سورة الأنبياء، الآية 24
الجزء 17، الصفحة 323.
أَمِ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةً ۖ قُلْ هَاتُوا۟ بُرْهَـٰنَكُمْ ۖ هَـٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِىَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِى ۗ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ٱلْحَقَّ ۖ فَهُم مُّعْرِضُونَ ﴿٢٤﴾
الآية في سياق السورةاستمع إلى سورة الأنبياء
تفسير الآية
التفسير الميسر
هل اتخذ هؤلاء المشركون مِن غير الله آلهة تنفع وتضر وتحيي وتميت؟ قل -أيها الرسول- لهم: هاتوا ما لديكم من البرهان على ما اتخذتموه آلهة، فليس في القرآن الذي جئتُ به ولا في الكتب السابقة دليل على ما ذهبتم إليه، وما أشركوا إلا جهلًا وتقليدًا، فهم معرضون عن الحق منكرون له.
تفسير السعدي
يشمل هذا التفسير الآيات 21 إلى 25
الآية 21: لما بيَّن تعالى كمال اقتدارِهِ وعظمته وخضوع كلِّ شيءٍ له؛ أنكر على المشركين الذين اتَّخذوا من دون الله آلهةً من الأرض في غاية العجزِ وعدم القدرة. {هم يُنشِرون}: استفهام بمعنى النفي؛ أي: لا يقدرون على نشرِهِم وحشرِهِم؛ يفسِّرها قوله تعالى:{واتَّخذوا من دونِهِ آلهةً لا يخلُقون شيئاً وهُم يُخۡلَقون. ولا يملِكونَ لأنفسِهِم نفعاً ولا ضَرًّا ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً}، {واتَّخذوا من دون الله آلهةً لعلَّهم يُنصَرونَ. لا يستطيعونَ نصرَهم وهم لهم جندٌ محضَرون}.
الآية 22: فالمشرك يَعْبُدُ المخلوق الذي لا ينفع ولا يضرُّ، ويدعُ الإخلاص لله الذي له الكمالُ كلُّه وبيده الأمرُ والنفعُ والضرُّ، وهذا من عدم توفيقه وسوء حظِّه وتوفُّر جهله وشدَّة ظلمِهِ؛ فإنَّه لا يصلحُ الوجود إلاَّ على إله واحدٍ؛ كما أنَّه لم يوجد إلا بربٍّ واحد، ولهذا قال:{لو كان فيهما}؛ أي: في السماواتِ والأرض، {آلهةٌ إلاَّ الله لفسدتا}: في ذاتهما، وفَسَدَ مَنْ فيهما من المخلوقات. وبيانُ ذلك: أنَّ العالم العلويَّ والسفليَّ على ما يُرى في أكمل ما يكون من الصَّلاح والانتظام، الذي ما فيه خللٌ ولا عيبٌ ولا ممانعةٌ ولا معارضةٌ، فدلَّ ذلك على أن مدبِّره واحدٌ وربَّه واحدٌ وإلهه واحدٌ؛ فلو كان له مدبِّران وربَّان أو أكثر من ذلك؛ لاختلَّ نظامُه وتقوَّضت أركانُه؛ فإنهما يتمانعان ويتعارضان، وإذا أراد أحدُهما تدبير شيء وأراد الآخر عدمه؛ فإنَّه محالٌ وجود مرادهما معاً، ووجود مراد أحدِهِما دونَ الآخر يدلُّ على عَجْزِ الآخر وعدم اقتدارِهِ، واتفاقُهما على مرادٍ واحدٍ في جميع الأمور غيرُ ممكنٍ؛ فإذاً يتعيَّن أن القاهر الذي يوجدُ مرادُهُ وحدَه من غير ممانع ولا مدافع هو الله الواحد القهَّار، ولهذا ذكر الله دليل التمانع في قوله:{ما اتَّخَذَ اللهُ من ولدٍ وما كان معه من إلهٍ إذاً لَذَهَبَ كلُّ إلهٍ بما خَلَقَ ولَعَلا بعضُهم على بعض سبحانَ اللهِ عما يصفون}، ومنه على أحد التأويلين قوله تعالى:{قُل لو كانَ معه آلهةٌ كما يقولون إذاً لابۡتَغَوا إلى ذي العرشِ سبيلاً. سبحانَهُ وتعالى عمَّا يقولونَ علوًّا كبيراً}؛ ولهذا قال هنا:{فسبحان الله}؛ أي: تنزَّه وتقدَّس عن كلِّ نقص لكماله وحده، {ربِّ العرشِ}: الذي هو سقف المخلوقات وأوسعها وأعظمها؛ فربوبيَّته ما دونَه من باب أولى، {عما يصِفونَ}؛ أي: الجاحدون الكافرون من اتِّخاذ الولد والصاحبة، وأن يكون له شريكٌ بوجهٍ من الوجوه.
