سورة القرآن surah-quran.com

سورة الأنعام

سورة الأنعام، الآية 84

الجزء 7، الصفحة 138.

وَوَهَبْنَا لَهُۥٓ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ ۚ كُلًّا هَدَيْنَا ۚ وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِۦ دَاوُۥدَ وَسُلَيْمَـٰنَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ ﴿٨٤﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

ومننّا على إبراهيم - عليه السلام - بأن رزقناه إسحاق ابنًا ويعقوب حفيدًا، ووفَّقنا كُلًّا منهما لسبيل الرشاد، وكذلك وفَّقنا للحق نوحًا -من قبل إبراهيم وإسحاق ويعقوب- وكذلك وفَّقنا للحق من ذرية نوحٍ داودَ وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون عليهم السلام، وكما جزينا هؤلاء الأنبياء بإحسانهم نجزي كل محسن.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 84 إلى 90

الآية 84:{ووهبنا له إسحاقَ ويعقوبَ}: ابنه الذي هو إسرائيلُ أبو الشعب الذي فضَّله الله على العالمين، {كُلًّا} منهما هَدَيْناهُ الصراطَ المستقيم في علمه وعمله، و {نوحاً} هديناهُ {من قبلُ}، وهدايته من أعلى أنواع الهدايات الخاصة التي لم تحصَلْ إلا لأفرادٍ من العالم، وهم أولو العزم من الرسل، الذي هو أحدهم، {ومن ذُرِّيَّتِهِ} ـ: يُحتمل أنَّ الضمير عائدٌ إلى نوح؛ لأنه أقرب مذكور، ولأن الله ذكر مع مَن ذَكَرَ لوطاً، وهو من ذُرِّيَّةِ نوح لا من ذُرِّيَّة إبراهيم؛ لأنه ابن أخيه، ويحتمل أن الضمير يعود إلى إبراهيم؛ لأنَّ السياق في مدحه والثناء عليه، ولوطٌ وإن لم يكن من ذُرِّيَّتِهِ؛ فإنه ممَّن آمن على يده، فكان منقبةُ الخليل وفضيلتُه بذلك أبلغَ من كونه مجردَ ابن له. ـ {داودَ وسليمانَ} ابنَ داود {وأيوبَ ويوسفَ} ابن يعقوبَ {وموسى وهارون} ابني عِمْران. {وكذلك}: كما أصلحنا ذُرِّيَّة إبراهيم الخليل لأنَّه أحسن في عبادة ربِّه وأحسن في نفع الخلق، كذلك {نَجۡزي المحسنين}: بأن نجعلَ لهم من الثناء الصدق والذُّرِّيَّة الصالحة بحسب إحسانهم.

الآية 85:{وزكريا ويحيى}: ابنه، {وعيسى} ابن مريم، {وإلياس كلٌّ}: من هؤلاء {من الصالحين}: في أخلاقهم وأعمالهم وعلومهم، بل هم سادةُ الصالحين وقادتِهم وأئمتهم.

الآية 86:{وإسماعيل} ابن إبراهيم، أبو الشعب الذي هو أفضل الشعوب، وهو الشعب العربي، ووالد سيد ولد آدم محمد - صلى الله عليه وسلم -، {ويونُس} ابن متى، {ولوطاً} ابن هارون أخي إبراهيم، {وكلًّا}: من هؤلاء الأنبياء والمرسلين {فضَّلۡنا على العالمين}: لأن درجات الفضائل أربع، وهي التي ذكرها الله بقوله:{ومَن يُطِع اللهَ والرَّسولَ فأولئكَ مع الذين أنعمَ اللهُ عليهم من النبيِّين والصدِّيقين والشهداء والصالحين}: فهؤلاء من الدرجة العليا، بل هم أفضل الرسل على الإطلاق، فالرسل الذين قصَّهم الله في كتابه أفضلُ ممَّن لم يَقْصُصْ علينا نبأهم بلا شك.

