سورة القرآن surah-quran.com

سورة الأنفال

سورة الأنفال، الآية 25

الجزء 9، الصفحة 179.

وَٱتَّقُوا۟ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنكُمْ خَآصَّةً ۖ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ﴿٢٥﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

واحذروا -أيها المؤمنون- اختبارًا ومحنة يُعَمُّ بها المسيء وغيره، لا يُخَص بها أهل المعاصي ولا مَن باشر الذنب، بل تصيب الصالحين معهم إذا قَدَروا على إنكار الظلم ولم ينكروه، واعلموا أن الله شديد العقاب لمن خالف أمره ونهيه.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 24 إلى 25

الآية 24: يأمر تعالى عباده المؤمنين بما يقتضيه الإيمان منهم، وهو الاستجابة لله وللرسول؛ أي: الانقياد لما أمرا به والمبادرة إلى ذلك والدعوة إليه، والاجتناب لما نهيا عنه والانكفاف عنه والنهي عنه. وقوله:{إذا دعاكم لما يُحييكم}: وصفٌ ملازمٌ لكل ما دعا الله ورسوله إليه وبيانٌ لفائدته وحكمته؛ فإن حياة القلب والروح بعبوديَّة الله تعالى ولزوم طاعته وطاعة رسوله على الدوام. ثم حذَّر عن عدم الاستجابة لله وللرسول، فقال:{واعلموا أنَّ الله يَحول بين المرء وقلبِهِ}: فإياكم أن تردُّوا أمر الله أول ما يأتيكم، فيُحال بينكم وبينه إذا أردتموه بعد ذلك، وتختلف قلوبكم؛ فإن الله يَحولُ بين المرء وقلبه؛ يقلِّب القلوب حيث شاء، ويصرِّفها أنَّى شاء، فليكثرِ العبد من قول: يا مقلِّب القلوب! ثبِّتْ قلبي على دينك. يا مصرِّف القلوب! اصرفْ قلبي إلى طاعتك. {وأنَّه إليه تُحشرون}؛ أي: تُجمعون ليوم لا ريبَ فيه، فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بعصيانه.

الآية 25:{واتَّقوا فتنةً لا تُصيبَنَّ الذين ظلموا منكم خاصةً}: بل تصيب فاعل الظُّلم وغيره، وذلك إذا ظهر الظلم فلم يغيَّر؛ فإنَّ عقوبته تعمُّ الفاعل وغيره. وتقوى هذه الفتنة بالنهي عن المنكر وقمع أهل الشرِّ والفساد وأن لا يُمَكَّنوا من المعاصي والظُّلم مهما أمكن. {واعلموا أنَّ الله شديدُ العقاب}: لمن تعرَّض لمساخطِهِ وجانبَ رضاه.

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿واتَّقُوا فِتْنَة﴾ إنْ أصابَتْكُمْ ﴿لا تُصِيبَن الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خاصَّة﴾ بَلْ تَعُمّهُمْ وغَيْرهمْ واتِّقاؤُها بِإنْكارِ مُوجِبها مِن المُنْكَر ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّه شَدِيد العِقاب﴾ لِمَن خالَفَهُ

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يُحَذِّرُ تَعَالَى عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ ﴿فِتْنَةً﴾ أَيِ: اخْتِبَارًا وَمِحْنَةً، يَعُمُّ بِهَا الْمُسِيءَ وَغَيْرَهُ، لَا يَخُصُّ بِهَا أَهْلَ الْمَعَاصِي وَلَا مَنْ بَاشَرَ الذَّنْبَ، بَلْ يَعُمُّهُمَا، حَيْثُ لَمْ تُدْفَعُ وَتُرْفَعُ. كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:

حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، حَدَّثَنَا شَدَّاد بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا غَيْلان بْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُطَرِّف قَالَ: قُلْنَا لِلزُّبَيْرِ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، مَا جَاءَ بِكُمْ؟ ضَيَّعْتُمُ الْخَلِيفَةَ الَّذِي قُتِلَ، ثُمَّ جِئْتُمْ تَطْلُبُونَ بِدَمِهِ؟ فَقَالَ الزُّبَيْرُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّا قَرَأْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ لَمْ نَكُنْ نَحْسَبُ أَنَّا أَهْلُهَا حَتَّى وَقَعَتْ مِنَّا حَيْثُ وَقَعَتْ [[المسند (٤/١٦٥) .]]

