سورة الأنعام، الآية 137
الجزء 8، الصفحة 145.
وَكَذَٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَـٰدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا۟ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ ۖ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴿١٣٧﴾
الآية في سياق السورةاستمع إلى سورة الأنعام
تفسير الآية
التفسير الميسر
وكما زيَّن الشيطان للمشركين أن يجعلوا لله تعالى من الزَّرع والأنعام نصيبًا، ولشركائهم نصيبًا، زيَّنت الشياطين لكثير من المشركين قَتْلَ أولادهم خشية الفقر؛ ليوقعوا هؤلاء الآباء في الهلاك بقتل النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق، وليخلطوا عليهم دينهم فيلتبس، فيضلوا ويهلكوا، ولو شاء الله ألا يفعلوا ذلك ما فعلوه، ولكنه قَدَّر ذلك لعلمه بسوء حالهم ومآلهم، فاتركهم -أيها الرسول- وشأنهم فيما يفترون من كذب، فسيحكم الله بينك وبينهم.
تفسير السعدي
يشمل هذا التفسير الآيات 136 إلى 140
الآية 136: يخبر تعالى عما عليه المشركون المكذِّبون للنبي - صلى الله عليه وسلم - من سفاهة العقل وخفة الأحلام والجهل البليغ، وعدَّد تبارك وتعالى شيئاً من خرافاتهم؛ لينبِّه بذلك على ضلالهم والحذر منهم، وأن معارضة أمثال هؤلاء السفهاء للحقِّ الذي جاء به الرسول لا تقدح فيه أصلاً؛ فإنَّهم لا أهليَّة لهم في مقابلة الحق، فذكر من ذلك أنهم:{جعلوا للهِ} نصيباً {مما ذَرَأ من الحَرۡثِ والأنعام}: ولشركائهم من ذلك نصيباً، والحال أنَّ الله تعالى هو الذي ذرأه للعباد وأوجده رزقاً، فجمعوا بين محذورين محظورين، بل ثلاثة محاذير: منَّتهم على الله في جعلهم له نصيباً مع اعتقادهم أنَّ ذلك منهم تبرُّع. وإشراك الشركاء الذين لم يرزُقوهم ولم يوجدوا لهم شيئاً في ذلك. وحكمهم الجائر في أنَّ ما كان للهِ لم يبالوا به ولم يهتمُّوا، ولو كان واصلاً إلى الشركاء وما كان لشركائهم؛ اعتنوا به واحتفظوا به ولم يصلْ إلى الله منه شيءٌ، وذلك أنهم إذا حصل لهم من زروعهم وثمارهم وأنعامهم التي أوجدها الله لهم شيء؛ جعلوه قسمينِ: قسماً قالوا: هذا لله بقولهم وزعمهم، وإلاَّ؛ فالله لا يقبلُ إلا ما كان خالصاً لوجهه ولا يقبلُ عمل مَن أشرك به، وقسماً جعلوه حصة شركائِهِم من الأوثان والأنداد؛ فإن وصل شيء مما جعلوه لله واختلط بما جعلوه لغيره؛ لم يبالوا بذلك، وقالوا: الله غنيٌّ عنه فلا يردُّونه، وإن وصل شيءٌ مما جعلوه لآلهتهم إلى ما جعلوه لله؛ ردُّوه إلى محلِّه، وقالوا: إنها فقراء، لا بدَّ من ردِّ نصيبها؛ فهل أسوأ من هذا الحكم وأظلم حيث جعلوا ما للمخلوق يجتهد فيه وينصح ويحفظ أكثر مما يفعل بحقِّ الله. ويحتمل أن تأويل الآية الكريمة ما ثبت في «الصحيح» عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنَّه قال عن الله تعالى: أنّه قال: «أنا أغنى الشُّركاءِ عن الشرك، مَنْ أشرك معي شيئاً؛ تركتُه وشِرْكَه» ، وأنَّ معنى الآية أنَّ ما جعلوه وتقربوا به لأوثانهم فهو تقرُّبٌ خالصٌ لغير الله، ليس لله منه شيءٌ، وما جعلوه لله على زعمهم؛ فإنه لا يصل إليه؛ لكونِهِ شركاً، بل يكون حظَّ الشركاء والأنداد؛ لأن الله غنيٌّ عنه، لا يقبل العمل الذي أشرك به معه أحدٌ من الخلق.
