سورة القرآن surah-quran.com

سورة الأعراف

سورة الأعراف، الآية 164

الجزء 9، الصفحة 172.

وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ۖ قَالُوا۟ مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴿١٦٤﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

واذكر -أيها الرسول- إذ قالت جماعة منهم لجماعة أخرى كانت تعظ المعتدين في يوم السبت، وتنهاهم عن معصية الله فيه: لِمَ تعظون قومًا الله مهلكهم في الدنيا بمعصيتهم إياه أو معذبهم عذابًا شديدًا في الآخرة؟ قال الذين كانوا ينهَوْنهم عن معصية الله: نَعِظهم وننهاهم لِنُعْذَر فيهم، ونؤدي فرض الله علينا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورجاء أن يتقوا الله، فيخافوه، ويتوبوا من معصيتهم ربهم وتعدِّيهم على ما حرَّم عليهم.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 103 إلى 171

الآية 103: أي: ثم بعثنا من بعد أولئك الرسل موسى الكليم الإمام العظيم والرسول الكريم إلى قوم عتاةٍ جبابرةٍ ـ وهم فرعون وملؤه من أشرافهم وكبرائهم ـ فأراهم من آيات الله العظيمة ما لم يشاهَدْ له نظيرٌ. {فظلموا بها}: بأن لم ينقادوا لحقِّها الذي مَن لم ينقدْ له فهو ظالمٌ، بل استكبروا عنها، {فانظرۡ كيفَ كان عاقبةُ المفسدينَ}: كيف أهلَكَهُمُ الله وأتْبَعَهم الذمَّ واللعنة في الدنيا، ويوم القيامة بئس الرِّفْدُ المرفود.

الآية 104: وهذا مجمل فصَّله بقوله: {وقال موسى}: حين جاء إلى فرعون يدعوه إلى الإيمان: {يا فرعونُ إنِّي رسولٌ من ربِّ العالَمين}؛ أي: إني رسولٌ من مُرسِل عظيم، وهو ربُّ العالَمين، الشامل للعالم العلويِّ والسفليِّ، مربِّي جميع خلقِهِ بأنواع التدابير الإلهيَّة، التي من جملتها أنه لا يترُكُهم سدىً، بل يرسل إليهم الرسل مبشِّرين ومنذرين، وهو الذي لا يقدر أحدٌ أن يتجرَّأ عليه ويدَّعي أنه أرسله ولم يرسله.

الآية 105: فإذا كان هذا شأنه، وأنا قد اختارني واصطفاني لرسالته؛ فحقيقٌ عليَّ أن لا أكذب عليه ولا أقول عليه إلا الحقَّ؛ فإني لو قلتُ غير ذلك؛ لعاجلني بالعقوبة، وأخذني أخذ عزيز مقتدر؛ فهذا موجبٌ لأن ينقادوا له ويتَبعوه، خصوصاً وقد جاءهم ببيِّنة من الله واضحةٍ على صحَّة ما جاء به من الحقِّ، فوجب عليهم أن يعملوا بمقصود رسالته، ولها مقصودان عظيمان: إيمانُهم به واتِّباعُهم له، وإرسالُ بني إسرائيل الشعب الذي فضَّله الله على العالمين أولاد الأنبياء وسلسلة يعقوب عليه السلام الذي موسى عليه الصلاة والسلام واحدٌ منهم.

الآية 106: فقال له فرعون: {إن كنتَ جئتَ بآيةٍ فأت بها إن كنتَ من الصادقين}.

الآية 107:{فألقى} موسى {عصاه}: في الأرض، {فإذا هي ثعبانٌ مبينٌ}؛ أي: حية ظاهرةٌ تسعى وهم يشاهدونها.

الآية 108:{ونزع يده}: من جيبه، {فإذا هي بيضاء للناظرين}: من غير سوءٍ؛ فهاتان آيتان كبيرتان دالَّتان على صحة ما جاء به موسى وصدقِهِ، وأنَّه رسولُ ربِّ العالمين.

الآية 109: ولكن الذين لا يؤمنون لو جاءتهم كلُّ آيةٍ لا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم؛ فلهذا {قال الملأ من قوم فرعون} حين بهرهم ما رأوا من الآيات ولم يؤمنوا وطلبوا لها التأويلات الفاسدة: {إنَّ هذا لساحرٌ عليمٌ}؛ أي: ماهرٌ في سحره.

الآية 110: ثم خوَّفوا ضعفاءَ الأحلام وسفهاء العقول بأنه {يريدُ} موسى بفعلِهِ هذا {أن يخرِجَكم من أرضكم}؛ أي: يريد أن يجليكم من أوطانكم، {فماذا تأمرونَ}؟ أي: إنهم تشاوروا فيما بينهم ما يفعلون بموسى، وما يندفع به ضررهم بزعمهم عنهم؛ فإنَّ ما جاء به إن لم يقابَلْ بما يبطِلُه ويدحضه، وإلا؛ دخل في عقول أكثر الناس.

{111 ـ 112} فحينئذ انعقد رأيهم إلى أن قالوا لفرعون: {أرۡجِهِ وأخاه}؛ أي: احبسهما وأمهلهما، وابعثْ في المدائن أناساً يحشُرون أهل المملكة ويأتون بكل سَحَّارٍ عليم؛ أي: يجيئون بالسحرة المهرة؛ ليقابلوا ما جاء به موسى، فقالوا: يا موسى {اجعلۡ بيننا وبينَكَ موعداً لا نُخۡلِفُهُ نحن ولا أنت مكاناً سُوىً. قال موعِدۡكم يومُ الزينةِ وأن يُحۡشَرَ الناس ضحىً. فتولَّى فرعونُ فجمَعَ كيدَه ثم أتى}.

الآية 113: وقال هنا: {وجاء السحرةُ فرعونَ}: طالبين منه الجزاء إن غلبوا، فقالوا:{إنَّ لنا لأجراً إن كُنَّا نحنُ الغالبينَ}.

الآية 114: فقالَ فرعونُ: {نعم}: لكم أجر، {وإنَّكم لمن المقرَّبين}: فوعَدَهم الأجر والتقريب وعلو المنزلة عنده؛ ليجتهدوا ويبذُلوا، وسعهم وطاقتهم في مغالبة موسى.

الآية 115: فلما حضروا مع موسى بحضرة الخلق العظيم، {قالوا}: على وجه التألِّي وعدم المبالاة بما جاء به موسى، {يا موسى إما أن تُلۡقِيَ}: ما معك، {وإما أن نكونَ نحنُ الملقينَ}.

الآية 116: فقالَ موسى: {ألقوا}: لأجل أن يرى الناسُ ما معهم وما مع موسى، {فلما ألقَوۡا}: حبالَهم وعصيَّهم إذا هي من سحرهم كأنها حياتٌ تسعى، فسحروا {أعين الناس واسترهبوهم وجاؤوا بسحرٍ عظيم}: لم يوجدْ له نظيرٌ من السحر.

الآية 117:{وأوحَيۡنا إلى موسى أن ألقِ عصاك}: فألقاها، {فإذا هي}: حيَّةٌ تسعى فتلقفت جميعَ ما يأفِكونَ؛ أي: يكذِّبون به ويموِّهون.

الآية 118:{فوقع الحقُّ}؛ أي: تبين، وظهر، واستعلن في ذلك المجمع، {وبَطَلَ ما كانوا يعملون}.

الآية 119:{فغُلِبوا هنالك}؛ أي: في ذلك المقام، {وانقلبوا صاغرينَ}؛ أي: حقيرين قد اضمحلَّ باطلُهم وتلاشى سحرهم ولم يحصُل لهم المقصود الذي ظنوا حصوله.

{120 ـ 122} وأعظم من تبيَّن له الحقُّ العظيم أهل الصنف والسحر [الذين] يعرفون من أنواع السحر وجزئياتِهِ ما لا يعرفه غيرُهم، فعرفوا أن هذه آية عظيمة من آيات الله، لا يدان لأحد بها، فألقي {السحرةُ ساجدينَ. قالوا آمنا بربِّ العالمين. ربِّ موسى وهارون}؛ أي: وصدَّقنا بما بُعِثَ به موسى من الآيات البينات.

الآية 123: فقال لهم {فرعونُ} متهدِّداً لهم على الإيمان: {آمنتُم به قبل أن آذنَ لكم}: كان الخبيث حاكماً مستبداً على الأبدان والأقوال، قد تقرَّر عنده وعندهم أن قوله هو المطاع وأمره نافذٌ فيهم ولا خروج لأحدٍ عن قوله وحكمه، وبهذه الحالة تنحطُّ الأمم وتضعف عقولها ونفوذها وتعجز عن المدافعة عن حقوقها، ولهذا قال الله عنه:{فاستخفَّ قومَه فأطاعوه}، وقال هنا:{آمنتُم به قبلَ أن آذنَ لكم}؛ أي: فهذا سوءُ أدبٍ منكم وتجرُّؤ عليَّ، ثم موَّه على قومه وقال:{إنَّ هذا لَمَكرٌ مكرتُموه في المدينة لتُخۡرِجوا منها أهلها}؛ أي: إن موسى كبيركم الذي علَّمكم السحر، فتواطأتم أنتم وهو على أن تنغلِبوا له فيظهرَ فتتَّبعونه ثم يتَّبعكم الناس أو جمهورهم، فتُخْرِجوا منها أهلها، وهذا كذب يعلم هو ومن سبر الأحوال أن موسى عليه الصلاة والسلام لم يجتمع بأحدٍ منهم، وأنهم جُمِعوا على نظر فرعون ورسله، وأن ما جاء به موسى آية إلهيَّة، وأن السحرة قد بذلوا مجهودهم في مغالبة موسى حتى عجزوا وتبيَّن لهم الحق فاتبعوه. ثم توعَّدهم فرعون بقوله: فلسوف {تعلمونَ}: ما أحِلُّ بكم من العقوبة.

الآية 124:{لأقطِّعنَّ أيديَكم وأرجلَكم من خلافٍ}: زعم الخبيثُ أنَّهم مفسدون في الأرض، وسيصنع بهم ما يُصنع بالمفسدين من تقطيع الأيدي والأرجل من خلافٍ؛ أي: اليد اليمنى والرجل اليسرى، {ثم لأصَلِّبَنَّكُم}: في جذوع النخل؛ لتختَزوا بزعمه {أجمعينَ}؛ أي: لا أفعل هذا الفعل بأحدٍ دون أحدٍ، بل كلُّكم سيذوق هذا العذاب.

الآية 125: فقال السحرة الذين آمنوا لفرعون حين تهدَّدهم: {إنَّا إلى ربِّنا منقلبونَ}؛ أي: فلا نبالي بعقوبتك؛ فالله خيرٌ وأبقى؛ فاقضِ ما أنت قاضٍ.

الآية 126:{وما تَنقِمُ منَّا}؛ أي: وما تعيب منَّا على إنكارك علينا وتوعُّدك لنا؛ فليس لنا ذنبٌ {إلَّا أنۡ آمنَّا بآيات ربِّنا لما جاءتۡنا} ؛ فإنْ كان هذا ذنباً يُعاب عليه ويستحقُّ صاحبه العقوبة؛ فهو ذنبُنا. ثم دعوا الله أن يثبِّتهم ويصبِّرهم، فقالوا:{ربَّنا أفرغۡ}؛ أي: أفض {عليۡنا صبراً}؛ أي: عظيماً كما يدلُّ عليه التنكير؛ لأنَّ هذه محنة عظيمة تؤدي إلى ذهاب النفس، فيحتاج فيها من الصبر إلى شيء كثير؛ ليثبت الفؤاد ويطمئن المؤمن على إيمانِهِ ويزول عنه الانزعاج الكثير. {وتوفَّنا مسلمينَ}؛ أي: منقادين لأمرك متَّبعين لرسولك. والظاهر أنه أوقع بهم ما توعَّدهم عليه، وأنَّ الله تعالى ثبَّتهم على الإيمان.

الآية 127: هذا وفرعون وملؤه وعامتهم المتبعون للملأ قد استكبروا عن آيات الله وجحدوا بها ظلماً وعلوًّا وقالوا لفرعون مهيجين له على الإيقاع بموسى وزاعمين أن ما جاء باطل وفساد: {أتذرُ موسى وقومَه ليفسِدوا في الأرض}: بالدعوة إلى الله وإلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال التي هي الصلاح في الأرض وما هم عليه هو الفساد، ولكنَّ الظالمين لا يبالون بما يقولون، {وَيَذَرَكَ وآلهتَكَ}؛ أي: يدعك أنت وآلهتك، وينهى عنك، ويصد الناس عن اتباعك، فقال فرعونُ مجيباً لهم بأنه سيدع بني إسرائيل مع موسى بحالةٍ لا ينمون فيها ويأمنُ فرعونُ وقومُه بزعمه من ضررهم:{سَنُقَتِّلُ أبناءَهم ونستحيي نساءَهم}؛ أي: نستبقيهنَّ فلا نقتلهنَّ؛ فإذا فعلْنا ذلك؛ أمنَّا مِن كثرتِهِم، وكنَّا مستخدمين لباقيهم ومسخِّرين لهم على ما نشاء من الأعمال، {وإنَّا فوقَهم قاهرونَ}: لا خروج لهم عن حكمنا ولا قدرة. وهذا نهاية الجَبَروت من فرعون والعتوِّ والقسوة.

الآية 128: فقال {موسى لقومه}: موصياً لهم ـ في هذه الحالة التي لا يقدرون معها على شيء ولا مقاومة ـ بالمقاومة الإلهية والاستعانة الربانيَّة: {استعينوا بالله}؛ أي: اعتمدوا عليه في جلب ما ينفعكم ودفع ما يضرُّكم، وثِقوا بالله أنه سيتمُّ أمركم، {واصبروا}؛ أي: الزموا الصبر على ما يحلُّ بكم منتظرين للفرج. {إنَّ الأرض لله}: ليست لفرعون ولا لقومه حتى يتحكَّموا فيها، {يورِثُها مَن يشاءُ من عبادِهِ}؛ أي: يداولها بين الناس على حسب مشيئته وحكمته، ولكن العاقبة للمتَّقين؛ فإنهم وإن امتُحِنوا مدة ابتلاء من الله وحكمة؛ فإنَّ النصر لهم، {والعاقبةُ}: الحميدة لهم على قومهم. وهذه وظيفة العبد؛ أنَّه عند القدرة أن يفعل من الأسباب الدافعة عنه أذى الغير ما يقدر عليه وعند العجز أن يصبر ويستعين الله وينتظر الفرج.

