سورة القرآن surah-quran.com

سورة الأعلى

سورة الأعلى، الآية 18

الجزء 30، الصفحة 592.

إِنَّ هَـٰذَا لَفِى ٱلصُّحُفِ ٱلْأُولَىٰ ﴿١٨﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

يشمل هذا التفسير الآيات 18 إلى 19

إنَّ ما أُخبِرتم به في هذه السورة هو مما ثبت معناه في الصحف التي أُنزلت قبل القرآن، وهي صحف إبراهيم وموسى عليهما السلام.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 1 إلى 19

وهي مكية

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

{1 ـ 3} يأمر تعالى بتسبيحه المتضمِّن لذكره وعبادته والخضوع لجلاله والاستكانة لعظمته، وأن يكون تسبيحاً يليق بعظمة الله تعالى؛ بأن تُذْكَرَ أسماؤه الحسنى العالية على كل اسم بمعناها العظيم الجليل ، وتذكر أفعاله التي منها أنَّه خلق المخلوقات فسواها؛ أي: أتقن وأحسن خلقها، {والذي قَدَّرَ}: تقديراً تتبعه جميع المقدَّرات، {فهدى}: إلى ذلك جميع المخلوقات، وهذه الهداية العامَّة التي مضمونها أنَّه هدى كلَّ مخلوق لمصلحته.

{4 ـ 5} وتُذكَر فيها نِعَمه الدنيويَّة، ولهذا قال:{والذي أخرج المرعى}؛ أي: أنزل من السماء ماءً، فأنبت به أصناف النبات والعشب الكثير، فرتع فيه الناسُ والبهائم وجميع الحيوانات. ثم بعد أن استكمل ما قَدَّرَ له من الشباب؛ ألوى نباته وصوَّح عشبه، {فجعله غثاءً أحوى}؛ أي: أسود؛ أي: جعله هشيماً رميماً.

{6 ـ 7} ويذكر فيها نعمه الدينيَّة، ولهذا امتنَّ الله بأصلها ومادَّتها، وهو القرآن، فقال:{سنقرِئُك فلا تَنسى}؛ أي: سنحفظ ما أوحيناه إليك من الكتاب ونوعيه قلبك؛ فلا تنسى منه شيئاً، وهذه بشارةٌ من الله كبيرةٌ لعبده ورسوله محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -؛ أنَّ الله سيعلمه علماً لا ينساه، {إلاَّ ما شاء الله}: مما اقتضت حكمتُه أن ينسيكه لمصلحةٍ وحكمةٍ بالغةٍ. {إنَّه يعلم الجهر وما يَخۡفى}: ومن ذلك أنَّه يعلم ما يُصْلِحُ عباده؛ أي: فلذلك يشرع ما أراد ويحكم بما يريد.

الآية 8:{ونيسِّرُك لليُسرى}: وهذه أيضاً بشارةٌ أخرى ؛ أنَّ الله ييسِّر رسولَه - صلى الله عليه وسلم - لليُسرى في جميع أموره، ويجعل شرعَه ودينَه يسيراً.

{9 ـ 13}{فذكِّر}: بشرع الله وآياته، {إن نفعتِ الذِّكۡرى}؛ أي: ما دامت الذِّكرى مقبولةً والموعظة مسموعةً، سواء حصل من الذكرى جميع المقصود أو بعضه. ومفهوم الآية أنَّه إن لم تنفع الذِّكرى؛ بأنْ كان التَّذكير يزيد في الشرِّ أو يَنْقُصُ من الخير؛ لم تكن مأموراً بها، بل منهيًّا عنها؛ فالذِّكرى ينقسم الناس فيها قسمين: منتفعون، وغير منتفعين. فأمّا المنتفعون فقد ذكرهم بقوله:{سيذَّكَّر مَن يخشى}: الله؛ فإنَّ خشية الله تعالى والعلم بمجازاته على الأعمال توجب للعبد الانكفاف عمَّا يكرهه الله والسعي في الخيرات، وأمَّا غير المنتفعين؛ فذكرهم بقوله:{ويتجنَّبُها الأشقى. الذي يَصۡلى النارَ الكُبرى}: وهي النار الموقدة، التي تطَّلِعُ على الأفئدة، {ثمَّ لا يموت فيها ولا يَحۡيا}؛ أي: يعذَّب عذاباً أليماً من غير راحةٍ ولا استراحةٍ، حتَّى إنَّهم يتمنَّوْن الموت؛ فلا يحصُلُ لهم؛ كما قال تعالى:{لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفَّفُ عنهم من عذابها}.

