سورة القرآن surah-quran.com

سورة الأنبياء

سورة الأنبياء، الآية 8

الجزء 17، الصفحة 322.

وَمَا جَعَلْنَـٰهُمْ جَسَدًا لَّا يَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَمَا كَانُوا۟ خَـٰلِدِينَ ﴿٨﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

وما جعلنا أولئك المرسلين قبلك خارجين عن طباع البشر لا يحتاجون إلى طعام وشراب، وما كانوا خالدين لا يموتون.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 7 إلى 9

{7 ـ 9} هذا جوابٌ لِشُبَه المكذِّبين للرسول القائلين: هلاَّ كان مَلَكاً لا يحتاجُ إلى طعام وشراب وتصرُّف في الأسواق! وهلاَّ كان خالداً! فإذا لم يكن كذلك؛ دلَّ على أنه ليس برسول! وهذه الشُّبه ما زالت في قلوب المكذِّبين للرسل، تشابهوا في الكفر؛ فتشابهت أقوالهم؛ فأجاب تعالى عن هذه الشُّبه، لهؤلاء المكذِّبين للرسول، المُقِرِّين بإثبات الرُّسل قبله، ولو لم يكنْ إلاَّ إبراهيم عليه السلام، الذي قد أقرَّ بنبوَّته جميع الطوائف، والمشركون يزعمون أنَّهم على دينِهِ وملَّته؛ بأنَّ الرُّسل قبل محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - كلَّهم من البشر الذين يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، وتطرأ عليهم العوارضُ البشرية من الموت وغيره، وأنَّ الله أرسلهم إلى قومهم وأممهم، فصدَّقهم مَن صدَّقهم، وكذَّبهم مَن كذَّبهم، وأنَّ الله صَدَقَهم ما وَعَدَهم به من النجاة والسعادة لهم ولأتباعهم، وأهلك المسرفين المكذِّبين لهم؛ فما بال محمد - صلى الله عليه وسلم - تُقام الشُّبه الباطلة على إنكار رسالته، وهي موجودةٌ في إخوانه المرسلين، الذين يقرُّ بهم المكذِّبون لمحمد؟! فهذا إلزامٌ لهم في غاية الوضوح، وأنَّهم إن أقرُّوا برسول من البشر، ولن يقرُّوا برسول من غير البشرِ، أنَّ شبههم باطلةٌ، قد أبطلوها هم بإقرارهم بفسادها وتناقُضِهم بها. فلو قُدِّرَ انتقالُهم هذا إلى إنكار نبوَّة البشر رأساً، وأنَّه لا يكون نبيٌّ إنْ لم يكن مَلَكاً مخلَّداً لا يأكلُ الطعام؛ فقد أجاب الله عن هذه الشبهة بقوله:{وقالوا لولا أنزِلَ عليه مَلَكٌ ولو أنزَلۡنا مَلَكاً لقضي الأمر ثم لا يُنظَرونَ. ولو جَعَلۡناه مَلَكاً لجعلناهُ رَجُلاً ولَلَبَسۡنا عليهم ما يَلۡبِسونَ}، وأنَّ البشر لا طاقة لهم بتلقِّي الوحي من الملائكة، {قل لو كانَ في الأرض ملائكةٌ يمشون مطمئنِّينَ لَنَزَّلۡنا عليهم من السماءِ مَلَكاً رسولاً}؛ فإن حصل معكم شكٌّ وعدم علم بحالة الرسل المتقدِّمين؛ فاسألوا أهل الذِّكر من الكتب السالفة؛ كأهل التوراة والإنجيل؛ يخبرونَكم بما عندَهم من العلم، وأنَّهم كلَّهم بشرٌ من جنس المرسَل إليهم. وهذه الآية وإنْ كان سبُبها خاصًّا بالسؤال عن حالة الرسل المتقدِّمين من أهل الذكر، وهم أهل العلم؛ فإنَّها عامَّة في كلِّ مسألة من مسائل الدين أصوله وفروعه إذا لم يكنْ عند الإنسان علمٌ منها أنْ يسألَ من يَعْلَمُها؛ ففيه الأمر بالتعلُّم والسؤال لأهل العلم، ولم يؤمر بسؤالِهِم إلاَّ لأنَّه يجبُ عليهم التعليم والإجابة عما علموه. وفي تخصيص السؤال بأهل الذِّكر والعلم نهيٌ عن سؤال المعروف بالجهل وعدم العلم، ونهي له أن يتصدَّى لذلك. وفي هذه الآية دليلٌ على أن النساء ليس منهنَّ نبيَّة؛ لا مريم ولا غيرها؛ لقوله:{إلاَّ رجالاً}.

