سورة القرآن surah-quran.com

سورة الأنعام

سورة الأنعام، الآية 113

الجزء 8، الصفحة 142.

وَلِتَصْغَىٰٓ إِلَيْهِ أَفْـِٔدَةُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا۟ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ ﴿١١٣﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

ولِتميل إليه قلوب الكفار الذين لا يصدقون بالحياة الآخرة ولا يعملون لها، ولتحبَّه أنفسهم، وليكتسبوا من الأعمال السيئة ما هم مكتسبون. وفي هذا تهديد عظيم لهم.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 112 إلى 113

الآية 112: يقول تعالى مسلياً لرسولِه [محمدٍ]- صلى الله عليه وسلم -: وكما جعلنا لك أعداء يردُّون دعوتك ويحاربونك ويحسدونك؛ فهذه سنتنا أن نجعل لكلِّ نبي نرسله إلى الخلق أعداءً من شياطين الإنس والجن يقومون بضد ما جاءت به الرسل، {يوحي بعضُهم إلى بعض زُخۡرُفَ القول غروراً}؛ أي: يزين بعضُهم لبعض الأمر الذي يدعون إليه من الباطل ويزخرفونَ له العبارات حتى يجعلوه في أحسن صورة ليغترَّ به السفهاءُ وينقادَ له الأغبياءُ الذين لا يفهمون الحقائق ولا يفقهون المعاني، بل تعجبهم الألفاظ المزخرفة والعبارات المموِّهة، فيعتقدون الحقَّ باطلاً والباطل حقًّا.

الآية 113: ولهذا قال تعالى: {ولِتَصۡغَى إليه}؛ أي: ولتميلَ إلى ذلك الكلام المزخرف {أفئدةُ الذين لا يؤمنون بالآخرة}: لأن عدم إيمانهم باليوم الآخر وعدم عقولهم النافعة يحمِلُهم على ذلك، {ولِيَرۡضَوۡه}: بعد أن يَصْغَوا إليه، فيصغَوْن إليه أولاً، فإذا مالوا إليه ورأوا تلك العبارات المستحسنة؛ رضوه وزُيِّن في قلوبهم وصار عقيدةً راسخةً وصفة لازمة، ثم ينتجُ من ذلك أن يقترفوا من الأعمال والأقوال ما هم مقترفون؛ أي: يأتون من الكذب بالقول والفعل ما هو من لوازم تلك العقائد القبيحة؛ فهذه حال المفترين شياطين الإنس والجن المستجيبين لدعوتهم، وأما أهل الإيمان بالآخرة وأولو العقول الوافية والألباب الرزينة؛ فإنهم لا يغترُّون بتلك العبارات، ولا تخلبهم تلك التمويهات، بل همَّتهم مصروفةٌ إلى معرفة الحقائق، فينظرون إلى المعاني التي يدعو إليها الدعاة؛ فإن كانت حقًّا؛ قبلوها وانقادوا لها، ولو كُسِيَتْ عباراتٍ رديةً وألفاظاً غير وافية، وإن كانت باطلاً؛ ردُّوها على من قالها، كائناً مَن كان، ولو ألبست من العبارات المستحسنة ما هو أرقُّ من الحرير. ومن حكمةِ اللهِ تعالى في جعله للأنبياء أعداءً وللباطل أنصاراً قائمين بالدعوة إليه: أن يحصُلَ لعبادِهِ الابتلاءُ والامتحانُ؛ ليتميَّز الصادقُ من الكاذب، والعاقل من الجاهل، والبصير من الأعمى. ومن حكمتِهِ: أنَّ في ذلك بياناً للحقِّ وتوضيحاً له؛ فإنَّ الحقَّ يستنير ويتَّضح إذا قام الباطل يصارعه ويقاومه؛ فإنه حينئذ يتبيَّن من أدلة الحقِّ وشواهده الدالة على صدقه وحقيقته ومن فساد الباطل وبطلانه ما هو من أكبر المطالب التي يتنافس فيها المتنافسون.

