سورة الأنفال، الآية 71
الجزء 10، الصفحة 186.
وَإِن يُرِيدُوا۟ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا۟ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿٧١﴾
الآية في سياق السورةاستمع إلى سورة الأنفال
تفسير الآية
التفسير الميسر
وإن يرد الذين أَطْلَقْتَ سراحهم -أيها النبي- من الأسرى الغدر بك مرة أخرى فلا تَيْئسْ، فقد خانوا الله من قبل وحاربوك، فنصرك الله عليهم. والله عليم بما تنطوي عليه الصدور، حكيم في تدبير شؤون عباده.
تفسير السعدي
يشمل هذا التفسير الآيات 70 إلى 71
الآية 70: وهذه نزلت في أسارى يوم بدر ، وكان من جملتهم العباس عمُّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلما طلب منه الفداء؛ ادَّعى أنه مسلم قبل ذلك، فلم يسقِطوا عنه الفداء، فأنزل الله تعالى جبراً لخاطره ومَنْ كان على مثل حالِهِ:{يا أيُّها النبيُّ قلۡ لِمَن في أيديكم من الأسرى إن يعلم اللهُ في قلوبكم خيراً يؤتِكُم خيراً ممَّا أُخِذَ منكم}؛ أي: من المال، بأن ييسِّر لكم من فضله خيراً كثيراً مما أخذ منكم، {ويَغۡفِرۡ لكم}: ذنوبكم ويدخلكم الجنة. {والله غفورٌ رحيمٌ}: وقد أنجز الله وعده للعباس وغيره، فحصل له بعد ذلك من المال شيءٌ كثيرٌ، حتى إنه مرَّة لما قدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - مال كثير؛ أتاه العباس، فأمره أن يأخذ منه بثوبه ما يطيق حملَه، فأخذ منه ما كاد أن يعجزَ عن حمله.
الآية 71:{وإن يريدوا خيانَتَكَ}: في السعي لحربك ومنابذتك، {فقد خانوا الله من قبلُ فأمۡكَنَ منهم}: فليحذَروا خيانتك؛ فإنه تعالى قادرٌ عليهم، وهم تحت قبضته. {والله عليمٌ حكيمٌ}؛ أي: عليم بكل شيء، حكيم يضع الأشياء مواضعها، ومن علمه وحكمته أن شَرَعَ لكم هذه الأحكام الجليلة الجميلة، وقد تكفَّل بكفايتكم شأنَ الأسرى وشرَّهم إن أرادوا خيانةً.
تفسير الجلالين
﴿وإنْ يُرِيدُوا﴾ أيْ الأَسْرى ﴿خِيانَتك﴾ بِما أظَهَرُوا مِن القَوْل ﴿فَقَدْ خانُوا اللَّه مِن قَبْل﴾ قَبْل بَدْر بِالكُفْرِ ﴿فَأَمْكَنَ مِنهُمْ﴾ بِبَدْرٍ قَتْلًا وأَسْرًا فَلْيَتَوَقَّعُوا مِثْل ذَلِكَ إنْ عادُوا ﴿واللَّه عَلِيم﴾ بِخَلْقِهِ ﴿حَكِيم﴾ فِي صُنْعه
تفسير ابن كثير
يشمل هذا التفسير الآيات 70 إلى 71
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ يَوْمَ بَدْرٍ: "إِنِّي قَدْ عَرَفْتُ أَنَّ أُنَاسًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَغَيْرِهِمْ، قَدْ أُخْرِجُوا كُرْهًا، لَا حَاجَةَ لَهُمْ بِقِتَالِنَا، فَمَنْ لَقِيَ [[في أ: "شهد".]] مِنْكُمْ أَحَدًا مِنْهُمْ -أَيْ: مِنْ بَنِي هَاشِمٍ -فَلَا يَقْتُلُهُ، وَمَنْ لَقِيَ أَبَا الْبَخْتَرِيِّ بْنَ هِشَامٍ فَلَا يَقْتُلُهُ، وَمَنْ لَقِيَ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَلَا يَقْتُلُهُ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا أُخْرِجَ مُسْتَكْرَهًا". فَقَالَ أَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ: أَنَقْتُلُ آبَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا وَإِخْوَانَنَا وَعَشَائِرَنَا وَنَتْرُكُ الْعَبَّاسَ؟ ! وَاللَّهِ لَئِنْ لَقِيتُهُ لَأَلْجِمَنَّهُ بِالسَّيْفِ؟ فَبَلَغَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: "يَا أَبَا حَفْصٍ" -قَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ إِنَّهُ لَأَوَّلُ يَوْمٍ كَنَّانِي فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -"أَيُضْرَبُ وَجْهُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالسَّيْفِ؟ " فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ائْذَنْ لِي فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ نَافَقَ. فَكَانَ أَبُو حُذَيْفَةَ يَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ: وَاللَّهِ مَا آمَنُ مِنْ تِلْكَ الْكَلِمَةِ الَّتِي قُلْتُ، وَلَا أَزَالُ مِنْهَا خَائِفًا، إِلَّا أَنْ يُكَفِّرَهَا اللَّهُ عَنِّي بِشَهَادَةٍ. فَقُتِلَ يَوْمَ اليمامة شهيدا، رضي الله عنه.
وَبِهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا أَمْسَى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بَدْرٍ، وَالْأُسَارَى مَحْبُوسُونَ بِالْوِثَاقِ، بَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَاهِرًا أَوَّلَ اللَّيْلِ، فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَكَ لَا تَنَامُ؟ -وَقَدْ أَسَرَ الْعَبَّاسَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ -فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "سَمِعْتُ أَنِينَ عَمِّيَ الْعَبَّاسِ فِي وِثَاقِهِ" فَأَطْلَقُوهُ، فَسَكَتَ، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ أَكْثَرُ الْأُسَارَى يَوْمَ بَدْرٍ فِدَاءً الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ رَجُلًا مُوسرا فَافْتَدَى نَفْسَهُ بِمِائَةِ أُوقِيَّةٍ ذَهَبًا [[في د، ك: "ذهب".]]
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، مِنْ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رِجَالًا مِنَ الْأَنْصَارِ اسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: ائذَنْ لَنَا فَلْنَتْرُكْ لِابْنِ أُخْتِنَا عَبَّاسٍ فِدَاءَهُ. قَالَ [[في ك: "فقال".]] لَا وَاللَّهِ لَا تَذَرون مِنْهُ دِرْهَمًا" [[صحيح البخاري برقم (٤٠٢٦) .]]
وَقَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْر، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومان، عَنْ عُرْوَة -وَعَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ جَمَاعَةٍ سَمَّاهُمْ قَالُوا: بَعَثَتْ قُرَيْشٌ إِلَى رسول الله صلى الله عليه وسلم في فِدَاءِ أَسْرَاهُمْ، فَفَدَى [[في ك: "يفادى".]] كُلُّ قَوْمٍ أَسِيرَهُمْ بِمَا رَضُوا، وَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ كُنْتُ مُسْلِمًا! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِسْلَامِكَ، فَإِنْ يَكُنْ كَمَا تَقُولُ فَإِنَّ اللَّهَ يَجْزِيكَ، وَأَمَّا ظَاهِرُكَ فَقَدْ كَانَ عَلَيْنَا، فَافْتَدِ نَفْسَكَ وابنيْ أَخِيكَ: نَوْفَلَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وعَقيل بْنَ أَبِي طَالِبِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَحَلِيفَكَ عُتْبَةَ بْنَ عَمْرٍو أَخِي بَنِي الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ" قَالَ: مَا ذَاكَ عِنْدِي يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: "فَأَيْنَ الْمَالُ الَّذِي دَفَنْتَهُ أَنْتَ وَأُمُّ الْفَضْلِ؟ فَقُلْتَ [[في د: "فقال".]] لَهَا: إِنْ أصبتُ فِي سَفَرِي هَذَا، فَهَذَا الْمَالُ الَّذِي دَفَنْتُهُ لبَني: الْفَضْلِ، وَعَبْدِ اللَّهِ، وقُثم". قَالَ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لِأَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ مَا عَلِمَهُ أَحَدٌ [[في أ: "بشر".]] غَيْرِي وغيرُ أُمِّ الْفَضْلِ، فَاحْسِبْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَصَبْتُمْ مِنِّي: عِشْرِينَ أُوقِيَّةً مِنْ مَالٍ كَانَ مَعِي فَقَالَ؟ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا ذَاكَ شَيْءٌ أَعْطَانَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْكَ". فَفَدَى نَفْسَهُ وَابْنَيْ أَخَوَيْهِ وَحَلِيفَهُ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [[في د: "الأسرى".]] قَالَ الْعَبَّاسُ: فَأَعْطَانِي اللَّهُ مَكَانَ الْعِشْرِينَ الْأُوقِيَّةَ فِي الْإِسْلَامِ عِشْرِينَ عَبْدًا، كُلُّهُمْ فِي يَدِهِ مَالٌ يَضْرِبُ بِهِ، مَعَ مَا أَرْجُو مِنْ مَغْفِرَةِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ أَيْضًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الآية بنحو مما تقدم.
