سورة القرآن surah-quran.com

سورة الأنبياء

سورة الأنبياء، الآية 31

الجزء 17، الصفحة 324.

وَجَعَلْنَا فِى ٱلْأَرْضِ رَوَٰسِىَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ﴿٣١﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

وخلقنا في الأرض جبالًا تثبتها حتى لا تضطرب بأهلها، وجعلنا فيها طرقًا واسعة؛ رجاء اهتداء الخلق إلى معايشهم، وتوحيد خالقهم.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 31 إلى 33

الآية 31: أي: ومن الأدلَّة على قدرته وكماله ووحدانيَّته ورحمته أنَّه لما كانت الأرضُ لا تستقرُّ إلاَّ بالجبال؛ أرْساها بها، وأوْتَدَها لئلاَّ تميدَ بالعباد؛ أي: لئلاَّ تضطرب؛ فلا يتمكَّن العباد من السكون فيها ولا حرثها ولا الاستقرار بها، فأرساها بالجبال، فحصل بسبب ذلك من المصالح والمنافع ما حصل. ولما كانت الجبالُ المتَّصل بعضها ببعض قد اتَّصلت اتصالاً كثيراً جدًّا؛ فلو بقيت بحالها جبالاً شامخاتٍ وقللاً باذخاتٍ؛ لتعطَّل الاتِّصال بين كثير من البلدان؛ فمن حكمة الله ورحمته أن جعل بين تلك الجبال {فِجاجاً سُبُلاً}؛ أي: طرقاً سهلة لا حَزْنَةً، {لعلَّهم يهتَدون}: إلى الوصول إلى مطالبهم من البلدان، ولعلَّهم يهتدونَ بالاستدلال بذلك على وحدانيَّة المنَّان.

{32 ـ 33}{وجَعَلۡنا السماء سَقۡفاً}: للأرض التي أنتم عليها {محفوظاً}: من السقوط؛ {إنَّ الله يمسِكُ السمواتِ والأرضَ أن تزولا}؛ محفوظاً أيضاً من استراق الشياطين للسمع. {وهُم عن آياتِها معرِضونَ}؛ أي: غافلون لاهون. وهذا عامٌّ في جميع آيات السماء؛ من علوِّها، وسعتها، وعظمتها، ولونها الحسن، وإتقانها العجيب، وغير ذلك من المشاهَدِ، فيها من الكواكب الثوابت والسيَّارات، وشمسها وقمرها النيِّرات، المتولِّد عنهما الليل والنهار، وكونهما دائماً في فلكهما سابحيْن. وكذلك النجوم، فتقوم بسبب ذلك منافعُ العباد من الحرِّ والبرد والفصول، ويعرفون حسابَ عباداتهم ومعاملاتهم، ويستريحون في ليلهم ويهدؤون ويسكنون، وينتشرون في نهارهم ويسعَوْن في معايشهم؛ كل هذه الأمور إذا تدبَّرها اللبيب وأمعن فيها النظر؛ جزم جزماً لا شكَّ فيه أن الله جعلها مؤقَّتة في وقتٍ معلوم إلى أجل محتوم، يقضي العبادُ منها مآرِبَهم، وتقومُ بها منافِعُهم، وليستمتعوا وينتفعوا، ثم بعد هذا ستزول وتضمحلُّ ويفنيها الذي أوجدها ويُسكِّنُها الذي حركها، وينتقل المكلَّفون إلى دارٍ غير هذه الدار؛ يجدون فيها جزاء أعمالهم كاملاً موفراً، ويعلم أنَّ المقصود من هذه الدار أن تكون مزرعةً لدار القرار، وأنَّها منزلُ سفرٍ لا محلُّ إقامة.