الآية 137: ومن سَفَه المشركين وضلالهم أنه {زَيَّنَ لكثيرٍ من المشركين} شركاؤهم ـ أي: رؤساؤهم وشياطينهم ـ قتلَ أولادهم، وهو الوأد الذين يدفنون أولادهم خشية الافتقار والإناث خشية العار، وكل هذا من خدع الشياطين الذين يريدون أن يُرْدوهم بالهلاك ويَلْبِسوا عليهم دينهم فيفعلون الأفعال التي في غاية القبح، ولا يزال شركاؤهم يزيِّنونها لهم حتى تكونَ عندهم من الأمور الحسنة والخصال المستحسنة، ولو شاء الله أن يمنَعَهم ويحَولَ بينهم وبين هذه الأفعال ويمنعَ أولادَهم عن قتل الأبوين لهم؛ ما فعلوه، ولكنِ اقتضتْ حكمتُهُ التخليةَ بينهم وبين أفعالهم؛ استدراجاً منه لهم وإمهالاً لهم وعدم مبالاة بما هم عليه، ولهذا قال:{فذَرۡهُم وما يفترونَ}؛ أي: دعهم مع كذِبِهم وافترائهم، ولا تحزن عليهم؛ فإنَّهم لن يضرُّوا الله شيئاً.
الآية 138: ومن أنواع سفاهتهم أن الأنعام التي أحلَّها الله لهم عموماً وجعلها رزقاً ورحمة يتمتَّعون بها وينتفعون قد اخترعوا فيها بدعاً وأقوالاً من تلقاء أنفسهم؛ فعندهم اصطلاح في بعض الأنعام والحرث أنهم يقولون فيها:{هذه أنعامٌ وحَرۡثٌ حِجۡرٌ}؛ أي: محرم. لا يطعمه {إلا من نشاء}؛ أي: لا يجوز أن يَطْعَمُه أحدٌ إلاَّ مَن أردنا أن يُطعمه أو وصفناه بوصفٍ من عندنا، وكلُّ هذا بزعمهم لا مستندَ لهم ولا حجة إلا أهويتهم وآراؤهم الفاسدة. وأنعام ليست محرمةً من كل وجه، بل يحرِّمون ظهورها؛ أي: بالركوب والحمل عليها، ويحمون ظهرها، ويسمونها الحام. وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها، بل يذكرون اسم أصنامهم وما كانوا يعبدون من دون الله عليها، وينسبون تلك الأفعال إلى الله، وهم كَذَبَةٌ فُجَّارٌ في ذلك. {سيجزيهم بما كانوا يفترونَ}: على الله من إحلال الشرك وتحريم الحلال من الأكل والمنافع.
الآية 139: ومن آرائهم السخيفة أنهم يجعلون بعض الأنعام ويعيِّنونها محرماً ما في بطنها على الإناث دون الذكور، فيقولون:{ما في بطونِ هذه الأنعام خالصةٌ لذكورنا}؛ أي: حلال لهم لا يشاركهم فيها النساء. {ومحرَّمٌ على أزواجنا}؛ أي: نسائنا، هذا إذا وُلِدَ حيًّا، وإن يكن ما في بطنها يولد ميتاً؛ فهم فيه شركاء؛ أي: فهو حلال للذكور والإناث. {سيَجۡزيهم}: الله {وَصۡفَهُمۡ}: حيث وصفوا ما أحلَّه الله بأنه حرام، ووصفوا الحرام بالحلال، فناقضوا شرع الله وخالفوه ونسبوا ذلك إلى الله. {إنَّه حكيمٌ}؛ حيث أمهل لهم ومكَّنهم مما هم فيه من الضلال، {عليمٌ}: بهم لا تخفى عليه خافيةٌ، وهو تعالى يعلم بهم، وبما قالوه عليه، وافتَرَوْه وهو يعافيهم، ويرزقهم جل جلاله.
