سورة الأعراف، الآية 200
الجزء 9، الصفحة 176.
وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ۚ إِنَّهُۥ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿٢٠٠﴾
الآية في سياق السورةاستمع إلى سورة الأعراف
تفسير الآية
التفسير الميسر
وإما يصيبنَّك -أيها النبي- من الشيطان غضب أو تُحِس منه بوسوسة وتثبيط عن الخير أو حث على الشرِّ، فالجأ إلى الله مستعيذًا به، إنه سميع لكل قول، عليم بكل فعل.
تفسير السعدي
يشمل هذا التفسير الآيات 200 إلى 202
الآية 200: أي: أيَّ وقت وفي أيِّ حال، {ينزغنَّك من الشيطان نزغٌ}؛ أي: تحس منه بوسوسةٍ وتثبيطٍ عن الخير أو حثٍّ على الشرِّ وإيعازٍ إليه، {فاستعذۡ بالله}؛ أي: التجئ واعتصم بالله واحتم بحماه. فإنَّه سميعٌ لما تقول، {عليمٌ}: بنيَّتك وضعفك وقوة التجائك له فسيحميك من فتنته ويقيك من وسوسته؛ كما قال تعالى:{قل أعوذُ بربِّ الناس ... } إلى آخر السورة.
الآية 201: ولما كان العبدُ لا بدَّ أن يغفل وينال منه الشيطان الذي لا يزال مرابطاً ينتظر غرَّته وغفلته؛ ذكر تعالى علامة المتَّقين من الغاوين، وأن المتَّقي إذا أحسَّ بذنب ومسَّه طائفٌ من الشيطان فأذنب بفعل محرَّم أو ترك واجبٍ؛ تذكَّر من أي باب أُتِيَ ومن أيِّ مدخل دخل الشيطان عليه، وتذكَّر ما أوجب الله عليه وما عليه من لوازم الإيمان، فأبصر، واستغفر الله تعالى، واستدرك ما فرط منه بالتوبة النصوح والحسنات الكثيرة، فرد شيطانه خاسئاً حسيراً؛ قد أفسد عليه كلَّ ما أدركه منه.
الآية 202: وأما إخوان الشياطين وأولياؤهم؛ فإنهم إذا وقعوا في الذُّنوب لا يزالون يمدُّونهم في الغيِّ ذنباً بعد ذنبٍ، ولا يقصرون عن ذلك؛ فالشياطين لا تقصر عنهم بالإغواء؛ لأنها طمعت فيهم حين رأتهم سلسي القياد لها وهم لا يقصرون عن فعل الشرِّ.
تفسير الجلالين
﴿وإمّا﴾ فِيهِ إدْغام نُون إنْ الشَّرْطِيَّة فِي ما المَزِيدَة ﴿يَنْزِغَنك مِن الشَّيْطان نَزْغ﴾ أيْ إنْ يَصْرِفك عَمّا أمَرْت بِهِ صارِف ﴿فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ جَواب الشَّرْط وجَواب الأَمْر مَحْذُوف أيْ يَدْفَعهُ عَنْك ﴿إنّهُ سَمِيع﴾ لِلْقَوْلِ ﴿عَلِيم﴾ بِالفِعْلِ
تفسير ابن كثير
يشمل هذا التفسير الآيات 199 إلى 200
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ يَعْنِي: خُذْ مَا عَفَا لَكَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَمَا أَتَوْكَ بِهِ مِنْ شَيْءٍ فَخُذْهُ. وَكَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ "بَرَاءَةٌ" بِفَرَائِضَ الصَّدَقَاتِ وَتَفْصِيلِهَا، وَمَا انْتَهَتْ إِلَيْهِ الصَّدَقَاتُ. قَالَهُ السُّدِّيُّ.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ أَنْفِقِ الْفَضْلَ. وَقَالَ سَعِيدُ [[في م: "حميد".]] بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: قال الفضل.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي قَوْلِهِ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ أَمَرَهُ اللَّهُ بِالْعَفْوِ وَالصَّفْحِ عَنِ الْمُشْرِكِينَ عَشْرَ سِنِينَ، ثُمَّ أَمَرَهُ بِالْغِلْظَةِ عَلَيْهِمْ. وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ قَالَ: مِنْ أَخْلَاقِ النَّاسِ وَأَعْمَالِهِمْ مِنْ غَيْرِ تَحَسُّسٍ [[في د، ك، م: "تحسيس"، وفي أ: "تجسيس".]]
وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوة، عَنْ أَبِيهِ: أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ أَنْ يَأْخُذَ الْعَفْوَ مِنْ أَخْلَاقِ النَّاسِ. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: خُذْ مَا عفي لَكَ مِنْ أَخْلَاقِهِمْ.
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ عُرْوَةَ، عَنْ أَخِيهِ [[في أ: "عن أبيه".]] عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: إِنَّمَا أَنَزَلَ [[في أ: "أنزل الله".]] ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ مِنْ أَخْلَاقِ النَّاسِ [[صحيح البخاري برقم (٤٦٤٣، ٤٦٤٤) .]] وَفِي رِوَايَةٍ لِغَيْرِهِ: عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ. وَفِي رِوَايَةٍ: عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُمَا قَالَا مِثْلَ ذَلِكَ [[قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (٨/٣٠٥) : "وقال عبيد الله بن عمر، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أخرجه البزار والطبراني وهي شاذة، وكذا رواية حماد بن سلمة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة عند ابن مردويه".]] وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ [[في أ: "عن أبي".]] الزُّبَيْرِ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ قَالَ: مِنْ أَخْلَاقِ النَّاسِ، وَاللَّهِ لَآخُذَنَّهُ مِنْهُمْ مَا صَحِبْتُهُمْ. وَهَذَا أَشْهَرُ الْأَقْوَالِ، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ جَمِيعًا: حَدَّثَنَا يُونُسُ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ -هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ -عَنْ أُمَيٍّ قَالَ: لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "ما هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ " قَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَكَ أَنْ تَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ، وَتَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ.
وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا، عَنْ أَبِي يَزِيدَ الْقَرَاطِيسِيِّ كِتَابَةً، عَنْ أصْبَغ بْنِ الْفَرَجِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أُمَيّ عَنِ الشَّعْبِيِّ. نَحْوَهُ، وَهَذَا -عَلَى كُلِّ حَالٍ -مُرْسَلٌ، وَقَدْ رُوِيَ لَهُ شَاهِدٌ [[في ك، م: "شواهد".]] مِنْ وُجُوهٍ أُخَرَ، وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا عَنْ جَابِرٍ وَقَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَسْنَدَهُمَا ابْنُ مَرْدَوَيْهِ [[ذكره السيوطي في الدر المنثور (٣/٦٢٨) .]]
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ رِفَاعَةَ، حَدَّثَنِي عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: لَقِيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَابْتَدَأْتُهُ، فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبَرْنِي بِفَوَاضِلِ الْأَعْمَالِ. فَقَالَ: "يَا عُقْبَةُ، صِلْ مَنْ قَطَعَكَ، وَأَعْطِ مَنْ حَرَمَكَ، وَأَعْرِضْ عَمَّنْ ظَلَمَكَ".
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ، مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زَحْر [[في م: "أحمد"، وفي أ: "نحر".]] عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، بِهِ. وَقَالَ حَسَنٌ [[المسند (٤/١٤٨) وسنن الترمذي برقم (٢٤٠٦) .]]