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿وجَعَلْنا فِي الأَرْض رَواسِيَ﴾ جِبالًا ثَوابِت ﴿أنْ﴾ لا ﴿تَمِيد﴾ تَتَحَرَّك ﴿بِهِمْ وجَعَلْنا فِيها﴾ الرَّواسِيَ ﴿فِجاجًا﴾ مَسالِك ﴿سُبُلًا﴾ بَدَل طُرُقًا نافِذَة واسَعَة ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ إلى مَقاصِدهمْ فِي الأَسْفار

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يشمل هذا التفسير الآيات 30 إلى 33

يَقُولُ تَعَالَى مُنَبِّهًا عَلَى قُدْرَتِهِ التَّامَّةِ، وَسُلْطَانِهِ الْعَظِيمِ فِي خَلْقِهِ الْأَشْيَاءَ، وَقَهْرِهِ لِجَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ، فَقَالَ: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أَيِ: الْجَاحِدُونَ لِإِلَهِيَّتِهِ العابدون [[في أ: "العابدين".]] معه غيره، ألم يعلموا أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُسْتَقِلُّ بِالْخَلْقِ، الْمُسْتَبِدُّ بِالتَّدْبِيرِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ أَنْ يُعْبَدَ غَيْرُهُ أَوْ يُشْرَكَ بِهِ مَا سِوَاهُ، أَلَمْ [[في أ: "أولم"."]] يَرَوْا ﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ كَانَتَا رَتْقًا﴾ أَيْ: كَانَ الْجَمِيعُ مُتَّصِلًا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ مُتَلَاصِقٌ مُتَرَاكِمٌ، بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ، فَفَتَقَ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ. فجعل السموات سَبْعًا، وَالْأَرْضَ [[في ف، أ: "والأرضين".]] سَبْعًا، وَفَصَلَ بَيْنَ سَمَاءِ الدُّنْيَا وَالْأَرْضِ بِالْهَوَاءِ، فَأَمْطَرَتِ السَّمَاءُ وَأَنْبَتَتِ الْأَرْضُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ أَيْ: وَهُمْ يُشَاهِدُونَ الْمَخْلُوقَاتِ تَحْدُثُ شَيْئًا فَشَيْئًا عِيَانًا، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ الْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ الْقَادِرِ عَلَى مَا يَشَاءُ: فَفِي كُلّ شَيْءٍ لَهُ آيَة ... تَدُلّ علَى أنَّه وَاحد ...

قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنِ أَبِيهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ: اللَّيْلُ كان قبل أو النهار؟ فقال: أرأيتم السموات وَالْأَرْضَ حِينَ كَانَتَا رَتْقًا، هَلْ كَانَ بَيْنَهُمَا إِلَّا ظُلْمَةٌ؟ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّيْلَ قَبْلَ النَّهَارِ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رجلا أتاه يسأله عن السموات وَالْأَرْضِ ﴿كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ ؟. قَالَ: اذْهَبْ إِلَى ذَلِكَ الشَّيْخِ فَاسْأَلْهُ، ثُمَّ تَعَالَ فَأَخْبِرْنِي بِمَا قَالَ لَكَ. قَالَ: فَذَهَبَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فسأله. فقال ابن عباس: نعم، كانت السموات رَتْقًا لَا تُمْطِرُ، وَكَانَتْ الْأَرْضُ رَتْقًا لَا تُنْبِتُ.

فَلَمَّا خَلَقَ لِلْأَرْضِ أَهْلًا فَتَقَ هَذِهِ بِالْمَطَرِ، وَفَتْقَ هَذِهِ بِالنَّبَاتِ. فَرَجَعَ الرَّجُلُ إِلَى ابْنِ عُمَرَ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: الْآنَ قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَدْ أُوتِيَ فِي الْقُرْآنِ عِلْمًا، صَدَقَ -هَكَذَا كَانَتْ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: قَدْ كُنْتُ أَقُولُ: مَا يُعْجِبُنِي جَرَاءَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ، فَالْآنَ قَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ قَدْ أُوتِيَ فِي الْقُرْآنِ عِلْمًا.

وَقَالَ عَطِيَّةُ العَوْفي: كَانَتْ هَذِهِ رَتْقًا لَا تُمْطِرُ، فَأَمْطَرَتْ. وَكَانَتْ هَذِهِ رَتْقًا لَا تُنْبِتُ، فَأَنْبَتَتْ.

وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ: سَأَلْتُ أَبَا صَالِحٍ الحنَفِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ ، قَالَ: كَانَتِ السَّمَاءُ وَاحِدَةً، فَفَتَقَ مِنْهَا سَبْعَ سَمَاوَاتٍ، وَكَانَتْ الْأَرْضُ وَاحِدَةً فَفَتَقَ مِنْهَا سَبْعَ أَرْضِينَ.

وَهَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَزَادَ: وَلَمْ تَكُنِ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ مُتَمَاسَّتَيْنِ.

وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: بَلْ كَانَتِ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ مُلْتَزِقَتَيْنِ، فَلَمَّا رَفَعَ السَّمَاءَ وَأَبْرَزَ مِنْهَا الْأَرْضَ، كَانَ ذَلِكَ فَتْقَهُمَا الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، كَانَتَا جَمِيعًا، فَفَصَلَ بَيْنَهُمَا بِهَذَا الْهَوَاءِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ أَيْ: أَصْلُ كل الأحياء منه.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو الْجَمَاهِرِ [[في ف، أ: "الجماهير".]] ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنِ أَبِي مَيْمُونَةَ [[في ف، أ: "أبي ميمون".]] ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِذَا رَأَيْتُكَ قَرَّتْ عَيْنِي، وَطَابَتْ نَفْسِي، فَأَخْبِرْنِي عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، قَالَ: "كُلُّ شَيْءٍ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ".

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي إِذَا رَأَيْتُكَ طَابَتْ نَفْسِي، وَقَرَّتْ عَيْنِي، فَأَنْبِئْنِي عَنْ كُلِّ شَيْءٍ. قَالَ: "كُلُّ شَيْءٍ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ" قَالَ: قُلْتُ: أَنْبِئْنِي عَنِ أَمْرٍ إِذَا عملتُ بِهِ دَخَلَتُ الْجَنَّةَ. قَالَ: "أفْش السَّلَامَ، وَأَطْعِمِ الطَّعَامَ، وصِل الْأَرْحَامَ، وَقُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، ثُمَّ ادْخُلِ الجنَّة بِسَلَامٍ" [[المسند (٢/٢٩٥) ورواه الحاكم في المستدرك (٤/١٢٩) من طريق يزيد بن هارون وصححه. ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (٦٤٢) "موارد" من طريق أبي عامر العقدي عن همام به.]] .

وَرَوَاهُ أَيْضًا عَبْدُ الصَّمَدِ وَعَفَّانُ وبَهْز، عَنْ هَمَّامٍ [[المسند (٢/٣٢٣-٤٩٣) من طريق عبد الصمد، (٢/٣٢٣) من طريق عفان، (٢/٣٢٤) من طريق بهز. وقال الهيثمي في المجمع (٥/١٦) : "رجاله رجال الصحيح، خلا أبي ميمونة وهو ثقة".]] . تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ، وَهَذَا إِسْنَادٌ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحَيْنِ، إِلَّا أَنَّ أَبَا مَيْمُونَةَ مِنْ رِجَالِ السُّنَنِ، وَاسْمُهُ سُلَيْمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ يُصَحِّحُ لَهُ. وَقَدْ رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبة، عَنْ قَتَادَةَ مُرْسَلًا وَاللَّهُ [[في ف: "فالله".]] أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الأرْضِ رَوَاسِيَ﴾ أَيْ: جِبَالًا أَرْسَى الْأَرْضَ بِهَا وَقَرَّرَهَا وَثَقَّلَهَا؛ لِئَلَّا تَمِيدَ بِالنَّاسِ، أَيْ: تَضْطَرِبَ وَتَتَحَرَّكَ، فَلَا يَحْصُلُ لَهُمْ عَلَيْهَا قَرَارٌ [[في ف: "قرار عليها".]] لِأَنَّهَا غَامِرَةٌ فِي الْمَاءِ إِلَّا مِقْدَارَ الرُّبْعِ، فَإِنَّهُ بَادٍ لِلْهَوَاءِ وَالشَّمْسِ، لِيُشَاهِدَ أَهْلُهَا السَّمَاءَ وَمَا فِيهَا مِنَ الْآيَاتِ الْبَاهِرَاتِ، وَالْحِكَمِ وَالدَّلَالَاتِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ أَيْ: لِئَلَّا تَمِيدَ بِهِمْ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلا﴾ أَيْ: ثَغْرًا فِي الْجِبَالِ، يَسْلُكُونَ فِيهَا طُرُقًا مِنْ قُطْرٍ إِلَى قُطْرٍ، وَإِقْلِيمٍ إِلَى إِقْلِيمٍ، كَمَا هُوَ الْمُشَاهَدُ فِي الْأَرْضِ، يَكُونُ الْجَبَلُ حَائِلًا بَيْنَ هَذِهِ الْبِلَادِ وَهَذِهِ الْبِلَادِ، فَيَجْعَلُ اللَّهُ فِيهِ فَجْوَةً -ثَغْرَةً-لِيَسْلُكَ النَّاسُ فِيهَا مِنْ هَاهُنَا إِلَى هَاهُنَا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا﴾ أَيْ: عَلَى الْأَرْضِ وَهِيَ كَالْقُبَّةِ عَلَيْهَا، كَمَا قَالَ: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذَّارِيَاتِ: ٤٧] ، وَقَالَ: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشَّمْسِ:٥] ، ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق:٦] ، وَالْبِنَاءُ هُوَ نَصْبُ الْقُبَّةِ، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "بُنِي الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ" أَيْ: خَمْسُ [[في ف: "خمسة".]] دَعَائِمَ، وَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الْخِيَامِ، عَلَى مَا [[في ف:" كما".]] تَعْهَدُهُ الْعَرَبُ.