الآية 23:{لا يُسۡأَلۡ عما يفعلُ}: لعظمته وعزَّته وكمال قدرتِهِ ؛ لا يقدرُ أحدٌ أن يمانعه أو يعارضه؛ لا بقول ولا بفعل، ولكمال حكمتِهِ ووضعه الأشياء مواضعها وإتقانها أحسن شيءٍ يقدِّره العقل؛ فلا يتوجَّه إليه سؤالٌ؛ لأنَّ خلقَه ليس فيه خللٌ ولا إخلالٌ. {وهم}؛ أي: المخلوقون كلهم، {يُسألونَ}: عن أفعالهم وأقوالهم؛ لعجزِهم وفقرِهم، ولكونِهم عبيداً، قد استحقَّت أفعالُهم وحركاتُهم؛ فليس لهم من التصرُّف والتدبير في أنفسهم ولا في غيرهم مثقال ذرَّة.
الآية 24: ثم رجع إلى تهجين حال المشركين، وأنَّهم اتَّخذوا من دونه آلهةً؛ فقُلْ لهم موبِّخاً ومقرِّعاً:{أم اتَّخذوا من دونِهِ آلهةً قل هاتوا برهانَكم}؛ أي: حجَّتكم ودليلكم على صحَّة ما ذهبتُم إليه، ولن يجدوا لذلك سبيلاً، بل قد قامتِ الأدلة القطعيَّة على بطلانِهِ، ولهذا قال:{هذا ذكرُ مَن معيَ وذِكۡرُ من قبلي}؛ أي: قد اتَّفقت الكتب والشرائع على صحَّة ما قلتُ لكم من إبطال الشرك؛ فهذا كتابُ الله الذي فيه ذِكْرُ كلِّ شيء بأدلَّته العقليَّة والنقليَّة، وهذه الكتب السابقة كلُّها براهينُ وأدلَّة لما قلتُ. ولمَّا عُلم أنَّهم قامت عليهم الحجَّة والبرهانُ على بطلان ما ذهبوا إليه؛ عُلم أنَّه لا برهان لهم؛ لأنَّ البرهان القاطع يُجزَمُ أنَّه لا معارض له، وإلاَّ؛ لم يكن قطعيًّا، وإن وُجِدَ معارضات؛ فإنَّها شُبَهٌ لا تغني من الحقِّ شيئاً. وقوله:{بل أكثرهُم لا يعلمون الحقَّ}؛ أي: وإنَّما أقاموا على ما هم عليه تقليداً لأسلافهم؛ يجادِلون بغير علم ولا هدىً، وليس عدمُ علمهم الحقَّ لخفائِهِ وغموضِهِ، وإنَّما ذلك لإعراضهم عنه، وإلاَّ؛ فلو التفتوا إليه أدنى التفاتٍ؛ تبيَّن لهم الحقُّ من الباطل تبيُّناً واضحاً جليًّا، ولهذا قال:{فهم معرضونَ}.
الآية 25: ولما حول تعالى على ذكر المتقدِّمين، وأمر بالرجوع إليها في بيان هذه المسألة؛ بيَّنها أتمَّ تبيينٍ في قوله:{وما أرسَلۡنا من قبلِكَ من رسول إلاَّ نوحي إليه أنَّه لا إله إلاَّ أنا فاعبدونِ}: فكلُّ الرسل الذين من قبلك مع كتبِهِم زُبْدَةُ رسالتِهِم وأصلُها الأمرُ بعبادةِ الله وحدَه لا شريك له وبيانُ أنَّه الإله الحقُّ المعبودُ وأنَّ عبادة ما سواه باطلةٌ.
