لشيءٌ عجيبٌ}.
الآية 30:{قالوا كذلِكِ قال رَبُّكِ}؛ أي: الله الذي قدَّر ذلك وأمضاه؛ فلا عجب في قدرة الله [تعالى]، {إنَّه هو الحكيم العليم}؛ أي: الذي يضع الأشياء مواضعها، وقد وسعَ كلَّ شيء علماً، فسلِّموا لحكمه، واشكروه على نعمته.
الآية 31:{قال فما خطبُكم أيُّها المرسلونَ} ؛ أي: قال لهم إبراهيم عليه السلام: ما شأنُكم أيُّها المرسلون؟! وماذا تريدون؟! لأنَّه استشعر أنهم رسلٌ أرسلهم الله لبعض الشؤون المهمَّة.
الآية 32:{قالوا إنَّا أرۡسِلۡنا إلى قوم مجرمينَ}: وهم قومُ لوطٍ، قد أجرموا بإشراكهم بالله وتكذيبهم لرسولهم وإتيانهم الفاحشة التي لم يَسْبِقْهم إليها أحدٌ من العالمين.
{33 ـ 34}{لنرسلَ عليهم حجارةً من طينٍ. مسوَّمةً عند ربِّكَ للمسرفينَ}؛ أي: معلَّمة على كلِّ حجرٍ اسم صاحبه؛ لأنَّهم أسرفوا وتجاوزوا الحدَّ. فجعل إبراهيمُ يجادِلُهم في قوم لوطٍ، لعلَّ الله يدفعُ عنهم العذاب، فقيل له:{يا إبراهيمُ أعۡرِضۡ عن هذا إنَّه قد جاء أمرُ رَبِّك وإنَّهم آتيهم عذابٌ غيرُ مردودٍ}.
{35 ـ 36}{فأخۡرَجۡنا من كان فيها من المؤمنينَ. فما وَجَدۡنا فيها غيرَ بيتٍ من المسلمين}: وهم بيتُ لوطٍ عليه السلام؛ إلاَّ امرأتَه؛ فإنَّها من المهلكين.
الآية 37:{وتركۡنا فيها آيةً للذين يخافون العذابَ الأليمَ}: يعتبرون بها ويعلمون أنَّ الله شديدُ العقاب، وأنَّ رسلَه صادقون مصدوقون.
فصل في ذكر بعض ما تضمَّنته هذه القصةُ من الحِكَم والأحكام منها: أنَّ من الحكمة قصَّ الله على عباده نبأ الأخيار والفجَّار؛ ليعتبروا بهم ، وأين وصلت بهم الأحوال. ومنها: فضيلة إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام؛ حيث ابتدأ الله قصَّته بما يدلُّ على الاهتمام بشأنها والاعتناء بها. ومنها: مشروعيَّة الضيافة، وأنَّها من سنن إبراهيم الخليل، الذي أمر الله محمداً وأمته أن يتَّبعوا ملَّته، وساقها الله في هذا الموضع على وجه المدح والثناء. ومنها: أنَّ الضَّيف يُكْرَمُ بأنواع الإكرام؛ بالقول والفعل؛ لأنَّ الله وصف أضياف إبراهيم بأنَّهم مكرمون؛ أي: أكرمهم إبراهيم، ووصفَ الله ما صنع بهم من الضيافة قولاً وفعلاً، ومكرمون أيضاً عند الله [تعالى]. ومنها: أنَّ إبراهيم عليه السلام قد كان بيته مأوىً للطارقين والأضياف؛ لأنَّهم دخلوا عليه من غير استئذانٍ، وإنَّما سلكوا طريق الأدب في ابتداء السلام، فردَّ عليهم إبراهيم سلاماً أكملَ من سلامهم وأتمَّ؛ لأنَّه أتى به جملة اسميَّة دالَّة على الثُّبوت والاستقرار. ومنها: مشروعيَّة تعرُّف من جاء إلى الإنسان أو صار له فيه نوعُ اتِّصال؛ لأنَّ في ذلك فوائد كثيرة. ومنها: أدب إبراهيم ولطفه في الكلام؛ حيث قال:{قومٌ منكرون}، ولم يقل: أنكرتكم، وبين اللفظين من الفرق ما لا يخفى. ومنها: المبادرة إلى الضيافة والإسراع بها؛ لأن خير البرِّ عاجِلُه، ولهذا بادر إبراهيم بإحضار قِرى أضيافه. ومنها: أنَّ الذَّبيحة الحاضرة التي قد أعدَّت لغير الضيف الحاضر إذا جعلت له ليس فيها أقل إهانةٍ، بل ذلك من الإكرام؛ كما فعل إبراهيم عليه السلام، وأخبر الله أنَّ ضيفه مكرمون. ومنها: ما منَّ الله به على خليله إبراهيم من الكرم الكثير، وكون ذلك حاضراً لديه وفي بيته معدًّا لا يحتاج إلى أن يأتي به من السوق أو