سورة الأنبياء، الآية 19
الجزء 17، الصفحة 323.
وَلَهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ وَمَنْ عِندَهُۥ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِۦ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ ﴿١٩﴾
الآية في سياق السورةاستمع إلى سورة الأنبياء
تفسير الآية
التفسير الميسر
ولله سبحانه كل مَن في السموات والأرض، والذين عنده من الملائكة لا يأنَفُون عن عبادته ولا يملُّونها. فكيف يجوز أن يشرك به ما هو عبده وخلقه؟
تفسير السعدي
يشمل هذا التفسير الآيات 18 إلى 20
الآية 18: يخبر تعالى أنه تكفَّل بإحقاق الحقِّ وإبطال الباطل، وإنْ كان باطلٌ قيلَ وجُودِلَ به؛ فإنَّ الله يُنْزِلُ من الحقِّ والعلم والبيان ما يدمغُه فيضمحلُّ ويتبيَّن لكلِّ أحدٍ بطلانُه. {فإذا هو زاهقٌ}؛ أي: مضمحلٌ فانٍ. وهذا عامٌّ في جميع المسائل الدينيَّة، لا يورِدُ مبطلٌ شبهةً عقليَّة ولا نقليَّة في إحقاق باطل أو ردِّ حقٍّ؛ إلاَّ وفي أدلَّة الله من القواطع العقليَّة والنقليَّة ما يذهِبُ ذلك القول الباطل ويقمعُه؛ فإذا هو متبيِّن بطلانُه لكلِّ أحدٍ. وهذا يتبيَّن باستقراء المسائل مسألة مسألة؛ فإنَّك تجدُها كذلك. ثم قال: ولكم أيُّها الواصفون الله بما لا يَليقُ به من اتِّخاذ الولد والصاحبة ومن الأنداد والشُّركاء حظُّكم من ذلك ونصيبكم، الذي تدرِكون به الويل والنَّدامة والخُسران، ليس لكم مما قُلتم فائدةٌ، ولا يرجع عليكم بعائدة تؤمِّلونها، وتعملون لأجلها، وتسعَوْن في الوصول إليها؛ إلاَّ عكس مقصودكم، وهو الخيبة والحرمان.
الآية 19: ثم أخبر أنَّه له ملك السماواتِ والأرض وما بينهما؛ فالكل عبيده ومماليكه، فليس لأحدٍ منهم ملكٌ ولا قسطٌ من الملك ولا معاونةٌ عليه، ولا يشفعُ إلاَّ بإذن الله؛ فكيف يتَّخذ من هؤلاء آلهة؟! وكيف يُجعل لله منها ولد؟! فتعالى وتقدَّس المالك العظيم الذي خضعت له الرقاب، وذلَّت له الصعاب، وخشعت له الملائكة المقرَّبون، وأذعنوا له بالعبادة الدَّائمة المستمرة أجمعون؛ ولهذا قال:{ومن عنده}؛ أي:[من] الملائكة، {لا يَسۡتَكۡبِرونَ عن عبادتِهِ ولا يستحسرونَ}؛ أي: لا يملُّون، ولا يسأمون لشدَّة رغبتهم وكمال محبَّتهم وقوَّة أبدانهم.
الآية 20:{يسبِّحون الليل والنهار لا يفتُرون}؛ أي: مستغرِقين في العبادة والتسبيح في جميع أوقاتهم، فليس في أوقاتهم وقتٌ فارغٌ ولا خالٍ منها، وهم على كثرتِهِم بهذه الصفة. وفي هذا من بيان عظمتِهِ وجلالة سلطانِهِ وكمال علمِهِ وحكمته ما يوجبُ أن لا يُعْبَدَ إلاَّ هو، ولا تُصْرَفَ العبادةُ لغيره.
تفسير الجلالين
﴿ولَهُ﴾ تَعالى ﴿مَن فِي السَّماوات والأَرْض﴾ مُلْكًا ﴿ومَن عِنْده﴾ أيْ المَلائِكَة مُبْتَدَأ خَبَره ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَته ولا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ لا يَعْيَوْنَ
تفسير ابن كثير
يشمل هذا التفسير الآيات 16 إلى 20
يخبر تعالى أنه خلق السموات وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ، أَيْ: بِالْعَدْلِ وَالْقِسْطِ، ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النَّجْمِ:٣١] ، وَأَنَّهُ لَمْ يَخْلُقْ ذَلِكَ عَبَثًا وَلَا لَعِبًا، كَمَا قَالَ: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ [[في ف، أ: "السماوات".]] وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص:٢٧]
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ قَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا﴾ يَعْنِي: مِنْ عِنْدِنَا، يَقُولُ: وَمَا خَلَقْنَا جَنَّةً وَلَا نَارًا، وَلَا مَوْتًا، وَلَا بَعْثًا، وَلَا حِسَابًا.
وَقَالَ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُهُمَا: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا﴾ اللهو: المرأة بلسان أهل اليمن.
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخعِي: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْنَاهُ﴾ مِنْ الْحُورِ الْعِينِ.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَالسُّدِّيُّ: الْمُرَادُ بِاللَّهْوِ هَاهُنَا: الْوَلَدُ.
