سورة الأنبياء، الآية 104
الجزء 17، الصفحة 331.
يَوْمَ نَطْوِى ٱلسَّمَآءَ كَطَىِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ۚ كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُۥ ۚ وَعْدًا عَلَيْنَآ ۚ إِنَّا كُنَّا فَـٰعِلِينَ ﴿١٠٤﴾
الآية في سياق السورةاستمع إلى سورة الأنبياء
تفسير الآية
التفسير الميسر
يشمل هذا التفسير الآيات 103 إلى 104
لا يخيفهم الهول العظيم يوم القيامة، بل تبشرهم الملائكة: هذا يومكم الذي وُعِدتُم فيه الكرامة من الله وجزيل الثواب. يوم نطوي السماء كما تُطْوى الصحيفة على ما كُتب فيها، ونبعث فيه الخلق على هيئة خَلْقنا لهم أول مرة، كما ولدتهم أمهاتهم، ذلك وعد الله الذي لا يُخْلَف، وَعَدْنا بذلك وعدًا حقًّا علينا، إنا كنا فاعلين دائمًا ما نَعِدُ به.
تفسير السعدي
يشمل هذا التفسير الآيات 104 إلى 105
الآية 104: يخبر تعالى أنه يوم القيامة يطوي السماواتِ على عِظَمها واتِّساعها كما يطوي الكاتُب للسجل؛ أي:الورقة المكتوب فيها؛ فتنتثر نجومها، وتكور شمسها وقمرها، وتزول عن أماكنها.{كما بَدَأنا أوَّلَ خلقٍ نعيدُه}؛ أي: إعادتنا للخلق مثل ابتدائنا لخلقهم؛ فكما ابتدأنا خلقَهم ولم يكونوا شيئاً؛ كذلك نعيدُهم بعد موتهم، {وعداً علينا إنَّا كنَّا فاعلينَ}: ننفِّذُ ما وَعَدْنا؛ لكمال قدرتِهِ، وأنه لا تمتنعُ منه الأشياء.
الآية 105:{ولقد كَتَبۡنا في الزَّبورِ}: وهو الكتاب المزبور، والمرادُ الكتبُ المنزلة؛ كالتوراة، ونحوها، {من بعد الذِّكۡرِ}؛ أي: كتبناه في الكتب المنزلة بعدما كَتَبْنَاه في الكتاب السابق الذي هو اللوح المحفوظ وأمِّ الكتاب الذي توافِقُه جميعُ التقادير المتأخِّرة عنه والمكتوب في ذلك: {أنَّ الأرض}؛ أي: أرض الجنَّة، {يَرِثُها عباديَ الصَّالحونَ}: الذين قاموا بالمأمورات، واجتنبوا المنهيَّات؛ فهم الذين يورِثُهم الله الجنات؛ كقول أهل الجنة:{الحمد لله الذي هدانا لهذا}، {وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء}، ويُحتمل أنَّ المراد الاستخلاف في الأرض، وأنَّ الصالحين يمكِّنُ الله لهم في الأرض، ويولِّيهم عليها؛ كقوله تعالى:{وَعَدَ الله الذين آمنوا منكم وعَمِلوا الصالحاتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ في الأرضِ كما اسۡتَخۡلَفَ الذين من قبلهم ... } الآية.
تفسير الجلالين
﴿يَوْم﴾ مَنصُوب بِذُكِرَ مُقَدَّرًا قَبْله ﴿نَطْوِي السَّماء كَطَيِّ السِّجِلّ﴾ اسْم مَلَك ﴿لِلْكُتُبِ﴾ صَحِيفَة ابْن آدَم عِنْد مَوْته واللّام زائِدَة أوْ السِّجِلّ الصَّحِيفَة والكِتاب بِمَعْنى المَكْتُوب واللّام بِمَعْنى عَلى وفِي قِراءَة لِلْكُتُبِ جَمْعًا ﴿كَما بَدَأْنا أوَّل خَلْق﴾ مِن عَدَم ﴿نُعِيدهُ﴾ بَعْد إعْدامه فالكاف مُتَعَلِّقَة بِنُعِيد وضَمِيره عائِد إلى أوَّل وما مَصْدَرِيَّة ﴿وعْدًا عَلَيْنا﴾ مَنصُوب بِوَعَدْنا مُقَدَّرًا قَبْله وهُوَ مُؤَكِّد لِمَضْمُونِ ما قَبْله ﴿إنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ ما وعَدْناهُ
تفسير ابن كثير
يَقُولُ تَعَالَى: هَذَا كَائِنٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزُّمَرِ: ٦٧] وَقَدْ قَالَ الْبُخَارِيُّ:
حَدَّثَنَا مُقَدم بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي عَمِّي الْقَاسِمُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ عُبَيد اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ يَقْبِضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الأرضَين، وَتَكُونُ السموات بِيَمِينِهِ" [[صحيح البخاري برقم (٧٤١٢) .]] .