{14 ـ 15}{قد أفلح من تَزَكَّى}؛ أي: قد فاز وربح من طهَّر نفسه ونقَّاها من الشرك والظلم ومساوئ الأخلاق، {وذَكَرَ اسمَ ربِّه فصلَّى}؛ أي: اتَّصف بذكر الله، وانصبغ به قلبُه، فأوجب له ذلك العمل بما يرضي الله، خصوصاً الصلاة، التي هي ميزانُ الإيمان. هذا معنى الآية [الكريمة]، وأمَّا من فسَّر قوله:{تزكى}؛ يعني: أخرج زكاة الفطر، و {ذكر اسم ربِّه فصلى}؛ أنَّه صلاة العيد؛ فإنَّه وإن كان داخلاً في اللفظ وبعض جزئيَّاته؛ فليس هو المعنى وحده.

{16 ـ 17}{بل تؤثرون الحياة الدُّنيا}؛ أي: تقدِّمونها على الآخرة، وتختارون نعيمها المنغَّص المكدَّر الزائل على الآخرة، {والآخرةُ خيرٌ وأبقى}: خيرٌ من الدُّنيا في كلِّ وصفٍ مطلوبٍ، {وأبقى}؛ لكونها دار خلدٍ وبقاءٍ [وصفاء] والدنيا دار فناء. فالمؤمن العاقل لا يختار الأردأ على الأجود، ولا يبيع لذَّةَ ساعةٍ بترحة الأبد، فحبُّ الدُّنيا وإيثارها على الآخرة رأس كلِّ خطيئة.

{18 ـ 19}{إنَّ هذا}: المذكور لكم في هذه السورة المباركة من الأوامر الحسنة والأخبار المستحسنة، {لفي الصُّحُفِ الأولى. صُحُفِ إبراهيم وموسى}: اللَّذيْنِ هما أشرف المرسلين بعد محمدٍ صلى الله عليه وعليهم أجمعين. فهذه أوامر في كلِّ شريعةٍ؛ لكونها عائدةٌ إلى مصالح الدارين، وهي مصالح في كلِّ زمانٍ ومكانٍ.

تمَّت. ولله الحمد.

* * *

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿إنَّ هَذا﴾ إفْلاح مَن تَزَكّى وكَوْن الآخِرَة خَبَرًا ﴿لَفِي الصُّحُف الأُولى﴾ أيْ المُنَزَّلَة قَبْل القُرْآن

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يشمل هذا التفسير الآيات 14 إلى 19

يَقُولُ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ أَيْ: طهَّر نَفْسَهُ مِنَ الْأَخْلَاقِ الرَّذِيلَةِ، وَتَابَعَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ أَيْ: أَقَامَ الصَّلَاةَ فِي أَوْقَاتِهَا؛ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ وَطَاعَةً لِأَمْرِ اللَّهِ وَامْتِثَالًا لِشَرْعِ اللَّهِ. وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ:

حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَرْزَمِيُّ، حَدَّثَنَا عَمِّي مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ قَالَ: "مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَخَلَعَ الْأَنْدَادَ، وَشَهِدَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ"، ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ قَالَ: "هِيَ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْمُحَافَظَةُ عَلَيْهَا وَالِاهْتِمَامُ بِهَا".

ثُمَّ قَالَ [[في م: "وقال".]] لَا يُرْوَى عَنْ جَابِرٍ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[مسند البزار برقم (٢٢٨٤) "كشف الأستار" وقال الهيثمي في المجمع (٧/١٣٧) : "رواه البزار عن شيخه عباد بن أحمد العرزمي وهو متروك".]] .

وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي عَمرو بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْآمُلِيُّ [[في أ: "الأيلي".]] حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَبِي خَلْدَةَ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي الْعَالِيَةِ فَقَالَ لِي: إِذَا غَدَوْتَ غَدًا إِلَى الْعِيدِ فَمُرَّ بِي. قَالَ: فَمَرَرْتُ بِهِ فَقَالَ: هَلْ طَعِمْتَ شَيْئًا؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: أَفَضْتَ عَلَى نَفْسِكَ مِنَ الْمَاءِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي مَا فَعَلْتَ بِزَكَاتِكَ؟ قُلْتُ: وَكَأَنَّكَ قُلت: قَدْ وَجّهتهَا؟ قَالَ: إِنَّمَا أَرَدْتُكَ لِهَذَا. ثُمَّ قَرَأَ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ وَقَالَ: إِنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ لَا يَرَوْنَ صَدَقَةً أفضل منها ومن سقاية الماء.