وَهَذَا وَالَّذِي قَبْلَهُ مُتَلَازِمَانِ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ﴾ [الزُّمَرِ:٤] ، فَنَزَّهَ نَفْسَهُ عَنِ اتِّخَاذِ الْوَلَدِ مُطْلَقًا، لَا سِيَّمَا عَمَّا يَقُولُونَ مِنَ الْإِفْكِ وَالْبَاطِلِ، مِنَ اتِّخَاذِ عِيسَى، أَوِ الْعُزَيْرِ [[في ف: "أو عزيز".]] أَوْ الْمَلَائِكَةِ، ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الْإِسْرَاءِ:٤٣] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ قَالَ قَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَمُغِيرَةُ بْنُ مِقْسَم، أَيْ: مَا كُنَّا فَاعِلِينَ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: كُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ "إِنْ" فَهُوَ إِنْكَارٌ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ﴾ أَيْ: نُبَيِّنُ الْحَقَّ فَيَدْحَضُ الْبَاطِلَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ أَيْ: ذَاهِبٌ مُضْمَحِلٌّ، ﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ﴾ أي: أيها القاتلون: لِلَّهِ وَلَدٌ، ﴿مِمَّا تَصِفُونَ﴾ أَيْ: تَقُولُونَ وَتَفْتَرُونَ.
ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ عُبُودِيَّةِ الْمَلَائِكَةِ لَهُ، وَدَأْبِهِمْ فِي طَاعَتِهِ لَيْلًا وَنَهَارًا، فَقَالَ: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ﴾ يَعْنِي: الْمَلَائِكَةَ، ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ أَيْ: لَا يَسْتَنْكِفُونَ عَنْهَا، كَمَا قَالَ: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ [النِّسَاءِ:١٧٢] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ أَيْ: لَا يَتْعَبُونَ وَلَا يَملُّون.
﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ فَهُمْ دَائِبُونَ فِي الْعَمَلِ لَيْلًا وَنَهَارًا، مُطِيعُونَ قَصْدًا وَعَمَلًا قَادِرُونَ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التَّحْرِيمِ:٦] .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي دُلامة الْبَغْدَادِيِّ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ صَفْوَانِ بْنِ مُحرِز، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَام قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَصْحَابِهِ، إِذْ قَالَ لَهُمْ: "هَلْ تَسْمَعُونَ مَا أَسْمَعُ؟ " قَالُوا: مَا نَسْمَعُ مِنْ شَيْءٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنِّي لَأَسْمَعُ أَطِيطَ السَّمَاءِ، وَمَا تُلَامُ أَنْ تَئِطَّ، وَمَا فِيهَا مَوْضِعِ شِبْر إِلَّا وَعَلَيْهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ أَوْ قَائِمٌ". غَرِيبٌ وَلَمْ يُخْرِجُوهُ [[ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٣/٢٠١) والطحاوي في مشكل الآثار برقم (١١٣٤) من طريق عبد الوهاب بن عطاء به، وله شاهد من حديث أبي ذر الغفاري أخرجه الترمذي في السنن برقم (٢٣١٢) وقال: "هذا حديث حسن غريب".]] .
ثُمَّ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْع، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ مُرْسَلًا.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ [[في هـ، ف، أ: "محمد بن إسحاق" والمثبت من الطبري ١٧/٧٠.]] ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ مُخَارِقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى كَعْبِ الْأَحْبَارِ وَأَنَا غُلَامٌ، فَقُلْتُ لَهُ: أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللَّهِ [لِلْمَلَائِكَةِ] [[زيادة من ف، أ.]] ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾
أَمَا يَشْغَلُهُمْ عَنِ التَّسْبِيحِ الْكَلَامُ وَالرِّسَالَةُ وَالْعَمَلُ؟. فَقَالَ: فَمَنْ هَذَا الْغُلَامُ؟ فَقَالُوا: مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، قَالَ: فَقَبَّلَ رَأْسِي، ثُمَّ قَالَ لِي: يَا بُنَيَّ، إِنَّهُ جَعَلَ لَهُمُ التَّسْبِيحَ، كَمَا جَعَلَ لَكُمُ النَّفَسَ، أَلَيْسَ تَتَكَلَّمُ وَأَنْتَ تَتَنَفَّسُ [[في ف: "وأنت تمشي".]] وَتَمْشِي وَأَنْتَ تَتَنَفَّسُ؟.
تفسير الطبري
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) ﴾
يقول تعالى ذكره: وكيف يجوز أن يتخذ الله لهوا، وله ملك جميع من في السماوات والأرض، والذين عنده من خلقه لا يستنكفون عن عبادتهم إياه ولا يَعْيَون من طول خدمتهم له، وقد علمتم أنه لا يستعبد والد ولده ولا صاحبته، وكل من في السماوات والأرض عبيده، فأنى يكون له صاحبة وولد: يقول: أولا تتفكرون فيما تفترون من الكذب على ربكم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿وَلا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ لا يرجعون.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله ﴿وَلا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ لا يحسرون.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله ﴿وَلا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ قال: لا يُعيون.
⁕ حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، قوله: ﴿وَلا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ قال: لا يعيون.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ قال: لا يستحسرون، لا يملُّون ذلك الاستحسار، قال: ولا يفترون، ولا يسأمون، هذا كله معناه واحد والكلام مختلف، وهو من قولهم: بعير حَسِير: إذا أعيا وقام؛ ومنه قول علقمة بن عبدة:
بِها جِيفُ الحَسْرَى فأمَّا عِظامُها ... فَبِيضٌ، وأمَّا جِلْدُها فَصَلِيبُ [[البيت لعلقمة بن عبدة التميمي، من قصيدة له يمدح بها الحارث بن أبي الحارث بن أبي شمر الغساني (مختار الشعر الجاهلي، بشرح مصطفى السقا، طبعة مصطفى البابي الحلبي، ص ٤٢١، وهو البيت العشرون في القصيدة) والحسرى: جمع حسير من الدواب، وهو الذي كل من من المسير، فمات إعياء. وصليب: يابس لم يدبغ. والضمير في (بها) راجع إلى المغارة التي سلكها، فوجد فيها بقايا الدواب التي سارت فيها من قبل، من عظام وجلود.]]