سورة القرآن surah-quran.com

سورة الذاريات

سورة الذاريات، الآية 31

الجزء 27، الصفحة 522.

۞ قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ ﴿٣١﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

يشمل هذا التفسير الآيات 31 إلى 34

قال إبراهيم عليه السلام لملائكة الله: ما شأنكم وفيم أُرسلتم؟ قالوا: إن الله أرسلنا إلى قوم قد أجرموا لكفرهم بالله؛ لنهلكهم بحجارة من طين متحجِّر، معلَّمة عند ربك لهؤلاء المتجاوزين الحدَّ في الفجور والعصيان.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 24 إلى 37

الآية 24: يقول تعالى: {هل أتاك}؛ أي: أما جاءك؟ {حديثُ ضيفِ إبراهيمَ المُكۡرَمينَ}: ونبأهُم الغريب العجيب، وهم الملائكة الذين أرسلهم الله لإهلاك قوم لوطٍ، وأمرهم بالمرور على إبراهيم، فجاؤوه في صورة أضياف.

الآية 25:{إذۡ دَخَلوا عليه فقالوا سلاماً قال}: مجيباً لهم: {سلامٌ}؛ أي: عليكم، {قومٌ منكَرون}؛ أي: أنتم قوم منكَرون، فأحبُّ أن تعرِّفوني بأنفسكم، ولم يعرفهم إلاَّ بعد ذلك.

الآية 26: ولهذا راغ {إلى أهلِهِ}؛ أي: ذهب سريعاً في خفيةٍ ليحضر لهم قِراهم، {فجاء بعجلٍ سمينٍ}.

الآية 27:{فقرَّبه إليهم}: وعرض عليهم الأكل، فَـ {قَالَ ألا تأكُلونَ}؟

الآية 28:{فأوجسَ منهم خيفةً}: حين رأى أيديهم لا تصلُ إليه، {قالوا لا تخفۡ}: وأخبروه بما جاؤوا له، {وبشَّروه بغلام عليم}: وهو إسحاق عليه السلام.

الآية 29: فلمَّا سمعت المرأةُ البشارةَ؛ {أقبلتۡ}: فرحةً مستبشرةً {في صَرَّةٍ}؛ أي: صيحة، {فصكَّتۡ وجهها}: وهذا من جنس ما يجري للنساء عند السرور ونحوه من الأقوال والأفعال المخالفة للطبيعة والعادة، {وقالتۡ عجوزٌ عقيمٌ}؛ أي: أنَّى لي الولد وأنا عجوزٌ قد بلغتُ من السنِّ ما لا تلد معه النساء! ومع ذلك؛ فأنا عقيمٌ غير صالح رحمي للولادة أصلاً؛ فثمَّ مانعان، كلٌّ منهما مانعٌ من الولد، وقد ذكرت المانع الثالث في سورة هودٍ في قولها:{وهذا بعلي شيخاً إنَّ هذا لشيءٌ عجيبٌ}.

الآية 30:{قالوا كذلِكِ قال رَبُّكِ}؛ أي: الله الذي قدَّر ذلك وأمضاه؛ فلا عجب في قدرة الله [تعالى]، {إنَّه هو الحكيم العليم}؛ أي: الذي يضع الأشياء مواضعها، وقد وسعَ كلَّ شيء علماً، فسلِّموا لحكمه، واشكروه على نعمته.

الآية 31:{قال فما خطبُكم أيُّها المرسلونَ} ؛ أي: قال لهم إبراهيم عليه السلام: ما شأنُكم أيُّها المرسلون؟! وماذا تريدون؟! لأنَّه استشعر أنهم رسلٌ أرسلهم الله لبعض الشؤون المهمَّة.

الآية 32:{قالوا إنَّا أرۡسِلۡنا إلى قوم مجرمينَ}: وهم قومُ لوطٍ، قد أجرموا بإشراكهم بالله وتكذيبهم لرسولهم وإتيانهم الفاحشة التي لم يَسْبِقْهم إليها أحدٌ من العالمين.