قُلْتُ: وَكَذَلِكَ رُوِّينَا عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ النَّاسَ بِإِخْرَاجِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ، وَيَتْلُو هَذِهِ الْآيَةَ ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾

وَقَالَ أَبُو الْأَحْوَصِ: إِذَا أَتَى أَحَدَكُمْ سَائِلٌ وَهُوَ يُرِيدُ الصَّلَاةَ، فَلْيُقَدِّمْ بَيْنَ يَدَيْ صَلَاتِهِ زَكَاتَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾

وَقَالَ قَتَادَةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ زَكَّى مَالَهُ وَأَرْضَى خَالِقَهُ.

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ أَيْ: تُقَدِّمُونَهَا عَلَى أَمْرِ الْآخِرَةِ، وَتُبْدُونَهَا عَلَى مَا فِيهِ نَفْعُهُمْ وَصَلَاحُهُمْ فِي مَعَاشِهِمْ وَمَعَادِهِمْ، ﴿وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ أَيْ: ثَوَابُ اللَّهِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَأَبْقَى، فَإِنَّ الدُّنْيَا دنيَّة فَانِيَةٌ، وَالْآخِرَةَ شَرِيفَةٌ بَاقِيَةٌ، فَكَيْفَ يُؤْثِرُ عَاقِلٌ مَا يَفْنَى عَلَى مَا يَبْقَى، وَيَهْتَمُّ بِمَا يَزُولُ عَنْهُ قَرِيبًا، وَيَتْرُكُ الِاهْتِمَامَ بِدَارِ الْبَقَاءِ وَالْخُلْدِ؟!

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا ذُوَيد، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عُرْوَة، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الدُّنْيَا دَارُ مَنْ لَا دارَ لَهُ، وَمَالُ مَنْ لَا مَالَ لَهُ، وَلَهَا يَجْمَعُ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ" [[المسند (٦/٧١) وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٢٨٨) : "رجاله رجال الصحيح غير ذويد وهو ثقة".]] .

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، حَدَّثَنَا أَبُو حَمْزَةَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَرْفَجة الثَّقَفِيِّ قَالَ: اسْتَقْرَأْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى﴾ فَلَمَّا بَلَغَ: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ تَرَكَ الْقِرَاءَةِ، وَأَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ وَقَالَ: آثَرْنَا الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ. فَسَكَتَ الْقَوْمُ، فَقَالَ: آثَرْنَا الدُّنْيَا لِأَنَّا رَأَيْنَا زِينَتَهَا وَنِسَاءَهَا وَطَعَامَهَا وَشَرَابَهَا، وزُويت عَنَّا الْآخِرَةُ فَاخْتَرْنَا هَذَا الْعَاجِلَ وَتَرَكْنَا الْآجِلَ [[تفسير الطبري (٣٠/١٠٠) .]] .

وَهَذَا مِنْهُ عَلَى وَجْهِ التَّوَاضُعِ وَالْهَضْمِ، أَوْ هُوَ إِخْبَارٌ عَنِ الْجِنْسِ مِنْ حَيْثُ [[في أ: "من جنسه".]] هُوَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْهَاشِمِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو، عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مِنْ أَحَبِّ دُنْيَاهُ أَضَرَّ بِآخِرَتِهِ، ومَن أَحَبَّ آخِرَتَهُ أَضَرَّ بِدُنْيَاهُ، فَآثِرُوا مَا يبقَى عَلَى مَا يَفْنَى". تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ.

وَقَدْ رَوَاهُ أَيْضًا عَنْ أَبِي سَلَمَةَ الْخُزَاعِيِّ، عَنِ الدَّرَاوَرْدِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، بِهِ مِثْلَهُ سَوَاءً [[المسند (٤/٤١٢) ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (٢٤٧٣) "موارد" من طريق يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أبي عمرو به.]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ قَالَ الحافظ أبو بكر البزار: حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا مُعتمر بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ عِكْرِمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "كَانَ كُلُّ هَذَا-أَوْ: كَانَ هَذَا-فِي صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى" [[سنن النسائي الكبرى برقم (١١٦٦٨) .]] .