﴿مَّحْفُوظًا﴾ أَيْ: عَالِيًا مَحْرُوسًا أَنْ يُنال. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَرْفُوعًا.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّشْتَكي، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنِ أَبِيهِ، عَنِ أَشْعَثَ -يَعْنِي ابْنَ إسحاق القُمِّي-عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا هَذِهِ السَّمَاءُ، قَالَ: "مَوْجٌ مَكْفُوفٌ عَنْكُمْ" [[ورواه أبو الشيخ في العظمة برقم (٥٣٩) من طريق أحمد بن القاسم عن أحمد بن عبد الرحمن الدشتكي به.]] إِسْنَادٌ غَرِيبٌ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ [يُوسُفَ:١٠٥] أَيْ: لَا يَتَفَكَّرُونَ فِيمَا خَلَقَ اللَّهُ فِيهَا مِنَ الِاتِّسَاعِ الْعَظِيمِ، وَالِارْتِفَاعِ الْبَاهِرِ، وَمَا زُيِّنَتْ بِهِ مِنَ الْكَوَاكِبِ الثَّوَابِتِ وَالسَّيَّارَاتِ فِي لَيْلِهَا، وَفِي نَهَارِهَا [[في ف، أ: "النهار".]] مِنْ هَذِهِ الشَّمْسِ الَّتِي تَقْطَعُ الْفَلَكَ بِكَمَالِهِ، فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَتَسِيرُ غَايَةً لَا يَعْلَمُ قَدْرَهَا إِلَّا الَّذِي [[في ف، أ: "الله".]] قَدَّرَهَا وَسَخَّرَهَا وَسَيَّرَهَا.

وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي كِتَابِهِ "التَّفَكُّرُ وَالِاعْتِبَارُ": أَنَّ بَعْضَ عُبَّادِ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَعَبَّدَ ثَلَاثِينَ سَنَةً، وَكَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ إِذَا تَعَبَّدَ ثَلَاثِينَ سَنَةً أَظَلَّتْهُ غَمَامَةٌ، فَلَمْ يَرَ ذَلِكَ الرَّجُلُ شَيْئًا مِمَّا كَانَ يَرَى لِغَيْرِهِ، فَشَكَى ذَلِكَ إِلَى أُمِّهِ، فَقَالَتْ لَهُ: يَا بُنَيَّ، فَلَعَلَّكَ أَذْنَبْتَ فِي مُدَّةِ عِبَادَتِكَ هَذِهِ، فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ، قَالَتْ: فَلَعَلَّكَ هَمَمْتَ؟ قَالَ: لَا [[في ف، أ: "بل والله".]] وَلَا هَمَمْتُ. قَالَتْ: فَلَعَلَّكَ رَفَعْتَ بَصَرَكَ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ رَدَدْتَهُ بِغَيْرِ فِكْرٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، كَثِيرًا. قَالَتْ: فَمِنْ هَاهُنَا أُتِيتَ.