انْفَرَدَ بِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ الْبُخَارِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَجَّاجِ الرَّقِّي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنِ أَبِي الْوَاصِلِ [[في ت: "المواصل".]] ، عَنِ أَبِي الْمَلِيحِ الْأَزْدِيِّ [[في ت: "الأودي".]] ، عَنِ أَبِي الْجَوْزَاءِ الْأَزْدِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: يَطْوِي الله [[في ت: "إليه".]] السموات السَّبْعَ بِمَا فِيهَا مِنَ الْخَلِيقَةِ وَالْأَرْضِينَ السَّبْعَ بِمَا فِيهَا مِنَ الْخَلِيقَةِ، يَطْوِي ذَلِكَ كُلَّهُ [[في ف: "كله ذلك".]] بِيَمِينِهِ، يَكُونُ ذَلِكَ كُلُّهُ فِي يَدِهِ بِمَنْزِلَةِ خَرْدَلَةٍ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ ، قِيلَ: الْمُرَادُ بِالسِّجِلِّ [الْكِتَابُ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالسِّجِلِّ] [[زيادة من ف.]] هَاهُنَا: مَلَك مِنَ الْمَلَائِكَةِ.
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَفَاءِ الْأَشْجَعِيُّ، عَنِ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ ، قَالَ: السِّجِلُّ: مَلَك، فَإِذَا صَعِدَ بِالِاسْتِغْفَارِ قَالَ: اكْتُبْهَا نُورًا.
وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي كُرَيْب، عَنِ ابْنِ يَمَانٍ، بِهِ.
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَرُوِيَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ [[في ت: "أبي حفص".]] مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ أَنَّ السِّجِلَّ مَلَكٌ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: السِّجِلُّ: مَلَك مُوَكَّلٌ بِالصُّحُفِ، فَإِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ رُفِعَ [[في ت: "دفع".]] كتابُه إِلَى السِّجِلِّ فَطَوَاهُ، وَرَفَعَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ اسْمُ رَجُلٍ صِحَابِيٍّ، كَانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ ﷺ الْوَحْيَ: قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعة، حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الجَهْضَميّ، حَدَّثَنَا نُوحُ بْنُ قَيْسٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ، عَنِ ابن عباس: [ ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ ] [[زيادة من ف.]] ، قَالَ: السجل: هو الرجل.
قَالَ نُوحٌ: وَأَخْبَرَنِي يَزِيدُ بْنُ كَعْبٍ -هُوَ العَوْذي-عَنْ عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: السِّجِلُّ كَاتِبٌ [[في ت: "كانت".]] لِلنَّبِيِّ ﷺ.
وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ [[في ت: "سعد".]] ، عَنْ نُوحِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: السِّجِلُّ كَاتِبٌ [[في ت: "كانت".]] لِلنَّبِيِّ ﷺ [[سنن أبي داود برقم (٢٩٣٥) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٣٣٥) .]] .
وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ نَصْرِ بْنِ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيِّ، كَمَا تَقَدَّمَ. وَرَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ النُّكْريّ عَنِ أَبِيهِ، عَنِ أَبِي الْجَوْزَاءِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ لِلنَّبِيِّ [[في ت: "كان لرسول الله".]] ﷺ كَاتِبٌ يُسَمَّى [[في ت: "كانت تسمى".]] السِّجِلَّ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ ، قَالَ: كَمَا يَطْوِي السِّجِلُّ الْكِتَابَ، كَذَلِكَ نَطْوِي السَّمَاءَ، ثُمَّ قَالَ: وَهُوَ غَيْرُ مَحْفُوظٍ [[الكامل (٧/٢٠٥) .]] .
وَقَالَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ فِي تَارِيخِهِ: أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ البَرْقَاني، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ الْحَجَّاجِيُّ، أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ، أَنَّ حَمْدَانَ بْنَ سَعِيدٍ حَدَّثَهُمْ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: السِّجِلُّ: كَاتِبٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ [[تاريخ بغداد (٨/١٧٥) .]] .
وَهَذَا مُنْكَرٌ جِدًّا مِنْ حَدِيثِ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، لَا يَصِحُّ أَصْلًا وَكَذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، مِنْ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ، لَا يَصِحُّ أَيْضًا. وَقَدْ صَرَّحَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْحُفَّاظِ بِوَضْعِهِ -وَإِنْ كَانَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ-مِنْهُمْ شَيْخُنَا الْحَافِظُ الْكَبِيرُ أَبُو الْحَجَّاجِ المِزِّي، فَسَح اللَّهُ فِي عُمْرِهِ، ونَسَأ فِي أَجَلِهِ، وَخَتَمَ لَهُ بِصَالِحِ عَمَلِهِ، وَقَدْ أَفْرَدَتُ لِهَذَا الْحَدِيثِ جُزْءًا عَلَى حِدَةٍ [[في أ: "حدته".]] ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَقَدْ تَصَدَّى الْإِمَامُ أبو جعفر بن جَرِيرٍ لِلْإِنْكَارِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَرَدَّهُ أَتَمَّ رَدٍّ، وَقَالَ: لَا يُعَرف فِي الصَّحَابَةِ أَحَدٌ [[في ف: "لا يعرف أحد في الصحابة".]] اسْمُهُ السجِل، وكُتَّاب النَّبِيِّ ﷺ مَعْرُوفُونَ، وَلَيْسَ فِيهِمْ أَحَدٌ اسْمُهُ السِّجِلُّ، وصَدَق رَحِمَهُ اللَّهُ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ مِنْ أَقْوَى الْأَدِلَّةِ عَلَى نَكَارة هَذَا الْحَدِيثِ. وَأَمَّا مَنْ ذَكَرَ فِي أَسْمَاءِ الصَّحَابَةِ هَذَا، فَإِنَّمَا اعْتَمَدَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ، لَا عَلَى غَيْرِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالصَّحِيحُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ السِّجِلَّ هِيَ الصَّحِيفَةُ، قَالَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ وَالْعَوْفِيُّ، عَنْهُ. وَنَصَّ عَلَى ذَلِكَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ؛ لِأَنَّهُ الْمَعْرُوفُ فِي اللُّغَةِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ أَيْ: عَلَى [هَذَا] [[زيادة من ف، أ.]] الْكِتَابِ، بِمَعْنَى الْمَكْتُوبِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصَّافَّاتِ:١٠٣] ، أَيْ: عَلَى الْجَبِينِ، وَلَهُ نَظَائِرُ فِي اللُّغَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ يَعْنِي: هَذَا كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ، يَوْمَ يُعِيدُ اللَّهُ الْخَلَائِقَ خَلْقًا جَدِيدًا، كَمَا بَدَأَهُمْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى إِعَادَتِهِمْ [[في ت: "إعادته".]] ، وذلك واجب الوقوع، لأنه من جُمْلَةِ وَعْدِ اللَّهِ الَّذِي لَا يُخْلَفُ وَلَا يُبَدَّلُ، وَهُوَ الْقَادِرُ عَلَى ذَلِكَ. وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيع وَابْنُ جَعْفَرٍ الْمَعْنَى [[في هـ، ت، ف، أ: "وابن جعفر، وعفان المعنى" والمثبت من المسند.]] ، قَالَا [[في ت: "قالوا".]] : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ النُّعْمَانِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَوْعِظَةٍ فَقَالَ: "إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلا كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ، وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ"؛ وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ، أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ. وَرَوَاهُ [[في ت: "وذكره"، وفي ف، أ: "ذكره".]] الْبُخَارِيُّ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ فِي كِتَابِهِ [[المسند (١/٢٣٥) وصحيح البخاري برقم (٤٦٢٥) ، (٤٧٤٠) وصحيح مسلم برقم (٢٨٦٠) .]] .