الآية 87:{ومن آبائهم}؛ أي: آباء هؤلاء المذكورين، {وذُرِّيَّاتهم وإخوانهم}؛ أي: وهدينا من آباء هؤلاء وذُرِّيَّاتهم وإخوانهم، {واجتبيناهم}؛ أي: اخترناهم، {وهديناهُم إلى صراط مستقيم}.

{88 ـ 89}{ذلك}: الهدى المذكور {هُدى الله}: الذي لا هدى إلا هداه. {يهدي به من يشاءُ من عبادِهِ}: فاطلبوا منه الهُدى؛ فإنّه إنْ لم يهدِكُم؛ فلا هادي لكم غيره، وممن شاء هدايته هؤلاء المذكورين. {ولو أشركوا}: على الفَرَض والتقدير، {لَحَبِطَ عنهم ما كانوا يعملون}: فإن الشرك محبطٌ للعمل موجبٌ للخلودِ في النار؛ فإذا كان هؤلاء الصفوة الأخيار لو أشركوا ـ وحاشاهم ـ لحبطتْ أعمالُهم؛ فغيرُهم أولى.

الآية 90:{أولئك}: المذكورون {الذين هدى الله فبهداهُمُ اقۡتَدِهۡ}؛ أي: امش أيها الرسول، الكريمُ خلفَ هؤلاءِ الأنبياءِ الأخيارِ واتَّبعْ ملتَهم. وقد امتثل - صلى الله عليه وسلم - فاهتدى بهدي الرسل قبله، وجمع كلَّ كمال فيهم، فاجتمعت لديه فضائل وخصائص فاق بها جميع العالمين، وكان سيد المرسلين وإمام المتقين صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين. وبهذا الملحظ استدلَّ بهذه من استدلَّ من الصحابة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أفضل الرسل كلهم، {قل} للذين أعرضوا عن دعوتك: {لا أسألكم عليه أجراً}؛ أي: لا أطلبُ منكم مغرماً ومالاً جزاء عن إبلاغي إياكم ودعوتي لكم، فيكون من أسباب امتناعكم، إنْ أجري إلاَّ على الله. {إنۡ هو إلا ذِكرى للعالمين}: يتذكَّرون به ما ينفعُهم فيفعلونَه وما يضُرُّهم فيذرونَه، ويتذكَّرون به معرفةَ ربِّهم بأسمائه وأوصافه، ويتذكَّرون به الأخلاق الحميدةَ والطُّرق الموصلة إليها، والأخلاق الرذيلة والطرق المفضية إليها؛ فإذا كان ذكرى للعالمين؛ كان أعظم نعمة أنعم الله بها عليهم، فعليهم قبولها، والشكر عليها.

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاق ويَعْقُوب﴾ ابْنه ﴿كُلًّا﴾ مِنهُما ﴿هَدْينا ونُوحًا هَدْينا مِن قَبْل﴾ أيْ قَبْل إبْراهِيم ﴿ومِن ذُرِّيَّته﴾ أيْ نُوح ﴿داوُد وسُلَيْمان﴾ ابْنه ﴿وأَيُّوب ويُوسُف﴾ ابْن يَعْقُوب ﴿ومُوسى وهارُونَ وكَذَلِكَ﴾ كَما جَزَيْناهُمْ

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يشمل هذا التفسير الآيات 84 إلى 90

يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ وَهَبَ لِإِبْرَاهِيمَ إِسْحَاقَ، بَعْدَ أَنْ طَعَن فِي السِّنِّ، وَأَيِسَ هُوَ وَامْرَأَتُهُ "سَارَةُ" مِنَ الْوَلَدِ، فَجَاءَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُمْ ذَاهِبُونَ إِلَى قَوْمِ لُوطٍ، فَبَشَّرُوهُمَا بِإِسْحَاقَ، فَتَعَجَّبَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَتْ: ﴿قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هُودٍ: ٧٢، ٧٣] ، وَبَشَّرُوهُ [[في م: "وبشروها".]] مَعَ وُجُودِهِ بِنُبُوَّتِهِ، وَبِأَنَّ لَهُ نَسْلًا وعَقِبا، كَمَا قَالَ: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصَّافَّاتِ: ١١٢] ، وَهَذَا أَكْمَلُ فِي الْبِشَارَةِ، وَأَعْظَمُ فِي النِّعْمَةِ، وَقَالَ: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هُودٍ: ٧١] أَيْ: وَيُولَدُ لِهَذَا الْمَوْلُودِ وَلَدٌ فِي حَيَاتِكُمَا، فَتَقَرُّ أَعْيُنُكُمَا بِهِ كَمَا قَرَّتْ بِوَالِدِهِ، فَإِنَّ الْفَرَحَ بِوَلَدِ الْوَلَدِ شَدِيدٌ لِبَقَاءِ النَّسْلِ وَالْعَقِبِ، وَلَمَّا كَانَ وَلَدُ الشَّيْخِ وَالشَّيْخَةِ قَدْ يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ لَا يَعْقب لِضَعْفِهِ، وَقَعَتِ الْبِشَارَةُ بِهِ وَبِوَلَدِهِ بَاسِمِ "يَعْقُوبَ"، الَّذِي فِيهِ اشْتِقَاقُ الْعَقِبِ وَالذُّرِّيَّةِ، وَكَانَ هَذَا مُجَازَاةً لِإِبْرَاهِيمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، حِينَ اعْتَزَلَ قَوْمَهُ وَتَرَكَهُمْ، وَنَزَحَ عَنْهُمْ وَهَاجَرَ مِنْ بِلَادِهِمْ ذَاهِبًا إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، فَعَوَّضَهُ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، عَنْ قَوْمِهِ وَعَشِيرَتِهِ بِأَوْلَادٍ صَالِحِينَ مِنْ صُلْبِهِ عَلَى دِينِهِ، لِتَقَرَّ بِهِمْ عَيْنُهُ، كَمَا قَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٤٩] ، وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلا هَدَيْنَا﴾

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ أَيْ: مِنْ قَبْلِهِ، هَدَيْنَاهُ كَمَا هَدَيْنَاهُ، وَوَهَبْنَا لَهُ ذَرِّيَّةً صَالِحَةً، وَكُلٌّ مِنْهُمَا لَهُ خُصُوصِيَّةٌ عَظِيمَةٌ، أَمَّا نُوحٌ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَغْرَقَ أَهْلَ الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ آمَنَ بِهِ -وَهُمُ الَّذِينَ صَحِبُوهُ فِي السَّفِينَةِ -جَعَلَ اللَّهُ ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ، فَالنَّاسُ كُلُّهُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ نُوحٍ، وَكَذَلِكَ الْخَلِيلُ إِبْرَاهِيمُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، بَعْدَهُ نَبِيًّا إِلَّا مِنْ ذُرِّيَّتِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ الْآيَةَ [الْعَنْكَبُوتِ: ٢٧] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الْحَدِيدِ: ٢٦] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٥٨] .

* *

وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ﴾ أَيْ: وَهَدَيْنَا مِنْ ذُرِّيَّتِهِ ﴿دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ﴾ الْآيَةَ، وُعَوْدُ الضَّمِيرِ إِلَى "نُوحٍ"؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ الْمَذْكُورِينَ، ظَاهِرٌ. وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جرير، ولا إشكال عليه. وعوده إِلَى "إِبْرَاهِيمَ"؛ لِأَنَّهُ الَّذِي سَبَقَ الْكَلَامُ مِنْ أَجْلِهِ حَسَنٌ، لَكِنْ يُشْكِلُ عَلَى ذَلِكَ "لُوطٌ"، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ ذُرِّيَّةِ "إِبْرَاهِيمَ"، بَلْ هُوَ ابْنُ أَخِيهِ مَادَانَ بْنِ آزَرَ؛ اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ دَخَلَ فِي الذُّرِّيَّةِ تَغْلِيبًا، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٣٣] ، فَإِسْمَاعِيلُ عَمُّهُ، وَدَخَلَ فِي آبَائِهِ تَغْلِيبًا.