ثُمَّ قَالَ مُنَبِّهًا عَلَى بَعْضِ آيَاتِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ أَيْ: هَذَا فِي ظَلَامِهِ وَسُكُونِهِ، وَهَذَا بِضِيَائِهِ وَأُنْسِهِ، يَطُولُ هَذَا تَارَةً ثُمَّ يَقْصُرُ أُخْرَى، وَعَكْسُهُ الْآخَرُ. ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ هَذِهِ لَهَا نُورٌ يَخُصُّهَا، وَفَلَكٌ بِذَاتِهِ، وَزَمَانٌ عَلَى حِدَةٍ، وَحَرَكَةٍ وَسَيْرٍ خَاصٍّ، وَهَذَا بِنُورٍ خَاصٍّ آخَرَ، وَفَلَكٍ آخَرَ، وَسَيْرٍ آخَرَ، وَتَقْدِيرٍ آخَرَ، ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس:٤٠] ، أَيْ: يَدُورُونَ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَدُورُونَ كَمَا يَدُورُ الْمِغْزَلُ فِي الْفَلْكَةِ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ: فَلَا يَدُورُ الْمِغْزَلُ إِلَّا بِالْفَلْكَةِ، وَلَا الْفَلْكَةُ إِلَّا بِالْمِغْزَلِ، كَذَلِكَ النُّجُومُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، لَا يَدُورُونَ إِلَّا بِهِ، وَلَا يَدُورُ إِلَّا بِهِنَّ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَالِقُ الإصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الْأَنْعَامِ:٩٦] .

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الأرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١) ﴾

يقول تعالى ذكره: أو لم ير هؤلاء الكفار أيضا من حججنا عليهم وعلى جميع خلقنا، أنا جعلنا في الأرض جبالا راسية؟ والرواسي: جمع راسية، وهي الثابتة.

كما:-

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة، قوله ﴿وَجَعَلْنَا فِي الأرْضِ رَوَاسِيَ﴾ أي جبالا.

* *

وقوله ﴿أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾

يقول: أن لا تتكفأ بهم، يقول جلّ ثناؤه: فجعلنا في هذه الأرض هذه الرواسي من الجبال، فثبتناها لئلا تتكفأ بالناس، وليقدروا بالثبات على ظهرها.

كما:-

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: كانوا على الأرض تمور بهم لا تستقرّ، فأصبحوا وقد جعل الله الجبال وهي الرواسي أوتادا للأرض، وجعلنا فيها فجاجا سبلا يعني مسالك، واحدها فجّ.

كما:-

⁕ حدثنا بِشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا﴾ أي أعلاما.

* *

وقوله ﴿سُبُلا﴾

أي طرقا، وهي جمع السبيل.

وكان ابن عباس فيما ذُكر عنه يقول: إنما عنى بقوله ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا﴾ وجعلنا في الرواسي، فالهاء والألف في قوله ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا﴾ من ذكر الرواسي.

⁕ حدثنا بذلك القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال ابن عباس، قوله ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا﴾ سبلا قال: بين الجبال.

وإنما اخترنا القول الآخر في ذلك وجعلنا الهاء والألف من ذكر الأرض، لأنها إذا كانت من ذكرها داخل في ذلك السهل والجبل؛ وذلك أن ذلك كله من الأرض، وقد جعل الله لخلقه في ذلك كله فجاجا سبلا ولا دلالة تدلّ على أنه عنى بذلك فجاج بعض الأرض التي جعلها لهم سبلا دون بعض، فالعموم بها أولى.

* *

وقوله ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾

يقول تعالى ذكره: جعلنا هذه الفجاج في الأرض ليهتدوا إلى السير فيها.