سورة القرآن surah-quran.com

سورة الأعراف

سورة الأعراف، الآية 15

الجزء 8، الصفحة 152.

قَالَ إِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ ﴿١٥﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

قال الله تعالى: إنك ممن كتبتُ عليهم تأخير الأجل إلى النفخة الأولى في «القَرْن»، إذ يموت الخلق كلهم.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 11 إلى 15

الآية 11: يقول تعالى مخاطباً لبني آدم: {ولقد خَلَقۡناكم}: بخلق أصلِكم ومادَّتكم التي منها خرجتُم؛ أبيكم آدم عليه السلام، {ثم صوَّرۡناكم}: في أحسن صورة وأحسن تقويم، وعلَّمه [اللهُ] تعالى ما به تكمُلُ صورتُه الباطنةُ؛ أسماءَ كل شيء، ثم أمر الملائكة الكرام أن يسجُدوا لآدم إكراماً واحتراماً وإظهاراً لفضلِهِ، فامتثلوا أمر ربهم، {فَسَجدوا} كلُّهم أجمعون {إلا إبليس}: أبى أن يسجدَ له تكبُّراً عليه وإعجاباً بنفسه.

الآية 12: فوبَّخه الله على ذلك، وقال ما منعك أن تسجد لما خلقت بيديَّ أي شرفته وفضلته بهذه الفضيلة التي لم تكن لغيرِهِ، فعصيتَ أمري وتهاونت بي. {قال} إبليسُ معارضاً لربِّه: {أنا خيرٌ منه}، ثم برهن على هذه الدعوى الباطلة بقوله له:{خلَقۡتَني من نارٍ وخلقتَهُ من طينٍ}: وموجب هذا أن المخلوق من نار أفضل من المخلوق من طين لعلوِّ النار على الطين وصعودها. وهذا القياس من أفسد الأقيسة؛ فإنه باطلٌ من عدة أوجه: منها: أنه في مقابلة أمر الله له بالسجود، والقياس إذا عارض النصَّ فإنه قياسٌ باطل؛ لأنَّ المقصود بالقياس أن يكون الحكم الذي لم يأت فيه نصٌّ يقارب الأمور المنصوص عليها ويكون تابعاً لها، فأما قياس يعارضها ويلزم من اعتباره إلغاء النصوص؛ فهذا القياس من أشنع الأقيسة. ومنها: أنَّ قولَه: {أنا خيرٌ منه}؛ بمجرَّدها كافية لنقص إبليس الخبيث؛ فإنَّه برهن على نقصه بإعجابه بنفسه وتكبُّره والقول على الله بلا علم، وأيُّ نقص أعظم من هذا؟! ومنها: أنه كَذَبَ في تفضيل مادة النار على مادة الطين والتراب؛ فإنَّ مادة الطين فيها الخشوعُ والسكونُ والرزانةُ، ومنها تظهر بركات الأرض من الأشجار وأنواع النبات على اختلاف أجناسه وأنواعه، وأما النار؛ ففيها الخفة والطيش والإحراق.

الآية 13: ولهذا؛ لما جرى من إبليس ما جرى؛ انحطَّ من مرتبته العالية إلى أسفل السافلين، فقال الله له: اهبطْ {منها} أي: من الجنة، {فما يكونُ لك أن تتكبَّرَ فيها}: لأنها دار الطيبين الطاهرين، فلا تَليقُ بأخبث خَلْق الله وأشرهم، {فاخرُجۡ إنَّك من الصاغرين}؛ أي: المهانين الأذلين؛ جزاء على كبره وعجبه بالإهانة والذل.

{14 ـ 15} فلما أعلن عدوُّ الله بعداوة الله وعداوة آدم وذريَّته؛ سأل الله النَّظِرة والإمهال إلى يوم البعث؛ ليتمكَّنَ من إغواءِ ما يقدِرُ عليه من بني آدم، ولما كانت حكمة الله مقتضيةً لابتلاء العباد واختبارهم ليتبيَّنَ الصادق من الكاذب ومَن يطيعه ومن يطيع عدوَّه؛ أجابه لما سأل، فقال:{إنَّك من المُنظَرينَ}.

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿قالَ إنّك مِن المُنْظَرِينَ﴾ وفِي آيَة أُخْرى ﴿إلى يَوْم الوَقْت المَعْلُوم﴾ أيْ يَوْم النَّفْخَة الأُولى

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يشمل هذا التفسير الآيات 13 إلى 15

يَقُولُ تَعَالَى مُخَاطِبًا لِإِبْلِيسَ بِأَمْرٍ قَدَرِيٍّ كَوْنِيٍّ: ﴿فَاهْبِطْ مِنْهَا﴾ أَيْ: بِسَبَبِ عِصْيَانِكَ لِأَمْرِي، وَخُرُوجِكَ عَنْ طَاعَتِي، فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا.

قَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: الضَّمِيرُ عَائِدٌ إِلَى الْجَنَّةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَائِدًا إِلَى الْمَنْزِلَةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا فِي الْمَلَكُوتِ الْأَعْلَى.