وَقَدْ رَوَى لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ [[في ت، ف: "عن رسول الله".]] ﷺ، نَحْوَ ذَلِكَ.
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ قَالَ: نُهْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ، كَمَا كَانَ أَوَّلَ مَرَّةٍ.
تفسير الطبري
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤) ﴾
يقول تعالى ذكره: لا يحزنهم الفزع الأكبر، يوم نطوي السماء، فيوم صلة من يحزنهم.
واختلف أهل التأويل في معنى السجلّ الذي ذكره الله في هذا الموضع، فقال بعضهم: هو اسم ملك من الملائكة.
ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، قال: ثنا أبو الوفاء الأشجعيّ، عن أبيه، عن ابن عمر، في قوله ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ قال: السجِلّ: مَلَك، فإذا صعد بالاستغفار قال: اكتبها نورا.
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، قال: سمع السديّ يقول، في قوله ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ﴾ قال: السجلّ: ملك.
وقال آخرون: السجلّ: رجل كان يكتب لرسول الله ﷺ.
ذكر من قال ذلك: حدثنا نصر بن علي، قال: ثنا نوح بن قيس، قال: ثنا عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس في هذه الآية ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ قال: كان ابن عباس يقول: هو الرجل.
⁕ قال: ثنا نوح بن قيس، قال: ثنا يزيد بن كعب، عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس، قال: السجل: كاتب كان يكتب لرسول الله ﷺ.
وقال آخرون: بل هو الصحيفة التي يكتب فيها.
ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله ﴿كطي السجل للكتاب﴾ يقول: كطي الصحيفة على الكتاب.
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قالا ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب﴾ يقول: كطيّ الصحف.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: السِّجلّ: الصحيفة.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قوله ﴿يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب﴾ قال: السجل: الصحيفة.
وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب قول من قال: السجل في هذا الموضع الصحيفة، لأن ذلك هو المعروف في كلام العرب، ولا يعرف لنبينا ﷺ كاتب كان اسمه السجلّ، ولا في الملائكة ملك ذلك اسمه.
فإن قال قائل: وكيف نطوي الصحيفة بالكتاب إن كان السجل صحيفة؟ قيل: ليس المعنى كذلك، وإنما معناه: يوم نطوي السماء كطيّ السجل على ما فيه من الكتاب، ثم جعل نطوي مصدرا، فقيل ﴿كطي السجل للكتاب﴾ واللام في قوله للكتاب بمعنى على.
واختلف القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الأمصار، سوى أبي جعفر القارئ ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ﴾ بالنون، وقرأ ذلك أبو جعفر ﴿يَوْم تُطْوَى السَّماءُ﴾ بالتاء وضمها، على وجه ما لم يُسمّ فاعله.
والصواب من القراءة في ذلك ما عليه قراء الأمصار، بالنون، لإجماع الحجة من القرّاء عليه وشذوذ ما خالفه. وأما السِّجلّ فإنه في قراءة جميعهم بتشديد اللام، وأما الكتاب، فإن قرّاء أهل المدينة وبعض أهل الكوفة والبصرة قرءوه بالتوحيد، كطي السجل للكتاب، وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة ﴿للْكُتُبِ﴾ على الجماع.
وأولى القراءتين عندنا في ذلك بالصواب: قراءة من قرأه على التوحيد للكتاب، لما ذكرنا من معناه، فإن المراد منه: كطيّ السجلّ على ما فيه مكتوب، فلا وجه إذ كان ذلك معناه لجميع الكتب إلا وجه نتبعه من معروف كلام العرب، وعند قوله ﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ﴾ انقضاء الخبر عن صلة قوله ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ ، ثم ابتدأ الخبر عما الله فاعل بخلقه يومئذ فقال تعالى ذكره ﴿كما بدأنا أول خلق نعيده.
فالكاف التي في قوله (كَما﴾ من صلة نعيد، تقدّمت قبلها، ومعنى الكلام: نعيد الخلق عُراة حفاة غُرْلا يوم القيامة، كما بدأناهم أوّل مرّة في حال خلقناهم في بطون أمَّهاتهم، على اختلاف من أهل التأويل في تأويل ذلك.
وبالذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل، وبه الخبر عن رسول الله ﷺ، فلذلك اخترت القول به على غيره.