الآية 140: ثم بيَّن خُسرانهم وسفاهةَ عقولهم، فقال:{قد خَسِرَ الذين قتلوا أولادَهم سفهاً بغير علم}؛ أي: خسروا دينهم وأولادهم وعقولهم، وصار وصفهم بعد العقول الرزينة السَّفَه المردي والضلال، {وحرَّموا ما رزقهم الله}؛ أي: ما جعله رحمة لهم وساقه رزقاً لهم، فردُّوا كرامة ربِّهم، ولم يكتفوا بذلك، بل وصفوها بأنها حرام وهي من أحلِّ الحلال، وكل هذا {افتراءٌ على الله}؛ أي: كذب يَكْذِب به كلُّ معاندٍ كفارٍ، {قد ضَلُّوا وما كانوا مهتدينَ}؛ أي: قد ضلُّوا ضلالاً بعيداً ولم يكونوا مهتدينَ في شيءٍ من أمورِهم.
تفسير الجلالين
﴿وكَذَلِكَ﴾ كَما زُيِّنَ لَهُمْ ما ذُكِرَ ﴿زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِن المُشْرِكِينَ قَتْل أوْلادهمْ﴾ بِالوَأْدِ ﴿شُرَكاؤُهُمْ﴾ مِن الجِنّ بِالرَّفْعِ فاعِل زُيِّنَ وفِي قِراءَة بِبِنائِهِ لِلْمَفْعُولِ ورَفْع قَتْل ونَصْب الأَوْلاد بِهِ وجَرّ شُرَكائِهِمْ بِإضافَتِهِ وفِيهِ الفَصْل بَيْن المُضاف والمُضاف إلَيْهِ بِالمَفْعُولِ - ولا يَضُرّ - وإضافَة القَتْل إلى الشُّرَكاء لِأَمْرِهِمْ بِهِ ﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾ يُهْلِكُوهُمْ ﴿ولِيَلْبِسُوا﴾ يَخْلِطُوا
تفسير ابن كثير
يَقُولُ تَعَالَى: وَكَمَا زَيَّنَتِ الشَّيَاطِينُ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يَجْعَلُوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نَصِيبًا، كَذَلِكَ زَيَّنُوا لَهُمْ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ خَشْيَةَ الْإِمْلَاقِ، وَوَأْدَ الْبَنَاتِ خَشْيَةَ الْعَارِ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ: زَيَّنُوا لَهُمْ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿شُرَكَاؤُهُمْ﴾ شَيَاطِينُهُمْ، يَأْمُرُونَهُمْ أَنْ يئدوُا أَوْلَادَهُمْ خَشْيَةَ العَيْلة. وَقَالَ السُّدِّيُّ: أَمَرَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ أَنْ يَقْتُلُوا الْبَنَاتِ. وَإِمَّا ﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾ فَيُهْلِكُوهُمْ، وَإِمَّا ﴿لِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ أَيْ: فَيَخْلِطُونَ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ.
وَنَحْوَ ذَلِكَ قَالَ قَتَادَةُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ.
وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِه [أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ] ﴾ [النَّحْلِ: ٥٨، ٥٩] ، [[زيادة من م، أ، وفي هـ: "الآية".]] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التَّكْوِيرِ: ٨، ٩] . وَقَدْ كَانُوا أَيْضًا يَقْتُلُونَ الْأَوْلَادَ مِنَ الْإِمْلَاقِ، وَهُوَ: الْفَقْرُ، أَوْ خَشْيَةَ الْإِمْلَاقِ أَنْ يَحْصُلَ لَهُمْ في تاني الْمَالِ [[في أ: "الحال".]] وَقَدْ نَهَاهُمُ [اللَّهُ] [[زيادة من أ.]] عَنْ قَتْلِ أَوْلَادِهِمْ لِذَلِكَ وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا [[في أ: "كذلك وإن كان هذا".]] كُلُّهُ مِنْ شَرْعِ الشَّيْطَانِ تَزْيِينُهُ لَهُمْ ذَلِكَ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ﴾ أَيْ: كُلُّ هَذَا وَاقِعٌ بِمَشِيئَتِهِ تَعَالَى وَإِرَادَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ لِذَلِكَ كَوْنًا، وَلَهُ الْحِكْمَةُ التَّامَّةُ فِي ذَلِكَ، فَلَا [[في أ: "ولا".]] يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسألون. ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ أَيْ: فَدَعْهُمْ وَاجْتَنِبْهُمْ وَمَا هُمْ فِيهِ، فَسَيَحْكُمُ الله بينك وبينهم.
تفسير الطبري
القول في تأويل قوله: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١٣٧) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وكما زيَّن شركاء هؤلاء العادلين بربهم الأوثان والأصنام لهم ما زينوا لهم، من تصييرهم لربهم من أموالهم قَسْما بزعمهم، وتركهم ما وَصل من القَسْم الذي جعلوه لله إلى قسم شركائهم في قسمهم، وردِّهم ما وَصَل من القسم الذي جعلوه لشركائهم إلى قسم نصيب الله، إلى قسم شركائهم= ﴿كذلك زين لكثير من المشركين قتلَ أولادهم شركاؤهم﴾ ، من الشياطين، فحسنوا لهم وأد البنات [[انظر تفسير ((زين)) فيما سلف ص: ٩٢، تعليق: ٢ والمراجع هناك.]] = ﴿ليردوهم﴾ ، يقول: ليهلكوهم= ﴿وليلبسوا عليهم دينهم﴾ ، فعلوا ذلك بهم، ليخلطوا عليهم دينهم فيلتبس، فيضلوا ويهلكوا، بفعلهم ما حرم الله عليهم [[انظر تفسير ((اللبس)) فيما سلف: ١١: ٤٩٢، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ولو شاء الله أن لا يفعلوا ما كانوا يفعلون من قتلهم لم يفعلوه، بأن كان يهديهم للحق، ويوفقهم للسداد، فكانوا لا يقتلونهم، ولكن الله خذلهم عن الرشاد فقتلوا أولادهم، وأطاعوا الشياطين التي أغوتهم.
يقول الله لنبيه، متوعدًا لهم على عظيم فريتهم على ربهم فيما كانوا يقولون في الأنصباء التي يقسِمونها:"هذا لله وهذا لشركائنا"، وفي قتلهم أولادهم="ذرهم"، يا محمد، [[انظر تفسير ذر فيما سلف: ٧٢، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] "وما يفترون"، وما يتقوّلون عليَّ من الكذب والزور، [[انظر تفسير ((الافتراء)) فيما سلف: ٥٧، تعليق: ٢، والمراجع هناك.]] فإني لهم بالمرصاد، ومن ورائهم العذاب والعقاب.
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٣٩٠٨- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم﴾ ، زينوا لهم، من قَتْل أولادهم.
١٣٩٠٩- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: ﴿قتل أولادهم شركاؤهم﴾ ، شياطينهم، يأمرونهم أن يَئِدوا أولادهم خيفة العَيْلة. [[((العيلة)) (بفتح فسكون) ، الفقر وشدة الحاجة.]]
١٣٩١٠- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، نحوه.
١٣٩١١- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم﴾ الآية، قال: شركاؤهم زينوا لهم ذلك = ﴿ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون﴾ .
١٣٩١٢- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم﴾ ، قال: شياطينهم التي عبدوها، زينوا لهم قتلَ أولادهم.
١٣٩١٣- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم﴾ ، أمرتهم الشياطين أن يقتلوا البنات. وأمَّا ﴿ليردوهم﴾ ، فيهلكوهم. وأما ﴿ليلبسوا عليهم دينهم﴾ ، فيخلطوا عليهم دينهم.