ثُمَّ قَالَ: لَا نَعْلَمُ أَسْنَدَ الثِّقَاتَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ غَيْرَ [[في أ: "نحو".]] هَذَا، وَحَدِيثًا آخَرَ أَوْرَدَهُ قَبْلَ هَذَا.

وَقَالَ النَّسَائِيُّ: أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى﴾ قَالَ: كُلُّهَا فِي صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى، فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النَّجْمِ:٣٧] قَالَ: وفَّى ﴿أَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النَّجْمِ:٣٨] [[مسند البزار برقم (٢٢٨٥) "كشف الأستار" وقال الهيثمي في المجمع (٧/١٣٧) : "فيه عطاء بن السائب وقد اختلط، وبقية رجاله رجال الصحيح".]] .

يَعْنِي أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ كَقَوْلِهِ فِي سُورَةِ "النَّجْمِ": ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى أَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَنْ لَيْسَ لِلإنْسَانِ إِلا مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأوْفَى وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النَّجْمِ: ٣٦-٤٢] الْآيَاتِ إِلَى آخِرِهِنَّ. وَهَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ-فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ مِهْران، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ-فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ يَقُولُ: الْآيَاتُ الَّتِي فِي سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى.

وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: قِصَّةُ هَذِهِ السُّورَةِ فِي الصُّحُفِ الْأُولَى.

وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ هَذَا﴾ إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ ثُمَّ قَالَ: ﴿إِنَّ هَذَا﴾ أَيْ: مَضْمُونُ هَذَا الْكَلَامِ ﴿لَفِي الصُّحُفِ الأولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [[تفسير الطبري (٣٠/١٠١) .]] .

وَهَذَا اخْتِيَارٌ حَسَنٌ قَوِيٌّ. وَقَدْ رُوي عَنْ قَتَادَةَ وَابْنِ زَيْدٍ، نحوُه. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

آخِرُ تَفْسِيرِ سورة "سبح" ولله الحمد والمنة.

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

يشمل هذا التفسير الآيات 16 إلى 19

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩) ﴾

.

يقول تعالى ذكره: قد نجح وأدرك طلبته من تطهَّر من الكفر ومعاصي الله، وعمل بما أمره الله به، فأدّى فرائضه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ يقول: مَنْ تَزَكَّى من الشرك.

⁕ حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، قال: ثنا هشام، عن الحسن، في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ قال: من كان عمله زاكيًا.

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ قال: يعمل وَرِعًا.

⁕ حدثني سعد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا حفص بن عُمر العَدَنيّ، عن الحكم، عن عكرِمة، في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ من قال: لا إله إلا الله.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: قد أفلح من أدّى زكاة ماله.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن عليّ بن الأقمر، عن أبي الأحوص ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ قال: من استطاع أن يرضَخَ فليفعل، ثم ليقم فليصلّ.

⁕ حدثنا محمد بن عمارة الرازي، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن علي بن الأقمر، عن أبي الأحوص ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ قال: من رَضَخَ [[الخبر ١٧٢ - هو بالإسناد الضعيف قبله. وأشرنا إليه هناك.]] .

⁕ حدثنا محمد بن عمارة، قال: ثنا عثمان بن سعيد بن مرَّة، قال: ثنا زهير، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، قال: إذا أتى أحدكم سائل وهو يريد الصلاة، فليقدّم بين يدي صلاته زكاته، فإن الله يقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ فمن استطاع أن يقدّم بين يدي صلاته زكاةً فليفعل.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ تزكى رجل من ماله، وأرضى خالقه.

وقال آخرون: بل عُنِي بذلك زكاة الفطر.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني عمرو بن عبد الحميد الآملي، قال: ثنا مروان بن معاوية، عن أبي خلدة، قال: دخلت على أبي العالية، فقال لي: إذا غَدَوت غدًا إلى العيد فمرّ بي، قال: فمررت به، فقال: هل طَعِمت شيئا؟ قلت: نعم، قال: أَفَضْت على نفسك من الماء؟ قلت: نعم، قال: فأخبرني ما فعلت بزكاتك؟ قلت: قد وجَّهتها، قال: إنما أردتك لهذا، ثم قرأ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ وقال: إن أهل المدينة لا يَرَونَ صدقة أفضل منها ومن سِقَاية الماء.

* *

وقوله: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾

اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ فقال بعضهم: معنى ذلك: وحَّد الله.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ يقول: وحَّد الله سبحانه وتعالى.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وذكر الله ودعاه ورغب إليه.