الجيران أو غير ذلك. ومنها: أنَّ إبراهيم هو الذي خدم أضيافه، وهو خليل الرحمن وسيِّد من ضيَّف الضيفان. ومنها: أنَّه قرَّبه إليهم في المكان الذي هم فيه، فلم يجْعله في موضع ويقولُ لهم تفضَّلوا أو ائتوا عليه؛ لأنَّ هذا أيسر وأحسن. ومنها: حسن ملاطفة الضيف في الكلام الليِّن، خصوصاً عند تقديم الطعام إليه؛ فإنَّ إبراهيم عرض عليهم عرضاً لطيفاً، فقال:{ألا تأكلونَ}، ولم يقل: كلوا! ونحوه من الألفاظ التي غيرها أولى منها، بل أتى بأداة العرض، فقال:{ألا تأكلونَ}؛ فينبغي للمقتدي به أنْ يستعملَ من الألفاظ الحسنة ما هو المناسب واللائق بالحال؛ كقوله لأضيافه: ألا تأكلون؟ أو: ألا تتفضَّلون؟ أو تشرِّفوننا وتحسنون إلينا ... ونحو ذلك. ومنها: أنَّ من خاف من أحدٍ لسبب من الأسباب؛ فإنَّ عليه أن يزيل عنه الخوف، ويذكر له ما يؤمِّن روعه ويسكِّن جأشه؛ كما قالت الملائكة لإبراهيم لمَّا خافهم:{لا تخفۡ}، وأخبروه بتلك البشارة السارَّة بعد الخوف منهم. ومنها: شدَّة فرح سارة امرأة إبراهيم، حتى جرى منها ما جرى من صكِّ وجهها وصرَّتها غير المعهودة. ومنها: ما أكرم الله به إبراهيم وزوجته سارة من البشارة بغلام عليم.
تفسير الجلالين
﴿فَراغَ﴾ مالَ ﴿إلى أهْله﴾ سِرًّا ﴿فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِين﴾ وفِي سُورَة هُود ﴿بِعِجْلٍ حَنِيذ﴾ أيْ مَشْوِيّ
تفسير ابن كثير
يشمل هذا التفسير الآيات 24 إلى 30
هَذِهِ الْقِصَّةُ قَدْ تَقَدَّمَتْ فِي سُورَةِ "هُودٍ" وَ "الْحِجْرِ" [[تقدم تفسير ذلك في سورة هود عند الآيات: ٦٩- ٧٣ وكذلك في سورة الحجر عند الآيات: ٥١- ٥٦.]] أَيْضًا. وَقَوْلُهُ: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ أَيِ: الَّذِينَ أَرْصَدَ لَهُمُ الْكَرَامَةَ. وَقَدْ ذَهَبَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى وُجُوبِ الضِّيَافَةِ لِلنَّزِيلِ، وَقَدْ وَرَدَتِ السُّنَّةُ بِذَلِكَ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ التَّنْزِيلِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿قَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ﴾ : الرَّفْعُ أَقْوَى وَأَثْبَتُ مِنَ النَّصْبِ، فَرَدُّهُ أَفْضَلُ مِنَ التَّسْلِيمِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النِّسَاءِ: ٨٦] ، فَالْخَلِيلُ اخْتَارَ الْأَفْضَلُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ : وَذَلِكَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ وَهُمْ: جِبْرِيلُ وَإِسْرَافِيلُ وَمِيكَائِيلُ قَدِمُوا عَلَيْهِ فِي صُوَرِ شُبَّانٍ حِسَانٍ عَلَيْهِمْ مَهَابَةٌ عَظِيمَةٌ؛ وَلِهَذَا قال: ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ﴾ أَيِ: انْسَلَّ خُفْيَةً فِي سُرْعَةٍ، ﴿فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ أَيْ: مِنْ خِيَارِ مَالِهِ. وَفِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هُودٍ: ٦٩] أَيْ: مَشْوِيٌّ عَلَى الرَّضف، ﴿فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ﴾ أَيْ: أَدْنَاهُ مِنْهُمْ، ﴿قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ﴾ : تَلَطُّفٌ فِي الْعِبَارَةِ وَعَرْضٌ حَسَنٌ.