وَقَدْ رَوَاهُ الْبَزَّارُ [[في أ: "الترمذي".]] مِنْ حَدِيثِ مُطَرِّفٍ، عَنِ الزُّبَيْرِ، وَقَالَ: لَا نَعْرِفُ مُطَرِّفًا رَوَى عَنِ الزُّبَيْرِ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ [[مسند البزار برقم (٩٧٦) .]]

وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ الزُّبَيْرِ نَحْوَ هَذَا [[وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٢٠٦) .]]

وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا مُبَارَكُ بْنُ فَضَالة، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ الزُّبَيْرُ: لَقَدْ خُوِّفْنَا بِهَا، يَعْنِي قَوْلَهُ [تَعَالَى] [[زيادة من ك.]] ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَمَا ظَنَنَّا أَنَّا خُصِصْنَا بِهَا خَاصَّةً.

وَكَذَا رَوَاهُ حُمَيْدٌ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ الزُّبَيْرِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ [[تفسير الطبري (١٣/٤٧٤) .]]

وَقَالَ دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْد، عَنِ الْحَسَنِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: نَزَلَتْ فِي عَلِيٍّ، وَعُثْمَانَ [[في د، ك، م، أ: "عمار".]] وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.

وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنِ الصَّلت بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ صُهْبان، سَمِعْتُ الزُّبَيْرَ يَقُولُ: لَقَدْ قَرَأْتُ هَذِهِ الْآيَةَ زَمَانًا وَمَا أَرَانَا مِنْ أَهْلِهَا فَإِنْ [[في د، ك، م: "فإذا".]] نَحْنُ الْمَعْنِيُّونَ بِهَا: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾

وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ.

وَقَالَ السُّدِّيّ: نَزَلَتْ فِي أَهْلِ بدر خاصة، فأصابتهم يوم الجمل، فاقتتلوا.

وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ يَعْنِي: أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ خَاصَّةً

وَقَالَ فِي رِوَايَةٍ لَهُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: أَمَرَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَلَّا يُقِرُّوا الْمُنْكَرَ بَيْنَ ظَهْرَانِيهِمْ إِلَيْهِمْ فَيَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِالْعَذَابِ.

وَهَذَا تَفْسِيرٌ حَسَنٌ جِدًّا؛ وَلِهَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ هِيَ أَيْضًا لَكُمْ، وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ.

وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى فِتْنَةٍ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التَّغَابُنِ: ١٥] فَأَيُّكُمُ اسْتَعَاذَ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ مُضِلَّاتِ الْفِتَنِ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

وَالْقَوْلُ بِأَنَّ هَذَا التَّحْذِيرَ يَعُمُّ الصَّحَابَةَ وَغَيْرَهُمْ -وَإِنْ كَانَ الْخِطَابُ مَعَهُمْ -هُوَ الصَّحِيحُ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي التَّحْذِيرِ مِنَ الْفِتَنِ، وَلِذَلِكَ كِتَابٌ مُسْتَقِلٌّ يُوَضَّحُ فِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، كَمَا فَعَلَهُ الْأَئِمَّةُ وَأَفْرَدُوهُ بِالتَّصْنِيفِ وَمِنْ أَخَصِّ مَا يُذْكَرُ هَاهُنَا مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَيْثُ قَالَ:

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَجَّاجِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ -يَعْنِي ابْنَ الْمُبَارَكِ-أَنْبَأَنَا سَيْفُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، سَمِعْتُ عَدِيّ بْنَ عَدِيّ الْكِنْدِيَّ يَقُولُ: حَدَّثَنِي مَوْلًى لَنَا أَنَّهُ سَمِعَ جَدِّي -يَعْنِي عَدِيّ بْنَ عَمِيرَةَ -يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، لَا يُعَذِّبُ الْعَامَّةَ بِعَمَلِ الْخَاصَّةِ حَتَّى يَرَوُا الْمُنْكَرَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهم، وَهُمْ قَادِرُونَ عَلَى أَنْ يُنْكِرُوهُ فَلَا يُنْكِرُوهُ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَذَّب اللَّهُ الْخَاصَّةَ وَالْعَامَّةَ" [[المسند (٤/١٩٢) .]]

