سورة الأنبياء، الآية 112
الجزء 17، الصفحة 331.
قَـٰلَ رَبِّ ٱحْكُم بِٱلْحَقِّ ۗ وَرَبُّنَا ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ ﴿١١٢﴾
الآية في سياق السورةاستمع إلى سورة الأنبياء
تفسير الآية
التفسير الميسر
قال النبي ﷺ: ربِّ افصل بيننا وبين قومنا المكذبين بالقضاء الحق. ونسأل ربَّنا الرحمن، ونستعين به على ما تَصِفونه -أيها الكفار- من الشرك والتكذيب والافتراء عليه، وما تتوعدوننا به من الظهور والغلبة.
تفسير السعدي
يشمل هذا التفسير الآيات 106 إلى 112
الآية 106: يُثني الله تعالى على كتابِهِ العزيز القرآنِ ويبيِّن كفايته التامَّة عن كلِّ شيءٍ وأنَّه لا يُستغنى عنه، فقال:{إنَّ في هذا لبلاغاً لقوم عابدين}؛ أي: يتبلَّغون به في الوصول إلى ربِّهم وإلى دار كرامته، فيوصِلُهم إلى أجلِّ المطالب وأفضل الرغائب، وليس للعابدين الذين هم أشرفُ الخلق وراءه غايةٌ؛ لأنَّه الكفيل بمعرفةِ ربِّهم بأسمائِهِ وصفاتِهِ وأفعالِهِ وبالإخبار بالغيوبِ الصَّادقة وبالدَّعوة لحقائق الإيمان وشواهد الإيقان، المبيِّن للمأمورات كلِّها والمنهيَّات جميعها، المعرِّف بعيوب النفس والعمل والطرق التي ينبغي سلوكها في دقيق الدين وجليله، والتَّحذير من طُرُق الشيطان، وبيان مداخلِهِ على الإنسان؛ فمن لم يُغْنِهِ القرآنُ؛ فلا أغناه الله، ومَنْ لا يكفيه؛ فلا كفاه الله.
الآية 107: ثم أثنى على رسولِهِ الذي جاء بالقرآن، فقال:{وما أرۡسَلۡناك إلاَّ رحمةً للعالمين}: فهو رحمتُهُ المهداةُ لعبادِهِ؛ فالمؤمنون به قَبِلوا هذه الرحمة وشكروها وقاموا بها، وغيرُهم كفروها، وبدَّلوا نعمةَ الله كفراً، وأبوا رحمةَ الله ونعمته.
الآية 108:{قل} يا محمد: {إنَّما يُوحى إليَّ أنَّما إلهكم إلهٌ واحدٌ}: الذي لا يستحقُّ العبادةَ إلاَّ هو، ولهذا قال:{فهل أنتُم مسلِمونَ}؛ أي: منقادون لعبوديَّتِهِ مستسلِمون لألوهيَّتِهِ؛ فإنْ فَعَلوا؛ فَلْيَحْمدوا ربَّهم على ما منَّ عليهم بهذه النعمة التي فاقت المنن.
{109 ـ 110} وإنْ {تَوَلَّوۡا}: عن الانقياد لعبوديَّة ربِّهم؛ فحذِّرْهم حلول المَثُلات ونزول العقوبة. {فقُلۡ آذنۡتُكم}؛ أي: أعلمتُكم بالعقوبة، {على سواءٍ}؛ أي: علمي وعلمُكم بذلك مستوٍ؛ فلا تقولوا إذا نزل بكم العذاب: ما جاءنا من بشيرٍ ولا نذيرٍ، بل الآن استوى علمي، وعلمُكم لمَّا أنذرتُكم وحذرتُكم وأعلمتُكم بمآل الكفر، ولم أكتُم عنْكُم شيئاً. {وإنۡ أدري أقريبٌ أم بعيدٌ ما توعدونَ}؛ أي: من العذاب؛ لأنَّ عِلْمَهُ عند الله، وهو بيده؛ ليس لي من الأمر شيءٌ.