ذكر من قال ذلك والأثر الذي جاء فيه: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى -وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ قال: حُفاة عُراة غُرْلا.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله ﴿أول خلق نعيد﴾ قال: حفاة غلفا، قال ابن جريج أخبرني إبراهيم بن ميسرة، أنه سمع مجاهدا يقول: قال رسول الله ﷺ لإحدى نسائه: " يَأْتُونَهُ حُفاةً عُرَاةً غُلْفا، فاسْتَتَرتْ بِكُمِّ دِرْعِها، وقالَتْ وَا سَوأتاهُ" قال ابن جريج: أخبرت أنها عائشة قالت: يا نبيّ الله، لا يحتشمُ الناس بعضهم بعضا؟ قال: "لكُلّ امْرئٍ يَوْمَئذٍ شَأْنٌ يُغْنِيه".
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال: ثنا سفيان، قال: ثني المغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبيّ ﷺ قال: "يُحْشَرُ النَّاسُ حُفاةً عُرَاةً غُزْلا فَأَوَّلُ مَنْ يُكْسَى إِبْرَاهيمُ" ثم قرأ ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ .
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا إسحاق بن يوسف، قال: ثنا سفيان، عن المغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال: " وقام فينا رسول الله ﷺ بموعظة، فذكره نحوه".
⁕ حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن المغيرة بن النعمان النخَعيّ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: "قام فينا رسول الله ﷺ، فذكره نحوه.
⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن شعبة، قال: ثنا المغيرة بن النعمان النخَعيّ، عن سعيد بن جُبير، عن أبن عباس، نحوه.
⁕ حدثنا عيسى بن يوسف بن الطباع أبو يحيى، قال: ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: سمعت النبيّ ﷺ يخطب فقال: "إنكم مُلاقُو اللهِ مُشاةً غُرْلا".
⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، عن ليث، عن مجاهد، عن عائشة، قالت: " دخل عليّ رسول الله ﷺ وعندي عجوز من بني عامر، فقال: مَنْ هَذه العَجُوزُ يا عائِشةُ؟ فقلت: إحدى خالاتي، فقالت: ادع الله أن يدخلني الجنة، فقال: إنّ الجَنَّةَ لا يَدْخُلُها العَجَزةُ، قالت: فأخذَ العجوز ما أخذها، فقال: إنّ اللهَ يُنْشِئُهُنَّ خَلْقا غيرَ خَلْقِهِنَّ، ثم قال: يُحْشَرُونَ حُفاةً عُرَاةً غُلْفا، فقالت: حاش لله من ذلك، قال رسول الله ﷺ: بَلى إنّ الله قال: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا﴾ ... إلى آخر الآية، فأوَّلُ مَنْ يُكْسَى إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الله".
⁕ حدثني محمد بن عمارة الأسدي، قال: ثنا عبيد الله، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عطاء، عن عقبة بن عامر الجهني، قال: يجمع الناس في صعيد واحد ينفذهم البصر، ويسمعهم الداعي، حفاة عراة، كما خلقوا أول يوم.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني عباد بن العوام، عن هلال بن حبان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ قال: "يحشر الناس يوم القيامة حُفاة عراة مشاة غرلا قلت: يا أبا عبد الله ما الغرل؟ قال: الغلف، فقال بعض أزواجه: يا رسول الله، أينظر بعضنا إلى بعض إلى عورته؟ فقال لِكُلّ امْرئٍ يَوْمَئذٍ ما يَشْغَلُهُ عَن النَّظَر إلى عَوْرَة أَخِيهِ"، قال هلال: قال سعيد بن جبير ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ قال: كيوم ولدته أمه، يردّ عليه كل شيء انتقص منه مثل يوم وُلد.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: كما كنا ولا شيء غيرنا قبل أن نخلق شيئا، كذلك نهلك الأشياء فنعيدها فانية، حتى لا يكون شيء سوانا.
ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ . . . الآية، قال: نهلك كل شيء كما كان أوّل مرّة.
* *
وقوله ﴿وَعْدًا عَلَيْنَا﴾
يقول: وعدناكم ذلك وعدا حقا علينا أن نوفي بما وعدنا، إنا كنا فاعلي ما وعدناكم من ذلك أيها الناس، لأنه قد سبق في حكمنا وقضائنا أن نفعله، على يقين بأن ذلك كائن، واستعدوا وتأهبوا.