الآية 129:{قالوا}: لموسى متضجِّرين من طول ما مكثوا في عذاب فرعون وأذيَّته: {أوذينا من قبل أن تأتِيَنا}: فإنهم يسوموننا سوء العذاب يذبِّحون أبناءنا ويستحيون نساءنا، {ومن بعدِ ما جئتنا}: كذلك، فقال لهم موسى مرجياً لهم بالفرج والخلاص من شرِّهم:{عسى ربُّكم أن يُهۡلِكَ عدوَّكم ويستخلِفَكم في الأرض}؛ أي: يمكِّنكم فيها ويجعل لكم التدبير فيها، {فينظرَ كيف تعملونَ}: هل تشكُرون أم تكفُرون؟ وهذا وعدٌ أنجزه الله لمَّا جاء الوقت الذي أراده الله.

الآية 130: قال الله تعالى في بيان ما عامل به آلَ فرعون في هذه المدة الأخيرة ـ إنها على عادته وسنته في الأمم أن يأخُذَهم {بالبأساء والضرَّاء لعلهم يضَّرَّعون} الآيات ـ: {ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين}؛ أي: بالدُّهور والجدب، {ونقص من الثمرات لعلهم يذَّكَّرون}؛ أي: يتَّعظون أنَّ ما حلَّ بهم وأصابهم معاتبة من الله لهم لعلَّهم يرجِعون عن كفرهم، فلم ينجعْ فيهم ولا أفاد، بل استمرُّوا على الظُّلم والفساد.

الآية 131:{فإذا جاءتهم الحسنةُ}؛ أي: الخصب وإدرار الرزق، {قالوا لنا هذه}؛ أي: نحن مستحقُّون لها، فلم يشكروا الله عليها، {وإن تصِبۡهم سيئةٌ}؛ أي: قحط وجدب، {يطَّيَّروا بموسى ومن معه}؛ أي: يقولوا: إنما جاءنا بسبب مجيء موسى واتباع بني إسرائيل له. قال الله تعالى:{ألا إنَّما طائِرُهم عند الله}؛ أي: بقضائه وقدرته، ليس كما قالوا، بل إن ذنوبهم وكفرهم هو السبب في ذلك، بل أكثرهم لا يعلمونَ؛ أي: فلذلك قالوا ما قالوا.

الآية 132:{وقالوا}: مبيِّنين لموسى أنهم لا يزالون ولا يزولون عن باطلهم: {مهما تأتِنا به من آيةٍ لِتَسۡحَرَنا بها فما نحن لك بمؤمنين}؛ أي: قد تقرَّر عندنا أنك ساحرٌ؛ فمهما جئت بآية؛ جزمنا أنها سحرٌ؛ فلا نؤمن لك ولا نصدِّق. وهذا غاية ما يكون من العناد أن يبلغ بالكافرين إلى أن تستوي عندهم الحالات سواء نزلت عليهم الآيات أم لم تنزل.

الآية 133:{فأرسلنا عليهم الطوفان}؛ أي: الماء الكثير الذي أغرق أشجارهم وزروعهم وأضرَّهم ضرراً كثيراً، {والجراد}: فأكل ثمارَهم وزروعَهم ونباتهم، {والقُمَّلَ}: قيل: إنه الدُّباء؛ أي: صغار الجراد، والظاهر أنه القمل المعروف، {والضفادع}: فملأت أوعيتهم وأقلقتهم وآذتهم أذيَّة شديدةً، {والدم}: إما أن يكونَ الرعاف، أو كما قال كثير من المفسرين: إنَّ ماءهم الذي يشربون انقلب دماً، فكانوا لا يشربون إلاَّ دماً ولا يطبخون [إلاّ بدم]. {آياتٍ مفصَّلاتٍ}؛ أي: أدلَّة وبيِّنات على أنَّهم كانوا كاذبين ظالمين، وعلى أن ما جاء به موسى حقٌّ وصدقٌ. {فاستكبروا}: لما رأوا الآيات، {وكانوا}: في سابق أمرهم {قوماً مجرمين}: فلذلك عاقبهم الله تعالى بأن أبقاهم على الغيِّ والضلال.

الآية 134:{ولما وقع عليهم الرِّجۡزُ}؛ أي: العذاب؛ يحتمل أنَّ المراد به الطاعون كما قاله كثيرٌ من المفسِّرين، ويحتمل أن يُراد به ما تقدَّم من الآيات الطوفان والجراد والقمَّل والضفادع والدَّم؛ فإنها رجزٌ وعذابٌ، وإنهم كلَّما أصابهم واحد منها؛ {قالوا يا موسى ادعُ لنا ربك بما عَهدَ عندك}؛ أي: تشفَّعوا بموسى بما عَهدَ الله عنده من الوحي والشرع. {لئن كشفتَ عنَّا الرِّجۡزَ لنؤمننَّ لك ولنرسلنَّ معك بني إسرائيل}: وهم في ذلك كذبةٌ لا قصدَ لهم إلا زوالُ ما حلَّ بهم من العذاب، وظنُّوا إذا رفع لا يصيبهم غيره.

الآية 135:{فلما كشَفۡنا عنهم الرِّجۡزَ إلى أجل هم بالغوهُ}؛ أي: إلى مدة قدر الله بقاءهم إليها، وليس كشفاً مؤبَّداً، وإنما هو موقت، {إذا هم ينكُثون}: العهد الذي عاهدوا عليه موسى ووعدوه بالإيمان به وإرسال بني إسرائيل؛ فلا آمنوا به ولا أرسلوا معه بني إسرائيل، بل استمرُّوا على كفرهم يعمهون وعلى تعذيب بني إسرائيل دائبين.

الآية 136:{فانتقمنا منهم}؛ أي: حين جاء الوقت الموقَّت لهلاكهم؛ أمر الله موسى أن يسري ببني إسرائيل ليلاً، وأخبره أن فرعون سيتبعُهم هو وجنوده. {فأرسلَ فرعونُ في المدائن حاشرين} يجمعونَ الناس لِيَتْبَعوا بني إسرائيل، وقالوا لهم:{إنَّ هؤلاء لَشِرۡذمةٌ قليلون. وإنَّهم لنا لغائظونَ. وإنَّا لجميعٌ حاذرون. فأخۡرَجۡناهم من جناتٍ وعيون. وكنوزٍ ومقام كريم. كذلك وأورَثۡناها بني إسرائيل. فأتۡبعوهم مشرقينَ. فلما تراءى الجمعانِ قال أصحابُ موسى إنا لَمُدۡرَكونَ. قال كلاَّ إن معي ربي سيهدين. فأوحَيۡنا إلى موسى أنِ اضرِبۡ بعصاك البحرَ فانفلق فكان كلُّ فرقٍ كالطودِ العظيم. وأزلفنا ثَمَّ الآخرين. وأنجينا موسى ومن معه أجمعين. ثم أغرقنا الآخرين}. وقال هنا:{فأغرَقۡناهم في اليمِّ بأنَّهم كذَّبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين}؛ أي: بسبب تكذيبهم بآيات الله، وإعراضهم عمَّا دلَّت عليه من الحقِّ.

الآية 137:{وأورثنا القوم الذين كانوا يُسۡتَضۡعَفونَ}: في الأرض؛ أي: بني إسرائيل الذين كانوا خدمة لآل فرعون يسومونهم سوء العذاب، أورثهم الله {مشارقَ الأرض ومغاربها}: والمراد بالأرض ها هنا أرض مصر التي كانوا فيها مستضعفين أذلين؛ أي: ملَّكهم الله جميعها ومكَّنهم فيها، {التي باركنا فيها وتمَّتۡ كلمةُ ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا}: حين قال لهم موسى: {استعينوا باللَّهِ واصبِروا إنَّ الأرضَ للَّه يورِثها من يشاءُ من عباده والعاقبةُ للمتَّقين}، {ودمَّرۡنا ما كان يصنعُ فرعونُ وقومُهُ}: من الأبنية الهائلة والمساكن المزخرفة، {وما كانوا يعرِشون}: فتلك بيوتهم [خاوية] بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون.

الآية 138:{وجاوزنا ببني إسرائيل البحر}: بعدما أنجاهم الله من عدوِّهم فرعون وقومه وأهلكهم الله، وبنو إسرائيل ينظرون، {فأتَوۡا}؛ أي: مرُّوا {على قوم يعكُفون على أصنامٍ لهم}؛ أي: يقيمون عندها ويتبرَّكون بها ويعبُدونها، فقالوا من جهلهم وسَفَهِهم لنبيِّهم موسى بعدما أراهم الله من الآيات ما أراهم:{يا موسى اجعلۡ لنا إلهاً كما لهم آلهةٌ}؛ أي: اشرع لنا أن نتَّخذ أصناماً آلهة كما اتَّخذها هؤلاء، فقال لهم موسى:{إنَّكم قومٌ تجهلونَ}: وأيُّ جهل أعظم من جَهِل ربَّه وخالقَه، وأراد أن يسوِّيَ به غيره ممَّن لا يملِكُ نفعاً ولا ضرًّا ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً؟!

الآية 139: ولهذا قال لهم موسى: {إنَّ هؤلاء مُتَبَّرٌ ما هم فيه وباطلٌ ما كانوا يعملونَ}: لأن دعاءهم إياها باطلٌ وهي باطلة بنفسها؛ فالعمل باطلٌ وغايته باطلةٌ.

الآية 140:{قال أغيرَ الله أبغيكم إلهاً}؛ أي: أطلب لكم إلهاً غير الله المألوه الكامل في ذاته وصفاته وأفعاله. {وهو فضَّلكم على العالمين}: فيقتضي أن تقابلوا فضله وتفضيله بالشكرِ، وذلك بإفراد الله وحدَه بالعبادة والكفرِ بما يُدعى من دونه.

الآية 141: ثم ذكَّرهم ما امتنَّ الله به عليهم فقال: {وإذ أنجيناكم من آل فرعونَ}؛ أي: من فرعون وآله، {يسومونكم سوءَ العذابِ}؛ أي: يوجِّهون إليكم من العذاب أسوأه، وهو أنهم كانوا يذبحون {أبناءكم ويَسۡتَحيون نساءَكم وفي ذلِكم}؛ أي: النجاة من عذابهم، {بلاءٌ من ربِّكم عظيمٌ}؛ أي: نعمةٌ جليلةٌ ومنحةٌ جزيلةٌ، أو وفي ذلك العذاب الصادر منهم لكم بلاءٌ من ربِّكم عليكم عظيم.

الآية 142: فلما ذكَّرهم موسى ووعظهم؛ انتَهَوْا عن ذلك، ولما أتمَّ الله نعمته عليهم بالنجاة من عدوهم وتمكينهم في الأرض؛ أرادَ تبارك وتعالى أن يُتِمَّ نعمته عليهم بإنزال الكتاب الذي فيه الأحكام الشرعيَّة والعقائد المرضيَّة، فواعد موسى ثلاثين ليلة، وأتمَّها بعشر، فصارت أربعين ليلة؛ ليستعدَّ موسى ويتهيَّأ لوعد الله ويكون لنزولها موقع كبير لديهم وتشوق إلى إنزالها، ولما ذهب موسى إلى ميقات ربِّه، قال لهارون موصياً له على بني إسرائيل من حرصه عليهم وشفقته:{اخۡلُفۡني في قَوۡمي}؛ أي: كنْ خليفتي فيهم، واعمل فيهم بما كنت أعمل، {وأصلِحۡ}؛ أي: اتَّبع طريق الصلاح، {ولا تتَّبِعۡ سبيلَ المفسدين}: وهم الذين يعملون بالمعاصي.

الآية 143:{ولمَّا جاء موسى لميقاتنا}: الذي وقَّتْناه له لإنزال الكتاب، {وكلَّمَه ربُّه}: بما كلَّمه من وحيه وأمره ونهيه؛ تشوَّق إلى رؤية الله، ونَزَعَتْ نفسُه لذلك حبًّا لربِّه ومودَّة لرؤيته، فـ {قال ربِّ أرني أنظرۡ إليك}، فقال الله:{لن تَراني}؛ أي: لن تقدِرَ الآن على رؤيتي؛ فإنَّ الله تبارك وتعالى أنشأ الخلق في هذه الدار على نشأة لا يقدرون بها ولا يثبتون لرؤية الله، وليس في هذا دليلٌ على أنَّهم لا يرونه في الجنة؛ فإنه قد دلَّت النصوص القرآنيَّة والأحاديث النبويَّة على أن أهل الجنة يرون ربَّهم تبارك وتعالى ويتمتَّعون بالنظر إلى وجهه الكريم. وأنه يُنْشِئُهم نشأةً كاملةً يقدرون معها على رؤية الله تعالى، ولهذا رتَّب الله الرؤية في هذه الآية على ثبوت الجبل، فقال مقنعاً لموسى في عدم إجابتِهِ للرؤية:{ولكِنِ انظرۡ إلى الجبل فإنِ استقرَّ مكانَه}: إذا تجلَّى اللهُ له، {فسوف تراني فلمَّا تجلَّى ربُّه للجبل}: الأصمِّ الغليظ، {جعله دكًّا}؛ أي: انهال مثل الرمل انزعاجاً من رؤية الله وعدم ثبوتٍ لها، {وخرَّ موسى}: حين رأى ما رأى، صَعِقاً فتبيَّن له حينئذٍ أنه إذا لم يثبت الجبلُ لرؤية الله؛ فموسى أولى أن لا يثبتَ لذلك، واستغفر ربَّه لما صدر منه من السؤال الذي لم يوافقْ موضعاً، و {قالَ سبحانك}؛ أي: تنزيهاً لك وتعظيماً عما لا يليق بجلالك، {تبتُ إليك}: من جميع الذنوب وسوء الأدب معك، {وأنا أول المؤمنين}؛ أي: جدَّد عليه الصلاة والسلام إيمانه بما كمَّل اللهُ له مما كان يجهله قبل ذلك.

الآية 144: فلما منعه الله من رؤيته بعدما كان متشوقاً إليها؛ أعطاه خيراً كثيراً، فقال:{يا موسى إنِّي اصطفيتُك على الناس}؛ أي: اخترتك واجتبيتك وفضَّلتك وخصصتك بفضائل عظيمة ومناقب جليلة، {برسالاتي}: التي لا أجعلها ولا أخصُّ بها إلا أفضل الخلق، {وبكلامي}: إيَّاك من غير واسطة، وهذه فضيلة اختُصَّ بها موسى الكليم، وعُرِف بها من بين إخوانه من المرسلين، {فخُذۡ ما آتيتُك}: من النعم، وخذ ما آتيتُك من الأمر والنهي بانشراح صدرٍ، وتلقَّه بالقَبول والانقياد، {وكن من الشاكرين}: لله على ما خصَّك وفضَّلك.

الآية 145:{وكتبنا له في الألواح من كلِّ شيء}: يحتاج إليه العباد {موعظة}: ترغِّب النفوس في أفعال الخير وترهِّبهم من أفعال الشر، {وتفصيلاً لكلِّ شيء}: من الأحكام الشرعيَّة والعقائد والأخلاق والآداب، {فخذۡها بقوَّةٍ}؛ أي: بجدٍّ واجتهاد على إقامتها، {وأمُرۡ قومَك يأخذوا بأحسنها}: وهي الأوامر الواجبة والمستحبَّة؛ فإنها أحسنها. وفي هذا دليلٌ على أن أوامر الله في كل شريعة كاملة عادلة حسنة. {سأريكم دارَ الفاسقينَ}: بعدما أهلكهم الله وأبقى ديارهم عبرةً بعدهم يعتبر بها المؤمنون الموفَّقون المتواضعون.