قُلْتُ: وَلَكِنْ "عَلِيُّ بْنُ يَزِيدَ" وَشَيْخُهُ "الْقَاسِمُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ"، فِيهِمَا ضعف.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ قَوْلُهُ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ "الْعُرْفُ": الْمَعْرُوفُ. حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدِمَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ، فَنَزَلَ عَلَى ابْنِ أَخِيهِ الْحُرِّ بْنِ قَيْسٍ -وَكَانَ مِنَ النَّفَرِ الَّذِينَ يُدْنِيهِمْ عُمَرُ -وَكَانَ الْقُرَّاءُ أَصْحَابَ مَجَالِسِ عُمَرَ وَمُشَاوَرَتِهِ -كُهولا كَانُوا أَوْ شَبَابًا -فَقَالَ عُيَيْنَةُ لِابْنِ أَخِيهِ: يَابْنَ أَخِي، لَكَ وَجْهٌ عِنْدَ هَذَا الْأَمِيرِ، فَاسْتَأْذِنْ لِي عَلَيْهِ. قَالَ: سَأَسْتَأْذِنُ لَكَ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَاسْتَأْذَنَ الْحُرُّ لِعُيَيْنَةَ، فَأَذِنَ لَهُ عُمَرُ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من أ.]] فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ: هِي يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، فَوَاللَّهِ مَا تُعْطِينَا الْجَزْلَ، وَلَا تَحْكُمُ بَيْنَنَا بِالْعَدْلِ. فَغَضِبَ عُمَرُ حَتَّى هَمَّ أَنْ يُوقِعَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ الْحُرُّ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ وَإِنَّ هَذَا مِنَ الْجَاهِلِينَ، وَاللَّهِ مَا جَاوَزَهَا عُمَرُ حِينَ تَلَاهَا عَلَيْهِ، وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ. انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ الْبُخَارِيُّ [[صحيح البخاري برقم (٤٦٤٢) .]]
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قِرَاءَةً، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ؛ أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَرَّ عَلَى عِيرٍ لِأَهْلِ الشَّامِ وَفِيهَا جَرَسٌ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا مَنْهِيُّ عَنْهُ، فَقَالُوا: نَحْنُ أَعْلَمُ بِهَذَا مِنْكَ، إِنَّمَا يُكْرَهُ الجُلْجُل الْكَبِيرُ، فَأَمَّا مِثْلُ هَذَا فَلَا بَأْسَ بِهِ. فَسَكَتَ سَالِمٌ وَقَالَ: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾
وَقَوْلُ الْبُخَارِيِّ: "الْعُرْفُ: الْمَعْرُوفُ" نَصَّ عَلَيْهِ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، والسُّدِّي، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّهُ يُقَالُ: أَوْلَيْتُهُ عُرْفًا، وَعَارِفًا، وَعَارِفَةً، كُلُّ ذَلِكَ بِمَعْنَى: "الْمَعْرُوفِ". قَالَ: وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ أَنْ يَأْمُرَ عِبَادَهُ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ جَمِيعُ الطَّاعَاتِ، وَبِالْإِعْرَاضِ عَنِ الْجَاهِلِينَ، وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ أَمْرًا لِنَبِيِّهِ ﷺ فَإِنَّهُ تَأْدِيبٌ لِخُلُقِهِ بِاحْتِمَالِ مَنْ ظَلَمَهُمْ وَاعْتَدَى عَلَيْهِمْ، لَا بِالْإِعْرَاضِ عَمَّنْ جَهِلَ الْحَقَّ الْوَاجِبَ مَنْ حَقَّ اللَّهِ، وَلَا بِالصَّفْحِ عَمَّنْ كَفَرَ بِاللَّهِ وَجَهِلَ وَحْدَانِيَّتَهُ، وَهُوَ لِلْمُسْلِمِينَ حَرْبٌ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبة، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ قَالَ: هَذِهِ أَخْلَاقٌ أَمَرَ اللَّهُ [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من أ.]] بِهَا نَبِيَّهُ ﷺ، وَدَلَّهُ عَلَيْهَا.
