سورة الأحقاف، الآية 27
الجزء 26، الصفحة 505.
وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُم مِّنَ ٱلْقُرَىٰ وَصَرَّفْنَا ٱلْـَٔايَـٰتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴿٢٧﴾
الآية في سياق السورةاستمع إلى سورة الأحقاف
تفسير الآية
التفسير الميسر
ولقد أهلكنا ما حولكم يا أهل «مكة» من القرى كعاد وثمود، فجعلناها خاوية على عروشها، وبيَّنّا لهم أنواع الحجج والدلالات؛ لعلهم يرجعون عما كانوا عليه من الكفر بالله وآياته.
تفسير السعدي
يشمل هذا التفسير الآيات 27 إلى 28
{27 ـ 28} يحذِّر تعالى مشركي العرب وغيرهم بإهلاك الأمم المكذِّبين الذين هم حول ديارهم، بل كثيرٌ منهم في جزيرة العرب؛ كعادٍ وثمودَ ونحوهم، وأنَّ الله تعالى صَرَّفَ لهم {الآياتِ}؛ أي: نوَّعها من كل وجه، {لعلهم يرجِعونَ}: عمَّا هم عليه من الكفر والتكذيب، فلمَّا لم يؤمنوا؛ أخذهم اللهُ أخذَ عزيزٍ مقتدرٍ، ولم تنفعْهم آلهتُهم التي يَدْعون من دون الله من شيءٍ، ولهذا قال هنا:{فلولا نَصَرَهُم الذين اتَّخذوا من دون الله قُرباناً آلهةً}؛ أي: يتقرَّبون إليهم ويتألَّهونهم لرجاء نفعهم. {بل ضلُّوا عنهم}: فلم يُجيبوهم ولا دَفَعوا عنهم، {وذلك إفۡكُهُمۡ وما كانوا يفترونَ}: من الكذب الذي يُمَنُّون به أنفسَهم؛ حيث يزعُمون أنَّهم على الحقِّ، وأنَّ أعمالهم ستنفعُهم، فضلَّت وبطلت.
تفسير الجلالين
﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا ما حَوْلكُمْ مِنَ القُرى﴾ أيْ مِن أهْلها كَثَمُودِ وعادٍ وقَوْم لُوط ﴿وصَرَّفْنا الآيات﴾ كَرَّرْنا الحُجَج البَيِّنات
تفسير ابن كثير
يشمل هذا التفسير الآيات 26 إلى 28
يَقُولُ تَعَالَى: وَلَقَدْ مَكَّنَّا الْأُمَمَ السَّالِفَةَ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ، وَأَعْطَيْنَاهُمْ مِنْهَا [[في ت: "فيها".]] مَا لَمْ نُعْطِكُمْ مِثْلَهُ وَلَا قَرِيبًا مِنْهُ، ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أَيْ: وَأَحَاطَ بِهِمُ الْعَذَابُ وَالنَّكَالُ الَّذِي كَانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ وَيَسْتَبْعِدُونَ وُقُوعَهُ، أَيْ: فَاحْذَرُوا أَيُّهَا الْمُخَاطَبُونَ أَنْ تَكُونُوا مِثْلَهُمْ، فَيُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ مِنَ الْعَذَابِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى﴾ يَعْنِي: أَهْلَ مَكَّةَ، قَدْ أَهْلَكَ اللَّهُ الْأُمَمَ الْمُكَذِّبَةَ بِالرُّسُلِ مِمَّا حَوْلَهَا كَعَادٍ، وَكَانُوا بِالْأَحْقَافِ بِحَضْرَمَوْتَ عِنْدَ الْيَمَنِ وَثَمُودَ، وَكَانَتْ مَنَازِلُهُمْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الشَّامِ، وَكَذَلِكَ سَبَأٌ وَهُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ، وَمَدْيَنُ وَكَانَتْ فِي طَرِيقِهِمْ وَمَمَرِّهِمْ إِلَى غَزَّةَ، وَكَذَلِكَ بُحَيْرَةُ قَوْمِ لُوطٍ، كَانُوا يَمُرُّونَ بِهَا أَيْضًا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَصَرَّفْنَا الآيَاتِ﴾ أَيْ: بَيَّنَّاهَا وَوَضَّحْنَاهَا، ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَة﴾ أَيْ: فَهَلَّا نَصَرُوهُمْ عِنْدَ احْتِيَاجِهِمْ إِلَيْهِمْ، ﴿بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ﴾ أَيْ: بَلْ ذَهَبُوا عَنْهُمْ أَحْوَجَ مَا كَانُوا إِلَيْهِمْ، ﴿وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ﴾ أَيْ: كَذِبُهُمْ، ﴿وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أَيْ: وَافْتِرَاؤُهُمْ فِي اتِّخَاذِهِمْ إِيَّاهُمْ آلِهَةً، وَقَدْ خَابُوا وَخَسِرُوا في عبادتهم لها، واعتمادهم عليها.