الآية 111:{وإنۡ أدۡري لعلَّه فتنةٌ لكم ومتاعٌ إلى حين}؛ أي: لعلَّ تأخير العذاب الذي استعجَلْتُموه شرٌّ لكم، وإنْ تُمَتَّعوا في الدُّنيا إلى حين، ثم يكون أعظم لعقوبتكم.
الآية 112:{قال ربِّ احكُم بالحقِّ}؛ أي: بيننا وبين القوم الكافرين؛ فاستجابَ الله هذا الدُّعاء، وحكم بينَهم في الدُّنيا قبل الآخرة بما عاقب الله به الكافرين من وقعة بدرٍ وغيرها. {وربُّنا الرحمن المستعانُ على ما تصفِونَ}؛ أي: نسأل ربَّنا الرحمن ونستعينُ به على ما تصِفون من قولكم: سنظهرُ عليكُم، وسيضمحلُّ دينكم! فنحنُ في هذا لا نعجبُ بأنفسنا، ولا نتَّكِلُ على حولنا وقوَّتِنا، وإنَّما نستعينُ بالرحمن الذي ناصيةُ كلِّ مخلوقٍ بيدِهِ، ونرجوه أن يُتِمَّ ما اسْتَعَنَّاه به من رحمتِهِ. وقد فعل ولله الحمد.
* * *
تفسير الجلالين
﴿قُلْ﴾ وفِي قِراءَة قالَ ﴿رَبّ اُحْكُمْ﴾ بَيْنِي وبَيْن مُكَذِّبِي ﴿بِالحَقِّ﴾ بِالعَذابِ لَهُمْ أوْ النَّصْر عَلَيْهِمْ فَعُذِّبُوا بِبَدْرٍ وأُحُد وحُنَيْن والأَحْزاب والخَنْدَق ونُصِرَ عَلَيْهِمْ ﴿ورَبّنا الرَّحْمَن المُسْتَعان عَلى ما تَصِفُونَ﴾ مِن كَذِبكُمْ عَلى اللَّه فِي قَوْلكُمْ ﴿اتَّخَذَ ولَدًا﴾ وعَلَيَّ فِي قَوْلكُمْ: ساحِر وعَلى القُرْآن فِي قَوْلكُمْ شِعْر
تفسير ابن كثير
يشمل هذا التفسير الآيات 108 إلى 112
يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا رَسُولَهُ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، أَنْ يَقُولَ لِلْمُشْرِكِينَ: ﴿إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أَيْ: مُتَّبِعُونَ عَلَى ذَلِكَ، مُسْتَسْلِمُونَ مُنْقَادُونَ [[في ت: "متقاربين".]] لَهُ.
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أَيْ: تَرَكُوا مَا دَعَوْتَهُمْ إِلَيْهِ، ﴿فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ أَيْ: أَعْلَمْتُكُمْ أَنِّي حَرْب لَكُمْ، كَمَا أَنَّكُمْ حَرْبٌ لِي، بَرِيءٌ مِنْكُمْ كَمَا أَنَّكُمْ بُرآء مِنِّي، كَقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يُونُسَ: ٤١] . وَقَالَ ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الْأَنْفَالِ: ٥٨] : لِيَكُنْ [[في ت: "لكن".]] عِلْمُكَ وَعِلْمُهُمْ بِنَبْذِ الْعُهُودِ عَلَى السَّوَاءِ، وَهَكَذَا هَاهُنَا، ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ أَيْ: أَعْلَمْتُكُمْ بِبَرَاءَتِي مِنْكُمْ، وَبَرَاءَتِكُمْ مِنِّي؛ لِعِلْمِي بِذَلِكَ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ أَيْ: هُوَ وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ، وَلَكِنْ لَا عِلْمَ لِي بِقُرْبِهِ وَلَا بِبُعْدِهِ، ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ﴾ أَيْ: إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ الْغَيْبَ جميعَه، وَيَعْلَمُ مَا يُظْهِرُهُ الْعِبَادُ وَمَا يُسِرُّونَ، يَعْلَمُ الظَّوَاهِرَ وَالضَّمَائِرَ، وَيَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى، وَيَعْلَمُ مَا الْعِبَادُ عَامِلُونَ فِي أَجْهَارِهِمْ وَأَسْرَارِهِمْ، وَسَيَجْزِيهِمْ عَلَى ذَلِكَ، عَلَى الْقَلِيلِ وَالْجَلِيلِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ أَيْ: وَمَا أَدْرِي لَعَلَّ هَذَا فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: لَعَلَّ تَأْخِيرَ ذَلِكَ [[في أ: "هذا".]] عَنْكُمْ فِتْنَةٌ لَكُمْ، وَمَتَاعٌ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [[تفسير الطبري (١٧/٨٤) .]] . وَحَكَاهُ عَوْنٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ أَيِ: افْصِلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا الْمُكَذِّبِينَ بِالْحَقِّ.