وَقَدْ أَخَذَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ هَذَا الْمَعْنَى، فَسَبَكَهُ فِي بَيْتَيْنِ فِيهِمَا جِنَاسٌ فَقَالَ:
خُذ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بعُرفٍ كَمَا ... أُمِرتَ وأعْرض عَنِ الجَاهلينْ ...
وَلِنْ فِي الكَلام لكُلِّ الْأَنَامِ ... فَمُسْتَحْسَن مِنْ ذَوِي الْجَاهِ لِينْ ...
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: النَّاسُ رَجُلَانِ: فَرَجُلٌ مُحْسِنٌ، فَخُذْ مَا عَفَا لَكَ مِنْ إِحْسَانِهِ، وَلَا تُكَلِّفْهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ وَلَا مَا يُحْرِجُهُ. وَإِمَّا مُسِيءٌ، فَمُرْهُ بِالْمَعْرُوفِ، فَإِنْ تَمَادَى عَلَى ضَلَالِهِ، وَاسْتَعْصَى عَلَيْكَ، وَاسْتَمَرَّ فِي جَهْلِهِ، فَأَعْرِضْ عَنْهُ، فَلَعَلَّ ذَلِكَ أَنْ يَرُدَّ كَيْدَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ * وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون:٩٦-٩٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا﴾ أَيْ هَذِهِ الْوَصِيَّةَ ﴿إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَإِمَّا يَنزغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نزغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فُصِّلَتْ:٣٤-٣٦] وَقَالَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ الْكَرِيمَةِ أَيْضًا: ﴿وَإِمَّا يَنزغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نزغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ فَهَذِهِ الْآيَاتُ الثَّلَاثُ فِي "الْأَعْرَافِ" وَ "الْمُؤْمِنُونَ" وَ "حم السَّجْدَةِ"، لَا رَابِعَ لَهُنَّ، فَإِنَّهُ تَعَالَى يُرْشِدُ فِيهِنَّ إِلَى مُعَامَلَةِ الْعَاصِي مِنَ الْإِنْسِ بِالْمَعْرُوفِ وَالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُفُّهُ عَمَّا هُوَ فِيهِ مِنَ التَّمَرُّدِ بِإِذْنِهِ تَعَالَى؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ ثُمَّ يُرْشِدُ تَعَالَى إِلَى الِاسْتِعَاذَةِ بِهِ مِنْ شَيْطَانِ الْجَانِّ، فَإِنَّهُ لَا يَكُفُّهُ [[في ك، م: "لا يكفيه"، وفي أ: "لا يكفيك".]] عَنْكَ الْإِحْسَانُ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ هَلَاكَكَ وَدَمَارَكَ بِالْكُلِّيَّةِ، فإنه عدو مبين لك ولأبيك من قبلك.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وَإِمَّا يَنزغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نزغٌ﴾ وَإِمَّا يُغْضبَنَّك مِنَ الشَّيْطَانِ غَضَبٌ يَصُدُّكَ عَنِ الْإِعْرَاضِ عَنِ الْجَاهِلِينَ [[في د، ك، م: "الجاهل".]] وَيَحْمِلُكَ عَلَى مُجَازَاتِهِمْ ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ يَقُولُ: فَاسْتَجِرْ بِاللَّهِ مِنْ نَزْغِهِ ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ الَّذِي تَسْتَعِيذُ بِهِ مِنْ نَزْغِ الشَّيْطَانِ سَمِيعٌ لِجَهْلِ الْجَاهِلِ عَلَيْكَ، وَالِاسْتِعَاذَةِ بِهِ مِنْ نَزْغِهِ، وَلِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ خَلْقِهِ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ، عَلِيمٌ بِمَا يُذْهِبُ عَنْكَ نَزْغَ الشَّيْطَانِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِ خَلْقِهِ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: لَمَّا نَزَلَ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا رَبِّ، كَيْفَ بِالْغَضَبِ؟ " فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَإِمَّا يَنزغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نزغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [[تفسير الطبري (١٣/٣٣٣) .]]