* *
واختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته قرأة الحجاز والعراق: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّن﴾ ، بفتح الزاي من"زين"، ﴿لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ﴾ ، بنصب"القتل"، ﴿شُرَكَاؤُهُمْ﴾ ، بالرفع = بمعنى أن شركاء هؤلاء المشركين، الذين زينوا لهم قتلَ أولادهم= فيرفعون"الشركاء" بفعلهم، وينصبون"القتل"، لأنه مفعول به.
* *
وقرأ ذلك بعض قرأة أهل الشام:"وَكَذَلِكَ زُيِّنَ" بضم الزاي"لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلُ" بالرفع"أَوْلادَهُمْ" بالنصب"شُرَكَائِهِمْ" بالخفض= بمعنى: وكذلك زُيِّن لكثير من المشركين قتلُ شركائهم أولادَهم، ففرّقوا بين الخافض والمخفوض بما عمل فيه من الاسم. وذلك في كلام العرب قبيح غير فصيح. وقد روي عن بعض أهل الحجاز بيت من الشعر يؤيِّد قراءة من قرأ بما ذكرت من قرأة أهل الشام، رأيتُ رواة الشعر وأهل العلم بالعربية من أهل العراق ينكرونه، وذلك قول قائلهم:
فَزَجَجْتُهُ مُتَمَكِّنًا ... زَجَّ القَلُوصَ أَبي مَزَادَهْ [[معاني القرآن للفراء ١: ٣٥٨، الإنصاف: ١٧٩، الخزانة ٢: ٢٥١، والعيني (بهامش الخزانة) ٣: ٤٦٨، وغيرها كثير. ((زج)) : دفع بالزج، وهو الحديدة التي في أسفل الرمح. و ((القلوص)) الناقة الفتية، و ((أبو مزادة)) اسم رجل. وهذا البيت شاهد على ما ذهب إليه الكوفيون من جواز الفصل بين المضاف والمضاف إليه بغير الظرف وحرف الخفض، لضرورة الشعر. والتقدير: زج أبي مزادة القلوص، ففصل بين المضاف والمضاف إليه بالقلوص، وهو مفعول، وليس بظرف ولا حرف خفض. وهذا وإن كان مقالة الكوفيين، فإن الفراء قد رده في معاني القرآن ١: ٣٥٨، وقال هو ليس بشيء.]]
* *
قال أبو جعفر: والقراءة التي لا أستجيز غيرها: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ ، بفتح الزاي من"زين"، ونصب"القتل" بوقوع"زين" عليه، وخفض"أولادهم" بإضافة"القتل" إليهم، ورفع"الشركاء" بفعلهم، لأنهم هم الذين زينوا للمشركين قتلَ أولادهم، على ما ذكرتُ من التأويل.
وإنما قلت:"لا أستجيز القراءة بغيرها"، لإجماع الحجة من القرأة عليه، وأن تأويل أهل التأويل بذلك ورد، ففي ذلك أوضح البيان على فساد ما خالفها من القراءة.
* *
ولولا أن تأويل جميع أهل التأويل بذلك ورد، ثم قرأ قارئ:"وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلُ أَوْلادَهُمْ شُرَكَائِهِمْ"، بضم الزاي من"زين"، ورفع"القتل"، وخفض"الأولاد" و"الشركاء"، على أن "الشركاء" مخفوضون بالردّ على"الأولاد"، بأنّ"الأولاد" شركاء آبائهم في النسب والميراث = كان جائزًا. [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٣٥٧.]]
* *
ولو قرأه كذلك قارئ، غير أنه رفع"الشركاء" وخفض"الأولاد"، كما يقال:"ضُرِبَ عبدُ الله أخوك"، فيظهر الفاعل، بعد أن جرى الخبر بما لم يسمَّ فاعله= كان ذلك صحيحًا في العربية جائزًا.