الآية 146: وأما غيرهم؛ فقال عنهم:{سأصرِفُ عن آياتي}؛ أي: عن الاعتبار في الآيات الأفقية والنفسيَّة والفهم لآيات الكتاب، {الذين يتكبَّرون في الأرض بغير الحقِّ}؛ أي: يتكبَّرون على عباد الله وعلى الحقِّ وعلى من جاء به؛ فمن كان بهذه الصفة؛ حَرَمَهُ الله خيراً كثيراً، وخَذَلَه، ولم يَفْقَهْ من آيات الله ما ينتفع به، بل ربَّما انقلبت عليه الحقائقُ واستحسن القبيحَ، {وإن يَرَوۡا كلَّ آيةٍ لا يؤمنوا بها}: لإعراضهم واعتراضهم ومحادَّتهم لله ورسوله، {وإن يَرَوۡا سبيلَ الرُّشد}؛ أي: الهدى والاستقامة، وهو الصراط الموصل إلى الله وإلى دار كرامته، {لا يتَّخذوه [سبيلاً]}؛ أي: لا يسلكوه ولا يرغبوا فيه، {وإن يَرَوۡا سبيلَ الغَيِّ}؛ أي: الغواية الموصل لصاحبه إلى دار الشقاء، {يتَّخذوه سبيلاً}. والسبب في انحرافهم هذا الانحراف، {ذلك بأنَّهم كذَّبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين}: فردُّهم لآيات الله وغفلتُهم عمَّا يُراد بها واحتقارهم لها هو الذي أوجب لهم من سلوك طريق الغي وترك طريق الرُّشْدِ ما أوجب.

الآية 147:{والذين كذبوا بآياتنا}: العظيمة الدالَّة على صحَّة ما أرسلنا به رسلنا، {ولقاء الآخرة حَبِطَتۡ أعمالُهم}: لأنَّها على غير أساس، وقد فقد شرطها، وهو الإيمان بآيات الله والتصديق بجزائه. {هل يُجۡزَوۡنَ}: في بطلان أعمالهم وحصول ضدِّ مقصودهم {إلَّا ما كانوا يعملونَ}: فإن أعمال مَنْ لا يؤمن باليومِ الآخر لا يرجو فيها ثواباً، وليس لها غايةٌ تنتهي إليه؛ فلذلك اضمحلَّت وبطلت.

الآية 148:{واتَّخذ قوم موسى مِن بعدِهِ من حُلِيِّهم عجلاً جسداً}: صاغه السامِرِيُّ وألقى عليه قبضةً من أثر الرسول فصار {له خُوارٌ} وصوتٌ، فعبدوه واتَّخذوه إلهاً، وقال: هذا إلهكم وإله موسى، فنسي موسى، وذهب يطلبه، وهذا من سفههم وقلة بصيرتهم؛ كيف اشتبه عليهم ربُّ الأرض والسماوات بعجل من أنقص المخلوقات؟! ولهذا قال مبيناً أنه ليس فيه من الصفات الذاتيَّة ولا الفعليَّة ما يوجِب أن يكون إلهاً:{ألم يَرَوۡا أنَّه لا يكلِّمهم}؛ أي: وعدم الكلام نقصٌ عظيمٌ؛ فهم أكمل حالة من هذا الحيوان أو الجماد الذي لا يتكلَّم، {ولا يهديهم سبيلاً}؛ أي: لا يدلُّهم طريقاً دينيًّا ولا يحصِّل لهم مصلحةً دنيويَّةً؛ لأن من المتقرِّر في العقول والفطر أنَّ اتِّخاذَ إلهٍ لا يتكلم ولا ينفع ولا يضرُّ من أبطل الباطل وأسمج السفه، ولهذا قال:{اتَّخذوه وكانوا ظالمينَ}: حيث وضعوا العبادة في غير موضعها، وأشركوا بالله ما لم ينزِّل به سلطاناً. وفيها دليلٌ على أنَّ من أنكر كلام الله؛ فقد أنكر خصائص إلهيَّة الله تعالى؛ لأن الله ذكر أن عدم الكلام دليلٌ على عدم صلاحيَّة الذي لا يتكلَّم للإلهيَّة.

الآية 149:{ولمَّا}: رجع موسى إلى قومه، فوجدهم على هذه الحال، وأخبرهم بضلالهم؛ ندموا، و {سُقِطَ في أيديهم}؛ أي: من الهمِّ والندم على فعلهم، {ورأوا أنَّهم قد ضلُّوا}: فتنصَّلوا إلى الله وتضرَّعوا، {وقالوا لئن لم يرحَمۡنا ربُّنا}: فيدُّلنا عليه، ويرزقنا عبادته، ويوفِّقُنا لصالح الأعمال، {ويغفِرۡ لنا}: ما صدر منا من عبادة العجل؛ {لَنَكونَنَّ من الخاسرينَ}: الذين خسروا الدنيا والآخرة.

الآية 150:{ولما رجع موسى إلى قومِهِ غضبان أسِفاً}؛ أي: ممتلئاً غضباً وغيظاً عليهم لتمام غيرته عليه [الصلاة و] السلام وكمال نصحه وشفقته، {قال بئسَما خَلَفۡتُموني من بعدي}؛ أي: بئس الحالة التي خلفتموني بها من بعد ذهابي عنكم؛ فإنها حالةٌ تفضي إلى الهلاك الأبدي والشقاء السرمديِّ. {أعَجِلۡتُم أمرَ ربِّكُم}: حيث وَعَدَكم بإنزال الكتاب فبادرتُم برأيكم الفاسد إلى هذه الخصلة القبيحة، {وألقى الألواحَ}؛ أي: رماها من الغضب، {وأخذ برأس أخيه}: هارونَ ولحيتِهِ، {يجرُّه إليه}: وقال له: {ما منعك إذ رأيتَهم ضلُّوا. أن لا تتَّبِعَني أفعصيتَ أمري}: لك بقولي: {اخلُفۡني في قومي وأصۡلِحۡ ولا تتَّبِعۡ سبيل المفسدين}؟! فقال:{يا ابنَ أمَّ لا تأخُذۡ بلحيتي ولا برأسي إني خشيتُ أن تقولَ فرَّقۡتَ بين بني إسرائيل ولم ترقُبۡ قولي} و {قال} هنا: {ابنَ أمَّ}: هذا ترقيقٌ لأخيه بذكر الأمِّ وحدها، وإلاَّ فهو شقيقه لأمِّه وأبيه. {إنَّ القوم استضعفوني}؛ أي: احتقروني حين قلتُ لهم: يا قوم! إنما فُتِنْتُم به، وإنَّ ربَّكم الرحمن؛ فاتَّبِعوني وأطيعوا أمري، {وكادوا يَقۡتُلونَني}؛ أي: فلا تظنَّ بي تقصيراً، {فلا تُشۡمِتۡ بيَ الأعداء}: بنهرِك لي ومسِّك إيَّايَ بسوءٍ فإنَّ الأعداء حريصون على أن يجدوا عليَّ عثرةً أو يطَّلعوا لي على زَلَّة، {ولا تجعلني مع القوم الظالمين}: فتعامِلُني معاملتهم.

الآية 151: فندم موسى عليه السلام على ما استعجل من صنعِهِ بأخيه قبل أن يعلم براءتَهُ مما ظنَّه فيه من التقصير، و {قال ربِّ اغفِرۡ لي ولأخي}: هارون، {وأدخِلۡنا في رحمتِكَ}؛ أي: في وسطها، واجعل رحمتك تحيطُ بنا من كل جانب؛ فإنها حصنٌ حصينٌ من جميع الشرور وثَمَّ كلُّ خير وسرور. {وأنت أرحمُ الراحمين}؛ أي: أرحم بنا من كلِّ راحم، أرحم بنا من آبائنا وأمَّهاتنا وأولادنا وأنفسنا.

الآية 152: قال الله تعالى مبيناً حال أهل العجل الذين عبدوه: {إنَّ الذين اتَّخذوا العجل}؛ أي: إلهاً، {سينالُهم غضبٌ من ربِّهم وذلَّةٌ في الحياة الدُّنيا}: كما أغضبوا ربَّهم واستهانوا بأمره. {وكذلك نجزي المفترين}: فكلُّ مفترٍ على الله كاذب على شرعه متقوِّل عليه ما لم يقلْ؛ فإنَّ له نصيباً من الغضب من الله والذُّلِّ في الحياة الدنيا.

الآية 153: وقد نالهم غضبُ الله حيث أمرهم أن يقتُلوا أنفسهم، وأنَّه لا يرضى الله عنهم إلاَّ بذلك، فقتل بعضُهم بعضاً، وانجلت المعركة على قتلى كثيرةٍ، ثم تاب الله عليهم بعد ذلك، ولهذا ذكر حكماً عامًّا يدخُلون فيه هم وغيرهم، فقال:{والذين عمِلوا السيئاتِ}: من شرك وكبائر وصغائر، {ثم تابوا من بعدها}: بأن ندموا على ما مضى وأقلعوا عنها وعزموا على أن لا يعودوا، {وآمنوا}: بالله وبما أوجبَ الله الإيمان به، ولا يتمُّ الإيمان إلا بأعمال القلوب وأعمال الجوارح المترتِّبة على الإيمان. {إنَّ ربَّك من بعدها}؛ أي: بعد هذه الحالة ـ حالة التوبة من السيئات والرجوع إلى الطاعات ـ {لغفورٌ}: يغفر السيئات ويمحوها، ولو كانت قُراب الأرض. {رحيمٌ}: بقبول التوبة والتوفيق لأفعال الخير وقبولها.

الآية 154:{ولما سَكَتَ عن موسى الغضبُ}؛ أي: سكن غضبه وتراجعت نفسُهُ، وعَرَفَ ما هو فيه؛ اشتغل بأهمِّ الأشياء عنده، فَأَخَذَ {الألواحَ}: التي ألقاها، وهي ألواحٌ عظيمة المقدار جليلةٌ {في نُسۡخَتِها}؛ أي: مشتملة ومتضمِّنة {هدىً ورحمةٌ}؛ أي: فيها الهدى من الضَّلالة، وبيان الحقِّ من الباطل، وأعمال الخير وأعمال الشر، والهدى لأحسن الأعمال والأخلاق والآداب، ورحمة وسعادة لمن عمل بها وعلم أحكامها ومعانيها، ولكن؛ ليس كل أحدٍ يقبل هدى الله ورحمته، وإنما يقبلُ ذلك، وينقاد له، ويتلقَّاه بالقَبول، {الذين هُم لربِّهم يرهَبونَ}؛ أي: يخافون منه ويخشونه، وأما مَنْ لم يخفِ الله ولا المقام بين يديه؛ فإنه لا يزداد بها إلا عتوًّا ونفوراً، وتقوم عليه حجة الله فيها.

الآية 155:{و} لما تاب بنو إسرائيل، وتراجعوا إلى رُشْدِهم، {اختار موسى} منهم {سبعين رجلاً}: من خيارهم ليعتذروا لقومهم عند ربِّهم، ووعدهم الله ميقاتاً يحضُرون فيه، فلما حضروا؛ قالوا: يا موسى! أرِنا الله جهرةً! فتجرؤوا على الله جراءة كبيرة، وأساؤوا الأدب معه، فأخذتهم الرجفةُ، فصعقوا وهلكوا، فلم يزل موسى عليه الصلاة والسلام يتضرَّع إلى الله ويتبتَّل ويقول:{ربِّ لو شئتَ أهلكتَهم من قبلُ}: أن يحضُروا، ويكونون في حالة يعتذرون فيها لقومهم فصاروا هم الظالمين. {أتُهۡلِكُنا بما فعل السفهاءُ منَّا}؛ أي: ضعفاء العقول سفهاء الأحلام، فتضرَّع إلى الله، واعتذر بأنَّ المتجرِّئين على الله ليس لهم عقولٌ كاملةٌ تردعُهم عما قالوا وفعلوا، وبأنهم حصل لهم فتنةٌ يخطر بها الإنسان ويخاف من ذهاب دينه، فقال:{إنۡ هي إلَّا فتنتُك تُضِلُّ بها من تشاءُ وتهدي من تشاءُ أنت وَلِيُّنا فاغۡفِرۡ لنا وارۡحَمۡنا وأنت خير الغافرين}؛ أي: أنت خير من غفر، وأولى من رحم، وأكرم من أعطى وتفضَّل، فكأنَّ موسى عليه الصلاة والسلام قال: المقصود يا ربِّ بالقصد الأول لنا كلّنا، هو التزام طاعتك والإيمان بك، وأن من حَضَرَه عقله ورشده وتمَّ على ما وهبته من التوفيق؛ فإنه لم يزل مستقيماً، وأما من ضَعُفَ عقلُه وسَفِه رأيُهُ وصرفته الفتنة؛ فهو الذي فعل ما فعل لذينك السببين، ومع هذا؛ فأنت أرحم الراحمين وخير الغافرين؛ فاغفر لنا وارحمنا! فأجاب الله سؤاله، وأحياهم من بعد موتهم، وغفر لهم ذنوبهم.

الآية 156: وقال موسى في تمام دعائه: {واكتبۡ لنا في هذه الدنيا حسنةً}: من علم نافع ورزق واسع وعمل صالح، {وفي الآخرة}: حسنة، وهي ما أعد الله لأوليائه الصالحين من الثواب. {إنَّا هُدۡنا إليك}؛ أي: رجعنا مقرِّين بتقصيرنا منيبين في جميع أمورنا، {قال} الله تعالى: {عذابي أصيبُ به من أشاءُ}: ممَّن كان شقيًّا متعرضاً لأسبابه، {ورحمتي وسعتۡ كلَّ شيء}: من العالم العلويِّ والسفليِّ؛ البر والفاجر، المؤمن والكافر؛ فلا مخلوق إلا وقد وصلت إليه رحمة الله وغمره فضله وإحسانه، ولكن الرحمة الخاصة المقتضية لسعادة الدنيا والآخرة ليست لكل أحد، ولهذا قال عنها:{فسأكتُبها للذين يتَّقون}: المعاصي صغارها وكبارها، {ويؤتون الزَّكاة}: الواجبة مستحقيها، {والذين هم بآياتنا يؤمنون}.