﴿فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ أَيِ: الذَّلِيلِينَ الْحَقِيرِينَ، مُعَامَلَةً لَهُ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ، مُكَافَأَةً لِمُرَادِهِ بِضِدِّهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ اسْتَدْرَكَ اللَّعِينُ وَسَأَلَ النَّظْرَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، قَالَ: ﴿أَنْظِرْنِي [[في ك، م: "فأنظرني" وهو خطأ.]] إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِين﴾ أَجَابَهُ تَعَالَى إِلَى مَا سَأَلَ، لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَالْإِرَادَةِ وَالْمَشِيئَةِ الَّتِي لَا تُخَالَفُ وَلَا تُمَانَعُ، وَلَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ.

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

يشمل هذا التفسير الآيات 14 إلى 15

القول في تأويل قوله: ﴿قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥) ﴾

قال أبو جعفر: وهذه أيضًا جَهْلة أخرى من جَهَلاته الخبيثة. سأل ربه ما قد علم أنه لا سبيل لأحد من خلق الله إليه. وذلك أنه سأل النَّظِرة إلى قيام الساعة، وذلك هو يوم يبعث فيه الخلق. ولو أعطي ما سأل من النَّظِرة، كان قد أعطي الخلودَ وبقاءً لا فناء معه، وذلك أنه لا موت بعد البعث. فقال جل ثناؤه له: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [سورة الحجر: ٣٧-٣٨ / سورة ص: ٨٠، ٨١] ، وذلك إلى اليوم الذي قد كتب الله عليه فيه الهلاك والموت والفناء، لأنه لا شيء يبقى فلا يفنى، غير ربِّنا الحيِّ الذي لا يموت. يقول الله تعالى ذكره: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ ، [سورة آل عمران: ١٨٥ / سورة الأنبياء: ٣٥ / سورة العنكبوت: ٥٧] .

* *

و"الإنظار" في كلام العرب، التأخير. يقال منه:"أنظرته بحقي عليه أنظره به إنظارًا. [[انظر تفسير ((الإنظار)) فيما سلف ٢: ٤٦٧، ٤٦٨ /٣: ٢٦٤ / ٦: ٥٧٧ /١١: ٢٦٧.]]

* *

فإن قال قائل: فإن الله قد قال له إذ سأله الإنظار إلى يوم يبعثون: ﴿إنك من المنظرين﴾ في هذا الموضع، فقد أجابه إلى ما سأل؟

قيل له: ليس الأمر كذلك، وإنما كان مجيبًا له إلى ما سأل لو كان قال له:"إنك من المنظرين إلى الوقت الذي سألت = أو: إلى يوم البعث = أو إلى يوم يبعثون"، أو ما أشبه ذلك، مما يدل على إجابته إلى ما سأل من النظرة. وأما قوله: ﴿إنك من المنظرين﴾ ، فلا دليل فيه لولا الآية الأخرى التي قد بيَّن فيها مدة إنظاره إياه إليها، وذلك قوله: ﴿فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ ، [سورة الحجر: ٣٧، ٣٨ / سورة ص: ٨٠، ٨١] ، كم المدة التي أنظره إليها، [[في المطبوعة: ((على المدة)) ، وأثبت ما في المخطوطة.]] لأنه إذا أنظره يومًا واحدًا أو أقل منه أو أكثر، فقد دخل في عداد المنظرين، وتمَّ فيه وعد الله الصادق، ولكنه قد بيَّن قدر مدة ذلك بالذي ذكرناه، فعلم بذلك الوقت الذي أُنظِر إليه.

* *

وبنحو ذلك كان السدي يقول.

١٤٣٦٠- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ. قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ. إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [سورة الحجر: ٣٦-٣٨ / سورة ص: ٨٠، ٨١] ، فلم ينظره إلى يوم البعث، ولكن أنظره إلى يوم الوقت المعلوم، وهو يوم ينفخ في الصور النفخة الأولى، فصعق مَنْ في السموات ومَنْ في الأرض، فمات. [[الأثر: ١٤٣٦٠ - ((موسى بن هارون الهمداني)) ، مضى مرارًا، وكان في المخطوطة والمطبوعة: ((يونس بن هارون)) ، وهو خطأ محض، فهذا إسناد دائر في التفسير.]]

* *

قال أبو جعفر: فتأويل الكلام: قال إبليس لربه:"أنظرني"، أي أخّرني وأجّلني، وأنسئْ في أجلي، ولا تمتني ="إلى يوم يبعثون"، يقول: إلى يوم يبعث الخلق. فقال تعالى ذكره: ﴿إنك من المنظرين﴾ ، إلى يوم ينفخ في الصور، فيصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله.

* *

فإن قال قائل: فهل أحَدٌ مُنْظرٌ إلى ذلك اليوم سوى إبليس، فيقال له:"إنك منهم"؟

قيل: نعم، مَنْ لم يقبض الله روحه من خلقه إلى ذلك اليوم، ممن تقوم عليه الساعة، فهم من المنظرين بآجالهم إليه. ولذلك قيل لإبليس: ﴿إنك من المنظرين﴾ ، بمعنى: إنك ممن لا يميته الله إلا ذلك اليوم.