تفسير الجلالين
﴿أمْ اتَّخَذُوا مِن دُونه آلِهَة﴾ تَعالى أيْ سِواهُ فِيهِ اسْتِفْهام تَوْبِيخ ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانكُمْ﴾ عَلى ذَلِكَ ولا سَبِيل إلَيْهِ ﴿هَذا ذِكْر مَن مَعِيَ﴾ أُمَّتِي وهُوَ القُرْآن ﴿وذِكْر مَن قَبْلِي﴾ مِن الأُمَم وهُوَ التَّوْراة والإنْجِيل وغَيْرهما مِن كُتُب اللَّه لَيْسَ فِي واحِد مِنها أنَّ مَعَ اللَّه إلَهًا مِمّا قالُوا تَعالى عَنْ ذَلِكَ ﴿بَلْ أكْثَرهمْ لا يَعْلَمُونَ الحَقّ﴾ تَوْحِيد اللَّه ﴿فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ عَنْ النَّظَر المُوصِل إلَيْهِ
تفسير ابن كثير
يشمل هذا التفسير الآيات 24 إلى 25
يَقُولُ تَعَالَى: بَلِ ﴿اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ﴾ يَا مُحَمَّدُ: ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ أَيْ: دَلِيلَكُمْ عَلَى مَا تَقُولُونَ، ﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ، ﴿وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ يَعْنِي: الْكُتُبَ الْمُتَقَدِّمَةَ عَلَى خِلَافِ مَا تَقُولُونَ وَتَزْعُمُونَ، فَكُلُّ كِتَابٍ أُنْزِلَ عَلَى كُلِّ نَبِيٍّ أُرْسِلَ، نَاطِقٌ بِأَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَكِنْ أَنْتُمْ أَيْهَا الْمُشْرِكُونَ لَا تَعْلَمُونَ الْحَقَّ، فَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ عَنْهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا يُوحَى [[في ف، أ: "نوحي".]] إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ، كَمَا قَالَ: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٤٥] ، وَقَالَ: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النَّحْلِ:٣٦] ، فَكُلُّ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ يَدْعُو إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَالْفِطْرَةُ شَاهِدَةٌ بِذَلِكَ أَيْضًا، وَالْمُشْرِكُونَ لَا بُرْهَانَ لَهُمْ، وَحُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ، وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ، وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ.
تفسير الطبري
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٤) ﴾
يقول تعالى ذكره: أتخذ هؤلاء المشركون من دون الله آلهة تنفع وتضرّ، وتخلق وتحيي وتميت، قل يا محمد لهم: هاتوا برهانكم، يعني حجتكم يقول: هاتوا إن كنتم تزعمون أنكم محقون في قيلكم ذلك حجة ودليلا على صدقكم.
كما:-
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ يقول: هاتوا بينتكم على ما تقولون.
* *
وقوله ﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ﴾
يقول: هذا الذي جئتكم به من عند الله من القرآن والتنزيل، ﴿ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ﴾ يقول: خبر من معي مما لهم من ثواب الله على إيمانهم به، وطاعتهم إياه، وما عليهم من عقاب الله على معصيتهم إياه وكفرهم به ﴿وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ يقول: وخبر من قبلي من الأمم التي سلفت قبلي، وما فعل الله بهم في الدنيا وهو فاعل بهم في الآخرة.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني بِشْر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ﴾ يقول: هذا القرآن فيه ذكر الجلال والحرام ﴿وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ يقول: ذكر أعمال الأمم السالفة وما صنع الله بهم إلى ما صاروا.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج ﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ﴾ قال: حديث من معي، وحديث من قبلي.
* *
وقوله ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ﴾
يقول: بل أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون الصواب فيما يقولون ولا فيما يأتون ويذرون، فهم معرضون عن الحق جهلا منهم به، وقلَّة فهم.
وكان قَتادة يقول في ذلك ما:-
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ عن كتاب الله.