[وَكَمَا قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلا إِبْلِيسَ﴾ [الْحِجْرِ: ٣٠، ٣١] فَدَخَلَ إِبْلِيسُ فِي أَمْرِ الْمَلَائِكَةِ بِالسُّجُودِ، وَذُمَّ عَلَى الْمُخَالَفَةِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ تَشَبَّهَ بِهِمْ، فَعُومِلَ مُعَامَلَتَهُمْ، وَدَخَلَ مَعَهُمْ تَغْلِيبًا، وَكَانَ مِنَ الْجِنِّ وَطَبِيعَتُهُمُ النَّارُ وَالْمَلَائِكَةُ مِنَ النُّورِ] [[زيادة من م، أ.]]

وَفِي ذِكْرِ "عِيسَى"، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِي ذُرِّيَّةِ "إِبْرَاهِيمَ" أَوْ "نُوحٍ"، عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ دَلَالَةٌ عَلَى دُخُولِ وَلَدِ الْبَنَاتِ فِي ذُرِّيَّةِ الرِّجَالِ؛ لِأَنَّ "عِيسَى"، عَلَيْهِ السَّلَامُ، إِنَّمَا يُنْسَبُ إِلَى "إِبْرَاهِيمَ"، عَلَيْهِ السَّلَامُ، بِأُمِّهِ "مَرْيَمَ" عَلَيْهَا السَّلَامُ، فَإِنَّهُ لَا أَبَ لَهُ.

قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ يَحْيَى الْعَسْكَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرحمن بن صالح، حدثنا علي ابن عَابِسٍ [[في أ: "عباس".]] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَطَاءٍ الْمَكِّيِّ، عَنْ أَبِي حَرْبِ بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ قَالَ: أَرْسَلَ الْحَجَّاجُ إِلَى يَحْيَى بْنِ يَعْمُر فَقَالَ: بَلَغَني أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ مِنْ ذُرِّيَّةِ النَّبِيِّ ﷺ، تَجِدُهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَقَدْ قَرَأْتُهُ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ فَلَمْ أَجِدْهُ؟ قَالَ: أَلَيْسَ تَقْرَأُ سُورَةَ الْأَنْعَامِ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿وَيَحْيَى وَعِيسَى﴾ ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: أَلَيْسَ عِيسَى مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ، وَلَيْسَ لَهُ أَبٌ؟ قَالَ: صَدَقْتَ.

فَلِهَذَا إِذَا أَوْصَى الرَّجُلُ لِذَرِّيَّتِهِ، أَوْ وَقَفَ عَلَى ذُرِّيَّتِهِ أَوْ وَهَبَهُمْ، دَخَلَ أَوْلَادُ الْبَنَاتِ فِيهِمْ، فَأَمَّا إِذَا أَعْطَى الرَّجُلُ بَنِيهِ أَوْ وَقَفَ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّهُ يَخْتَصُّ بِذَلِكَ بَنَوْهُ لِصُلْبِهِ وَبَنُو بَنِيهِ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ الشَّاعِرِ الْعَرَبِيِّ:

بَنُونَا بَنُو أَبْنَائِنَا وَبَنَاتُنَا ... بَنُوهُنَّ أَبْنَاءُ الرِّجَالِ الْأَجَانِبِ [[ذكره ابن عقيل في شواهده على ألفية ابن مالك برقم (٥١) . وعنده "الأباعد" بدل "الأجانب".]]

وَقَالَ آخَرُونَ: وَيَدْخُلُ بَنُو الْبَنَاتِ فِيهِ أَيْضًا، لِمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم قَالَ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ: "إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ" [[صحيح البخاري برقم (٢٧٠٤) من حديث أبي بكرة، رضي الله عنه.]] فَسَمَّاهُ ابْنًا، فَدَلَّ عَلَى دُخُولِهِ فِي الْأَبْنَاءِ.