وَهَذِهِ الْآيَةُ انْتَظَمَتْ آدَابَ الضِّيَافَةِ؛ فَإِنَّهُ جَاءَ بِطَعَامِهِ [[في م: "بطعام".]] مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ بِسُرْعَةٍ، وَلَمْ يَمْتَنَّ عَلَيْهِمْ أَوَّلًا فَقَالَ: "نَأْتِيكُمْ بِطَعَامٍ؟ " بَلْ جَاءَ بِهِ بِسُرْعَةٍ [[في أ: "في سرعة".]] وَخَفَاءٍ، وَأَتَى بِأَفْضَلِ مَا وَجَدَ مِنْ مَالِهِ، وَهُوَ عِجْلٌ فَتِيٌّ سَمِينٌ مَشْوِيٌّ، فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ، لَمْ يَضَعْهُ، وَقَالَ: اقْتَرِبُوا، بَلْ وَضَعَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ أَمْرًا يَشُقُّ عَلَى سَامِعِهِ بِصِيغَةِ الْجَزْمِ، بَلْ قَالَ: ﴿أَلا تَأْكُلُونَ﴾ عَلَى سَبِيلِ الْعَرْضِ وَالتَّلَطُّفِ، كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ الْيَوْمَ: إِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَتَفَضَّلَ وَتُحْسِنَ وَتَتَصَدَّقَ، فَافْعَلْ [[وقد توسع الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه "جلاء الأفهام" (ص١٨١- ١٨٤) في الكلام على آداب الضيافة في هذه الآيات.]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ : هَذَا مُحَالٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْقِصَّةِ فِي السُّورَةِ الْأُخْرَى، وَهُوَ [[في م: "وهي".]] قَوْلُهُ: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ [هُودٍ: ٧٠، ٧١] أَيِ: اسْتَبْشَرَتْ بِهَلَاكِهِمْ؛ لِتَمَرُّدِهِمْ وَعُتُوِّهِمْ عَلَى اللَّهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ بَشَّرَتْهَا الْمَلَائِكَةُ بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ. ﴿قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هُودٍ ٧٢، ٧٣] ؛ وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ ، فَالْبِشَارَةُ لَهُ هِيَ بِشَارَةٌ لَهَا؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ مِنْهُمَا، فَكُلٌّ مِنْهُمَا بُشِّرَ بِهِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ﴾ أَيْ: فِي صَرْخَةٍ عَظِيمَةٍ [[في م، أ: "وعيطة".]] وَرَنَّةٍ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَأَبُو صَالِحٍ، وَالضَّحَّاكُ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَالثَّوْرِيُّ وَالسُّدِّيُّ وَهِيَ قَوْلُهَا: ﴿يَا وَيْلَتَا﴾ ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾ [[في م: "وصكت".]] أَيْ: ضَرَبَتْ بِيَدِهَا عَلَى جَبِينِهَا، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَابْنُ [[في م: "وأبو".]] سَابِطٍ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَطَمَتْ، أَيْ تَعَجُّبًا كَمَا تَتَعَجَّبُ [[في م: "يتعجب".]] النِّسَاءُ مِنَ الْأَمْرِ الْغَرِيبِ، ﴿وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ أَيْ: كَيْفَ أَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ [عَقِيمٌ] [[زيادة من أ.]] ، وَقَدْ كنتُ فِي حَالِ الصِّبَا عَقِيمًا لَا أَحْبَلُ؟.
﴿قَالُوا كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [[في م: "العليم الحكيم" وهو خطأ.]] أَيْ: عَلِيمٌ بِمَا تَسْتَحِقُّونَ مِنَ الْكَرَامَةِ، حَكِيمٌ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ.
تفسير الطبري
يشمل هذا التفسير الآيات 24 إلى 26
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) ﴾
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ، يخبره أنه محلّ بمن تمادى في غيه، وأصرّ على كفره، فلم يتب منه من كفار قومه، ما أحلّ بمن قبلهم من الأمم الخالية، ومذكرا قومه من قريش بإخباره إياهم أخبارهم وقصصهم، وما فعل بهم، هل أتاك يا محمد حديث ضيف إبراهيم خليل الرحمن المكرمين.
يعني بقوله ﴿الْمُكْرَمِينَ﴾ أن إبراهيم عليه السلام وسارة خدماهم بأنفسهما.
وقيل: إنما قيل ﴿الْمُكْرَمِينَ﴾
كما:-
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ قال: أكرمهم إبراهيم، وأمر أهله لهم بالعجل حينئذ.
* *
وقوله ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾
يقول: حين دخل ضيف إبراهيم عليه، فقالوا له سلاما: أي أسلموا إسلاما، قال سلام.
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة، قال ﴿سَلامٌ﴾ بالألف بمعنى قال: إبراهيم لهم سلام عليكم. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة ﴿سِلْمٌ﴾ بغير ألف، بمعنى، قال: أنتم سلم.
* *
وقوله ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾
يقول: قوم لا نعرفكم، ورفع "قوم منكرون" بإضمار أنتم.
* *
وقوله ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ﴾
يقول: عدل إلى أهله ورجع. وكان الفرّاء يقول: الروغ وإن كان على هذا المعنى فإنه لا ينطق به حتى يكون صاحبه مخفيا ذهابه أو مجيئه، وقال: ألا ترى أنك تقول قد راغ أهل مكة وأنت تريد رجعوا أو صدروا، فلو أخفى راجع رجوعه حسنت فيه راغ ويروغ.
* *
وقوله ﴿فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾
يقول: فجاء ضيفَه بعجل سمين قد أنضجه شيًا.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ قال: كان عامة مال نبيّ الله إبراهيم عليه السلام البقر.