تفسير الطبري
يشمل هذا التفسير الآيات 27 إلى 28
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧) فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨) ﴾
يقول تعالى ذكره لكفار قريش محذّرهم بأسه وسطوته، أن يحلّ بهم على كفرهم ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا﴾ أيها القوم من القُرَى ما حول قريتكم، كحجر ثمود وأرض سدوم ومأرب ونحوها، فأنذرنا أهلها بالمَثُلات، وخرّبنا ديارها، فجعلناها خاوية على عروشها.
* *
وقوله: ﴿وَصَرَّفْنَا الآيَاتِ﴾
يقول: ووعظناهم بأنواع العظات، وذكرناهم بضروب من الذِّكْر والحجج، وبيَّنا لهم ذلك.
كما:-
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَصَرَّفْنَا الآيَاتِ﴾ قال بيَّناها ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ يقول ليرجعوا عما كانوا عليه مقيمين من الكفر بالله وآياته. وفي الكلام متروك ترك ذكره استغناء بدلالة الكلام عليه، وهو: فأبوا إلا الإقامة على كفرهم، والتمادي في غيهم، فأهلكناهم، فلن ينصرهم منا ناصر؛ يقول جلّ ثناؤه: فلولا نصر هؤلاء الذين أهلكناهم من الأمم الخالية قبلهم أوثانهم وآلهتهم التي اتخذوا عبادتها قربانا يتقرّبون بها فيما زعموا إلى ربهم منا إذ جاءهم بأسنا، فتنقذهم من عذابنا إن كانت تشفع لهم عند ربهم كما يزعمون.
وهذا احتجاج من الله لنبيه محمد ﷺ على مُشركي قومه، يقول لهم: لو كانت آلهتكم التي تعبدون من دون الله تغني عنكم شيئا، أو تنفعكم عند الله كما تزعمون أنكم إنما تعبدونها، لتقرّبكم إلى الله زلفى، لأغنت عمن كان قبلكم من الأمم التي أهلكتها بعبادتهم إياها، فدفعت عنها العذاب إذا نزل، أو لشفعت لهم عند ربهم، فقد كانوا من عبادتها على مثل الذي عليه أنتم، ولكنها ضرتهم ولم تنفعهم.
يقول تعالى ذكره: ﴿بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ﴾ يقول: بل تركتهم آلهتهم التي كانوا يعبدونها، فأخذت غير طريقهم، لأن عبدتها هلكت، وكانت هي حجارة أو نحاسا، فلم يصبها ما أصابهم ودعوها، فلم تجبهم، ولم تغثهم، وذلك ضلالها عنهم، وذلك إفكهم، يقول عزّ وجلّ هذه الآلهة التي ضلَّت عن هؤلاء الذين كانوا يعبدونها من دون الله عند نزول بأس الله بهم، وفي حال طمعهم فيها أن تغيثهم، فخذلتهم، هو إفكهم: يقول: هو كذبهم الذي كانوا يكذّبون، ويقولون به هؤلاء آلهتنا وما كانوا يفترون، يقول: وهو الذي كانوا يفترون، فيقولون: هي تقرّبنا إلى الله زُلفى، وهي شفعاؤنا عند الله. وأخرج الكلام مخرج الفعل، والمعنيّ المفعول به، فقيل: وذلك إفكهم، والمعنيّ فيه: المأفوك به لأن الإفك إنما هو فعل الآفك، والآلهة مأفوك بها. وقد مضى البيان عن نظائر ذلك قبل، قال: وكذلك قوله ﴿وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ .
واختلفت القرّاء في قراءة قوله ﴿وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ﴾ فقرأته عامة قرّاء الأمصار، وذلك إفكهم بكسر الألف وسكون الفاء وضم الكاف بالمعنى الذي بيَّنا.
وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما في ذلك ما:-
⁕ حدثني أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا هشيم، عن عوف، عمن حدثه، عن ابن عباس، أنه كان يقرؤها ﴿وَذَلِكَ أَفْكُهُمْ﴾ يعني بفتح الألف والكاف وقال: أضلهم. فمن قرأ القراءة الأولى التي عليها قرّاء الأمصار، فالهاء والميم في موضع خفض. ومن قرأ هذه القراءة التي ذكرناها عن ابن عباس فالهاء والميم في موضع نصب، وذلك أن معنى الكلام على ذلك، وذلك صرفهم عن الإيمان بالله.
والصواب من القراءة في ذلك عندنا، القراءة التي عليها قراءة الأمصار لإجماع الحجة عليها.