الآية 157: ومن تمام الإيمان بآيات الله معرفة معناها والعمل بمقتضاها، ومن ذلك اتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - ظاهراً وباطناً في أصول الدين وفروعه:{الذين يتَّبِعون الرسول النبيَّ الأميَّ}: احترازٌ عن سائر الأنبياء؛ فإن المقصود بهذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب والسياق في أحوال بني إسرائيل، وأن الإيمان بالنبيِّ محمد - صلى الله عليه وسلم - شرطٌ في دخولهم في الإيمان، وأن المؤمنين به المتَّبعين هم أهل الرحمة المطلقة التي كتبها الله لهم، ووصفه بالأمي لأنَّه من العرب الأمة الأميَّة التي لا تقرأ ولا تكتب وليس عندها قبل القرآن كتاب. {الذي يجِدونَهُ مكتوباً عندَهم في التوراة والإنجيل}: باسمه وصفته التي من أعظمها وأجلِّها ما يدعو إليه وينهى عنه، وأنه {يأمُرُهم بالمعروف}: وهو كل ما عُرِفَ حسنُهُ وصلاحه ونفعه. {وينهاهم عن المنكر}: وهو كلُّ ما عرف قبحه في العقول والفطر، فيأمرهم بالصلاة والزكاة والصوم والحج وصلة الأرحام وبر الوالدين والإحسان إلى الجار والمملوك وبذل النفع لسائر الخلق والصدق والعفاف والبر والنصيحة وما أشبه ذلك، وينهى عن الشرك بالله وقتل النفوس بغير حق والزِّنا وشرب ما يسكر العقل والظلم لسائر الخلق والكذب والفجور ونحو ذلك؛ فأعظم دليل يدلُّ على أنه رسول الله ما دعا إليه وأمر به ونهى عنه وأحلَّه وحرَّمه؛ فإنه يُحِلُّ الطيبات: من المطاعم والمشارب والمناكح. {ويحرِّمُ عليهم الخبائث}: من المطاعم والمشارب والمناكح والأقوال والأفعال. {ويَضَعُ عنهم إصۡرَهُم والأغلال التي كانت عليهم}؛ أي:ومِنْ وَصْفِهِ أنَّ دينه سهلٌ سَمْحٌ ميسَّر لا إصر فيه ولا أغلال ولا مشقات ولا تكاليف ثقال.{فالذين آمنوا به وعزَّروه}؛ أي: عظَّموه وبجَّلوه، {ونصروه واتَّبعوا النور الذي أنزلَ معه}: وهو القرآن الذي يُستضاء به في ظلمات الشَّكِّ والجهالات، ويقتدى به إذا تعارضت المقالات. {أولئك هم المفلحون}: الظافرون بخير الدُّنيا والآخرة، والناجون من شرِّهما؛ لأنَّهم أتوا بأكبر أسباب الفلاح، وأما مَن لم يؤمنْ بهذا النبيِّ الأميِّ، ويعزِّره، وينصره، ولم يتَّبع النور الذي أنزل معه؛ فأولئك هم الخاسرون.

الآية 158: ولما دعا أهل التوراة من بني إسرائيل إلى اتباعه، وكان ربما توهَّم متوهِّم أن الحكم مقصورٌ عليهم، أتى بما يدلُّ على العموم، فقال:{قلۡ يا أيُّها الناس إني رسولُ الله إليكم جميعاً}؛ أي: عربيّكم وعجميّكم، أهل الكتاب منكم وغيرهم، {الذي له ملكُ السموات والأرض}: يتصرَّف فيهما بأحكامه الكونيَّة والتدابير السلطانيَّة وبأحكامه الشرعيَّة الدينيَّة، التي من جملتها أن أرسل إليكم رسولاً عظيماً يدعوكم إلى الله وإلى دار كرامته، ويحذِّركم من كلِّ ما يباعدكم منه ومن دار كرامته. {لا إله إلاَّ هو}؛ أي: لا معبود بحقٍّ إلا الله وحده لا شريك له، ولا تُعْرَفُ عبادته إلا من طريق رسله. {يحيي ويميتُ}؛ أي: من جملة تدابيره الإحياء والإماتة، التي لا يشاركه فيها أحدٌ، التي جعل الله الموت جسراً ومعبراً، يُعبَرُ منه إلى دار البقاء التي من آمن بها صدَّق الرسول محمداً - صلى الله عليه وسلم - قطعاً. {فآمنوا بالله ورسولِهِ النبيِّ الأميِّ}: إيماناً في القلب متضمناً لأعمال القلوب والجوارح، {الذي يؤمِنُ بالله وكلماته}؛ أي: آمنوا بهذا الرسول المستقيم في عقائده وأعماله، {واتَّبِعوه لعلكم تهتدونَ}: في مصالِحِكم الدينيَّة والدنيويَّة؛ فإنكم إذا لم تتَّبعوه؛ ضللتم ضلالاً بعيداً.

الآية 159:{ومن قوم موسى أمَّةٌ}؛ أي: جماعة، {يهدون بالحقِّ وبه يعدِلونَ}؛ أي: يهدون [به] الناس في تعليمهم إياهم وفتواهم لهم، ويعدِلون به بينهم في الحكم بينهم قضاياهم؛ كما قال تعالى:{وَجَعَلۡناهم أئمةً يهدون بأمرِنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون}. وفي هذا فضيلةٌ لأمة موسى عليه الصلاة والسلام، وأنَّ الله تعالى جعل منهم هُداةً يهدون بأمره. وكأنَّ الإتيان بهذه الآية الكريمة فيه نوعُ احتراز مما تقدَّم؛ فإنه تعالى ذكر فيما تقدَّم جملةً من معايب بني إسرائيل المنافية للكمال المناقضة للهداية، فربما توهَّم متوهِّم أن هذا يعمُّ جميعهم، فذكر تعالى أن منهم طائفة مستقيمة هادية مهدية.

الآية 160:{وقطَّعناهم}؛ أي: قسَّمناهم {اثنتي عشرة أسباطاً أمماً}؛ أي: اثنتي عشرة قبيلةً متعارفةً متوالفةً، كل بني رجل من أولاد يعقوب قبيلة، {وأوحينا إلى موسى إذِ استسقاه قومُهُ}؛ أي: طلبوا منه أن يدعو الله تعالى أن يسقيهم ماء يشربون منه وتشرب منه مواشيهم، وذلك لأنَّهم ـ والله أعلم ـ في محلٍّ قليل الماء، فأوحى الله لموسى إجابة لِطلبَتِهِم:{أنِ اضربۡ بعصاك الحجرَ}: يُحتمل أنه حجرٌ معيَّن، ويُحتمل أنه اسم جنس يشمل أي حجر كان، فضربه، {فانبَجَستۡ}؛ أي: انفجرت من ذلك الحجر {اثنتا عشرة عيناً}: جارية سارحة، {قد علم كلُّ أناس مشرَبَهم}؛ أي: قد قسم على كل قبيلة من تلك القبائل الاثنتي عشرة، وجعل لكلٍّ منهم عيناً، فعلموها، واطمأنُّوا واستراحوا من التعب والمزاحمة، وهذا من تمام نعمة الله عليهم، {وظلَّلۡنا عليهم الغمام}: فكان يستُرهم من حرِّ الشمس، {وأنزلنا عليهم المنَّ}: وهو الحلوى، {والسَّلوى}: وهو لحم طير من أحسن أنواع الطيور وألذِّها، فجمع الله لهم بين الظلال والشراب والطعام الطيب من الحلوى واللحوم على وجه الراحة والطمأنينة، وقيل لهم:{كلوا من طيِّبات ما رَزَقۡناكم وما ظلمونا}: حين لم يشكُروا الله ولم يقوموا بما أوجب الله عليهم. {ولكن كانوا أنفسَهم يظلمونَ}: حيث فوَّتوها كلَّ خير وعرَّضوها للشرِّ والنقمة، وهذا كان مدة لبثهم في التيه.

الآية 161:{وإذ قيلَ لهم اسكنوا هذه القريةَ}؛ أي: ادخلوها لتكون وطناً لكم ومسكناً، وهي إيلياء، {وكلوا منها حيث شئتُم}؛ أي: قرية كانت كثيرة الأشجار غزيرة الثمار رغيدة العيش؛ فلذلك أمرهم الله أن يأكلوا منها حيث شاؤوا، {وقولوا}: حين تدخلون الباب: {حِطَّةٌ}؛ أي: احطُطْ عنَّا خطايانا واعفُ عنا، {وادخُلوا الباب سجَّداً}؛ أي خاضعين لربكم مستكينين لعزَّته شاكرين لنعمته؛ فأمرهم بالخضوع وسؤال المغفرة، ووعدهم على ذلك مغفرة ذنوبهم والثواب العاجل والآجل، فقال:{نغفر لكم خطيئاتِكُم سنزيدُ المحسنينَ}: من خير الدنيا والآخرة.

الآية 162: فلم يمتثلوا هذا الأمر الإلهيَّ، بل بدَّل الذين ظلموا منهم؛ أي: عصوا الله واستهانوا بأمره {قولاً غير الذي قيل لهم}: فقالوا بدل طلب المغفرة وقولهم حطة: حبَّة في شعيرة، وإذا بدلوا القول مع يسره وسهولته؛ فتبديلهم للفعل من باب أولى، ولهذا دخلوا يزحفون على أَسْتَاهِهم، {فأرسلنا عليهم}: حين خالفوا أمر الله وعَصَوْه {رِجزاً من السماء}؛ أي: عذاباً شديداً إما الطاعون وإما غيره من العقوبات السماويَّة، وما ظلمهم الله بعقابه، وإنَّما كان ذلك {بما كانوا يظلمونَ}.

الآية 163:{واسۡألۡهُم}؛ أي: اسأل بني إسرائيل {عن القرية التي كانت حاضرةَ البحر}؛ أي: على ساحله في حال تعدِّيهم وعقاب الله إيَّاهم، {إذ يَعۡدونَ في السبتِ}: وكان الله تعالى قد أمرهم أن يعظِّموه ويحترموه ولا يصيدوا فيه صيداً، فابتلاهُم الله وامتحنهم، فكانت الحيتان تأتيهم يومَ سبتهم شُرَّعاً؛ أي: كثيرة طافية على وجه البحر. {ويوم لا يَسۡبِتونَ}؛ أي: إذا ذهب يوم السبت {لا تأتيهم}؛ أي: تذهب في البحر فلا يرون منها شيئاً. {كذلك نبلوهُم بما كانوا يفسُقون}: ففسقُهم هو الذي أوجب أن يبتلِيَهم الله وأن تكون لهم هذه المحنة، وإلاَّ؛ فلو لم يفسُقوا؛ لعافاهم الله، ولما عرَّضهم للبلاء والشرِّ.

الآية 164: فتحيلوا على الصيد، فكانوا يحفرون لها حفراً، وينصبون لها الشباك؛ فإذا جاءت يوم السبت ووقعت في تلك الحفر والشِّباك؛ لم يأخذوها في ذلك اليوم؛ فإذا جاء يوم الأحد؛ أخذوها، وكثر فيهم ذلك، وانقسموا ثلاث فرق: معظمهم اعتَدَوا وتجرَّؤوا وأعلنوا بذلك. وفرقةٌ أعلنت بنهيهم والإنكار عليهم. وفرقةٌ اكتفتْ بإنكار أولئك عليهم ونهيهم لهم وقالوا:{لم تَعِظونَ قوماً اللهُ مهلِكُهم أو معذِّبهم عذاباً شديداً}: كأنَّهم يقولون: لا فائدة في وعظ مَن اقتحم محارم الله ولم يُصْغِ للنصيح بل استمرَّ على اعتدائه وطغيانه؛ فإنه لا بد أن يعاقبهم الله إما بهلاك أو عذاب شديد. فقال الواعظون: نعظهم وننهاهم {معذرةً إلى ربِّكم}؛ أي: لنُعْذَرَ فيهم، {ولعلَّهم يتَّقون}؛ أي: يتركون ما هم فيه من المعصية؛ فلا نيأس من هدايتهم؛ فربَّما نجع فيهم الوعظ وأثر فيهم اللوم، وهذا المقصود الأعظم من إنكار المنكر؛ ليكون معذرة وإقامة حجةٍ على المأمور المنهي، ولعل الله أن يهديه فيعمل بمقتضى ذلك الأمر والنهي.

الآية 165:{فلما نسوا ما ذُكِّروا به}؛ أي: تركوا ما ذُكِّروا به واستمروا على غَيِّهم واعتدائهم، {أنۡجَيۡنا الذين ينهون عن السوء}: وهكذا سنة الله في عباده أن العقوبة إذا نزلت نجا منها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، {وأخذنا الذين ظلموا}: وهم الذين اعتدَوْا في السبت {بعذابٍ بئيس}؛ أي: شديد {بما كانوا يفسُقون}. وأما الفرقة الأخرى التي قالت للناهين: لم تعِظون قوماً الله مهلكهم؛ فاختلف المفسرون في نجاتِهِم وهلاكهم، والظاهرُ أنهم كانوا من الناجين؛ لأنَّ الله خصَّ الهلاك بالظالمين، وهو لم يذكر أنهم ظالمون، فدلَّ على أن العقوبة خاصَّة بالمعتدين في السبت، ولأنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرضُ كفاية إذا قام به البعض سقط عن الآخرين؛ فاكتفوا بإنكار أولئك، ولأنهم أنكروا عليهم بقولهم:{لم تَعِظونَ قوماً الله مهلِكُهم أو معذِّبهم عذاباً شديداً}: فأبدَوْا من غضبهم عليهم ما يقتضي أنَّهم كارهون أشدَّ الكراهة لفعلهم، وأنَّ الله سيعاقبهم أشدَّ العقوبة.

الآية 166:{فلما عَتَوۡا عما نُهوا عنه}؛ أي: قسوا فلم يلينوا ولا اتَّعظوا، {قلنا لهم} قولاً قدريًّا: {كونوا قردةً خاسئين}: فانقلبوا بإذن الله قردةً وأبعدهم الله من رحمته.

الآية 167: ثم ذكر ضَرْبَ الذلة والصغار على من بقي منهم، فقال:{وإذ تأذَّنَ ربُّك}؛ أي: أعلم إعلاماً صريحاً، {ليبعثنَّ عليهم إلى يوم القيامة من يسومُهم سوء العذاب}؛ أي: يهينُهم ويذلُّهم، {إنَّ ربَّك لسريع العقاب}: لمن عصاه، حتى إنه يعجِّل له العقوبة في الدنيا. {وإنَّه لغفورٌ رحيم}: لمن تاب إليه وأناب؛ يغفر له الذُّنوب، ويستُر عليه العيوب، ويرحمه بأن يتقبَّل منه الطاعات ويثيبه عليها بأنواع المثوبات، وقد فعل الله بهم ما وعدهم به؛ فلا يزالون في ذلٍّ وإهانة، تحت حكم غيرهم، لا تقوم لهم رايةٌ ولا ينصر لهم عَلَمٌ.