وَقَالَ آخَرُونَ: هَذَا تَجَوُّزٌ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ﴾ ذَكَرَ أُصُولَهُمْ وَفُرُوعَهُمْ. وَذَوِي طَبَقَتِهِمْ، وَأَنَّ الْهِدَايَةَ وَالِاجْتِبَاءَ شَمَلَهُمْ كُلَّهُمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾

ثُمَّ قَالَ: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ أَيْ: إِنَّمَا حَصَلَ لَهُمْ ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وَهِدَايَتِهِ إِيَّاهُمْ، ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ تَشْدِيدٌ لِأَمْرِ الشِّرْكِ، وَتَغْلِيظٌ لِشَأْنِهِ، وَتَعْظِيمٌ لِمُلَابَسَتِهِ، كَمَا قَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ الْآيَةَ [الزُّمَرِ: ٦٥] ، وَهَذَا شَرْطٌ، وَالشَّرْطُ لَا يَقْتَضِي جَوَازَ الْوُقُوعِ، كَقَوْلِهِ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٨١] ، وَكَقَوْلِهِ ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ١٧] وَكَقَوْلِهِ ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الزُّمَرِ: ٤] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ أَيْ: أَنْعَمْنَا عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ رَحْمَةً لِلْعِبَادِ بِهِمْ، وَلُطْفًا مِنَّا بِالْخَلِيقَةِ، ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا﴾ أَيْ: بِالنُّبُوَّةِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عَائِدًا عَلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ: الْكِتَابِ، وَالْحُكْمِ، وَالنُّبُوَّةِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿هَؤلاءِ﴾ يَعْنِي: أَهْلَ مَكَّةَ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّب، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، والسُّدِّي. ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ أَيْ: إِنْ يَكْفُرْ بِهَذِهِ النِّعَمِ مَنْ كَفَرَ بِهَا مِنْ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ مِنْ سَائِرِ أَهْلِ الْأَرْضِ، مَنْ عَرَبٍ وَعَجَمٍ، وَمِلِّيِينَ وَكِتَابِيِّينَ، فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا ﴿آخَرِينَ﴾ يَعْنِي: الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ وَأَتْبَاعَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، ﴿لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ أَيْ: لَا يَجْحَدُونَ شَيْئًا مِنْهَا، وَلَا يَرُدُّونَ مِنْهَا حَرْفًا وَاحِدًا، بَلْ يُؤْمِنُونَ بِجَمِيعِهَا مُحْكَمِهَا وَمُتَشَابِهِهَا، جَعَلَنَا اللَّهُ مِنْهُمْ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ وَإِحْسَانِهِ.

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُخَاطِبًا عَبْدَهُ وَرَسُولَهُ مُحَمَّدًا ﷺ: ﴿أُولَئِكَ﴾ يَعْنِي: الْأَنْبِيَاءَ الْمَذْكُورِينَ مَعَ مَنْ أُضِيفَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْآبَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ وَالْإِخْوَانِ وَهُمُ الْأَشْبَاهُ ﴿الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ أَيْ: هُمْ أَهْلُ الْهِدَايَةِ لَا غَيْرُهُمْ، ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ أَيِ: اقْتَدِ وَاتَّبِعْ. وَإِذَا كَانَ هَذَا أَمْرًا لِلرَّسُولِ ﷺ، فَأُمَّتُهُ تَبَعٌ لَهُ فِيمَا يُشَرِّعُهُ [لَهُمْ] [[زيادة من أ.]] وَيَأْمُرُهُمْ بِهِ.

قَالَ الْبُخَارِيُّ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ الْأَحْوَلُ، أَنَّ مُجَاهِدًا أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ: أَفِي (ص) سَجْدَةٌ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، ثُمَّ تَلَا ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ ثُمَّ قَالَ: هُوَ مِنْهُمْ -زَادَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، وَسَهْلُ بْنُ يُوسُفَ، عَنِ الْعَوَّامِ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: نَبِيُّكُمْ ﷺ مِمَّنْ أُمِرَ أَنْ يَقْتَدي بِهِمْ [[صحيح البخاري برقم (٤٦٣٢) .]]