وَقَالَ [[في ك: "وقال أيضا".]] أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيع، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ [عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ] [[زيادة من د، ك، م، والطبري.]] عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ الْعَبَّاسُ: فِيَّ نَزَلَتْ: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأرْضِ﴾ فَأَخْبَرْتُ النبيَّ ﷺ بِإِسْلَامِي، وَسَأَلْتُهُ أَنْ يُحَاسِبَنِي بِالْعِشْرِينِ الْأُوقِيَّةِ الَّتِي أَخَذَ [[في أ: "أخذت".]] مِنِّي، فَأَبَى، فَأَبْدَلَنِي اللَّهُ بِهَا عِشْرِينَ عَبْدًا، كُلُّهُمْ تَاجِرٌ، مَالِي فِي يَدِهِ.
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَيْضًا: حَدَّثَنِي الْكَلْبِيُّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عن جابر بن عبد الله ابن رِئَابٍ قَالَ: كَانَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَقُولُ: فيَّ نَزَلَتْ -وَاللَّهِ -حِينَ ذَكَرْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِسْلَامِي -ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ.
وَقَالَ ابْنُ جُريج، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأسْرَى﴾ عَبَّاسٌ وَأَصْحَابُهُ. قَالَ: قَالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: آمَنَّا بِمَا جِئْتَ بِهِ، وَنَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، لَنَنْصَحَنَّ لَكَ عَلَى قَوْمِنَا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾ إِيمَانًا وَتَصْدِيقًا، يُخْلِفْ [[في ك::نخلف".]] لَكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ الشَّرْكَ الَّذِي كُنْتُمْ عَلَيْهِ. قَالَ: فَكَانَ الْعَبَّاسُ يَقُولُ: مَا أُحِبُّ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَمْ تَنْزِلْ فِينَا، وَأَنَّ لِيَ الدُّنْيَا، لَقَدْ قَالَ: ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾ فَقَدْ أَعْطَانِي خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنِّي مِائَةَ ضِعْفٍ، وَقَالَ: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ [[في ك، أ: "يكون قد".]] غُفر لِي.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: كَانَ الْعَبَّاسُ أُسِرَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَافْتَدَى نَفْسَهُ بِأَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ حِينَ قُرِئَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: لَقَدْ أَعْطَانَا [[في أ: "أعطاه".]] اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، خَصلتين، مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهِمَا الدُّنْيَا: إِنِّي أُسِرْتُ يَوْمَ بَدْرٍ فَفَدَيت نَفْسِي بِأَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً. فَآتَانِي أَرْبَعِينَ عَبْدًا، وَأَنَا أَرْجُو الْمَغْفِرَةَ الَّتِي وَعَدَنَا اللَّهُ، جَلَّ ثَنَاؤُهُ.
وَقَالَ قَتَادَةُ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: ذُكر لَنَا أَنَّ رَسُولَ [[في ك: "نبي".]] اللَّهِ ﷺ لَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ مَالُ الْبَحْرَيْنِ ثَمَانُونَ أَلْفًا، وَقَدْ تَوَضَّأَ لِصَلَاةِ الظُّهْرِ، فَمَا أَعْطَى يومئذ ساكتًا وَلَا حَرَمَ سَائِلًا وَمَا صَلَّى يَوْمَئِذٍ حَتَّى فَرَّقَهُ، فَأَمَرَ الْعَبَّاسَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ وَيَحْتَثِيَ، فَأَخَذَ. قَالَ: فَكَانَ الْعَبَّاسُ يَقُولُ: هَذَا خَيْرٌ مِمَّا أُخِذَ مِنَّا، وَأَرْجُو الْمَغْفِرَةَ.
وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ قَالَ: بَعَثَ ابْنُ الْحَضْرَمِيِّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْبَحْرَيْنِ ثَمَانِينَ أَلْفًا، مَا أَتَاهُ مَالٌ أَكْثَرَ مِنْهُ لَا قَبلُ وَلَا بَعدُ. قَالَ: فَنُثِرَتْ عَلَى حَصِيرٍ وَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ. قَالَ: وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَمَثُلَ قَائِمًا عَلَى الْمَالِ، وَجَاءَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ فَمَا كَانَ يَوْمَئِذٍ عددٌ وَلَا وزنٌ، مَا كَانَ إِلَّا قَبْضًا، [قَالَ] [[زيادة من أ.]] وَجَاءَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَحْثِي فِي خَميصة عَلَيْهِ، وَذَهَبَ يَقُومُ فَلَمْ يَسْتَطِعْ، قَالَ: فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ارْفَعْ عَلَيَّ. قَالَ: فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى خَرَجَ ضَاحِكُهُ -أَوْ: نَابُهُ -وَقَالَ لَهُ: "أعدْ مِنَ الْمَالِ طَائِفَةً، وَقُمْ بِمَا تُطِيقُ". قَالَ: فَفَعَلَ، وَجَعَلَ الْعَبَّاسُ يَقُولُ -وَهُوَ مُنْطَلِقٌ -: أَمَّا إِحْدَى اللَّتَيْنِ وَعَدَنَا اللَّهُ فَقَدْ أَنْجَزْنَا، وَمَا نَدْرِي مَا يَصْنَعُ فِي الْأُخْرَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأسْرَى﴾ [[في د: "الأسرى".]] الْآيَةَ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا خَيْرٌ مِمَّا أُخِذَ مِنَّا، وَلَا أَدْرِي مَا يَصْنَعُ اللَّهُ فِي الْأُخْرَى [[في ك: "الآخرة".]] فَمَا زَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَائِلًا عَلَى ذَلِكَ الْمَالِ، حَتَّى مَا بَقِيَ مِنْهُ دِرْهَمٌ، وَمَا بَعَثَ إِلَى أَهْلِهِ بِدِرْهَمٍ، ثُمَّ أَتَى الصَّلَاةَ فَصَلَّى [[ورواه الحاكم في المستدرك (٣/٣٢٩) من طريق هاشم بن القاسم عن سليمان بن المغيرة به نحوه، وَقَالَ: "هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ ولم يخرجاه".]]
حَدِيثٌ آخَرُ فِي ذَلِكَ: قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ: أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنِي أَبُو الطَّيِّبِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السَّعِيدِيُّ، حَدَّثَنَا مَحْمَش بْنُ عِصَامٍ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَان، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَالٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ، فَقَالَ: "انْثُرُوهُ فِي الْمَسْجِدِ".
قَالَ: وَكَانَ أَكْثَرُ مَالٍ أُتِيَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَخَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ جَاءَ فَجَلَسَ إِلَيْهِ. فَمَا كَانَ يَرَى أَحَدًا إِلَّا أَعْطَاهُ، إِذْ جَاءَ الْعَبَّاسُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْطِنِي فَإِنِّي فَادَيْتُ نَفْسِي، وَفَادَيْتُ عَقيلا. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "خُذْ". فَحَثَا فِي ثَوْبِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ يُقِلُّه فَلَمْ يَسْتَطِعْ، فَقَالَ: مُرْ بَعْضَهُمْ يَرْفَعُهُ إليَّ. قَالَ: "لَا". قَالَ: فَارْفَعْهُ أَنْتَ عليَّ. قَالَ: "لَا" فَنَثَرَ مِنْهُ ثُمَّ احْتَمَلَهُ عَلَى كَاهِلِهِ، ثُمَّ انْطَلَقَ، فَمَا زَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُتْبِعُهُ بَصَرَهُ حَتَّى خَفِيَ عَنْهُ، عَجَبًا مِنْ حِرْصه، فَمَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وثَمَّ مِنْهَا دِرْهَمٌ [[السنن الكبرى (٦/٣٥٦) ووقع فيه "محمد بن محمد بن عبد الله الشعيري".]]
وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي مَوَاضِعَ مِنْ صَحِيحِهِ تَعْلِيقًا بِصِيغَةِ الْجَزْمِ، يَقُولُ: "وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ" وَيَسُوقُهُ، وَفِي بَعْضِ السِّيَاقَاتِ أَتَمُّ مِنْ هَذَا [[صحيح البخاري برقم (٤٢١، ٣٠٤٩، ٣١٦٥) .]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ﴾ أَيْ: فِيمَا أَظْهَرُوا لَكَ مِنَ الْأَقْوَالِ، ﴿فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ﴾ أَيْ: مِنْ قَبْلِ بَدْرٍ بِالْكُفْرِ بِهِ، ﴿فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ أَيْ: بِالْإِسَارِ يَوْمَ بَدْرٍ، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أَيْ: عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُهُ، حَكِيمٌ فِيهِ.
