سورة القرآن surah-quran.com

سورة الأنبياء

سورة الأنبياء، الآية 42

الجزء 17، الصفحة 325.

قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ مِنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ۗ بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِم مُّعْرِضُونَ ﴿٤٢﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

قل -أيها الرسول- لهؤلاء المستعجلين بالعذاب: لا أحد يحفظكم ويحرسكم في ليلكم أو نهاركم، في نومكم أو يقظتكم، مِن بأس الرحمن إذا نزل بكم. بل هم عن القرآن ومواعظ ربهم لاهون غافلون.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 42 إلى 44

الآية 42: يقول تعالى ذاكراً عَجْزَ هؤلاء الذين اتَّخذوا من دونِهِ آلهةً، وأنَّهم محتاجون مضطرُّون إلى ربِّهم الرحمن، الذي رحمته شملَتِ البرَّ والفاجر في ليلهم ونهارهم، فقال:{قل من يَكۡلَؤُكُم}؛ أي: يحرسكم ويحفظكم {بالليل}: إذا كنتم نائمين على فُرُشِكم وذهبت حواسُّكم، وبالنّهار وقت انتشاركم وغفلتكم {من الرحمن}؛ أي: بدله غيره؛ أي: هل يحفظُكم أحدٌ غيره؟ لا حافظ إلاَّ هو. {بل هم عن ذِكۡرِ ربِّهم معرِضونَ}: فلهذا أشركوا به، وإلاَّ؛ فلو أقبلوا على [ذكر] ربِّهم، وتلقَّوا نصائحه؛ لَهُدوا لِرُشْدِهِم، ووفِّقوا في أمرهم.

الآية 43:{أم لهم آلهةٌ تمنَعُهم من دوننا}؛ أي: إذا أردناهم بسوءٍ؛ هل من آلهتهم من يقدِرُ على منعهم من ذلك السوء والشرِّ النازل بهم؟ {لا يستطيعونَ نصرَ أنفسِهِم ولا هم منا يُصۡحَبون}؛ أي: لا يُعانون على أمورهم من جهتنا، وإذا لم يُعانوا من الله؛ فهم مَخْذولون في أمورهم، لا يستطيعون جَلْبَ منفعةٍ ولا دفع مَضَرَّةٍ.

الآية 44: والذي أوجب لهم استمرارهم على كفرهم وشركهم قوله: {بل مَتَّعۡنا هؤلاء وآباءَهم حتى طالَ عليهم العُمُرُ}؛ أي: أمددناهم بالأموال والبنين، وأطلنا أعمارهم، فاشتغلوا بالتمتُّع بها، ولهوا بها عما له خُلقوا، وطال عليهم الأمد، فقست قلوبُهم، وعظُم طغيانُهم، وتغلَّظ كفرانهم؛ فلو لفتوا أنظارهم إلى مَنْ عن يمينهم وعن يسارهم من الأرض؛ لم يَجِدوا إلاَّ هالكاً، ولم يسمعوا إلاَّ صوتَ ناعيةٍ، ولم يحسُّوا إلا بقرونٍ متتابعة على الهلاك، وقد نَصَبَ الموتُ في كلِّ طريق ـ لاقتناص النفوس ـ الأشْراكَ، ولهذا قال:{أفلا يَرَوۡنَ أنَّا نأتي الأرض نَنقُصُها من أطرافِها}؛ أي: بموت أهلها وفنائهم شيئاً فشيئاً حتى يَرِثَ الله الأرض ومَنْ عليها وهو خيرُ الوارثين؛ فلو رأوا هذه الحالة؛ لم يغترُّوا ويستمرُّوا على ما هم عليه. {أفهم الغالبونَ}: الذين بوسِعِهم الخروج عن قَدَرِ الله، وبطاقَتِهِم الامتناع من الموت؛ فهل هذا وصفهم حتى يغترُّوا بطول البقاء؟ أم إذا جاءهم رسولُ ربِّهم، لِقَبْضِ أرواحهم، أذعنوا وذلُّوا ولم يظهرْ منهم أدنى ممانعةٍ؟

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿قُلْ﴾ لَهُمْ ﴿مَن يَكْلَؤُكُمْ﴾ يَحْفَظكُمْ ﴿بِاللَّيْلِ والنَّهار مِن الرَّحْمَن﴾ مِن عَذابه إنْ نَزَلَ بِكُمْ أيْ: لا أحَد يَفْعَل ذَلِكَ والمُخاطَبُونَ لا يَخافُونَ عَذاب اللَّه لِإنْكارِهِمْ لَهُ ﴿بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْر رَبّهمْ﴾ أيْ القُرْآن ﴿مُعْرِضُونَ﴾ لا يَتَفَكَّرُونَ فِيهِ

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يشمل هذا التفسير الآيات 41 إلى 43

يَقُولُ تَعَالَى مُسَلِّيًا لِرَسُولِهِ [صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ] [[زيادة من ف، أ.]] عَمَّا آذَاهُ بِهِ الْمُشْرِكُونَ مِنَ الِاسْتِهْزَاءِ وَالتَّكْذِيبِ: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يَعْنِي: مِنَ الْعَذَابِ الَّذِي كَانُوا يَسْتَبْعِدُونَ وُقُوعَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الْأَنْعَامِ:٣٤] .

ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى نِعْمَتَهُ عَلَى عَبِيدِهِ فِي حِفْظِهِ لَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَكِلَاءَتِهِ وَحِرَاسَتِهِ لَهُمْ بِعَيْنِهِ الَّتِي لَا تَنَامُ، فَقَالَ: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ ؟ أَيْ: بَدَلَ الرَّحْمَنِ بِمَعْنَى غَيْرِهِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ [[هو أبو نخيلة يعمر بن حزن، والبيت في اللسان مادة (فسق) وصدره: دسته لم تأكل المرققا

وقد حمل صاحب اللسان قوله بأنه ظن الفستق من البقول.]]

جَارية لَمْ تَلْبَس المُرقَّقا ... وَلَم تَذق منَ البُقول الفُسْتُقا ...

أَيْ: لَمْ تَذُقْ بَدَلَ الْبُقُولِ الْفُسْتُقَ.

* *

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ أَيْ: لَا يَعْتَرِفُونَ [[في ف، أ: "لا يعرفون".]] بِنِعَمِهِ عَلَيْهِمْ وَإِحْسَانِهِ إِلَيْهِمْ، بَلْ يُعْرِضُونَ عَنِ آيَاتِهِ وَآلَائِهِ، ثُمَّ قَالَ ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا﴾ اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ وَتَقْرِيعٍ وَتَوْبِيخٍ، أَيْ: أَلَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ وَتَكْلَؤُهُمْ غَيْرُنَا؟ لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا تَوَهَّمُوا وَلَا كَمَا [[في ف، أ: "ولا قد كما".]] زَعَمُوا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ﴾ أَيْ: هَذِهِ [الْآلِهَةُ] [[زيادة من ف، أ.]] الَّتِي اسْتَنَدُوا إِلَيْهَا غَيْرَ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾ قَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾ أَيْ: يُجَارُونَ [[في ف، أ: "يجازون".]] وَقَالَ قَتَادَةُ لَا يُصْحَبُونَ [مِنَ اللَّهِ] [[زيادة من ف.]] بِخَيْرٍ وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾ يمنعون.

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (٤٢) ﴾

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل يا محمد بهؤلاء المستعجليك بالعذاب، القائلين: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين من يكلؤكم أيها القوم: يقول: من يحفظكم ويحرسكم بالليل إذا نمتم، وبالنهار إذا تصرّفتم من الرحمن؟ يقول: من أمر الرحمن إن نزل بكم، ومن عذابه إن حلّ بكم، وترك ذكر الأمر، وقيل من الرحمن اجتزاء بمعرفة السامعين لمعناه من ذكره.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس، في قوله ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ قال: يحرسكم.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد عن قتادة ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ قل من يحفظكم بالليل والنهار من الرحمن، يقال منه: كلأت القوم: إذا حرستهم، أكلؤهم، كما قال ابن هَرْمة:

إنَّ سُلَيْمَى ﴿واللهُ يَكْلَؤُها﴾ ... ضَنَّتْ بِشَيْءٍ ما كانَ يَرْزَؤُها [[البيت لإبراهيم بن هرمة، كما قال المؤلف. وقد جاء في (اللسان: كلأ) غير منسوب. وفيه " بزاد " في موضع " بشيء ". قال: يقال: كلأك الله كلاءة (بالكسر) حفظك الله وحرسك.

وأنشد " إن سليمي ... البيت " وجملة (والله يكلؤها) اعتراضية للدعاء. ويرزؤها: ينقص منها ويضيرها. يريد: ضنت بشيء هين عليها لو بذلته لنا واستشهد المؤلف به على أن معنى يكلأ يحفظ، كما قال أهل اللغة.]] قوله ﴿بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ وقوله بل: تحقيق لجحد قد عرفه المخاطبون بهذا الكلام، وإن لم يكن مذكورا في هذا الموضع ظاهرا.

ومعنى الكلام: وما لهم أن لا يعلموا أنه لا كالئ لهم من أمر الله إذا هو حلّ بهم ليلا أو نهارا، بل هم عن ذكر مواعظ ربهم وحججه التي احتجّ بها عليهم معرضون لا يتدبرون ذلك فلا يعتبرون به، جهلا منهم وسفها.