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿ولِتَصْغى﴾ عُطِفَ عَلى غُرُورًا أيْ تَمِيل ﴿إلَيْهِ﴾ أيْ الزُّخْرُف ﴿أفْئِدَة﴾ قُلُوب ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ولِيَرْضَوْهُ ولِيَقْتَرِفُوا﴾ يَكْتَسِبُوا ﴿ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ مِن الذُّنُوب فَيُعاقَبُوا عَلَيْهِ

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يشمل هذا التفسير الآيات 112 إلى 113

يَقُولُ تَعَالَى: وَكَمَا جَعَلْنَا لَكَ -يَا مُحَمَّدُ -أَعْدَاءً يُخَالِفُونَكَ، وَيُعَادُونَكَ [[في م، أ: "ويعاندونك".]] جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ مِنْ قَبْلِكَ أَيْضًا أَعْدَاءً فَلَا يَهِيدنَّك ذَلِكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٨٤] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا [حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا] [[زيادة من م، أ.]] ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٣٤] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٣] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ [وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا] [[زيادة من م، أ، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [الفرقان: ٤٣] .

وَقَالَ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: [إِنَّهُ] [[زيادة من م، أ.]] لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٣) ومسلم في صحيحه برقم (١٦٠) من حديث عائشة، رضي الله عنها.]]

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿شَيَاطِينَ الإنْسِ وَالْجِنِّ﴾ بَدَلٌ مِنْ ﴿عَدُوًّا﴾ أَيْ: لَهُمْ أَعْدَاءٌ مِنْ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، وَمِنْ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ، قَبَّحَهُمُ اللَّهُ وَلَعَنَهُمْ.

قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] ﴿شَيَاطِينَ الإنْسِ وَالْجِنِّ﴾ قَالَ: مِنَ الْجِنِّ شَيَاطِينُ، وَمِنَ الْإِنْسِ شَيَاطِينُ، يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، قَالَ قَتَادَةُ: وَبَلَغَنِي أَنَّ أَبَا ذَرٍّ كَانَ يَوْمًا يُصَلِّي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "تَعَوَّذ [[في م: "تعوذت".]] يَا أَبَا ذَرٍّ مِنْ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ". فَقَالَ: أَوَ إِنَّ مِنَ الْإِنْسِ شَيَاطِينَ [[في م، أ: "لشياطين".]] ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ [[في م، أ: "قال النبي".]] ﷺ: "نَعَمْ".

وَهَذَا مُنْقَطِعٌ بَيْنَ قَتَادَةَ وَأَبِي ذَرٍّ [[تفسير عبد الرزاق (١/٢٠٩) .]] وَقَدْ رُوِيَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ [[في أ: "وقال".]] ابْنُ جَرِيرٍ:

حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمَشْيَخَةِ، عَنِ ابْنِ [[في م: "أبي".]] عَائِذٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم فِي مَجْلِسٍ قَدْ أَطَالَ فِيهِ الْجُلُوسَ، قَالَ، فَقَالَ: "يَا أَبَا ذَرٍّ، هَلْ صَلَّيْتَ؟ ". قَالَ: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: "قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ". قَالَ: ثُمَّ جِئْتُ فجلستُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: "يَا أَبَا ذَرٍّ، هَلْ تَعَوَّذْتَ بِاللَّهِ مِنْ شَيَاطِينِ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ؟ ". قَالَ: قُلْتُ: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَهَلْ لِلْإِنْسِ مِنْ شَيَاطِينَ؟ قَالَ: "نَعَمْ، هُمْ شَرٌّ مِنْ شَيَاطِينِ الْجِنِّ".