فِيهِ رَجُلٌ مُبْهَمٌ، وَلَمْ يُخْرِجُوهُ فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ، وَلَا وَاحِدَ مِنْهُمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الْهَاشِمِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ -يَعْنِي ابْنَ جَعْفَرٍ -أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَشْهَلِ، عَنْ حُذَيفة بْنِ الْيَمَانِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقابا مِنْ عِنْدِهِ، ثُمَّ لتَدعُنّه فَلَا يَسْتَجِيبُ لَكُمْ" [[المسند (٥/٣٨٨) .]]

وَرَوَاهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، وَقَالَ: "أَوْ لَيَبْعَثَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ قَوْمًا ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلَا يَسْتَجِيبُ لَكُمْ " [[في المسند (٥/٣٨٨) "أبو سعيد مولى بني هاشم عن سليمان بن بلال" ثم راجعت أطراف المسند للحافظ ابن حجر (٢/٢٦٣) فوجدته كما هو في المسند.]]

وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، قَالَ حَدَّثَنَا رَزِين بْنُ حَبِيبٍ الجُهَني، حَدَّثَنِي أَبُو الرُّقاد قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ مَوْلَايَ، فَدُفِعْتُ إِلَى حُذَيْفَةَ وَهُوَ يَقُولُ: إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَصِيرُ مُنَافِقًا، وَإِنِّي لَأَسْمَعُهَا مِنْ أَحَدِكُمْ فِي الْمَقْعَدِ الْوَاحِدِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ؛ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، ولَتَحَاضُّن عَلَى الْخَيْرِ، أَوْ لَيَسْحَتَنَّكم اللَّهُ جَمِيعًا بعذاب، أو ليؤمرَنّ عليكم شِرَارَكُمْ، ثُمَّ يَدْعُو خِيَارُكُمْ فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ [[المسند (٥/٣٩٠) .]]

حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ زَكَرِيَّا، حَدَّثَنَا عَامِرٌ، قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَخْطُبُ يَقُولُ -وَأَوْمَأَ بِإِصْبَعَيْهِ [[في د، ك: "بأصبعه".]] إِلَى أُذُنَيْهِ -يَقُولُ: مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فيها -أو [[في ك، م: "و".]] المُداهن فِيهَا -كَمَثَلِ قَوْمٍ رَكِبُوا سَفِينَةً، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا وَأَوْعَرَهَا وَشَرَّهَا، وَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوُا الْمَاءَ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ فَآذُوهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ خَرَقْنا فِي نَصِيبِنَا خَرْقا، فَاسْتَقَيْنَا مِنْهُ، وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ تَرَكُوهُمْ وَأَمْرَهُمْ هَلَكوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا جَمِيعًا.

انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ الْبُخَارِيُّ دُونَ مُسْلِمٍ، فَرَوَاهُ فِي "الشَّرِكَةِ" و "الشَّهَادَاتِ"، وَالتِّرْمِذِيُّ فِي الْفِتَنِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مِهْرَانَ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَامِرِ بْنِ شَرَاحيل الشَّعْبِيِّ، بِهِ [[المسند (٤/٢٦٩) وصحيح البخاري برقم (٢٤٩٣) ، (٢٦٨٦) وسنن الترمذي برقم (٢١٧٣) .]]

حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ، حَدَّثَنَا خَلَف بْنُ خَلِيفَةَ، عَنْ لَيْث، عَنْ عَلْقَمَة بْنِ مَرْثد، عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْد، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا ظَهَرَتِ الْمَعَاصِي فِي أُمَّتِي، عَمَّهم اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ". فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمَا فِيهِمْ أُنَاسٌ صَالِحُونَ؟ قَالَ: "بَلَى"، قَالَتْ: فَكَيْفَ يَصْنَعُ أُولَئِكَ؟ قَالَ: "يُصِيبُهُمْ مَا أَصَابَ النَّاسُ، ثُمَّ يَصِيرُونَ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ" [[المسند (٦/٣٠٤) .]]

حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَجَّاج بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا مِنْ قَوْمٍ يَعْمَلُونَ بِالْمَعَاصِي، وَفِيهِمْ رَجُلٌ أَعَزُّ مِنْهُمْ وَأَمْنَعُ لَا يُغَيِّرُونَ، إِلَّا عَمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ [[في د: "بعذاب".]] -أَوْ: أَصَابَهُمُ الْعِقَابُ".

وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ مُسَدَّد، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، بِهِ [[المسند (٤/٣٦١) وسنن أبي داود برقم (٤٣٣٩) .]]

وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ يُحَدِّثُ، عَنْ عُبَيد اللَّهِ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَا مِنْ قَوْمٍ يُعْمَل فِيهِمْ بِالْمَعَاصِي، هُمْ أعَزّ وَأَكْثَرُ مِمَّنْ يَعْمَلُهُ، لَمْ يُغَيِّرُوهُ، إِلَّا عَمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ" [[المسند (٤/٣٦٤) .]]

ثُمَّ رَوَاهُ أَيْضًا عَنْ وَكِيع، عَنْ إِسْرَائِيلَ -وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر -وَعَنْ أَسْوَدَ، عَنْ شَرِيكٍ وَيُونُسَ -كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعي، بِهِ.

وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ وَكِيعٍ، بِهِ [[سنن ابن ماجه برقم (٤٠٠٩) .]] [حَدِيثٌ آخَرُ] [[زيادة من م.]] وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا جَامِعُ بْنُ أَبِي رَاشِدٍ، عَنْ مُنْذِر، عَنْ حَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ امْرَأَتِهِ، عَنْ عَائِشَةَ تَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ: "إِذَا ظَهَرَ السُّوءُ فِي الْأَرْضِ، أَنْزَلَ اللَّهُ بِأَهْلِ الْأَرْضِ بَأْسَهُ". قَالَتْ: وَفِيهِمْ أَهْلُ طَاعَةِ اللَّهِ؟ قَالَ: "نَعَمْ، ثُمَّ يَصِيرُونَ إِلَى رحمة الله" [[المسند (٦/٤١) .]]

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٥) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله: "اتقوا"، أيها المؤمنون= "فتنة"، يقول: اختبارًا من الله يختبركم، وبلاء يبتليكم [[انظر تفسير " الفتنة " فيما سلف ص: ١٥١، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = "لا تصيبن"، هذه الفتنة التي حذرتكموها [[انظر تفسير " الإصابة " فيما سلف ٢: ٩٦، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] "الذين ظلموا"، وهم الذين فعلوا ما ليس لهم فعله، إما إجْرام أصابوها، وذنوب بينهم وبين الله ركبوها. يحذرهم جل ثناؤه أن يركبوا له معصية، أو يأتوا مأثمًا يستحقون بذلك منه عقوبة. [[انظر تفسير " الخصوص " فيما سلف ٢: ٤٧١ \ ٦: ٥١٧.]]

* *

وقيل: إن هذه الآية نزلت في قوم من أصحاب رسول الله ﷺ، وهم الذين عُنوا بها.

ذكر من قال ذلك:

١٥٩٠٣- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن إبراهيم قال، حدثنا الحسن بن أبي جعفر قال، حدثنا داود بن أبي هند، عن الحسن في قوله: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾ ، قال: نزلت في علي، وعثمان، وطلحة، والزبير، رحمة الله عليهم.

١٥٩٠٤- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾ ، قال قتادة: قال الزبير بن العوام: لقد نزلت وما نرى أحدًا منا يقع بها. ثم خُلِّفْنا في إصابتنا خاصة. [[في المطبوعة: " ثم خصتنا في إصابتنا خاصة "، وأثبت ما في المخطوطة، وهو فيها غير منقوط، وظننت أن صواب نقطها ما أثبت. يعني: أنهم بقوا بعد الذين مضوا، فإذا هي في إصابتهم خاصة.]]

١٥٩٠٥ - حدثني المثنى قال، حدثنا زيد بن عوف أبو ربيعة قال، حدثنا حماد، عن حميد، عن الحسن: أن الزبير بن العوام قال: نزلت هذه الآية: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾ ، وما نظننا أهلها، ونحن عُنِينا بها. [[الأثر: ١٥٩٠٥ - " زيد بن عوف القطعي "، " أبو ربيعة ". ولقبه " فهد "، متكلم فيه، ضعيف، مضى برقم: ٥٦٢٣، ١٤٢١٥، ١٤٢١٨.]]