الآية 168:{وقطَّعناهم في الأرض أمماً}؛ أي: فرَّقناهم ومزَّقناهم في الأرض بعدما كانوا مجتمعين، {منهم الصالحون}: القائمون بحقوق الله وحقوق عباده، {ومنهم دون ذلك}؛ أي: دون الصلاح: إما مقتصدون، وإما الظالمون لأنفسهم. {وبَلَوۡناهم}: على عادتنا وسنَّتنا {بالحسنات والسيئات}؛ أي: باليُسْر والعُسْر، {لعلَّهم يرجِعون}: عما هم عليه مقيمون من الرَّدى، ويراجعون ما خُلقوا له من الهدى، فلم يزالوا بين صالح وطالح ومقتصدٍ.

الآية 169: حتى خلف {من بعدِهم خَلۡفٌ}: زاد شرُّهم {ورثوا}: بعدهم {الكتابَ}: وصار المرجع فيه إليهم، وصاروا يتصرَّفون فيه بأهوائهم، وتُبْذَلُ لهم الأموال ليفْتُوا ويحكموا بغير الحقِّ، وفشت فيهم الرشوة. {يأخُذون عَرَضَ هذا الأدنى ويقولونَ}: مقرِّين بأنه ذنب وأنهم ظلمة: {سَيُغۡفَرُ لنا}: وهذا قول خالٍ من الحقيقة؛ فإنه ليس استغفاراً وطلباً للمغفرة على الحقيقة؛ فلو كان ذلك؛ لندموا على ما فعلوا، وعزموا على أن لا يعودوا، ولكنهم إذا أتاهم عرضٌ آخر ورشوةٌ أخرى؛ يأخذوه، فاشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً، واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير! قال الله تعالى في الإنكار عليهم وبيان جراءتهم:{ألم يؤخَذۡ عليهم ميثاقُ الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحقَّ}: فما بالُهم يقولون عليه غير الحقِّ اتِّباعاً لأهوائهم وميلاً مع مطامعهم؟! {و} الحالُ أنهم قد {دَرَسوا ما فيه}: فليس عليهم فيه إشكالٌ، بل قد أتوا أمرهم متعمِّدين، وكانوا في أمرهم مستبصرين، وهذا أعظمُ للذنب وأشدُّ للَّوم وأشنع للعقوبة، وهذا من نقص عقولهم وسفاهة رأيهم بإيثار الحياة الدُّنيا على الآخرة، ولهذا قال:{والدارُ الآخرة خيرٌ للذين يتَّقون}: ما حرَّم الله عليهم من المآكل التي تُصاب وتؤكل رشوة على الحكم بغير ما أنزل الله وغير ذلك من أنواع المحرمات. {أفلا تعقلون}؛ أي: أفلا يكون لكم عقولٌ توازن بين ما ينبغي إيثاره وما ينبغي الإيثار عليه، وما هو أولى بالسعي إليه والتقديم له على غيره؟! فخاصيَّة العقل النظر للعواقب، وأما من نَظَرَ إلى عاجل طفيف منقطع يفوِّت نعيماً عظيماً باقياً؛ فأنَّى له العقل والرأي؟!

الآية 170: وإنما العقلاءُ حقيقة من وصفهم الله بقوله: {والذين يمسِّكونَ بالكتاب}؛ أي: يتمسَّكون به علماً وعملاً، فيعلمون ما فيه من الأحكام والأخبار التي علمها أشرف العلوم، ويعملون بما فيها من الأوامر التي هي قرة العيون وسرور القلوب وأفراح الأرواح وصلاح الدنيا والآخرة. ومن أعظم ما يجب التمسُّك به من المأمورات إقامة الصلاة ظاهراً وباطناً، ولهذا خصها بالذِّكر لفضلها وشرفها وكونها ميزان الإيمان وإقامتها داعيةٌ لإقامة غيرها من العبادات. ولما كان عملهم كلُّه إصلاحاً؛ قال تعالى:{إنَّا لا نُضيعَ أجر المصلحين}: في أقوالهم وأعمالهم ونيَّاتهم، مصلحين لأنفسهم ولغيرهم. وهذه الآية وما أشبهها دلَّت على أنَّ الله بعث رسله عليهم الصلاة والسلام بالصلاح لا بالفساد، وبالمنافع لا بالمضار، وأنَّهم بُعِثوا بصلاح الدارين؛ فكلُّ مَن كان أصلح؛ كان أقرب إلى اتِّباعهم.

الآية 171: ثم قال تعالى: {وإذ نَتَقۡنا الجبل فوقَهم}: حين امتنعوا من قَبول ما في التوراة، فألزمهم الله العمل، وَنَتقَ فوق رؤوسهم الجبل، فصار فوقهم:{كأنه ظُلَّة وظنُّوا أنه واقعٌ بهم}، وقيل لهم:{خذوا ما آتيناكم بقوَّةٍ}؛ أي: بجدٍّ واجتهاد. {واذكُروا ما فيه}: دراسة ومباحثة واتصافاً بالعمل به، {لعلَّكم تتَّقون}: إذا فعلتُم ذلك.

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿وإذْ﴾ عَطْف عَلى إذْ قَبْله ﴿قالَتْ أُمَّة مِنهُمْ﴾ لِمَ تَصُدّ ولَمْ تُنْهَ لِمَن نَهى ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّه مُهْلِكهمْ أوْ مُعَذِّبهمْ عَذابًا شَدِيدًا قالُوا﴾ مَوْعِظَتنا ﴿مَعْذِرَة﴾ نَعْتَذِر بِها ﴿إلى رَبّكُمْ﴾ لِئَلّا نُنْسَب إلى تَقْصِير فِي تَرْك النَّهْي ﴿ولَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ الصَّيْد

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يشمل هذا التفسير الآيات 164 إلى 166

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ أَنَّهُمْ صَارُوا إِلَى ثَلَاثِ فِرَقٍ: فِرْقَةٌ [[في ك، م، أ: "ففرقة".]] ارْتَكَبَتِ الْمَحْذُورَ، وَاحْتَالُوا عَلَى اصْطِيَادِ السَّمَكِ يَوْمَ السَّبْتِ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ. وَفِرْقَةٌ نَهَتْ عَنْ ذَلِكَ، [وَأَنْكَرَتْ] [[زيادة من ك، م، أ.]] وَاعْتَزَلَتْهُمْ. وَفِرْقَةٌ سَكَتَتْ فَلَمْ تَفْعَلْ وَلَمْ تَنْهَ، وَلَكِنَّهَا قَالَتْ لِلْمُنْكِرَةِ: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ ؟ أَيْ: لِمَ تَنْهَوْنَ هَؤُلَاءِ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُمْ هَلَكُوا وَاسْتَحَقُّوا الْعُقُوبَةَ مِنَ اللَّهِ؟ فَلَا فَائِدَةَ فِي نَهْيِكُمْ إِيَّاهُمْ. قَالَتْ لَهُمُ الْمُنْكِرَةُ: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ قَرَأَ بَعْضُهُمْ بِالرَّفْعِ، كَأَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِهِ: هَذَا مَعْذِرَةٌ وَقَرَأَ آخَرُونَ بِالنَّصْبِ، أَيْ: نَفْعَلُ ذَلِكَ ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ أَيْ: فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا مِنَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ يَقُولُونَ: وَلَعَلَّ بِهَذَا الْإِنْكَارِ يَتَّقُونَ مَا هُمْ فِيهِ وَيَتْرُكُونَهُ، وَيَرْجِعُونَ إِلَى اللَّهِ تَائِبِينَ، فَإِذَا تَابُوا تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَحِمَهُمْ.

قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أَيْ: فَلَمَّا أَبَى الْفَاعِلُونَ الْمُنْكَرَ قَبُولَ النَّصِيحَةِ، ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أَيْ: ارْتَكَبُوا الْمَعْصِيَةَ ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ فَنَصَّ عَلَى نَجَاةِ النَّاهِينَ وَهَلَاكِ الظَّالِمِينَ، وَسَكَتَ عَنِ السَّاكِتِينَ؛ لِأَنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ، فَهُمْ لَا يَسْتَحِقُّونَ مَدْحًا فَيُمْدَحُوا، وَلَا ارْتَكَبُوا عَظِيمًا فَيُذَمُّوا، وَمَعَ هَذَا فَقَدَ اخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ فِيهِمْ: هَلْ كَانُوا مِنَ الْهَالِكِينَ أَوْ مِنَ النَّاجِينَ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ:

قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [قَالَ:] [[زيادة من أ.]] هِيَ قَرْيَةٌ عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ بَيْنَ مِصْرَ وَالْمَدِينَةِ، يُقَالُ لَهَا: "أَيْلَةُ"، فَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْحِيتَانَ يَوْمَ سَبْتِهِمْ، وَكَانَتِ الْحِيتَانُ تَأْتِيهِمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا فِي سَاحِلِ الْبَحْرِ، فَإِذَا مَضَى يَوْمُ السَّبْتِ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهَا. فَمَضَى عَلَى ذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ إِنْ طَائِفَةً مِنْهُمْ أَخَذُوا الْحِيتَانَ يَوْمَ سَبْتِهِمْ، فَنَهَتْهُمْ طَائِفَةٌ وَقَالُوا: تَأْخُذُونَهَا وَقَدْ حَرَّمَهَا اللَّهُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ سَبْتِكُمْ؟ فَلَمْ يَزْدَادُوا إِلَّا غَيًّا وَعُتُوًّا، وَجَعَلَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى تَنْهَاهُمْ، فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ النُّهَاةِ: تَعْلَمُونَ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ قَدْ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْعَذَابُ، ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ [أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا] ﴾ [[زيادة من أ.]] وَكَانُوا أَشَدَّ غَضَبًا لِلَّهِ مِنَ الطَّائِفَةِ الْأُخْرَى؟ فَقَالُوا: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ وَكُلٌّ قَدْ كَانُوا يَنْهَوْنَ، فَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمْ غَضَبُ اللَّهِ نَجَتِ الطَّائِفَتَانِ اللَّتَانِ قَالُوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ وَالَّذِينَ قَالُوا: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ وَأَهْلَكَ اللَّهُ أَهْلَ مَعْصِيَتِهِ الَّذِينَ أَخَذُوا الْحِيتَانَ، فَجَعَلَهُمْ قِرَدَةً.

وَرَوَى الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَرِيبًا مِنْ هَذَا.

وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عباس: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾

قال: ما أدري أنجا الَّذِينَ قَالُوا: "أَتَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ"، أَمْ لَا؟ قَالَ: فَلَمْ أَزَلْ بِهِ حَتَّى عرَّفته أَنَّهُمْ نَجَوْا، فَكَسَانِي حُلَّةً.

قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج، حَدَّثَنِي رَجُلٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: جِئْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَوْمًا وَهُوَ يَبْكِي، وَإِذَا [[في أ: "إن".]] الْمُصْحَفُ فِي حِجْرِهِ، فَأَعْظَمْتُ أَنْ أَدْنُوَ، ثُمَّ لَمْ أَزَلْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى تَقَدَّمْتُ فَجَلَسْتُ، فَقُلْتُ: مَا يُبْكِيكَ يَا أَبَا عَبَّاسٍ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ؟ قَالَ: فَقَالَ: هَؤُلَاءِ الْوَرَقَاتِ. قَالَ: وَإِذَا هُوَ فِي "سُورَةِ الْأَعْرَافِ"، قَالَ: تَعْرِفُ [[في أ: "قال هل تعرف".]] أَيْلَةَ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنَّهُ كَانَ بِهَا حَيٌّ مِنْ يَهُودَ سِيقَتِ الْحِيتَانُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ السَّبْتِ، ثُمَّ غَاصَتْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهَا حَتَّى يَغُوصُوا بَعْدَ كَدٍّ وَمُؤْنَةٍ شَدِيدَةٍ، كَانَتْ تَأْتِيهِمْ يَوْمَ السَّبْتِ شُرَّعًا بِيضًا سِمَانًا كَأَنَّهَا الْمَاخِضُ، تَتَبَطَّحُ [[في م: "حتى تنبطح".]] ظُهُورُهَا لِبُطُونِهَا بِأَفْنِيَتِهِمْ. فَكَانُوا كَذَلِكَ بُرْهَةً مِنَ الدَّهْرِ، ثُمَّ إِنِ الشَّيْطَانَ أَوْحَى إِلَيْهِمْ فَقَالَ: إِنَّمَا نُهِيتُمْ عَنْ أَكْلِهَا يَوْمَ السَّبْتِ، فَخُذُوهَا فِيهِ، وَكُلُوهَا فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَيَّامِ. فَقَالَتْ ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: بَلْ نُهِيتُمْ عَنْ أَكْلِهَا وَأَخْذِهَا وَصَيْدِهَا يَوْمَ السَّبْتِ. فَكَانُوا كَذَلِكَ، حَتَّى جَاءَتِ الْجُمُعَةُ الْمُقْبِلَةُ، فَغَدَتْ طَائِفَةٌ بِأَنْفُسِهَا وَأَبْنَائِهَا وَنِسَائِهَا، وَاعْتَزَلَتْ طَائِفَةٌ ذَاتَ الْيَمِينِ، وَتَنَحَّتْ وَاعْتَزَلَتْ طَائِفَةٌ ذَاتَ الْيَسَارِ وَسَكَتَتْ. وَقَالَ الْأَيْمَنُونَ: وَيَلْكُمُ، اللَّهَ، اللَّهَ نَنْهَاكُمْ أَنْ [[في أ: "الله، الله ينهاكم عن ذلك ولا".]] تَتَعَرَّضُوا لِعُقُوبَةِ اللَّهِ. وَقَالَ الْأَيْسَرُونَ: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ ؟ قَالَ الْأَيْمَنُونَ: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ إِنْ يَنْتَهُوا فَهُوَ أَحَبُّ إِلَيْنَا أَلَّا يُصَابُوا وَلَا يَهْلِكُوا، وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا فَمَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ. فَمَضَوْا عَلَى الْخَطِيئَةِ، وَقَالَ الْأَيْمَنُونَ: فَقَدْ [[في أ: "قد".]] فَعَلْتُمْ، يَا أَعْدَاءَ اللَّهِ. وَاللَّهِ لَا نُبَايِتُكُمُ [[في م: "لنأتينكم".]] اللَّيْلَةَ فِي مَدِينَتِكُمْ، وَاللَّهِ مَا نَرَاكُمْ تُصْبِحُونَ حَتَّى يُصَبِّحَكُمُ اللَّهُ بِخَسْفٍ أَوْ قَذْفٍ أَوْ بَعْضِ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْعَذَابِ. فَلَمَّا أَصْبَحُوا ضَرَبُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ وَنَادَوْا، فَلَمْ يُجَابُوا، فَوَضَعُوا سُلَّمًا، وَأَعْلَوْا سُورَ الْمَدِينَةِ رَجُلًا فَالْتَفَتَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: أَيْ عِبَادَ اللَّهِ، قِرَدَةٌ وَاللَّهِ تُعَاوِي لَهَا أَذْنَابٌ. قَالَ: فَفَتَحُوا فَدَخَلُوا عَلَيْهِمْ، فَعَرَفَتِ الْقُرُودُ أَنْسَابَهَا [[في م: "أنسابهم".]] مِنَ الْإِنْسِ، وَلَا تَعْرِفُ الْإِنْسُ أَنْسَابَهَا مِنَ الْقِرَدَةِ، فَجَعَلَتِ الْقُرُودُ يَأْتِيهَا نَسِيبُهَا [[في أ: "تأت نسبها".]] مِنَ الْإِنْسِ فَتَشُمُّ ثِيَابَهُ وَتَبْكِي، فَتَقُولُ: أَلَمْ نَنْهَكُمْ عَنْ كَذَا؟ فَتَقُولُ بِرَأْسِهَا، أَيْ نَعَمْ. ثُمَّ قَرَأَ [[في أ: "ثم فسر".]] ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ قَالَ: فَأَرَى الَّذِينَ نَهَوْا قَدْ نَجَوْا، وَلَا أَرَى الْآخَرِينَ ذُكِرُوا، وَنَحْنُ نَرَى أَشْيَاءَ نُنْكِرُهَا وَلَا نَقُولُ فِيهَا؟. قَالَ: قُلْتُ: جَعَلَنِي اللَّهُ فَدَاكَ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ قَدْ كَرِهُوا مَا هُمْ عَلَيْهِ، وَخَالَفُوهُمْ وَقَالُوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ ؟ قَالَ: فَأَمَرَ لِي فَكُسِيتُ ثَوْبَيْنِ غَلِيظَيْنِ [[تفسير عبد الرزاق (١/٢٢٦) .]]