وَهَذَا أَيْضًا فِيهِ انْقِطَاعٌ [[تفسير الطبري (١٢/٥٣) .]] وَرُوِيَ مُتَّصِلًا كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:

حَدَّثَنَا وَكِيع، حَدَّثَنَا الْمَسْعُودِيُّ، أَنْبَأَنِي أَبُو [[في أ: "ابن أبي".]] عُمَرَ الدِّمَشْقِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ الْخَشْخَاشِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، فَجَلَسْتُ فَقَالَ: "يَا أَبَا ذَرٍّ هَلْ صَلَّيْتَ؟ ". قُلْتُ: لَا. قَالَ: "قُمْ فَصَلِّ". قَالَ: فَقُمْتُ فَصَلَّيْتُ، ثُمَّ جَلَسْتُ فَقَالَ: "يَا أَبَا ذَرٍّ، تَعَوَّذْ بِالْلَّهِ مِنْ شَرِّ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ". قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلِلْإِنْسِ شَيَاطِينُ؟ قَالَ: "نَعَمْ". وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ بِطُولِهِ.

وَكَذَا رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُوَيه فِي تَفْسِيرِهِ، مِنْ حَدِيثِ جَعْفَرِ بْنِ عَوْنٍ، وَيَعْلَى بْنِ عُبَيْدٍ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى، ثَلَاثَتِهِمْ عَنِ المسعودي، به [[المسند (٥/١٧٨) وقال الهيثمي في المجمع (١/١٦٠) : "فيه المسعودي وهو ثقة وقد اختلط".]] طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْ أَبِي ذَرٍّ: قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ، حَدَّثَنَا [[في أ: "بن"]] حَمَّادٌ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ دِمَشْقَ، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَا أَبَا ذَرٍّ، هَلْ تَعَوَّذْتَ بِالْلَّهِ مِنْ شَرِّ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ؟ ". قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ لِلْإِنْسِ مِنْ شَيَاطِينَ؟ قَالَ: "نَعَمْ" [[تفسير الطبري (١٢/٥٣) .]]

طَرِيقٌ أُخْرَى لِلْحَدِيثِ: قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْف الحِمْصي، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا مُعَانُ [[في أ: "معاذ".]] بْنُ رِفَاعَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من أ.]] قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا أَبَا ذَرٍّ تعوذتَ [[في م: "تعوذت بالله".]] مِنْ شَيَاطِينِ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ؟ ". قَالَ: يَا رَسُولَ [[في أ: "يانبي".]] اللَّهِ، وَهَلْ لِلْإِنْسِ [مِنْ] [[زيادة من أ.]] شَيَاطِينَ؟ قَالَ: "نَعَمْ، شياطينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا" [[ورواه أحمد في مسنده (٥/٢٦٥) من طريق أبي المغيرة به مطولا. وقال الهيثمي في المجمع (١/١٥٩) : "مداره على علي بن زيد وهو ضعيف".]]

فَهَذِهِ طُرُقٌ لِهَذَا الْحَدِيثِ، وَمَجْمُوعُهَا يُفِيدُ قُوَّتَهُ وَصِحَّتَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدْ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيع، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيم، عَنْ شَرِيك، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، عَنْ عِكْرِمة: ﴿شَيَاطِينَ الإنْسِ وَالْجِنِّ﴾ قَالَ: لَيْسَ مِنَ الْإِنْسِ شَيَاطِينُ، وَلَكِنْ شَيَاطِينُ الْجِنِّ يُوحُونَ إِلَى شَيَاطِينِ الْإِنْسِ، وَشَيَاطِينُ الْإِنْسِ يُوحُونَ إِلَى شَيَاطِينِ الْجِنِّ.

قَالَ: وَحَدَّثَنَا الْحَارِثُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنِ السُّدِّي، عَنْ عِكْرِمة فِي قوله: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ قَالَ: لِلْإِنْسِيِّ [[في م، أ: "للإنس".]] شَيْطَانٌ، وَلِلْجِنِّيِّ [[في م، أ: "وللجن".]] شَيْطَانٌ [[في أ: "شياطين".]] فَيَلْقَى شَيْطَانُ الْإِنْسِ شَيْطَانَ الْجِنِّ، فَيُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا.

