سورة الأنفال، الآية 21
الجزء 9، الصفحة 179.
وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ قَالُوا۟ سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ﴿٢١﴾
الآية في سياق السورةاستمع إلى سورة الأنفال
تفسير الآية
التفسير الميسر
ولا تكونوا أيها المؤمنون في مخالفة الله ورسوله محمد ﷺ كالمشركين والمنافقين الذين إذا سمعوا كتاب الله يتلى عليهم قالوا: سمعنا بآذاننا، وهم في الحقيقة لا يتدبرون ما سمعوا، ولا يفكرون فيه.
تفسير السعدي
يشمل هذا التفسير الآيات 20 إلى 21
الآية 20: لما أخبر تعالى أنه مع المؤمنين؛ أمرهم أن يقوموا بمقتضى الإيمان الذي يدركون معيَّتَه، فقال:{يا أيُّها الذين آمنوا أطيعوا اللهَ ورسولَه}: بامتثال أمرِهما واجتنابِ نهيِهما. {ولا تَوَلَّوۡا عنه}؛ أي: عن هذا الأمر الذي هو طاعة الله وطاعة رسوله، {وأنتم تسمعونَ}: ما يُتلى عليكم من كتاب الله وأوامره ووصاياه ونصائحه؛ فتولِّيكم في هذه الحال من أقبح الأحوال.
الآية 21:{ولا تكونوا كالذين قالوا سمِعۡنا وهم لا يسمعون}؛ أي: لا تكتفوا بمجرَّدِ الدعوى الخالية التي لا حقيقة لها؛ فإنها حالة لا يرضاها الله ولا رسوله، فليس الإيمانُ بالتمنِّي والتحلِّي، ولكنَّه ما وَقَرَ في القلوب، وصدَّقته الأعمال.
تفسير الجلالين
﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ سَماع تَدَبُّر واتِّعاظ وهُمْ المُنافِقُونَ أوْ المُشْرِكُونَ
تفسير ابن كثير
يشمل هذا التفسير الآيات 20 إلى 23
يَأْمُرُ تَعَالَى عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِطَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ، وَيَزْجُرُهُمْ عَنْ مُخَالَفَتِهِ وَالتَّشَبُّهِ بِالْكَافِرِينَ بِهِ الْمُعَانِدِينَ لَهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ أَيْ: تَتْرُكُوا طَاعَتَهُ وَامْتِثَالَ أَوَامِرِهِ وَتَرْكَ زَوَاجِرِهِ، ﴿وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ أَيْ: بَعْدَ مَا عَلِمْتُمْ مَا دَعَاكُمْ إِلَيْهِ.
﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ قِيلَ: الْمُرَادُ الْمُشْرِكُونَ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: هُمُ الْمُنَافِقُونَ؛ فَإِنَّهُمْ يُظْهِرُونَ أَنَّهُمْ قَدْ سَمِعُوا وَاسْتَجَابُوا، وَلَيْسُوا كَذَلِكَ.
ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ هَذَا الضَّرْبَ مِنْ بَنِي آدَمَ شَرُّ [[في ك، م، أ: "سيئ".]] الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ، فَقَالَ: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ﴾
أَيْ: عَنْ سَمَاعِ الْحَقِّ ﴿الْبُكْمُ﴾ عَنْ فَهْمِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ فَهَؤُلَاءِ شَرُّ الْبَرِيَّةِ؛ لِأَنَّ كُلَّ دَابَّةٍ مِمَّا سِوَاهُمْ مُطِيعَةٌ لِلَّهِ [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من م.]] فِيمَا خَلَقَهَا لَهُ، وَهَؤُلَاءِ خُلِقُوا لِلْعِبَادَةِ فَكَفَرُوا؛ وَلِهَذَا شَبَّهَهُمْ بِالْأَنْعَامِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلا دُعَاءً وَنِدَاءً [صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ] ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٧١] . [[زيادة من ك، م، أ، وفي هـ: "الآية".]] وَقَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿أُولَئِكَ كَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٧٩] .
وَقِيلَ: [[في د، م: "ثم قيل".]] الْمُرَادُ بِهَؤُلَاءِ الْمَذْكُورِينَ نَفَرٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ مِنْ قُرَيْشٍ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: هُمُ الْمُنَافِقُونَ.
قُلْتُ: وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ وَالْمُنَافِقِينَ فِي هَذَا؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ مَسْلُوبُ الْفَهْمِ الصَّحِيحِ، وَالْقَصْدِ إِلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ.
ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى بِأَنَّهُمْ لَا فَهْمَ لَهُمْ صَحِيحٌ، وَلَا قَصْدَ لَهُمْ صَحِيحٌ، لَوْ فُرِضَ أَنَّ لَهُمْ فَهْمًا، فَقَالَ: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ﴾ أَيْ: لَأَفْهَمَهُمْ، وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ: وَلَكِنْ لَا خَيْرَ فِيهِمْ فَلَمْ يُفْهِمْهُمْ؛ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ﴾ أَيْ: أَفْهَمَهُمْ ﴿لَتَوَلَّوْا﴾ عَنْ ذَلِكَ قَصْدًا وَعِنَادًا بَعْدَ فَهْمِهِمْ ذَلِكَ، ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ عَنْهُ.
تفسير الطبري
القول في تأويل قوله: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (٢١) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين بالله ورسوله من أصحاب نبي الله ﷺ: لا تكونوا، أيها المؤمنون، في مخالفة رسول الله ﷺ، كالمشركين الذين إذا سمعوا كتاب الله يتلى عليهم قالوا: "قد سمعنا"، بآذاننا= "وهم لا يسمعون"، يقول: وهم لا يعتبرون ما يسمعون بآذانهم ولا ينتفعون به، لإعراضهم عنه، وتركهم أن يُوعُوه قلوبهم ويتدبروه. فجعلهم الله، إذ لم ينتفعوا بمواعظ القرآن وإن كانوا قد سمعوها بأذانهم، [[في المطبوعة: " فجعلهم الله لما لم ينتفعوا "، وأثبت ما في المخطوطة.]] بمنزلة من لم يسمعها. يقول جل ثناؤه لأصحاب رسول الله ﷺ: لا تكونوا أنتم في الإعراض عن أمر رسول الله، وترك الانتهاء إليه وأنتم تسمعونه بآذانكم، كهؤلاء المشركين الذين يسمعون مواعظ كتاب الله بآذانهم، ويقولون: "قد سمعنا"، وهم عن الاستماع لها والاتعاظ بها معرضون كمن لا يسمَعُها. [[في المخطوطة: " وهم لاستعمالها والاتعاظ بها "، والصواب ما في المطبوعة، وإنما هو إسقاط من الناسخ في كتابته. وكان في المطبوعة: " كمن لم يسمعها "، وأثبت ما في المخطوطة.]]
* *
وكان ابن إسحاق يقول في ذلك ما:-
١٥٨٥٣- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون﴾ ، أي: كالمنافقين الذين يظهرون له الطاعة، ويُسِرُّون المعصية. [[الأثر: ١٥٨٥٣ - سيرة ابن هشام ٢: ٣٢٤، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١٥٨٥٢.]]
١٥٨٥٤- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: ﴿وهم لا يسمعون﴾ ، قال: عاصون.
١٥٨٥٥- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
* *
قال أبو جعفر: وللذي قال ابن إسحاق وجه، ولكن قوله: ﴿ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون﴾ ، في سياق قَصَص المشركين، ويتلوه الخبر عنهم بذمّهم، وهو قوله: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ ، فلأن يكون ما بينهما خبرًا عنهم، أولى من أن يكون خبرًا عن غيرهم.