وَكَذَا رَوَى مُجَاهِدٌ، عَنْهُ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، أَخْبَرَنَا أَشْهَبُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عن مالك، قال: زعم ابن رومان أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾ قَالَ: كَانَتْ تَأْتِيهِمْ يَوْمَ السَّبْتِ، فَإِذَا كَانَ الْمَسَاءُ ذَهَبَتْ، فَلَا يُرَى مِنْهَا شَيْءٌ إِلَى يَوْمِ السَّبْتِ الْآخَرِ، فَاتَّخَذَ -لِذَلِكَ -رَجُلٌ خَيْطًا وَوَتَدًا، فَرَبَطَ حُوتًا مِنْهَا فِي الْمَاءِ يَوْمَ السَّبْتِ، حَتَّى إِذَا أَمْسَوْا لَيْلَةَ الْأَحَدِ، أَخَذَهُ فَاشْتَوَاهُ، فَوَجَدَ النَّاسُ رِيحَهُ، فَأَتَوْهُ فَسَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ، فَجَحَدَهُمْ، فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى قَالَ لَهُمْ: "فَإِنَّهُ جِلْدُ حُوتٍ وَجَدْنَاهُ". فَلَمَّا كَانَ السَّبْتُ [[في م: "فلما كان يوم السبت".]] الْآخَرُ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ -وَلَا أَدْرِي لَعَلَّهُ قَالَ: رَبَطَ حُوتَيْنِ -فَلَمَّا أَمْسَى مِنْ لَيْلَةِ الْأَحَدِ أَخَذَهُ فَاشْتَوَاهُ، فَوَجَدُوا رَائِحَةً، فَجَاءُوا [[في م: "فأتوه".]] فَسَأَلُوهُ [[في م: "فسألوه عن ذلك فجحدهم".]] فَقَالَ لَهُمْ: لَوْ شِئْتُمْ صَنَعْتُمْ كَمَا أَصْنَعُ. فَقَالُوا لَهُ: وَمَا صَنَعْتَ؟ فَأَخْبَرَهُمْ، فَفَعَلُوا مِثْلَ مَا فَعَلَ، حَتَّى كَثُرَ ذَلِكَ. وَكَانَتْ لَهُمْ مَدِينَةٌ لَهَا رَبَضٌ يُغْلِقُونَهَا عَلَيْهِمْ، فَأَصَابَهُمْ مِنَ الْمَسْخِ مَا أَصَابَهُمْ. فَغَدَوْا [[في م: "فعدا".]] عَلَيْهِمْ جِيرَانُهُمْ مِمَّا كَانُوا [[في ك، م: "ممن كان".]] حَوْلَهُمْ، يَطْلُبُونَ مِنْهُمْ مَا يَطْلُبُ النَّاسُ، فَوَجَدُوا الْمَدِينَةَ مُغْلَقَةً عَلَيْهِمْ، فَنَادَوْا فَلَمْ يُجِيبُوهُمْ، فَتَسَوَّرُوا عَلَيْهِمْ، فَإِذَا هُمْ قِرَدَةٌ، فَجَعَلَ الْقِرْدُ يَدْنُو يَتَمَسَّحُ بِمَنْ كَانَ يَعْرِفُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَيَدْنُو مِنْهُ وَيَتَمَسَّحُ بِهِ [[تفسير الطبري (١٣/١٩٣) .]]

وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي سُورَةِ "الْبَقَرَةِ" [[سورة البقرة الآية: ٦٠.]] مِنَ الْآثَارِ فِي خَبَرِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ مَا فِيهِ مَقْنَعٌ وَكِفَايَةٌ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.

الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ السَّاكِتِينَ كَانُوا مِنَ الْهَالِكِينَ.

قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: ابْتَدَعُوا السَّبْتَ فَابْتُلُوا فِيهِ، فَحَرُمَتْ عَلَيْهِمْ فِيهِ الْحِيتَانُ، فَكَانُوا إِذَا كَانَ يَوْمُ السَّبْتِ، شَرَعَتْ لَهُمُ الْحِيتَانُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا فِي الْبَحْرِ. فَإِذَا انْقَضَى السَّبْتُ، ذَهَبَتْ فَلَمْ تُرَ حَتَّى السَّبْتِ الْمُقْبِلِ، فَإِذَا جَاءَ السَّبْتُ جَاءَتْ شُرَّعًا، فَمَكَثُوا مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَمْكُثُوا كَذَلِكَ، ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ أَخَذَ حُوتًا فَخَزَمَ أَنْفَهُ ثُمَّ، ضَرَبَ لَهُ وَتَدًا فِي السَّاحِلِ، وَرَبَطَهُ وَتَرَكَهُ فِي الْمَاءِ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ، أَخَذَهُ فَشَوَاهُ فَأَكَلَهُ، فَفَعَلَ ذَلِكَ وَهُمْ يَنْظُرُونَ وَلَا يُنْكِرُونَ، وَلَا يَنْهَاهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ، إِلَّا عُصْبَةٌ مِنْهُمْ نَهَوْهُ، حَتَّى ظَهَرَ ذَلِكَ فِي الْأَسْوَاقِ، فَفُعِلَ عَلَانِيَةً. قَالَ: فَقَالَتْ طَائِفَةٌ لِلَّذِينَ يَنْهَوْنَهُمْ: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ فَقَالُوا: سَخِطَ أَعْمَالَهُمْ ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانُوا أَثْلَاثًا: ثُلْثٌ نَهَوْا، وَثُلْثٌ قَالُوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ وَثُلْثٌ أَصْحَابُ الْخَطِيئَةِ، فَمَا نَجَا إِلَّا الَّذِينَ نَهَوْا وَهَلَكَ سَائِرُهُمْ.

وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَكِنْ رُجُوعَهُ إِلَى قَوْلِ عِكْرِمَةَ فِي نَجَاةِ السَّاكِتِينَ، أَوْلَى مِنَ الْقَوْلِ بِهَذَا؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ حَالَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ فِيهِ دَلَالَةٌ بِالْمَفْهُومِ عَلَى أَنَّ الَّذِينَ بَقُوا نَجَوْا.

وَ ﴿بَئِيسٍ﴾ فِيهِ قِرَاءَاتٌ كَثِيرَةٌ، وَمَعْنَاهُ فِي قَوْلِ مُجَاهِدٍ: "الشَّدِيدُ"، وَفِي رِوَايَةٍ: "أَلِيمٍ". وَقَالَ قَتَادَةُ: مُوجِعٌ. وَالْكُلُّ مُتَقَارِبٌ، وَاللَّهُ أعلم.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿خَاسِئِينَ﴾ أَيْ: ذَلِيلِينَ حَقِيرِينَ مُهَانِينَ.

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) ﴾ [[[[(٣) انظر تفسير ((أمة)) فيما سلف ص ١٧٦، تعليق: ٣، والمراجع هناك.]] ضبطت الآية ((معذرة)) بالنصب على قراءتنا في مصحفنا، وتفسير أبي جعفر واختياره في القراءة، رفع ((معذرة)) ، فتنبه إليه.]]

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: واذكر أيضًا، يا محمد= "إذ قالت أمة منهم"، جماعة منهم لجماعة كانت تعظ المعتدين في السبت، وتنهاهم عن معصية الله فيه = (٢) "لم تعظون قومًا الله مهلكهم"، في الدنيا بمعصيتهم إياه، وخلافهم أمره، واستحلالهم ما حرم عليهم= "أو معذبهم عذابًا شديدًا"، في الآخرة، قال الذين كانوا ينهونهم عن معصية الله مجيبيهم عن قولهم: عظتنا إياهم معذرةٌ إلى ربكم، نؤدِّي فرضه علينا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر= "ولعلهم يتقون"، يقول: ولعلهم أن يتقوا الله فيخافوه، فينيبوا إلى طاعته، ويتوبوا من معصيتهم إياه، وتعدِّيهم على ما حرّم عليهم من اعتدائهم في السبت، كما: -

١٥٢٦٤- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس: "قالوا معذرة إلى ربكم"، لسخطنا أعمالهم. [[الأثر: ١٥٢٦٤ مضى مطولا برقم: ١١٣٩ (٢: ١٧٠) .]]

* *

= "ولعلهم يتقون"،: أي ينزعون عما هم عليه. [[(٢) انظر تفسير ((اتقى) فيما سلف من فهارس اللغة (وقى) .]]

* *

١٥٢٦٥- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد، في قوله: "ولعلهم يتقون" قال: يتركون هذا العمل الذي هم عليه.

* *

واختلفت القرأة في قراءة قوله: "قالوا معذرة". [[(٣) انظر ذكر هذه الآية وإعرابها فيما سلف ٢: ١٠٧، ١٠٨.]] فقرأ دلك عامة قرأة الحجاز والكوفة والبصرة: ﴿مَعْذِرَةٌ﴾ بالرفع، على ما وصفتُ من معناها.

* *

وقرأ ذلك بعض أهل الكوفة: ﴿مَعْذِرَةً﴾ نصبًا، بمعنى: إعذارًا وعظناهم وفعلنا ذلك.

* *

واختلف أهل العلم في هذه الفرقة التي قالت: "لم تعظون قوما الله مهلكهم"، هل كانت من الناجية، أم من الهالكة!

فقال بعضهم: كانت من الناجية، لأنها كانت هي الناهيةَ الفرقةَ الهالكةَ عن الاعتداء في السبت. [[(١) في المطبوعة والمخطوطة: ((لأنها كانت من الناهية)) ، ولا معنى لقوله: ((من)) ، هنا، والصواب ما أثبت.]]

ذكر من قال ذلك:

١٥٢٦٦- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: "وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قومًا الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا"، هي قرية على شاطئ البحر بين مكة والمدينة، يقال لها: "أيلة"، فحرم الله عليهم الحيتان يوم سبتهم، فكانت الحيتان تأتيهم يوم سبتهم شرعًا في ساحل البحر. فإذا مضى يوم السبت، لم يقدروا عليها. فمكثوا بذلك ما شاء الله، ثم إن طائفة منهم أخذوا الحيتان يوم سبتهم، فنهتهم طائفة، وقالوا: تأخذونها، وقد حرمها الله عليكم يوم سبتكم! فلم يزدادوا إلا غيًّا وعتوًّا، وجعلت طائفة أخرى تنهاهم. فلما طال ذلك عليهم، قالت طائفة من النهاة: تعلَّموا أنّ هؤلاء قوم قد حق عليهم العذاب، [[(٢) في المطبوعة والمخطوطة: ((تعلمون) ، والصواب ما أثبت: ((تعلموا)) فعل أمر، بتشديد اللام، بمعنى: اعلموا.]] لم تعظون قومًا الله مهلكهم، وكانوا أشد غضَبًا لله من الطائفة الأخرى، فقالوا: "معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون"، وكلّ قد كانوا ينهون، فلما وقع عليهم غضب الله، نجت الطائفتان اللتان قالوا: "لم تعظون قومًا الله مهلكهم"، والذين قالوا: "معذرة إلى ربكم"، وأهلك الله أهل معصيته الذين أخذوا الحيتان، فجعلهم قردة وخنازير.

١٥٢٦٧- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي، قال حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: "واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر، إلى قوله: "ويوم لا يسبتون لا تأتيهم"، وذلك أن أهل قرية كانت حاضرة البحر، كانت تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم. يقول: إذا كانوا يوم يسبتون تأتيهم شرعًا= يعني: من كل مكان= ويوم لا يسبتون لا تأتيهم، وأنهم قالوا: لو أنا أخذنا من هذه الحيتان يوم تجيء ما يكفينا فيما سوى ذلك من الأيام! فوعظهم قوم مؤمنون ونهوهم. وقالت طائفة من المؤمنين: إن هؤلاء قوم قد هموا بأمر ليسوا بمنتهين دونه، والله مخزيهم ومعذبهم عذابًا شديدًا. قال المؤمنون بعضهم لبعض: "معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون"، إن كان هلاك، فلعلنا ننجو، وإما أن ينتهوا فيكون لنا أجرًا. وقد كان الله جعل على بني إسرائيل يومًا يعبدونه ويتفرغون له فيه، وهو يوم الاثنين. فتعدى الخبثاء من الاثنين إلى السبت، وقالوا: هو يوم السبت! فنهاهم موسى، فاختلفوا فيه، فجعل عليهم السبت، ونهاهم أن يعملوا فيه وأن يعتدوا فيه، وأنّ رجلا منهم ذهب ليحتطب، فأخذه موسى عليه السلام فسأله: هل أمرك بهذا أحد؟ فلم يجد أحدًا أمره، فرجمه أصحابه.

١٥٢٦٨- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: قال بعض الذين نهوهم لبعض: "لم تعظون قومًا الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا"، يقول: لم تعظونهم، وقد وعظتموهم فلم يطيعوكم؟ فقال بعضهم: "معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون".

١٥٢٦٩- حدثنا محمد بن المثني قال، حدثنا معاذ بن هانئ قال، حدثنا حماد، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس: "وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قومًا الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا"، قال: ما أدري أنجا الذين قالوا: "لم تعظون قوما الله مهلكهم" أم لا! قال: فلم أزل به حتى عرَّفته أنهم قد نجوا، فكساني حلة. [[الأثر: ١٥٢٦٩ - ((معاذ بن هانئ القيسى)) ، ثقة، روى عن همام بن يحيى، ومحمد بن مسلم الطائفي، وحماد بن سلمة، وغيرهم ٠ ٠مترجم في التهذيب، والكبير ٤/١/٣٦٧، وابن أبي حاتم ٤/١/٢٥٠.]]