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿وما جَعَلْناهُمْ﴾ أيْ الرُّسُل ﴿جَسَدًا﴾ بِمَعْنى أجْسادًا ﴿لا يَأْكُلُونَ الطَّعام﴾ بَلْ يَأْكُلُونَهُ ﴿وما كانُوا خالِدِينَ﴾ فِي الدُّنْيا

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يشمل هذا التفسير الآيات 7 إلى 9

يَقُولُ تَعَالَى رادِّا عَلَى مَنْ أَنْكَرَ بِعْثَةَ الرُّسُلِ مِنَ الْبَشَرِ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلا رِجَالا يُوحَى [[في ف، أ: "نوحي".]] إِلَيْهِمْ﴾

أَيْ: جَمِيعُ الرُّسُلِ الَّذِينَ تَقَدَّمُوا كَانُوا رِجَالًا مِنَ الْبَشَرِ، لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَحَدٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا يُوحَى [[في ف، أ: "نوحي".]] إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يُوسُفَ: ١٠٩] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الْأَحْقَافِ:٩] ، وَقَالَ تَعَالَى حِكَايَةً عَمَّنْ تَقَدَّمَ مِنَ الْأُمَمِ أَنَّهُمْ أَنْكَرُوا ذَلِكَ فَقَالُوا: ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ [التَّغَابُنِ:٦] ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أَيِ:اسْأَلُوا أَهْلَ الْعِلْمِ مِنَ الْأُمَمِ كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَسَائِرِ الطَّوَائِفِ: هَلْ كَانَ الرُّسُلُ الَّذِينَ أَتَوْهُمْ بَشَرًا أَوْ مَلَائِكَةً؟ إِنَّمَا كَانُوا بَشَرًا، وَذَلِكَ مِنْ تَمَامِ نِعمَ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ؛ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رُسُلًا [[في ف، أ: "رسولا"، وهو خطأ.]] مِنْهُمْ يَتَمَكَّنُونَ مِنْ تَنَاوُلِ الْبَلَاغِ مِنْهُمْ وَالْأَخْذِ عَنْهُمْ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ أَيْ: بَلْ قَدْ كَانُوا أَجْسَادًا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأسْوَاقِ﴾ [الْفُرْقَانِ:٢٠] أَيْ: قَدْ كَانُوا بَشَرًا مِنَ الْبَشَرِ، يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ مِثْلَ النَّاسِ، وَيَدْخُلُونَ الْأَسْوَاقَ لِلتَّكَسُّبِ وَالتِّجَارَةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِضَارٍّ لَهُمْ وَلَا نَاقِصٍ مِنْهُمْ شَيْئًا، كَمَا تَوَهَّمَهُ الْمُشْرِكُونَ فِي قَوْلِهِمْ: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأسْوَاقِ لَوْلا أُنزلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنز أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا رَجُلا مَسْحُورًا﴾ [الْفُرْقَانِ: ٧، ٨] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾ أَيْ: فِي الدُّنْيَا، بَلْ كَانُوا يَعِيشُونَ ثُمَّ يَمُوتُونَ، ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ:٣٤] ، وَخَاصَّتُهُمْ أَنَّهُمْ يُوحَى إِلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، تَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ عَنِ اللَّهِ بِمَا يَحْكُمُ [[في ف: "يحكمه".]] فِي خَلْقِهِ مِمَّا يَأْمُرُ بِهِ وَيَنْهَى عَنْهُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ﴾ أَيِ: الَّذِي وَعَدَهُمْ رَبُّهُمْ: "لَيُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ"، صَدَقَهُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ فَفَعَلَ ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ﴾ أَيْ: أَتْبَاعَهُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، ﴿وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾ أَيِ: الْمُكَذِّبِينَ بِمَا جَاءَتِ الرُّسُلُ بِهِ.

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (٨) ﴾

يقول تعالى ذكره: وما جعلنا الرسل الذين أرسلناهم من قبلك يا محمد إلى الأمم الماضية قبل أمتك، ﴿جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ يقول: لم نجعلهم ملائكة لا يأكلون الطعام، ولكن جعلناهم أجسادا مثلك يأكلون الطعام.

كما:-

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ يقول: ما جعلناهم جسدا إلا ليأكلوا الطعام.

⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ يقول: لم أجعلهم جسدا ليس فيهم أرواح لا يأكلون الطعام، ولكن جعلناهم جسدا فيها أرواح يأكلون الطعام.

قال أبو جعفر: وقال: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا﴾ فوحَّد الجسد وجعله موحدا، وهو من صفة الجماعة، وإنما جاز ذلك لأن الجسد بمعنى المصدر، كما يقال في الكلام: وما جعلناهم خَلْقا لا يأكلون.

* *

وقوله ﴿وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾

يقول: ولا كانوا أربابا لا يموتون ولا يفنون، ولكنهم كانوا بشرا أجسادا فماتوا، وذلك أنهم قالوا لرسول الله ﷺ، كما قد أخبر الله عنهم ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا..﴾ إلى قوله ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلا﴾ قال الله تبارك وتعالى لهم: ما فعلنا ذلك بأحد قبلكم فنفعل بكم، وإنما كنا نرسل إليهم رجالا نوحي إليهم كما أرسلنا إليكم رسولا نوحي إليه أمرنا ونهينا.

وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾ أي لا بد لهم من الموت أن يموتوا.