١٥٩٠٦ -. . . . قال، حدثنا قبيصة، عن سفيان، عن الصلت بن دينار، عن ابن صبهان قال: سمعت الزبير بن العوام يقول: قرأت هذه الآية زمانًا، وما أرانا من أهلها، فإذا نحن المعنيون بها: ﴿واتقوا فتنه لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب﴾ . [[الأثر: ١٥٩٠٦ - " الصلت بن دينار الأزدي " " أبو شعيب "، " المجنون ". متروك لا يحتج بحديثه. مترجم في التهذيب. والكبير ٢ / ٢ / ٣٠٥، وابن أبي حاتم ٢ / ١ / ٤٣٧. وميزان الاعتدال ١: ٤٦٨.

وابن صهبان" هو "عقبة بن صهبان الحداني الأزدي " تابعي ثقة، مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ١١٣/ ٣١٢، ولم أجدهم ذكروا له رواية عن الزبير بن العوام، ولكنه روى عن عثمان، وعياض بن حمار، وعبد الله بن مغفل، وأبي بكرة الثقفي وعائشة.]]

١٥٩٠٧- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصه﴾ ، قال: هذه نزلت في أهل بدر خاصة، وأصابتهم يوم الجمل، فاقتتلوا.

١٥٩٠٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن ابن أبي خالد، عن السدي: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب﴾ ، قال: أصحاب الجمل.

١٥٩٠٩- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثنا معاوية، عن علي، عن ابن عباس: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منعم خاصة﴾ ، قال: أمر الله المؤمنين أن لا يقرُّوا المنكر بين أظهرهم، فيعمَّهم الله بالعذاب.

١٥٩١٠-. . . . قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾ ، قال: هى أيضًا لكم.

١٥٩١١- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿واتقوا فتنه لا تصيبن الذين ظلموا منعم خاصة﴾ ، قال: "الفتنة"، الضلالة.

١٥٩١٢- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن المسعودي، عن القاسم قال: قال عبد الله: ما منكم من أحد إلا وهو مشتمل على فتنة، إن الله يقول: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [سورة الأنفال: ٢٨] ، فليستعذ بالله من مُضِلات الفتن. [[الأثر: ١٥٩١٢ - انظر الأثر التالي رقم: ١٥٩٣٤، ونصه: " فمن استعاذ منكم، فليستعذ ... "، وكأنه الصواب.]]

١٥٩١٣- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا مبارك بن فضالة، عن الحسن قال: قال الزبير: لقد خُوِّفنا بها= يعني قوله: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾ .

* *

واختلف أهل العربية في تأويل ذلك.

فقال بعض نحويي البصرة: ﴿اتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا﴾ ، قوله: "لا تصيبن"، ليس بجواب، ولكنه نهي بعد أمر، ولو كان جوابًا ما دخلت "النون".

* *

وقال بعض نحويي الكوفة قوله: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا﴾ ، أمرهم ثم نهاهم. وفيه طرَفٌ من الجزاء، [[في المطبوعة: " ومنكم ظرف من الجزاء "، فجاء الناشر بكلام غث لا معنى له وفي المخطوطة: " ومنه طرف "، وصواب قراءته ما أثبت، مطابقًا لما في معاني القرآن للفراء.]] وإن كان نهيًا. قال: ومثله قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ﴾ ، [سورة النمل: ١٨] ، أمرهم ثم نهاهم، وفيه تأويل الجزاء. [[هذه مقالة الفراء في معاني القرآن ١: ٤٠٧.]]

وكأن معنى الكلام عنده: اتقوا فتنة، إن لم تتقوها أصابتكم.

* *

وأما قوله: ﴿واعلموا أن الله شديد العقاب﴾ ، فإنه تحذير من الله، ووعيد لمن واقع الفتنة التي حذره إياها بقوله: ﴿واتقوا فتنة﴾ ، يقول: اعلموا، أيها المؤمنون، أن ربكم شديد عقابه لمن افتُتن بظلم نفسه، وخالف أمره، فأثم به. [[انظر تفسير " شديد العقاب " فيما سلف من فهارس اللغة (شدد) ، (عقب) .]]