١٥٢٧٠- حدثني المثني قال، حدثنا حماد، عن داود، عن عكرمة قال: قرأ ابن عباس هذه الآية، فذكر نحوه= إلا أنه قال في حديثه: فما زلت أبصِّره حتى عرَف أنهم قد نجوا.

١٥٢٧١- حدثني سلام بن سالم الخزاعي قال، حدثنا يحيى بن سليم الطائفي قال، حدثنا ابن جريج، عن عكرمة قال: دخلت على ابن عباس والمصحف في حجره، وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك، جعلني الله فداءك؟ قال: فقرأ: "واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر"، إلى قوله: ﴿بما كانوا يفسقون".﴾ قال ابن عباس: لا أسمع الفرقة الثالثة ذكرت، نخاف أن نكون مثلهم! فقلت: أما تسمع الله يقول: "فلما عتوا عمّا نهوا عنه"؟ فسُرِّي عنه، وكساني حُلّة. [[(١) الأثر: ١٥٢٧١ - مضى صدر هذا الخبر، وجزء آخر منه فيما سلف برقم: ١٥٢٥٤.]]

١٥٢٧٢- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن جريج قال، حدثني رجل، عن عكرمة قال: جئت ابن عباس يومًا وهو يبكي، وإذا المصحف في حجره، فأعظمت أن أدنو، ثم لم أزل على ذلك حتى تقدَّمت فجلستُ، فقلت: ما يبكيك يا ابن عباس، جعلني الله فداءك؟ فقال: هؤلاء الورقات! قال: وإذا هو في "سورة الأعراف"، قال: تعرف أيلة! قلت: نعم! قال: فإنه كان حيّ من يهود، سيقت الحيتان إليهم يوم السبت، ثم غاصت لا يقدرون عليها حتى يغُوصوا، بعد كدٍّ ومؤنة شديدة، كانت تأتيهم يوم السبت شرعًا بيضًا سمانًا كأنها الماخض، [[(٢) ((الماخض)) ، التي قد دنا ولادها من الشاء وغيرها. وفي حديث الزكاة: ((فاعمد إلى شاة قد امتلأت مخاضاً، وشحماً)) ، أي نتاجاً، يعنى بذلك سمنها وبضاضتها.]] تنبطحُ ظهورُها لبطونها بأفنيتهم وأبنيتهم. [[(٣) في المطبوعة وابن كثير ٣: ٥٧٧: ((تنتطح)) ولامعنى لها هنا، وفي المخطوطة ((تلتطح)) ، كانها من قولهم ((لطح الرجل به الأرض)) ، و ((لطحه بالأرض)) ، إاذا ضربه بالأرض. وقاس منه ((التطح)) أي تتقلب ضاربة بظهورها وبطونها الأرض. وصوابها ما أثبت ((تنبطح)) أو ((تتبطح)) (بتشديد الطاء) ، أي تتمرغ في البطحاء. وانظر ما سيأتي في ص: ١٩٠، تعليق: ٠٢ وقد حذف هذه الكلمة السيوطي في روايته للخبر في الدر المنثور ٣: ١٣٧، كعادته إذا أشكل عليه الكلام.]] فكانوا كذلك برهة من الدهر، ثم إن الشيطان أوحى إليهم فقال: إنما نهيتم عن أكلها يوم السبت، فخذوها فيه، وكلوها في غيره من الأيام! فقالت ذلك طائفة منهم، وقالت طائفة منهم: بل نُهيتم عن أكلها وأخذِها وصيدها في يوم السبت. وكانوا كذلك، حتى جاءت الجمعة المقبلة، فعدت طائفة بأنفسها وأبنائها ونسائها، واعتزلت طائفة ذات اليمين، وتنحَّت، واعتزلت طائفة ذات اليسار وسكتت. وقال الأيمنون: ويلكم! اللهَ، اللهَ، ننهاكم أن تعترّضوا لعقوبة الله! [[(١) هذه الجملة: ((وقال الأيمنون....)) ساقطة من المخطوطة، ثابتة في المطبوعة. وفي المطبوعة: ((الله ينهاكم عن أن تعترضوا لعقوبة الله)) ، ولا أدرى من أين جاء بها. وأثبت نص ابن كثير في تفسيره ٣: ٥٥٧، وفي الدر المنثور ٣: ١٣٧: ((ويلكم، لا تتعرضوا لعقوبة الله)) .]] وقال الأيسرون: "لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا"؟ قال الأيمنون: "معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون"! أي: ينتهون، فهو أحب إلينا أن لا يصابوا ولا يهلكوا، وإن لم ينتهوا فمعذرة إلى ربكم. فمضوا على الخطيئة، فقال الأيمنون: قد فعلتم، يا أعداء الله! والله لا نُبَايتكم الليلة في مدينتكم، [[(٢) في المطبوعة: ((والله لا نبايتنكم)) وفي ابن كثير: ٣: ٥٧٧: ((لنأتينكم)) ، وفي الدر المنثور ٣: ١٣٧: ((لنسبايتنكم)) ، ومثله في المخطوطة، وأرجح أن الصواب ما أثبت، يعنون أنهم لن يبيتوا معهم في مدينتهم. فهذا ظاهر السياق.]] والله ما نراكم تصبحون حتى يصيبكم الله بخسف أو قذف أو بعض ما عنده بالعذاب! [[(٣) في المخطوطة والمطبوعة، والدر المنثور: ((ما أراكم)) ، والصواب من ابن كثير.]] فلما أصبحوا ضربوا عليهم الباب ونادوا، فلم يجابوا، فوضعوا سلّمًا، وأعلوا سور المدينة رجلا فالتفت إليهم فقال: أي عبادَ الله، قردةٌ والله تعاوَى لها أذناب! قال: ففتحوا فدخلوا عليهم، فعرفت القردةُ أنسابها من الإنس، ولا تعرف الإنس أنسابها من القردة، فجعلت القرود تأتي نسيبها من الإنس فتشمّ ثيابه وتبكي، فتقولُ لهم: ألم ننهكم عن كذا؟ فتقول برأسها: نعم! ثم قرأ ابن عباس: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ . قال: فأرى اليهود الذين نَهَوْا قد نجوا، ولا أرى الآخرين ذُكروا، ونحن نرى أشياء ننكرها فلا نقول فيها! قال قلت: إنَّ جعلني الله فداك، [[(١) في المطبوعة، والدر المنثور: ((أي جعلني الله فداك)) ، ولا معنى لها، وحذفها ابن كثير في روايته الخبر. وأثبت ما في المخطوطة، وقوله: ((إن)) (مكسورة الألف مشددة النون) بمعنى: نعم، يعنى: إنه قد كان، وإنهم قد نجوا. قال أبو عبيد في مثله: ((وهذا اختصار من كلام العرب، يكتفي منه بالضمير، لأنه قد علم معناه)) . وقد قال مسعود بن عبد الله الأسدي: قَالُوا:غَدَرْتَ! فَقُلْتُ: إنّ! وَرُبّمَا ... نَالَ العُلَى وشَفَى الغَلِيلَ الغادِرُ]] ألا ترى أنهم قد كَرِهوا ما هم عليه، وخالفوهم وقالوا: "لم تعظون قومًا الله مهلكهم أو معذبهم"؟ قال: فأمرَ بي فكسيِت بُرْدَين غليظين.

١٥٢٧٣- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، "واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر"، ذُكر لنا أنه إذا كان يوم السبت أقبلت الحيتان، حتى تتبطَّح على سواحلهم وأفنيتهم، [[في المطبوعة: ((تنتطح)) ، وهي في المخطوطة واضحة كما أثبتها، وانظر التعليق السالف ص: ١٨٨، رقم: ٣.]] لما بلغها من أمر الله في الماء، فإذا كان في غير يوم السبت، بعدت في الماء حتى يطلبها طالبهم. فأتاهم الشيطان فقال: إنما حرم عليكم أكلها يوم السبت، فاصطادوها يوم السبت وكلوها فيما بعد! ..... [[وضعت هذه النقط، لدلالة على خرم في الخبر لاشك فيه، فإنه غير متصل. ولكن كهذا هو في المخطوطة. وفي المخطوطة لم يسق الآية هكذا بل كتب: (قوله: ((وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوماً)) ، فقرأ حتى بلغ ((ولعلهم يتقون)) ) ، فكان هذا دليلاً أيضاً على الخرم الذي وقع في نسخة التفسير. ولكن انظر بعض هذا الخبر بهذا الإسناد فيما سلف: ١١٤٠.]] قوله: "وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون"، صار القوم ثلاثة أصناف، [[في المطبوعة: ((فصار)) ، وأثبت ما في المخطوطة بغير فاء، لأنى لا أعلم ما قبله من السقط الذي حدث، ما هو.]] أما صنف فأمسكوا عن حرمة الله ونهوا عن معصية الله، وأما صنف فأمسك عن حرمة الله هيبةً لله، وأما صنف فانتهك الحرمة ووقع في الخطيئة.

١٥٢٧٤- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس في قول الله: "حاضرة البحر"، قال: حرمت عليهم الحيتان يوم السبت، وكانت تأتيهم يوم السبت شُرّعًا، بلاء ابتلوا به، ولا تأتيهم في غيره إلا أن يطلبوها، بلاء أيضًا، بما كانوا يفسقون. فأخذوها يوم السبت استحلالا ومعصية، فقال الله لهم: "كونوا قردة خاسئين"، إلا طائفة منهم لم يعتدوا ونهوهم، فقال بعضهم لبعض: "لم تعظون قومًا".

١٥٢٧٥- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: "وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم" حتى بلغ "ولعلهم يتقون"، لعلّهم يتركون ما هم عليه. قال: كانوا قد بُلوا بكفّ الحيتان عنهم، وكانوا يسبتون في يوم السبت ولا يعملون فيه شيئًا، فإذا كان يوم السبت أتتهم الحيتانُ شُرّعًا، وإذا كان غير يوم السبت لم يأت حوتٌ واحد. قال: وكانوا قومًا قد قَرِموا بحب الحيتان ولقوا منه بلاءً، [[((قرم إلى اللحم)) (بكسر الراء) ((قرماً)) بفتحتين: اشتدت شهوته إليه. وقوله: ((لقوامنه)) ، الضمير في ((منة)) عائد إلى مصدر ((قرموا)) ، أي: القرم.]] فأخذ رجل منهم حوتًا فربط في ذنبه خيطًا، ثم ربطه إلى خَشَفَةٍ، [[(٢) في المطبوعة: ((خسفة)) ، ولا معنى لها، وهي في المخطوطة غير منقوطة، والصواب ما أثبت. و ((الخشفة)) بالخاء المعجمة و ((الحشفة)) بالحاء المهلة (وبفتح الخاء والشين) : هي حجارة تنبت في الأرض نباتاً، أو صخرة رخوة في سهل من الأرض.]] ثم تركه في الماء، حتى إذا غربت الشمس من يوم الأحد، اجتره بالخيط ثم شواه. فوجد جارٌ له ريح حوت، فقال: يا فلان، إني أجد في بيتك ريح نًونٍ! [[(٣) ((النون)) : الحوت والسمك.]] فقال: لا! قال: فتطلع في تنُّوره فإذا هو فيه، فأخبره حينئذ الخبرَ، فقال: إني أرى الله سيعذِّبك. قال: فلما لم يره عجَّل عذابًا، فلما أتى السبت الآخر أخذ اثنين فربَطَهما، ثم اطلع جارٌ له عليه، فلما رآه لم يعجِّل عذابًا، جعلوا يصيدونه، [[(٤) قوله: ((جعلوا يصيدونه)) ، فخالف السياق المفرد السابق، فأخشى أن يكون سقط من الكلام ما معناه أن بعض جيرانه اتبعوه وفشا فيهم، فجعلوا يصيدونه ...]] فاطلع أهل القرية عليهم، فنهاهم الذين ينهون عن المنكر، فكانوا فرقتين: فرقة تنهاهم وتكفّ، وفرقة تنهاهم ولا تكف. فقال الذين نهوا وكفوا، للذين ينهون ولا يكفون: "لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا"؟ فقال الآخرون: "معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون". فقال الله: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ . إلى قوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ قَالَ اللَّهُ ﴿فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين﴾ . وقال لهم أهل تلك القرية: عملتم بعمل سَوْء، من كان يريد يعتزل ويتطهَّر فليعتزل هؤلاء! قال: فاعتزل هؤلاء وهؤلاء في مدينتهم، وضربوا بينهم سورًا، فجعلوا في ذلك السور أبوابًا يخرج بعضُهم إلى بعض. قال: فلما كان الليل طرقهم الله بعذابٍ، [[(١) في المطبوعة: ((بعذابه)) ، وأثبت ما في المخطوطة.]] فأصبح أولئك المؤمنون لا يرون منهم أحدًا، فدخلوا عليهم فإذا هم قردة، الرجل وأزواجه وأولاده، فجعلوا يدخلون على الرجل يعرفونه فيقولون: يا فلان، ألم نحذرك سطوات الله؟ ألم نحذرك نقمات الله؟ ونحذرك ونحذرك؟ قال: فليس إلا بكاء! [[(٢) في المخطوطة: ((فليس إلا تكاكا)) ، ولا أدرى ما وجهها، وقد سلف في الخبر رقم ١٥٢٧٢، في آخره: ((فتشم ثيابه فتبكي)) ، فتركت ما في المطبوعة على حاله، حتى يتبين لما في المخطوطة وجه مرضى من الصواب.]] قال: وأنما عذب الله الذين ظلموا، الذين أقاموا على ذلك. قال: وأما الذين نَهَوْا، فكلهم قد نهى، ولكن بعضهم أفضل من بعض. فقرأ: ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ .

١٥٢٧٦- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي، عن داود، عن عكرمة قال: قرأ ابن عباس هذه الآية: "لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا"، قال: لا أدري أنجا القوم أو هلكوا؟ فما زلت أبصِّره حتى عرف أنهم نجوا، وكساني حُلَّة.

