سورة القرآن surah-quran.com

سورة الأنعام

سورة الأنعام، الآية 28

الجزء 7، الصفحة 131.

بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا۟ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ۖ وَلَوْ رُدُّوا۟ لَعَادُوا۟ لِمَا نُهُوا۟ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ ﴿٢٨﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

ليس الأمر كذلك، بل ظهر لهم يومَ القيامة ما كانوا يعلمونه من أنفسهم من صدق ما جاءت به الرسل في الدنيا، وإن كانوا يُظهرون لأتباعهم خلافه. ولو فرض أن أعيدوا إلى الدنيا فأُمهلوا لرجعوا إلى العناد بالكفر والتكذيب. وإنهم لكاذبون في قولهم: لو رُددنا إلى الدنيا لم نُكذِّب بآيات ربنا، وكنا من المؤمنين.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 27 إلى 29

الآية 27: يقول تعالى مخبراً عن حال المشركين يوم القيامة وإحضارهم النار: {ولو ترى إذۡ وُقِفوا على النار}: ليوبَّخوا ويُقَرَّعوا؛ لرأيت أمراً هائلاً وحالاً مفظعة، ولرأيتهم كيف أقرُّوا على أنفسهم بالكفر والفسوق، وتمنَّوا أنْ لو يُرَدُّوا إلى الدُّنيا، {فقالوا يا لَيۡتَنا نُرَدُّ ولا نكذِّبَ بآيات ربِّنا ونكونَ من المؤمنين}.

الآية 28:{بل بدا لهم ما كانوا يُخفون من قبلُ}: فإنهم كانوا يُخفون في أنفسهم أنَّهم كانوا كاذبين، ويبدو في قلوبهم في كثير من الأوقات، ولكن الأغراض الفاسدة صدَّتهم عن ذلك وصَدَفَتْ قلوبَهم عن الخير، وهم كَذَبَةٌ في هذه الأمنية، وإنما قصدهم أن يدفعوا بها عن أنفسهم العذاب. فلو {رُدُّوا لعادوا لما نُهوا عنه وإنَّهم لكاذبون}.

الآية 29:{وقالوا} منكرين للبعثِ: {إن هي إلَّا حياتُنا الدُّنيا}؛ أي: ما حقيقة الحال والأمر وما المقصودُ من إيجادِنا إلاَّ الحياة الدُّنيا وحدها، {وما نحن بمبعوثينَ}.

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿بَلْ﴾ لِلْإضْرابِ عَنْ إرادَة الإيمان المَفْهُوم مِن التَّمَنِّي ﴿بَدا﴾ ظَهَرَ ﴿لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْل﴾ يَكْتُمُونَ بِقَوْلِهِمْ ﴿واللَّه رَبّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ بِشَهادَةِ جَوارِحهمْ فَتَمَنَّوْا ذَلِكَ ﴿ولَوْ رُدُّوا﴾ إلى الدُّنْيا فَرْضًا ﴿لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ مِن الشِّرْك ﴿وإنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ فِي وعْدهمْ بِالإيمانِ

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يشمل هذا التفسير الآيات 27 إلى 30

يَذْكُرُ تَعَالَى حَالَ الْكُفَّارِ إِذَا وَقَفُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى النَّارِ، وَشَاهَدُوا مَا فِيهَا مِنَ السَّلَاسِلِ وَالْأَغْلَالِ، وَرَأَوْا بِأَعْيُنِهِمْ تِلْكَ الْأُمُورَ الْعِظَامَ وَالْأَهْوَالَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالُوا ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يَتَمَنَّوْنَ أَنْ يُرَدُّوا إِلَى الدَّارِ الدُّنْيَا، لِيَعْمَلُوا عَمَلًا صَالِحًا، وَلَا يُكَذِّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَيَكُونُوا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.

قَالَ تَعَالَى: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ أَيْ: بَلْ ظَهَرَ لَهُمْ حِينَئِذٍ مَا كَانُوا يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مِنَ الْكُفْرِ وَالتَّكْذِيبِ وَالْمُعَانَدَةِ، وَإِنْ أَنْكَرُوهَا، فِي الدُّنْيَا أَوْ فِي الْآخِرَةِ، كَمَا قَالَ قَبْلَ هَذَا بِيَسِيرٍ ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾

وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ ظَهَرَ لَهُمْ مَا كَانُوا يَعْلَمُونَهُ مِنْ أَنْفُسِهِمْ مِنْ صِدْقِ مَا جَاءَتْ [[في أ: "ما جاءهم"]] بِهِ الرُّسُلُ فِي الدُّنْيَا، وَإِنْ كَانُوا يُظْهِرُونَ لِأَتْبَاعِهِمْ خِلَافَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ مُوسَى أَنَّهُ قَالَ لِفِرْعَوْنَ: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزلَ هَؤُلاءِ إِلا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ بَصَائِرَ﴾ الْآيَةَ [الْإِسْرَاءِ: ١٠٢] . قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النَّمْلِ: ١٤] .

وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ كَانُوا يُظْهِرُونَ لِلنَّاسِ الْإِيمَانَ وَيُبْطِنُونَ الْكُفْرَ، وَيَكُونُ هَذَا إِخْبَارًا عَمَّا يَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ كَلَامِ طَائِفَةٍ مِنَ الْكُفَّارِ، وَلَا يُنَافِي هَذَا كَوْنُ هَذِهِ [السُّورَةِ] [[زيادة من م، أ.]] مَكِّيَّةً، وَالنِّفَاقُ إِنَّمَا كَانَ مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهَا مِنَ الْأَعْرَابِ، فَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ وُقُوعَ النِّفَاقِ فِي سُورَةٍ مَكِّيَّةٍ وَهِيَ الْعَنْكَبُوتُ، فَقَالَ: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ١١] ؛ وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ إِخْبَارًا عَنْ حَالِ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، حِينَ يُعَايِنُونَ الْعَذَابَ يَظْهَرُ [[في أ: "فظهر"]] لَهُمْ حينئذ غِبُّ مَا كَانُوا يُبْطِنُونَ مِنَ الْكُفْرِ وَالشِّقَاقِ وَالنِّفَاقِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَأَمَّا مَعْنَى الْإِضْرَابِ فِي قَوْلِهِ: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ فَهُم مَا طَلَبُوا الْعَوْدَ إِلَى الدُّنْيَا رَغْبَةً وَمَحَبَّةً [[زياد من أ.]] فِي الْإِيمَانِ، بَلْ خَوْفًا مِنَ الْعَذَابِ الَّذِي عَايَنُوهُ جَزَاءَ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ، فَسَأَلُوا الرَّجْعَةَ إِلَى الدُّنْيَا لِيَتَخَلَّصُوا مِمَّا شَاهَدُوا [[في أ: "شاهدوه".]] مِنَ النَّارِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ أَيْ: فِي تَمَنِّيهِمُ الرَّجْعَةَ رَغْبَةً وَمَحَبَّةً فِي الْإِيمَانِ.

ثُمَّ قَالَ مُخْبِرًا عَنْهُمْ: إِنَّهُمْ لَوْ رُدُّوا إِلَى الدَّارِ الدُّنْيَا، لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ [مِنَ الْكُفْرِ وَالْمُخَالَفَةِ] [[زيادة من م، أ.]] ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ أَيْ: فِي قَوْلِهِمْ: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ أَيْ: لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ، إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ وَلَقَالُوا: ﴿إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا﴾ أَيْ: مَا هِيَ إِلَّا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا، ثُمَّ لَا مَعَادَ بَعْدَهَا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾

ثُمَّ قَالَ ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ أَيْ: أُوقِفُوا بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ: ﴿أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾ أَيْ: أَلَيْسَ هَذَا الْمَعَادُ بِحَقٍّ وَلَيْسَ بِبَاطِلٍ كَمَا كُنْتُمْ تَظُنُّونَ؟ ﴿قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ أَيْ: بِمَا [[في د، م: "كما".]] كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِهِ، فَذُوقُوا الْيَوْمَ مَسّه [[في أ: "منه".]] ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ [الطَّوْرِ: ١٥]

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ما بهؤلاء العادلين بربهم، [[في المطبوعة: "ما قصد هؤلاء"، وهو لا شيء ولكن حمله عليه أنه في المخطوطة"ما هؤلاء العادلين"، واستظهرت الصواب من قوله بعد: "لكن بهم الإشفاق".]] الجاحدين نبوتك، يا محمد، في قيلهم إذا وقفوا على النار:"يا ليتنا نردُّ ولا نكذب بأيات ربنا ونكون من المؤمنين" = الأسَى والندمُ على ترك الإيمان بالله والتصديق بك، [[السياق: "ما بهؤلاء العادلين بربهم. . . الأسى والندم. . .".]] لكن بهم الإشفاق مما هو نازلٌ بهم من عقاب الله وأليم عذابه، على معاصيهم التي كانوا يخفونها عن أعين الناس ويسترونها منهم، فأبداها الله منهم يوم القيامة وأظهرها على رؤوس الأشهاد، ففضحهم بها، ثم جازاهم بها جزاءَهم.

يقول: بل بدا لهم ما كانوا يخفون من أعمالهم السيئة التي كانوا يخفونها"من قبل ذلك في الدنيا، فظهرت ="ولو رُدُّوا"، يقول: ولو ردّوا إلى الدنيا فأمْهلوا ="لعادوا لما نهوا عنه"، يقول: لرجعوا إلى مثل العمل الذي كانوا يعملونه في الدنيا قبل ذلك، من جحود آيات الله، والكفر به، والعمل بما يسخط عليهم ربِّهم =" إنهم لكاذبون"، في قيلهم:"لو رددنا لم نكذب بآيات ربّنا وكنا من المؤمنين"، لأنهم قالوه حين قالوه خشية العذاب، لا إيمانًا بالله.

* *

وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٣١٨١ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل"، يقول: بدت لهم أعمالهم في الآخرة، التي أخفوها في الدنيا.

١٣١٨٢ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل"، قال: من أعمالهم.

١٣١٨٣ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"ولو ردُّوا لعادُوا لما نهوا عنه"، يقول: ولو وصل الله لهم دُنيا كدنياهم، لعادوا إلى أعمالهم أعمالِ السوء.