وَقَالَ أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّي، عَنْ عِكْرِمة فِي قَوْلِهِ: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: أَمَّا شَيَاطِينُ الْإِنْسِ، فَالشَّيَاطِينُ الَّتِي تُضِلُّ الْإِنْسَ [[في أ: "الناس".]] وَشَيَاطِينُ الْجِنِّ الَّذِينَ يُضِلُّونَ الْجِنَّ، يَلْتَقِيَانِ، فَيَقُولُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ: إِنِّي أَضْلَلْتُ صَاحِبِي بِكَذَا وَكَذَا، فأضْلِل أَنْتَ صَاحِبَكَ بِكَذَا وَكَذَا، فَيُعَلِّمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا.

فَفَهِمَ [[في م: "فهم".]] ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ هَذَا؛ أَنَّ الْمُرَادَ بِشَيَاطِينِ الْإِنْسِ عِنْدَ عِكْرِمة والسُّدِّي: الشَّيَاطِينُ مِنَ الْجِنِّ الَّذِينَ يُضِلُّونَ النَّاسَ، لَا أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ [[في م: "من".]] شَيَاطِينُ الْإِنْسِ مِنْهُمْ. وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا ظَاهِرٌ مِنْ كَلَامِ عِكْرِمة، وَأَمَّا كَلَامُ السُّدِّي فَلَيْسَ مِثْلَهُ فِي هَذَا الْمَعْنَى، وَهُوَ مُحْتَمِلٌ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ نَحْوَ هَذَا، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ رِوَايَةِ الضَّحَّاكِ، عَنْهُ، قَالَ: إِنَّ لِلْجِنِّ شَيَاطِينَ يضلونهم مثل شياطين الإنس يُضِلُّونَهُمْ، قَالَ: فَيَلْتَقِي شَيَاطِينُ الْإِنْسِ وَشَيَاطِينُ الْجِنِّ، فَيَقُولُ هَذَا لِهَذَا: أَضْلِلْهُ بِكَذَا، أَضْلِلْهُ [[في م: "وأضلله".]] بِكَذَا. فَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾

وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَالصَّحِيحُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ [[في أ: "في".]] حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ: إِنَّ لِلْإِنْسِ شياطين منهم، وشيطان كل شيء ما رده، وَلِهَذَا جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ شَيْطَانٌ" [[صحيح مسلم برقم (٥١٠) .]] وَمَعْنَاهُ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ -: شَيْطَانٌ فِي الْكِلَابِ.

وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج: قَالَ مُجَاهِدٌ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: كُفَّارُ الْجِنِّ شَيَاطِينُ، يُوحُونَ إِلَى شَيَاطِينِ الْإِنْسِ، كُفَّارِ الْإِنْسِ، زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا.

وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمة قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى الْمُخْتَارِ فَأَكْرَمَنِي وَأَنْزَلَنِي حَتَّى كَادَ [[في أ: "كان".]] يَتَعَاهَدُ مَبِيتِي بِاللَّيْلِ، قَالَ: فَقَالَ لِي: اخْرُجْ إِلَى النَّاسِ فَحَدِّثِ النَّاسَ. قَالَ: فَخَرَجْتُ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: مَا تَقُولُ فِي الْوَحْيِ؟ فَقُلْتُ: الْوَحْيُ وَحْيَانِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿بِمَا [[في أ: "إنا" وهو خطأ.]] أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ [يُوسُفَ: ٣] ، وَقَالَ [اللَّهُ] [[زيادة من م، أ.]] تَعَالَى: ﴿شَيَاطِينَ الإنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ قَالَ: فَهَمُّوا بِي أَنْ يَأْخُذُونِي، فَقُلْتُ: مَا لَكُمْ ذَاكَ، إِنِّي مُفْتِيكُمْ وَضَيْفُكُمْ. فَتَرَكُونِي.