قُلْتُ: وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الِاسْتِعَاذَةِ حَدِيثُ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ تَسَابَّا بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ، فَغَضِبَ أَحَدُهُمَا حَتَّى جَعَلَ أَنْفُهُ يَتَمَزَّعُ غَضَبًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنِّي لِأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ". فَقِيلَ لَهُ، فَقَالَ: مَا بِي مِنْ جُنُونٍ [[انظر: الحديث وتخريجه في الكلام على الاستعاذة.]]
وَأَصْلُ "النَّزْغِ": الْفَسَادُ، إِمَّا بِالْغَضَبِ أَوْ غَيْرِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الْإِسْرَاءِ:٥٣] وَ"الْعِيَاذُ": الِالْتِجَاءُ وَالِاسْتِنَادُ وَالِاسْتِجَارَةُ مِنَ الشَّرِّ، وَأَمَّا "الْمَلَاذُ" فَفِي طَلَبِ الْخَيْرِ، كَمَا قَالَ أَبُو الطِّيبِ [الْحَسَنُ بْنُ هَانِئٍ] [[زيادة من ك، م، أ.]] الْمُتَنَبِّي:
يَا مَنْ ألوذُ بِهِ فيمَا أؤمِّلُه ... وَمَنْ أعوذُ بِهِ مِمَّا أحَاذرُه ...
لَا يَجْبر النَّاسُ عَظمًا أَنْتَ كاسرُه ... وَلَا يَهِيضُون عَظمًا أَنْتَ جَابِره [[ديوان المتنبي (٢/٢٧٢) .
قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (١١/٢٧٥) : "وقد بلغني عن شيخنا العلامة شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، رحمه الله، أنه كان ينكر على المتنبي هذه المبالغة في مخلوق ويقول: إنما يصلح لجناب الله سبحانه وتعالى.
وأخبرني العلامة شمس الدين بن القيم، رحمه الله، أنه سمع الشيخ تقي الدين المذكور يقول: ربما قلت هذين البيتين في السجود، أدعوا الله بما تضمناه من الذل والخضوع".]] ...
وَقَدْ قَدَّمْنَا أَحَادِيثَ الِاسْتِعَاذَةِ فِي أَوَّلِ التَّفْسِيرِ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هاهنا.
تفسير الطبري
القول في تأويل قوله: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠) ﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿وإما ينزغنك من الشيطان نزغ﴾ ، وإما يغضبنك من الشيطان غضب يصدُّك عن الإعراض عن الجاهلين، ويحملك على مجازاتهم. = ﴿فاستعذ بالله﴾ ، يقول: فاستجر بالله من نزغه = [[انظر تفسير ((الاستعاذة)) فيما سلف ١: ١١١ / ٦: ٣٢٦.]] ﴿إنه سميع عليم﴾ ، يقول: إن الله الذي تستعيذ به من نزع الشيطان = ﴿سميع﴾ لجهل الجاهل عليك، ولاستعاذتك به من نزغه، ولغير ذلك من كلام خلقه، لا يخفى عليه منه شيء = ﴿عليم﴾ بما يذهب عنك نزغ الشيطان، وغير ذلك من أمور خلقه، [[انظر تفسير ((سميع)) و ((عليم)) فيما سلف من فهارس اللغة (سمع) و (علم) .]] كما:
١٥٥٥٣ - حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾ قال رسول الله ﷺ: فكيف بالغضب يا رب؟ قال: ﴿وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم﴾ .
١٥٥٥٤ - حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم﴾ قال: علم الله أن هذا العدوَّ مَنِيع ومَريد.
* *
وأصل "النزغ": الفساد، يقال: "نزغ الشيطان بين القوم"، إذا أفسد بينهم وحمّل بعضهم على بعض. ويقال منه: "نزغ ينزغ"، و"نغز ينغز".