قَالَ قَتَادَةُ: نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْح الْكَاتِبِ حِينَ ارْتَدَّ، وَلَحِقَ بِالْمُشْرِكِينَ.
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ فِي عَبَّاسٍ وَأَصْحَابِهِ، حِينَ قَالُوا: لَنَنْصَحَنَّ لَكَ عَلَى قَوْمِنَا.
وَفَسَّرَهَا السُّدِّيّ عَلَى الْعُمُومِ، وَهُوَ أَشْمَلُ وَأَظْهَرُ، واللَّهُ أَعْلَمُ.
تفسير الطبري
القول في تأويل قوله: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٧١) ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه: وإن يرد هؤلاء الأسارى الذين في أيديكم = ﴿خيانتك﴾ ، أي الغدر بك والمكرَ والخداع، بإظهارهم لك بالقول خلافَ ما في نفوسهم [[انظر تفسير " الخيانة " فيما سلف ص: ٢٥، تعليق: ١، والمراجع هناك.]] = ﴿فقد خانوا الله من قبل﴾ ، يقول: فقد خالفوا أمر الله من قبل وقعة بدر، وأمكن منهم ببدر المؤمنين [[انظر تفسير " أمكن " فيما سلف ١١: ٢٦٣ \ ١٢: ٣١٥.]] = ﴿والله عليم﴾ ، بما يقولون بألسنتهم ويضمرونه في نفوسهم = ﴿حكيم﴾ ، في تدبيرهم وتدبير أمور خلقه سواهم. [[انظر تفسير " عليم " و " حكيم " فيما سلف من فهارس اللغة (علم) ، (حكم) .]]
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٦٣٢٨- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس: ﴿وإن يريدوا خيانتك﴾ ، يعني: العباس وأصحابه في قولهم: آمنا بما جئت به، ونشهد أنك رسول الله، لننصحن لك على قومنا"، يقول: إن كان قولهم خيانة = ﴿فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم﴾ ، يقول: قد كفروا وقاتلوك، فأمكنك الله منهم.
١٦٣٢٩- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وإن يريدوا خيانتك﴾ الآية، قال: ذكر لنا أن رجلا كتب لنبي الله ﷺ، ثم عمد فنافق، فلحق بالمشركين بمكة، ثم قال: "ما كان محمد يكتب إلا ما شئت! " فلما سمع ذلك رجل من الأنصار، نذر لئن أمكنه الله منه ليضربنه بالسيف. فلما كان يوم الفتح، أمَّن رسول الله ﷺ الناس إلا عبد الله بن سعد بن أبي سرح، ومِقْيَس بن صُبابة، [[في المطبوعة: " بن ضبابة "، وهو خطأ محض.]] وابن خطل، وامرأة كانت تدعو على النبيّ ﷺ كل صباح. فجاء عثمان بابن أبي سرح، وكان رضيعه = أو: أخاه من الرضاعة = فقال: يا رسول الله، هذا فلان أقبل تائبًا نادمًا! فأعرض نبي الله ﷺ. فلما سمع به الأنصاريّ أقبل متقلدًا سيفه، فأطاف به، [[يقال: " طاف بالقوم، وأطاف بهم "، إذا استدار، وجاء من نواحيهم وهو يحوم حولهم.]] وجعل ينظر إلى رسول الله ﷺ رجاء أن يومئ إليه. ثم إن رسول الله ﷺ قدّم يده فبايعه، فقال: أما والله لقد تلوَّمتك فيه لتوفي نذرك! [[" تلوم في الأمر " و " تلوم به "، انتظر وتلبث وتأنى، وتعدية مثل هذا الفعل من صريح العربية.]] فقال: يا نبيّ الله إنيّ هِبْتك، فلولا أوْمضت إليّ! [[" أومض إليه "، أشار إشارة خفية، من " إيماض البرق "، إذا لمع لمعًا خفيًا، ثم يخفى.]] فقال: إنه لا ينبغي لنبيٍّ أن يومض. [[الأثر: ١٦٣٢٩ - انظر مسند أحمد ٣: ١٥١، حديث أنس، بغير هذا اللفظ.]]
١٦٣٣٠- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم﴾ ، يقول: قد كفروا بالله ونقضوا عهده، فأمكن منهم ببدر.