وَإِنَّمَا عَرَضَ عِكْرِمة بِالْمُخْتَارِ -وَهُوَ ابْنُ أَبِي عُبَيْدٍ -قَبَّحَهُ اللَّهُ، وَكَانَ يَزْعُمُ أَنَّهُ يَأْتِيهِ الْوَحْيُ، وَقَدْ كَانَتْ أُخْتُهُ صَفِيَّةُ تَحْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَكَانَتْ مِنَ الصَّالِحَاتِ، وَلَمَّا أُخْبِرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنَّ الْمُخْتَارَ يَزْعُمُ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ قَالَ: صَدَقَ، [قَالَ] [[زيادة من م.]] اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٢١] ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ أَيْ: يُلْقِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ الْمُزَيَّنَ الْمُزَخْرَفَ، وَهُوَ الْمُزَوَّقُ الَّذِي يَغْتَرُّ سَامِعُهُ مِنَ الْجَهَلَةِ بِأَمْرِهِ.

﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ أَيْ: وَذَلِكَ كُلُّهُ بِقَدَرِ اللَّهِ وَقَضَائِهِ وَإِرَادَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ نَبيّ عَدُوٌّ مِنْ هَؤُلَاءِ.

﴿فَذَرْهُمْ﴾ أَيْ: فَدَعْهُمْ، ﴿وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ أَيْ: يَكْذِبُونَ، أَيْ: دَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فِي عَدَاوَتِهِمْ، فَإِنَّ اللَّهَ كَافِيكَ وَنَاصِرُكَ عَلَيْهِمْ.

* *

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ﴾ أَيْ: وَلِتَمِيلَ إِلَيْهِ -قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ - ﴿أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ أَيْ: قُلُوبُهُمْ وَعُقُولُهُمْ وَأَسْمَاعُهُمْ.

وَقَالَ السُّدِّي: قُلُوبُ الْكَافِرِينَ، ﴿وَلِيَرْضَوْهُ﴾ أَيْ: يُحِبُّوهُ وَيُرِيدُوهُ. وَإِنَّمَا يَسْتَجِيبُ لِذَلِكَ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ. مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ. إِلا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصَّافَّاتِ: ١٦١ -١٦٣] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ. يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذَّارِيَاتِ: ٨، ٩] .

وَقَالَ السُّدِّي، وَابْنُ زَيْدٍ: وَلِيَعْمَلُوا مَا هُمْ عَامِلُونَ.

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله: ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (١١٣) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وليكتسبوا من الأعمال ما هم مكتسبون.

* *

حكي عن العرب سماعًا منها:"خرج يقترف لأهله"، بمعنى يكسب لهم. ومنه قيل:"قارف فلان هذا الأمر"، إذا واقعه وعمله.

وكان بعضهم يقول: هو التهمة والادعاء. يقال للرجل:"أنت قَرَفْتَنِي"، أي اتهمتني. ويقال:"بئسما اقترفتَ لنفسك"، وقال رؤبة:

أَعْيَا اقْتِرَافُ الكَذِبِ المَقْرُوفِ ... تَقْوَى التَّقِي وعِفَّةَ العَفِيفِ [[ليسا في ديوانه، وهما في مجاو القرآن ١: ٢٠٥.]]

* *

وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله: ﴿وليقترفوا﴾ ، قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٣٧٨٥- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وليقترفوا ما هم مقترفون﴾ ، وليكتسبوا ما هم مكتسبون.

١٣٧٨٦- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿وليقترفوا ما هم مقترفون﴾ ، قال: ليعملوا ما هم عاملون.

١٣٧٨٧- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿وليقترفوا ما هم مقترفون﴾ ، قال: ليعملوا ما هم عاملون.