{33 ـ 34}{لنرسلَ عليهم حجارةً من طينٍ. مسوَّمةً عند ربِّكَ للمسرفينَ}؛ أي: معلَّمة على كلِّ حجرٍ اسم صاحبه؛ لأنَّهم أسرفوا وتجاوزوا الحدَّ. فجعل إبراهيمُ يجادِلُهم في قوم لوطٍ، لعلَّ الله يدفعُ عنهم العذاب، فقيل له:{يا إبراهيمُ أعۡرِضۡ عن هذا إنَّه قد جاء أمرُ رَبِّك وإنَّهم آتيهم عذابٌ غيرُ مردودٍ}.

{35 ـ 36}{فأخۡرَجۡنا من كان فيها من المؤمنينَ. فما وَجَدۡنا فيها غيرَ بيتٍ من المسلمين}: وهم بيتُ لوطٍ عليه السلام؛ إلاَّ امرأتَه؛ فإنَّها من المهلكين.

الآية 37:{وتركۡنا فيها آيةً للذين يخافون العذابَ الأليمَ}: يعتبرون بها ويعلمون أنَّ الله شديدُ العقاب، وأنَّ رسلَه صادقون مصدوقون.

فصل في ذكر بعض ما تضمَّنته هذه القصةُ من الحِكَم والأحكام منها: أنَّ من الحكمة قصَّ الله على عباده نبأ الأخيار والفجَّار؛ ليعتبروا بهم ، وأين وصلت بهم الأحوال. ومنها: فضيلة إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام؛ حيث ابتدأ الله قصَّته بما يدلُّ على الاهتمام بشأنها والاعتناء بها. ومنها: مشروعيَّة الضيافة، وأنَّها من سنن إبراهيم الخليل، الذي أمر الله محمداً وأمته أن يتَّبعوا ملَّته، وساقها الله في هذا الموضع على وجه المدح والثناء. ومنها: أنَّ الضَّيف يُكْرَمُ بأنواع الإكرام؛ بالقول والفعل؛ لأنَّ الله وصف أضياف إبراهيم بأنَّهم مكرمون؛ أي: أكرمهم إبراهيم، ووصفَ الله ما صنع بهم من الضيافة قولاً وفعلاً، ومكرمون أيضاً عند الله [تعالى]. ومنها: أنَّ إبراهيم عليه السلام قد كان بيته مأوىً للطارقين والأضياف؛ لأنَّهم دخلوا عليه من غير استئذانٍ، وإنَّما سلكوا طريق الأدب في ابتداء السلام، فردَّ عليهم إبراهيم سلاماً أكملَ من سلامهم وأتمَّ؛ لأنَّه أتى به جملة اسميَّة دالَّة على الثُّبوت والاستقرار. ومنها: مشروعيَّة تعرُّف من جاء إلى الإنسان أو صار له فيه نوعُ اتِّصال؛ لأنَّ في ذلك فوائد كثيرة. ومنها: أدب إبراهيم ولطفه في الكلام؛ حيث قال:{قومٌ منكرون}، ولم يقل: أنكرتكم، وبين اللفظين من الفرق ما لا يخفى. ومنها: المبادرة إلى الضيافة والإسراع بها؛ لأن خير البرِّ عاجِلُه، ولهذا بادر إبراهيم بإحضار قِرى أضيافه. ومنها: أنَّ الذَّبيحة الحاضرة التي قد أعدَّت لغير الضيف الحاضر إذا جعلت له ليس فيها أقل إهانةٍ، بل ذلك من الإكرام؛ كما فعل إبراهيم عليه السلام، وأخبر الله أنَّ ضيفه مكرمون. ومنها: ما منَّ الله به على خليله إبراهيم من الكرم الكثير، وكون ذلك حاضراً لديه وفي بيته معدًّا لا يحتاج إلى أن يأتي به من السوق أو الجيران أو غير ذلك. ومنها: أنَّ إبراهيم هو الذي خدم أضيافه، وهو خليل الرحمن وسيِّد من ضيَّف الضيفان. ومنها: أنَّه قرَّبه إليهم في المكان الذي هم فيه، فلم يجْعله في موضع ويقولُ لهم تفضَّلوا أو ائتوا عليه؛ لأنَّ هذا أيسر وأحسن. ومنها: حسن ملاطفة الضيف في الكلام الليِّن، خصوصاً عند تقديم الطعام إليه؛ فإنَّ إبراهيم عرض عليهم عرضاً لطيفاً، فقال:{ألا تأكلونَ}، ولم يقل: كلوا! ونحوه من الألفاظ التي غيرها أولى منها، بل أتى بأداة العرض، فقال:{ألا تأكلونَ}؛ فينبغي للمقتدي به أنْ يستعملَ من الألفاظ الحسنة ما هو المناسب واللائق بالحال؛ كقوله لأضيافه: ألا تأكلون؟ أو: ألا تتفضَّلون؟ أو تشرِّفوننا وتحسنون إلينا ... ونحو ذلك. ومنها: أنَّ من خاف من أحدٍ لسبب من الأسباب؛ فإنَّ عليه أن يزيل عنه الخوف، ويذكر له ما يؤمِّن روعه ويسكِّن جأشه؛ كما قالت الملائكة لإبراهيم لمَّا خافهم:{لا تخفۡ}، وأخبروه بتلك البشارة السارَّة بعد الخوف منهم. ومنها: شدَّة فرح سارة امرأة إبراهيم، حتى جرى منها ما جرى من صكِّ وجهها وصرَّتها غير المعهودة. ومنها: ما أكرم الله به إبراهيم وزوجته سارة من البشارة بغلام عليم.