١٥٢٧٧- حدثني يونس قال، أخبرني أشهب بن عبد العزيز، عن مالك قال: زعم ابن رُومان أن قوله: "تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرَّعًا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم"، قال: كانت تأتيهم يوم السبت، فإذا كان المساء ذهبتْ، فلا يرى منها شيء إلى السبت. فاتخذ لذلك رجل منهم خيطًا ووتدًا، فربط حوتًا منها في الماء يوم السبت، حتى إذا أمسوا ليلة الأحد أخذه فاشتواه، فوجد الناس ريحه، فأتوه فسألوه عن ذلك، فجحدهم، فلم يزالوا به حتى قال لهم: فإنه جلد حوتٍ وجدناه! فلما كان السبت الآخر فعل مثل ذلك= ولا أدري لعله قال: ربط حوتين= فلما أمسى من ليلة الأحد أخذه فاشتواه، فوجدوا ريحه، فجاءوا فسألوه، فقال لهم: لو شئتم صنعتم كما أصنع! فقالوا له: وما صنعت؟ فأخبرهم، ففعلوا مثل ما فعل، حتى كثر ذلك. وكانت لهم مدينة لها رَبض، [[(١) ((الربض)) (بفتحتين) : هو الفضاء حول المدينة.]] فغلَّقوها، فأصابهم من المسْخ ما أصابهم. فغدا إليهم جيرانهم ممن كان يكون حولهم، يطلبون منهم ما يطلب الناس، فوجدوا المدينة مغلقة عليهم، فنادوا فلم يجيبوهم، فتسوَّروا عليهم، فإذا هم قردة، فجعل القرد يدنو يتمسَّح بمن كان يعرف قبل ذلك، ويدنو منه ويتمسَّح به.

* *

وقال آخرون: بل الفرقة التي قالت: "لم تعظون قومًا الله مهلكهم"، كانت من الفرقة الهالكة.

ذكر من قال ذلك:

١٥٢٧٨- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن إدريس، عن محمد بن إسحاق، عن داود بن حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس: "واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر" إلى قوله: "شرعًا"، قال: قال ابن عباس: ابتدعوا السبت فابتلُوا فيه، فحرِّمت عليهم فيه الحيتان، فكانوا إذا كان يوم السبت شَرَعت لهم الحيتان ينظرون إليها في البحر. فإذا انقضى السبتُ، ذهبتْ فلم تُرَ حتى السبت المقبل، فإذا جاء السبت جاءت شرَّعًا. فمكثوا ما شاء الله أن يمكثوا كذلك، ثم إنّ رجلا منهم أخذ حوتًا فخزمه بأنفه، [[(١) في المطبوعة: ((فخرم أنفه)) ، وأثبت ما في المخطوطة، وهذا صواب قراءته ونقطه. ((خزم الدابة)) ثقب في أنفها ثقباً، وجعل فيه خزامة من شعر أو غيره، و ((الخزامة)) (بكسر الخاء) الحلقة المعقودة.]] ثم ضرب له وَتِدًا في الساحل، وربطه وتركه في الماء. فلما كان الغد، أخذه فشواه فأكله. ففعل ذلك وهم ينظرُون ولا ينكرون، ولا ينهاه منهم أحد إلا عصبة منهم نَهوه، حتى ظهر ذلك في الأسواق وفُعِل علانيةً. قال: فقالت طائفة للذين يَنهون: "لم تعظون قومًا الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا قالوا معذرة إلى ربكم"، في سخطنا أعمالهم، "ولعلهم يتقون* فلما نسوا ما ذُكِّروا به"، إلى قوله: "قلنا لهم كونوا قردة خاسئين"، قال ابن عباس: كانوا أثلاثًا: ثلث نَهوا، وثلث قالوا: "لم تعظون قوما الله مهلكهم"، وثلث أصحاب الخطيئة، فما نجا إلا الذين نهوا، وهلك سائرهم. فأصبح الذين نهوا عن السوء ذات يوم في مجالسهم يتفقَّدون الناس لا يرونهم، فَعَلوْا على دورهم، [[(٢) في المطبوعة: ((فعلقوا عليهم دورهم)) ، أراد أن يجتهد فأخطأ أشنع الخطأ، والصواب البين ما في المخطوطة، كما أثبته.]] فجعلوا يقولون: إنّ للناس لشأنًا، فانظروا ما شأنهم! فاطلعوا في دورهم، فإذا القوم قد مسخوا في ديارهم قردة، يعرفون الرجل بعينه وإنه لقرد، ويعرفون المرأة بعينها وإنها لقردة، قال الله: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [سورة البقرة: ٦٦] .

١٥٢٧٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن أبي بكر الهذلي، عن عكرمة، عن ابن عباس: "أنجينا الذين ينهون عن السوء" الآية، قال ابن عباس: نجا الناهون، وهلك الفاعلون، ولا أدري ما صنع بالساكتين!

١٥٢٨٠- حدثنا ابن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، عن ابن عباس: "لم تعظون قومًا الله مهلكهم"، قال: هم ثلاث فرق: الفرقة التي وَعَظت، والموعوظة التي وُعِظت، والله أعلم ما فعلت الفرقة الثالثة، وهم الذين قالوا: "لم تعظون قوما الله مهلكهم".

=وقال الكلبي: هما فرقتان: الفرقة التي وَعَظت، والتي قالت: "لم تعظون قومًا الله مهلكهم" قال: هي الموعوظة.

١٥٢٨١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمران بن عيينة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لأن أكون علمتُ من هؤلاء الذين قالوا: "لم تعظون قومًا الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا"، أحبُّ إليّ مما عُدِل به!

١٥٢٨٢- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن عطاء قال، قال ابن عباس: "وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قومًا الله مهلكهم"، قال: أسمع، الله يقول: "أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس"، فليت شعري ما فُعِل بهؤلاء الذين قالوا: "لم تعظون قومًا الله مهلكهم"؟

١٥٢٨٣- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب، عن جعفر، عن ماهان الحنفي أبي صالح في قوله: "تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرَّعًا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم"، قال: كانوا في المدينة التي على ساحل البحر، وكانت الأيام ستةٌ، الأحد إلى الجمعة. فوضعت اليهود يوم السبْت، وسبّتوه على أنفسهم، فسبَّته الله عليهم، ولم يكن السبت قبل ذلك، فوكّده الله عليهم، وابتلاهم فيه بالحيتَانِ، فجعلت تشرع يوم السبت، فيتقون أن يصيبُوا منها، حتى قال رجل منهم: والله ما السَّبت بيوم وَكّده الله علينا، ونحن وكّدناه على أنفسنا، فلو تناولت من هذا السمك! فتناول حوتًا من الحيتان، فسمع بذلك جارُه، فخاف العقوبة، فهرب من منزله. فلما مكث ما شاء الله ولم تصبه عقوبة، تناول غيرُه أيضًا في يوم السبت. فلما لم تصبهم العقوبة، كثر مَنْ تناول في يوم السبت، واتخذوا يوم السبت، وليلةَ السبت عيدًا يشربون فيه الخمورَ، ويلعبون فيه بالمعازف. فقال لهم خيارهم وصلحاؤهم: ويحكم، انتهوا عما تفعلون، إن الله مهلككم أو معذِّبكم عذابًا شديدًا، أفلا تعقلون؟ ولا تعدوا في السبت! فأبوا، فقال خِيارهم: نضرب بيننا وبينهم حائطًا. ففعلوا، وكان إذا كان ليلة السبت تأذَّوا بما يسمعون من أصواتهم وأصوات المعازف، حتى إذا كانت الليلة التي مُسِخوا فيها، سكنت أصواتهم أوّل الليل، فقال خيارهم: ما شأن قومكم قد سكنت أصواتهم الليلة؟ فقال بعضهم: لعل الخمر غلبَتهم فناموا! فلما أصبحوا، لم يسمعوا لهم حسًّا، فقال بعضهم لبعض: ما لنا لا نسمع من قومكم حسًّا؟ فقالوا لرجل: اصعد الحائط وانظر ما شأنهم. فصعد الحائط، فرآهم يموجُ بعضهم في بعض، قد مُسخوا قردةً، فقال لقومه: تعالوا فانظروا إلى قومكم ما لَقُوا! فصعدوا، فجعلوا ينظرون إلى الرجل فيتوسَّمُون فيه، فيقولون: أي فلان، أنت فلان؟ فيومئ بيده إلى صدره أن نعم، [[(١) في المخطوطة والمطبوعة: ((أي نعم)) ، والصواب الجيد ما أثبت.]] بما كسبت يداي. [[(٢) الأثر: ١٥٢٨٣ - (ما هان أبو صالح الحنفي)) ، قال البخاري ((ما هان، أبو سالم الحنفي، ... وقال بعضهم: ما هان، أبو صالح، ولا يصح)) وقد مضى ذلك برقم ٣٢٢٦، ١٣٢٩١، وهو مترجم في التهذيب والكبير ٤ / ٢ / ٦٧،، وابن أبي حاتم ٤ / ١ / ٤٣٤.]]

١٥٢٨٤- حدثني يعقوب وابن وكيع قالا حدثنا ابن علية، عن أيوب قال، تلا الحسن ذات يوم: "واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرَّعًا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون"، فقال: حوتٌ حرمه الله عليهم في يوم، [[(٣) في المطبوعة: ((كان حوتاً حرمه الله)) ، وأثبت ما في المخطوطة.]] وأحله لهم فيما سوى ذلك، فكان يأتيهم في اليوم الذي حرَّمه الله عليهم كأنه المخاض، [[(٤) في المخطوطة: ((كأنه المحاصر)) غير منقوطة، وكأن ما في المطبوعة هو الصواب، وقد سلف في ص: ١٨٨، وتعليق: ٢،: ((كانت تأتيهم ... بيضاً سماناً كأنها بالمخاض)) ، وفسرته هناك بأنه أراد بالمخاض، الشاة أو الناقة التي دنا ولادها، وأنه عنى بذلك سمنها وترارتها. و ((الماخض)) : الإبل الحوامل، يريد التي امتلأت حملا وسمناً.]] لا يمتنع من أحد. وقلَّما رأيت أحدًا يكثر الاهتمامَ بالذنب إلا واقعه، [[(١) ((الاهتمام)) ، يريد: الهم به، لا من ((الاهتمام)) بمعنى الاغتمام والحزن. وهو صريح القياس: ((اهتم بالأمر)) ، بمعنى ((هم به)) ، ولم تذكرها معاجم اللغة.]] فجعلوا يَهتمُّون ويمْسِكون، حتى أخذوه، فأكلوا أوْخَم أكلة أكلها قوم قطُّ، [[(٢) استعمال ((قط)) مع غير النفي، أعنى في المثبت، مما أنكروه، وقد جاء في الكلام كثيراً، ونبه إليه ابن مالك في مشكلات الجامع الصحيح: ١٩٣، قال: ((وفي قوله: ونحن أكثر ما كنا قط، استعمال قط غير مسبوقة بنفي، وهو مما خفي على كثير من النحويين. لأن المعهود استعمالها لاستغراق الزمان الماضي بعد نفي، نحو: ما فعلت ذلك قط وقد جاءت في هذا الحديث دون نفي. وله نظائر)) . وانظر الخبر الآتي رقم ١٥٢٨٥.]] أبقاه خزيًا في الدنيا، وأشدُّه عقوبة في الآخرة! [[(٣) قوله: ((أبقاه خزياً)) ، أعاد الضمير مع ((أفعل)) التفضيل بالإفراد والتذكير، وهي عائدة إلى ((أكلة)) ، وهي مؤنثة، وذلك صريح العربية، وقد مضت الإشارة إلى ذلك فيما سلف ٥: ٤٨٨، تعليق: ١: ٥: ٥٥٧، تعليق ١ / ٦: ٣٩٥، ٣٩٦، تعليق: ٢ / ٧: ٨٧، تعليق: ٤ والأثر رقم: ١٤٨١٣. وكان في المطبوعة: ((أثقله خزياً)) ، والصواب من الدر المنثور ٣: ١٣٨، وفي المخطوطة: ((أبقى خزياً في الدنيا، وأشد عقوبة في الآخرة)) .]] وايم الله، [ما حوتُ أخذه قوم فأكلوه، أعظم عند الله من قتل رجل مؤمن] ! [[(٤) هذه الجملة التي بين القوسين في المطبوعة، ولم ترد في المخطوطة، ولا في الدر المنثور ٣: ١٣٨، ونصها في المخطوطة: ((وايم الله، للمؤمن أعظم حرمة)) ، فلا أدرى، أهي زيادة من ناسخ لنسخة أخرى، أم سقطت من ناسخ نسختنا.]] وللمؤمن أعظم حرمة عند الله من حوت، ولكن الله جعل موعدَ قومٍ الساعة ﴿وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ ، [سورة القمر: ٤٦] .

١٥٢٨٥- حدثني يونس قال، أخبرنا سفيان، عن أبي موسى، عن الحسن قال: جاءتهم الحيتان تشرع في حياضهم كأنها المخاض، [[(٥) في المخطوطة: ((كأنها المحاصر)) ، كما سلف في الخبر السالف، انظر ص ١٩٦، تعليق: ٤]] فأكلوا والله أوخم أكلة أكلها قوم قط، [[(٦) انظر التعليق السالف رقم: ٣.]] أسوأه عقوبة في الدنيا، وأشدُّه عذابًا في الآخرة!

وقال الحسن: وقتل المؤمن والله أعظم من أكل الحيتان!

١٥٢٨٦- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن عطاء قال: كنت جالسًا في المسجد، فإذا شيخ قد جاء وجلس الناسُ إليه، فقالوا: هذا من أصحاب عبد الله بن مسعود! قال: قال ابن مسعود: "واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر" الآية، قال: لما حرم عليهم السبت، كانت الحيتان تأتي يوم السبت، وتأمن فتجيء، [[(١) في المطبوعة: ((وتجئ)) ، وأثبت ما في المخطوطة.]] فلا يستطيعون أن يمسوها. وكان إذا ذهب السبت ذهبت، فكانوا يتصيّدون كما يتصيد الناس. فلما أرادوا أن يعدوا في السبت، اصطادوا، فنهاهم قوم من صالحيهم، فأبوا، وكَثَرَهم الفجَّار، [[(٢) ((كثرهم الفجار)) ، أي: غلبوهم بكثرتهم.]] فأراد الفجار قتالهم، فكان فيهم من لا يشتهون قتاله، أبو أحدهم وأخوه أو قريبه. فلما نهوهم وأبوا، قال الصالحون: إذًا نُتَّهم! وإنا نجعل بيننا وبينهم حائطًا! [[(٣) في المخطوطة: ((أدانهم، وأنا نجعل بيننا وبينكم حائطاً)) ، هكذا، فرأيت قراءتها كما أثبتها. أما في المطبوعة، فقد غير الجملة وغير ضمائرها فكتب: ((إذًا نباينهم، وأنا نجعل بيننا وبينهم حائطاً)) . وقوله ((إذا نتهم)) ، يعنى: إذا نتهم بما فعلتم من العدوان في السبت، ويأخذنا الله بالعقاب، ونحن براء مما فعلتم.]] ففعلوا، فلما فقدوا أصواتهم قالوا: لو نظرتم إلى إخوانكم ما فعلوا! فنظروا، فإذا هم قد مُسخوا قردةً، يعرفون الكبير بكبره، والصغير بصغره، فجعلوا يبكون إليهم. وكان هذا بعد موسى ﷺ.