قَالَ قَتَادَةُ: كَانَ الْأَنْبِيَاءُ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٨٩] ، وَأَمَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ.
وَعَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا شَهِدَ قِتَالًا قَالَ: ﴿رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ أَيْ: عَلَى مَا يَقُولُونَ وَيَفْتَرُونَ مِنَ الْكَذِبِ، وَيَتَنَوَّعُونَ فِي مَقَامَاتِ التَّكْذِيبِ والإفك، والله المستعان عليكم في ذلك [[وقع في ت: "آخر تفسير "سورة الأنبياء" عليهم السلام، ولله الحمد والمنة، عفا الله لمن نظر فيه ولكاتبه وللمسلمين أجمعين".]] .
تفسير الطبري
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١١٢) ﴾
يقول تعالى ذكره: قل يا محمد: يا رب افصل بيني وبين من كذّبني من مشركي قومي وكفر بك، وعبد غيرك، بإحلال عذابك ونقمتك بهم، وذلك هو الحقّ الذي أمر الله تعالى نبيه أن يسأل ربه الحكم به، وهو نظير قوله جلّ ثناؤه ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس ﴿قال رب احكم بالحقّ﴾ قال: لا يحكم بالحقّ إلا الله، ولكن إنما استعجل بذلك في الدنيا، يسأل ربه على قومه.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قَتادة: أن النبيّ ﷺ، كان إذا شهد قتالا قال ﴿رب احكم بالحق﴾ .
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الأمصار ﴿قُلْ رَبّ احْكُمْ﴾ بكسر الباء، ووصل الألف ألف احكم، على وجه الدعاء والمسألة، سوى أبي جعفر، فإنه ضم الباء من الربّ، على وجه نداء المفرد، وغير الضحاك بن مزاحم، فإنه روي عنه أنه كان يقرأ ذلك: ﴿رَبّي أَحْكَمُ﴾ على وجه الخبر بأن الله أحكم بالحقّ من كل حاكم، فيثبت الياء في الربّ، ويهمز الألف من أحكم، ويرفع أحكم على أنه خبر للربُ تبارك وتعالى:
والصواب من القراءة عندنا في ذلك: وصل الباء من الرب وكسرها باحكم، وترك قطع الألف من احكم، على ما عليه قراء الأمصار، لإجماع الحجة من القرّاء عليه وشذوذ ما خالفه. وأما الضحاك فإن في القراءة التي ذكرت عنه زيادة حرف على خط المصاحف، ولا ينبغي أن يزاد ذلك فيها، مع صحة معنى القراءة بترك زيادته، وقد زعم بعضهم أن معنى قوله ﴿رب احكم بالحق﴾ قل: ربّ احكم بحكمك الحقّ، ثم حذف الحكم الذي الحقّ نعت له، وأقيم الحقّ مقامه، ولذلك وجه، غير أن الذي قلناه أوضح وأشبه بما قاله أهل التأويل، فلذلك اخترناه.
* *
وقوله ﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾
يقول جلّ ثناؤه: وقل يا محمد: وربنا الذي يرحم عباده ويعمهم بنعمته، الذي أستعينه عليكم فيما تقولون وتصفون من قولكم لي فيما أتيتكم به من عند الله ﴿هَلْ هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ وقولكم ﴿بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ وفي كذبكم على الله جلّ ثناؤه وقيلكم ﴿اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ فإنه هين عليه تغيير ذلك، وفصل ما بيني وبينكم بتعجيل العقوبة لكم على ما تصفون من ذلك.
آخر تفسير سورة الأنبياء عليهم السلام