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿قالَ فَما خَطْبكُمْ﴾ شَأْنكُمْ

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يشمل هذا التفسير الآيات 31 إلى 37

قَالَ اللَّهُ مُخْبِرًا عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ [هُودٍ: ٧٤ -٧٦] .

وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ أَيْ: مَا شَأْنُكُمْ وَفِيمَ جِئْتُمْ؟.

﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ يَعْنُونَ قَوْمَ لُوطٍ.

﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ مُسَوَّمَةً﴾ أَيْ: مُعَلَّمَةً ﴿عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ أَيْ: مُكْتَتَبَةٌ عِنْدَهُ بِأَسْمَائِهِمْ، كُلُّ حَجَرٍ عَلَيْهِ اسْمُ صَاحِبِهِ، فَقَالَ فِي سُورَةِ الْعَنْكَبُوتِ: ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ٣٢] .وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ، وَهُمْ لُوطٌ وَأَهْلُ بَيْتِهِ إِلَّا امْرَأَتَهُ.

﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ احْتَجَّ بِهَذِهِ [الْآيَةِ] [[زيادة من م.]] مَنْ ذَهَبَ إِلَى رَأْيِ الْمُعْتَزِلَةِ، مِمَّنْ لَا يُفَرِّقُ بَيْنُ مُسَمَّى الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ أَطْلَقَ عَلَيْهِمُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ. وَهَذَا الِاسْتِدْلَالُ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ كَانُوا قَوْمًا مُؤْمِنِينَ، وَعِنْدَنَا أَنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ مُسْلِمٍ لَا يَنْعَكِسُ، فَاتَّفَقَ الِاسْمَانِ هَاهُنَا لِخُصُوصِيَّةِ الْحَالِ، وَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ فِي كُلِّ حَالٍ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الألِيمَ﴾ أَيْ: جَعَلْنَاهَا عِبْرَةً، لِمَا أَنْزَلْنَا بِهِمْ مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ وَحِجَارَةِ السِّجِّيلِ، وَجَعَلْنَا [[في م، أ: "وجعل".]] مَحَلَّتَهُمْ بُحَيْرَةً مُنْتِنَةً خَبِيثَةً، فَفِي ذَلِكَ عِبْرَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، ﴿لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الألِيمَ﴾

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

يشمل هذا التفسير الآيات 30 إلى 32

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالُوا كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٣٠) قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٣١) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢) ﴾

يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل ضيف إبراهيم لزوجته إذ قالت لهم، وقد بشروها بغلام عليم: أتلد عجوز عقيم ﴿قَالُوا كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ﴾ يقول: هكذا قال ربك: أي كما أخبرناك وقلنا لك ﴿إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ والهاء في قوله: ﴿إِنَّهُ﴾ من ذكر الرب، هو الحكيم في تدبيره خلقه، العليم بمصالحهم، وبما كان، وبما هو كائن.

* *

وقوله ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾

يقول: قال إبراهيم لضيفه: فما شأنكم أيها المرسلون ﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ قد أجرموا لكفرهم بالله.