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ أَيْ: لَا أَطْلُبُ مِنْكُمْ عَلَى إِبْلَاغِي إِيَّاكُمْ هَذَا الْقُرْآنَ ﴿أَجْرًا﴾ أَيْ: أُجْرَةً، وَلَا أُرِيدُ مِنْكُمْ شَيْئًا، ﴿إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ أَيْ: يَتَذَكَّرُونَ بِهِ فَيُرْشَدُوا مِنَ الْعَمَى إِلَى الْهُدَى، وَمِنَ الْغَيِّ [[في أ: "العمى".]] إِلَى الرَّشَادِ، ومن الكفر إلى الإيمان.

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فجزينا إبراهيم ﷺ على طاعته إيانا، وإخلاصه توحيد ربه، ومفارقته دين قومه المشركين بالله، بأن رفعنا درجته في عليين، وآتيناه أجره في الدنيا، ووهبنا له أولادًا خصصناهم بالنبوّة، وذرية شرفناهم منا بالكرامة، وفضلناهم على العالمين، [[انظر تفسر"وهب" فيما سلف ٦: ٢١٢.]] منهم: ابنه إسحاق، وابن ابنه يعقوب ="كلا هدينا"، يقول: هدينا جميعهم لسبيل الرشاد، فوفقناهم للحق والصواب من الأديان [[انظر تفسير"كل" فيما سلف ٩: ٩٦، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] ="ونوحًا هدينا من قبل"، يقول: وهدينا لمثل الذي هدينا إبراهيم وإسحاق ويعقوب من الحق والصواب، فوفقناه له = نوحًا، من قبل إبراهيم وإسحاق ويعقوب.

* *

="ومن ذريته داود"، و"الهاء" التي في قوله:"ومن ذريته"، من ذكر نوح. وذلك أن الله تعالى ذكره ذكر في سياق الآيات التي تتلو هذه الآية لوطًا فقال:"وإسماعيل واليسع ويونس ولوطًا وكلا فضلنا على العالمين". ومعلوم أن لوطًا لم يكن من ذرية إبراهيم صلى الله عليهم أجمعين. فإذا كان ذلك كذلك، وكان معطوفًا على أسماء من سمَّينا من ذريته، كان لا شك أنه لو أريد بالذرية ذرية إبراهيم، لما دخل يونس ولوط فيهم. ولا شك أن لوطًا ليس من ذرّية إبراهيم، ولكنه من ذرية نوح، فلذلك وجب أن تكون"الهاء" في"الذرية" من ذكر نوح. [[انظر تفسير"الذرية" فيما سلف ٣: ١٩، ٧٣/٥: ٥٤٣/٦: ٣٢٧، ٣٦٢/٨: ١٩.]]

فتأويل الكلام: ونوحًا وفقنا للحق والصواب من قبل إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وهدينا أيضًا من ذرّية نوح، داود وسليمان.

= و"داود"، هو داود بن إيشا [[﴿يسَّى﴾ في كتاب القوم، وقد مضى في التفسير ٥: ٣٥٥: "بن إيشي".]] = و"سليمان" هو ابنه: سليمان بن داود = و"أيوب"، هو أيوب بن موص بن رزاح [[في المطبوعة والمخطوطة: "روح" والصواب من تاريخ الطبري ١: ١٦٥.]] بن عيص بن إسحاق بن إبراهيم = و"يوسف"، هو يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم = و"موسى"، هو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب = و"هارون"، أخو موسى.

* *

="وكذلك نجزي المحسنين"، يقول تعالى ذكره: جزينا نوحًا بصبره على ما امتحن به فينا، بأن هديناه فوفقناه لإصابة الحق الذي خذلنا عنه من عصانا فخالف أمرنا ونهينا من قومه، وهدينا من ذريته من بعده من ذكر تعالى ذكره من أنبيائه لمثل الذي هديناه له. وكما جزينا هؤلاء بحسن طاعتهم إيانا وصبرهم على المحن فينا، كذلك نجزي بالإحسان كل محسن. [[انظر تفسير"الجزاء"، و"الإحسان" فيما سلف من فهارس اللغة (جزي) (حسن) .]]