سورة الأحزاب، الآية 38
الجزء 22، الصفحة 423.
مَّا كَانَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ ٱللَّهُ لَهُۥ ۖ سُنَّةَ ٱللَّهِ فِى ٱلَّذِينَ خَلَوْا۟ مِن قَبْلُ ۚ وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا ﴿٣٨﴾
الآية في سياق السورةاستمع إلى سورة الأحزاب
تفسير الآية
التفسير الميسر
ما كان على النبيِّ محمد ﷺ مِن ذنب فيما أحلَّ الله له من زواج امرأة مَن تبنّاه بعد طلاقها، كما أباحه للأنبياء قبله، سنة الله في الذين خَلَوا من قبل، وكان أمر الله قدرًا مقدورًا لابد من وقوعه.
تفسير السعدي
يشمل هذا التفسير الآيات 38 إلى 39
الآية 38: هذا دفعٌ لطعن من طعن في الرسول - صلى الله عليه وسلم - في كثرة أزواجه، وأنَّه طعنٌ بما لا مطعنَ فيه، فقال:{ما كان على النبيِّ من حرجٍ}؛ أي: إثم وذنب {فيما فَرَضَ الله له}؛ أي: قدَّر له من الزوجات؛ فإنَّ هذا قد أباحه الله له كما أباحه للأنبياء قبلَه، ولهذا قال:{سنةَ الله في الذين خَلَوا من قبلُ وكان أمرُ الله قَدَراً مَقۡدوراً}؛ أي: لا بدَّ من وقوعِهِ.
الآية 39: ثم ذَكَرَ مَنْ هم الذين من قبلُ قد خلو وهذه سنتهم وعادتهم، وأنهم {الذين يبلِّغونَ رسالاتِ الله}: فيتلون على العباد آياتِ الله وحججه وبراهينه ويدعونَهم إلى الله، {ويَخۡشَوۡنَه}: وحدَه لا شريك له، {ولا يَخۡشَوۡنَ أحداً}: إلاَّ الله؛ فإذا كان هذا سنة في الأنبياء المعصومين الذين وظيفتهم قد أدَّوْها وقاموا بها أتم القيام، وهو دعوةُ الخلق إلى الله والخشية منه وحده، التي تقتضي فعل كل مأمور وترك كل محظور، [دلّ ذلك على أنه لا نقص فيه بوجه]. {وكفى بالله حسيباً}: محاسباً عبادَه مراقباً أعمالهم. وعُلِمَ من هذا أنَّ النكاحَ من سنن المرسلين.
تفسير الجلالين
﴿ما كانَ عَلى النَّبِيّ مِن حَرَج فِيما فَرَضَ﴾ أحَلَّ ﴿اللَّه لَهُ سُنَّة اللَّه﴾ أيْ كَسُنَّةِ اللَّه فَنُصِبَ بِنَزْعِ الخافِض ﴿فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْل﴾ مِن الأَنْبِياء أنْ لا حَرَج عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ تَوْسِعَة لَهُمْ فِي النِّكاح ﴿وكانَ أمْر اللَّه﴾ فِعْله ﴿قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ مَقْضِيًّا
تفسير ابن كثير
يَقُولُ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ أَيْ: فِيمَا أَحَلَّ لَهُ وَأَمَرَهُ بِهِ مِنْ تَزْوِيجِ زَيْنَبَ الَّتِي طَلَّقَهَا دَعِيُّه زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ أَيْ: هَذَا حُكْمُ اللَّهِ فِي الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ، لَمْ يَكُنْ لِيَأْمُرَهُمْ بِشَيْءٍ وَعَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ حَرج، وَهَذَا رَدٌّ عَلَى مَنْ تَوَهَّم مِن الْمُنَافِقِينَ نَقْصًا فِي تَزْوِيجِهِ امْرَأَةَ زَيْدٍ مَوْلَاهُ ودَعيه، الَّذِي كَانَ قَدْ تَبَنَّاهُ.
﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ أَيْ: وَكَانَ أَمْرُهُ الَّذِي يقدِّره كَائِنًا لَا مَحَالَةَ، وَوَاقِعًا لَا مَحِيدَ عَنْهُ وَلَا مَعْدَلَ، فَمَا شَاءَ [اللَّهُ] [[زيادة من ت.]] كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ.
تفسير الطبري
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (٣٨) ﴾
يقول تعالى ذكره: ما كان على النبي من حرج: من إثم فيما أحل الله له من نكاح امرأة من تبناه بعد فراقه إياها.
كما:-
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ : أي أحل الله له.
* *
وقوله: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾
يقول: لم يكن الله تعالى ليؤثم نبيه فيما أحل له مثال فعله بمن قبله من الرسل الذين مضوا قبله في أنه لم يؤثمهم بما أحل لهم، لم يكن لنبيه أن يخشى الناس فيما أمره به أو أحله له، ونصب قوله ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾ على معنى: حقًّا من الله، كأنه قال: فعلنا ذلك سنة منا.
* *
وقوله: ﴿وَكَانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾
يقول: وكان أمر الله قضاء مقضيًّا.
وكان ابن زيد يقول في ذلك ما:-
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَكَانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ : إن الله كان علمه معه قبل أن يخلق الأشياء كلها، فأتمه في علمه أن يخلق خلقا، ويأمرهم وينهاهم، ويجعل ثوابا لأهل طاعته، وعقابا لأهل معصيته، فلما ائتمر ذلك الأمر قدره، فلما قدره كتب وغاب عليه؛ فسماه الغيب وأم الكتاب، وخلق الخلق على ذلك الكتاب أرزاقهم وآجالهم وأعمالهم، وما يصيبهم من الأشياء من الرخاء والشدة من الكتاب الذي كتبه أنه يصيبهم، وقرأ ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا﴾ نَفِدَ ذَلِكَ ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلَنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ وأمر الله الذي ائتمر قدره حين قدره مقدرا، فلا يكون إلا ما في ذلك، وما في ذلك الكتاب، وفي ذلك التقدير، ائتمر أمرا ثم قدره، ثم خلق عليه فقال: كان أمر الله الذي مضى وفرغ منه، وخلق عليه الخلق ﴿قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ شاء أمرا ليمضي به أمره وقدره، وشاء أمرا يرضاه من عباده في طاعته، فلما أن كان الذي شاء من طاعته لعباده رضيه لهم، ولما أن كان الذي شاء أراد أن ينفذ فيه أمره وتدبيره وقدره، وقرأ ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ﴾ فشاء أن يكون هؤلاء من أهل النار، وشاء أن تكون أعمالهم أعمال أهل النار، فقال ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ وقال ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ هذه أعمال أهل النار ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ﴾ قال ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ ... ﴾ إلى قوله ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ وقرأ ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ... ﴾ إلى ﴿كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ أن يؤمنوا بذلك، قال: فأخرجوه من اسمه الذي تسمى به، قال: هو الفعال لما يريد، فزعموا أنه ما أراد.