والصواب من القول في ذلك أن يقال: وذكر الله فوحَّده، ودعاه ورغب إليه؛ لأن كلّ ذلك من ذكر الله، ولم يُخصص الله تعالى من ذكره نوعًا دون نوع.

* *

وقوله: ﴿فَصَلَّى﴾

اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك. فقال بعضهم: عُنِي به: فصلى الصلوات الخمس.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿فَصَلَّى﴾ يقول: صلَّى الصلوات الخمس.

وقال آخرون: عُنِيَ به: صلاة العيد يوم الفطر.

وقال آخرون: بل عُنِيَ به: وذكر اسم ربه فدعا، وقالوا: الصلاة هاهنا: الدعاء.

والصواب من القول أن يقال: عُنِيَ بقوله: ﴿فَصَلَّى﴾ : الصلوات، وذكر الله فيها بالتحميد والتمجيد والدعاء.

* *

وقوله: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾

يقول للناس: بل تؤثرون أيها الناس زينة الحياة الدنيا على الآخرة ﴿وَالآخِرَةُ خَيْرٌ﴾ لكم ﴿وَأَبْقَى﴾ يقول: وزينة الآخرة خير لكم أيها الناس وأبقى، لأن الحياة الدنيا فانية، والآخرة باقية، لا تنفَدُ ولا تفنى.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ فاختار الناس العاجلة إلا من عصم الله.

* *

وقوله: ﴿وَالآخِرَةُ خَيْرٌ﴾

في الخير ﴿وَأَبْقَى﴾ في البقاء.

⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا أبو حمزة، عن عطاء، عن عَرْفَجَة الثقفي، قال: استقرأت ابن مسعود ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى﴾ ، فلما بلغ: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ ترك القراءة وأقبل على أصحابه، وقال: آثرنا الدنيا على الآخرة، فسكت القوم، فقال: آثرنا الدنيا؛ لأنا رأينا زينتها ونساءها وطعامها وشرابها، وزُوِيت عنا الآخرة، فاخترنا هذا العاجل، وتركنا الآجل.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ فقرأ ذلك عامَّة قرّاء الأمصار: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ﴾ بالتاء، إلا أبا عمرو فإنه قرأه بالياء، وقال: يعني الأشقياء.

والذي لا أوثر عليه في قراءة ذلك التاء، لإجماع الحجة من القرّاء عليه. وذُكر أن ذلك في قراءة أُبي: ﴿بَلْ أَنْتُمْ تُؤْثِرُونَ﴾ فذلك أيضًا شاهد لصحة القراءة بالتاء.

* *

وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأولَى﴾

اختلف أهل التأويل في الذي أشير إليه بقوله هذا، فقال بعضهم: أُشير به إلى الآيات التي في ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى﴾ .

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن أبيه، عن عكرِمة ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ يقول: الآيات التي في ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى﴾ .

وقال آخرون: قصة هذه السورة.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ قال: قصة هذه السورة لفي الصحف الأولى.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: إن هذا الذي قصّ الله تعالى في هذه السورة ﴿لَفِي الصُّحُفِ الأولَى﴾ .

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأولَى﴾ قال: إن هذا الذي قصّ الله في هذه السورة، لفي الصحف الأولى ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ .

وقال آخرون: بل عُنِي بذلك أن قوله: ﴿وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ في الصحف الأولى.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأولَى﴾ قال: تتابعت كتب الله كما تسمعون أن الآخرة خير وأبقى.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ قال: في الصحف التي أنزلها الله على إبراهيم وموسى أن الآخرة خير من الأولى.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: إن قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ لفي الصحف الأولى، صحف إبراهيم خليل الرحمن، وصحف موسى بن عمران.

وإنما قلت: ذلك أولى بالصحة من غيره؛ لأن هذا إشارة إلى حاضر، فلأن يكون إشارة إلى ما قرب منها أولى من أن يكون إشارة إلى غيره. وأما الصحف: فإنها جمع صحيفة، وإنما عُنِي بها: كتب إبراهيم وموسى.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن أبي الخلد، قال: نزلت صحف إبراهيم في أوّل ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لستّ ليال خلون من رمضان، وأنزل الزبور لاثنتي عشرة ليلة، وأنزل الإنجيل لثماني عشرة، وأنزل الفرقان لأربع وعشرين.

آخر تفسير سورة سبح اسم ربك الأعلى