سورة القرآن surah-quran.com

سورة الأعراف

سورة الأعراف، الآية 49

الجزء 8، الصفحة 156.

أَهَـٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ ٱللَّهُ بِرَحْمَةٍ ۚ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَآ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ ﴿٤٩﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

أهؤلاء الضعفاء والفقراء من أهل الجنة، الذين أقسمتم في الدنيا إن الله لا يشملهم يوم القيامة برحمة، ولن يدخلهم الجنة؟ ويقال لأصحاب الأعراف: ادخلوا الجنة فقد غُفِرَ لكم، لا خوف عليكم من عذاب الله، ولا أنتم تحزنون على ما فاتكم من حظوظ الدنيا.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 46 إلى 49

الآية 46: أي: وبين أصحاب الجنة وأصحاب النار حجابٌ يُقال له: الأعراف، لا من الجنة ولا من النار، يشرف على الدارين، وينظُر من عليه حال الفريقين، وعلى هذا الحجاب رجالٌ يعرفونَ كلًّا من أهل الجنة والنار بسيماهم؛ أي: علاماتهم التي بها يُعْرَفون ويُمَيَّزون؛ فإذا نظروا إلى أهل الجنة؛ نادَوْهم:{أن سلامٌ عليكم}؛ أي: يحيُّونهم ويسلِّمون عليهم، وهم إلى الآن لم يدخلوا الجنة، ولكنهم يطمعون في دخولها، ولم يجعل الله الطمع في قلوبهم إلا لما يُريد بهم من كرامته.

الآية 47:{وإذا صُرِفَتۡ أبصارُهم تِلۡقاءَ أصحابِ النَّارِ}: ورأوا منظراً شنيعاً وهولاً فظيعاً، {قالوا ربَّنا لا تَجۡعَلۡنا مع القوم الظالمين}: فأهل الجنة إذا رآهم أهلُ الأعراف يطمعون أن يكونوا معهم في الجنة ويحيُّونهم ويسلِّمون عليهم، وعند انصراف أبصارهم بغير اختيارهم لأهل النار يستجيرون [بالله] من حالهم هذا على وجه العموم.

الآية 48: ثم ذكر الخصوص بعد العموم، فقال:{ونادى أصحابُ الأعراف رجالاً يعرفونهم بسيماهُم}: وهم من أهل النار، وقد كانوا في الدنيا لهم أبهة وشرفٌ وأموالٌ وأولادٌ، فقال لهم أصحاب الأعراف حين رأوهم منفردين في العذاب بلا ناصرٍ ولا مغيث:{ما أغنى عنكُم جمعُكم}: في الدُّنيا الذي تستدفِعون به المكاره، وتوسلون به إلى مطالبكم في الدُّنيا؛ فاليوم اضمحل ولا أغنى عنكم شيئاً، وكذلك أيُّ شيءٍ نفعكم استكباركم على الحقِّ وعلى ما جاء به وعلى مَن اتبعه؟!

الآية 49: ثم أشاروا لهم إلى أناس من أهل الجنة كانوا في الدنيا فقراء ضعفاء يستهزئ بهم أهل النار، فقالوا لأهل النار:{أهؤلاء}: الذين أدخلهم الله الجنة، {الذين أقسمتُم لا ينالُهُم الله برحمةٍ}: احتقاراً لهم وازدراءً وإعجاباً بأنفسكم، قد حنثتم في أيمانكم، وبدا لكم من الله ما لم يكن لكم في حساب. {ادخلوا الجنة}: بما كنتم تعملونَ؛ أي: قيل لهؤلاء الضعفاء إكراماً واحتراماً: ادخلوا الجنة بأعمالكم الصالحة، {لا خوفٌ عليكم}: فيما يُستقبل من المكاره، {ولا أنتم تحزنونَ}: على ما مضى، بل آمنون مطمئنُّون فرحون بكل خير. وهذا كقولِهِ تعالى:{إنَّ الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكونَ. وإذا مَرُّوا بهم يتغامَزون ... } إلى أن قال: {فاليومَ الذين آمنوا مِنَ الكُفَّارِ يضحكون. على الأرائكِ ينظُرونَ}. واختلف أهل العلم والمفسِّرون من هم أصحاب الأعراف وما أعمالهم، والصحيح من ذلك أنهم قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم؛ فلا رجحتْ سيئاتهم فدخلوا النار، ولا رجحت حسناتهم فدخلوا الجنة، فصاروا في الأعراف ما شاء الله، ثم إن الله تعالى يدخِلُهم برحمته الجنة؛ فإن رحمته تسبق وتغلب غضبه، ورحمته وسعت كلَّ شيءٍ.

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقَسَمْتُمْ لا يَنالهُمْ اللَّه بِرَحْمَةٍ﴾ قَدْ قِيلَ لَهُمْ ﴿اُدْخُلُوا الجَنَّة لا خَوْف عَلَيْكُمْ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ وقُرِئَ: أُدْخِلُوا بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ ودَخَلُوا فَجُمْلَة النَّفْي حال أيْ مَقُولًا لَهُمْ ذَلِكَ

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يشمل هذا التفسير الآيات 48 إلى 49

يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى مُخْبِرًا [[في ك، م، أ: "إخبارا".]] عَنْ تَقْرِيعِ أَهْلِ الْأَعْرَافِ لِرِجَالٍ مِنْ صَنَادِيدِ الْمُشْرِكِينَ وَقَادَتِهِمْ، يَعْرِفُونَهُمْ فِي النَّارِ بِسِيمَاهُمْ: ﴿مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ﴾ أَيْ: كَثْرَتُكُمْ، ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ أَيْ: لَا يَنْفَعُكُمْ [[في أ: "يمنعكم".]] كَثْرَتُكُمْ وَلَا جُمُوعُكُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، بَلْ صِرْتُمْ إِلَى مَا صِرْتُمْ فِيهِ [[في ك، م: "إلى ما أنتم فيه".]] مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ. ﴿أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي: أَصْحَابَ الْأَعْرَافِ ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي عَمِّي، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ [وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ] ﴾ [[زيادة من د، ك، م، أ.]] الْآيَةَ، قَالَ: فَلَمَّا قَالُوا لَهُمُ الَّذِي قَضَى اللَّهُ أَنْ يَقُولُوا -يَعْنِي أَصْحَابَ الْأَعْرَافِ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ-قَالَ اللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من أ.]] لِأَهْلِ التَّكَبُّرِ وَالْأَمْوَالِ: ﴿أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾

وَقَالَ [[في ك، م: "فقال".]] حُذَيْفَةُ: إِنَّ أَصْحَابَ الْأَعْرَافِ قَوْمٌ تَكَافَأَتْ أَعْمَالُهُمْ، فَقَصَّرَتْ بِهِمْ حَسَنَاتُهُمْ عن الجنة، وَقَصَّرَتْ بِهِمْ سَيِّئَاتُهُمْ عَنِ النَّارِ، فجُعلوا عَلَى الْأَعْرَافِ، يَعْرِفُونَ النَّاسَ بِسِيمَاهُمْ، فَلَمَّا قَضَى اللَّهُ بَيْنَ الْعِبَادِ أُذِنَ لَهُمْ فِي طَلَبِ الشَّفَاعَةِ، فَأَتَوْا آدَمَ فَقَالُوا: يَا آدَمُ، أَنْتَ أَبُونَا، فَاشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّكَ. فَقَالَ: هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ أَحَدًا خَلَقَهُ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، وَسَبَقَتْ رَحْمَتُهُ إِلَيْهِ غضبَه، وَسَجَدَتْ لَهُ الْمَلَائِكَةُ غَيْرِي؟ فَيَقُولُونَ: لَا. [قَالَ] [[زيادة من ك، م.]] فَيَقُولُ: مَا عَلِمْتُ كُنْهَهُ، مَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَشْفَعَ لَكُمْ، وَلَكِنِ ائْتُوا ابْنِي إِبْرَاهِيمَ. فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ ﷺ [[في أ: "عليه الصلاة والسلام".]] فَيَسْأَلُونَهُ أَنْ يَشْفَعَ لَهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ، فَيَقُولُ: [هَلْ] [[زيادة من أ.]] تَعْلَمُونَ مِنْ أَحَدٍ اتَّخَذَهُ اللَّهُ خَلِيلًا؟ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ أَحَدًا أَحْرَقَهُ قَوْمُهُ بِالنَّارِ فِي اللَّهِ غَيْرِي؟ فَيَقُولُونَ: لَا. فَيَقُولُ: مَا عَلِمْتُ كُنْهَهُ، مَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَشْفَعَ لَكُمْ. وَلَكِنِ ائْتُوا ابْنِي مُوسَى. فَيَأْتُونَ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، [فَيَقُولُونَ: اشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّكَ] [[زيادة من أ.]] فَيَقُولُ: هَلْ تَعْلَمُونَ مِنْ أَحَدٍ كَلَّمَهُ اللَّهُ تَكْلِيمًا وَقَرَبَّهُ نَجِيًّا غَيْرِي؟ فَيَقُولُونَ: لَا فَيَقُولُ: مَا عَلِمْتُ كُنْهَهُ، مَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَشْفَعَ لَكُمْ، وَلَكِنِ ائْتُوا عِيسَى. فَيَأْتُونَهُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَيَقُولُونَ لَهُ: اشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّكَ. فَيَقُولُ: هَلْ تَعْلَمُونَ أَحَدًا خَلَقَهُ اللَّهُ مِنْ غَيْرِ أَبٍ غَيْرِي؟ فَيَقُولُونَ: لَا. فَيَقُولُ: هَلْ تَعْلَمُونَ مِنْ أَحَدٍ كَانَ يُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَيُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ غَيْرِي؟ قَالَ: فَيَقُولُونَ: لَا. فَيَقُولُ: أَنَا حَجِيجُ نَفْسِي. مَا عَلِمْتُ كُنْهَهُ، مَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَشْفَعَ لَكُمْ. وَلَكِنِ ائْتُوا مُحَمَّدًا ﷺ فَيَأْتُونَنِي [[في ك، م: "فيأتوني".]] فَأَضْرِبُ بِيَدِي عَلَى صَدْرِي، ثُمَّ أَقُولُ: أَنَا لَهَا. ثُمَّ أَمْشِي حَتَّى أَقِفَ بَيْنَ يَدَيِ الْعَرْشِ، فَآتِي رَبِّي، عَزَّ وَجَلَّ، فَيَفْتَحُ لِي مِنَ الثَّنَاءِ مَا لَمْ يَسْمَعِ السَّامِعُونَ بِمِثْلِهِ قَطُّ، ثُمَّ أَسْجُدُ فَيُقَالُ لِي: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَسَلْ تُعطه، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ. فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَقُولُ: رَبِّي أُمَّتِي. فَيَقُولُ: هُمْ لَكَ. فَلَا يَبْقَى نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَلَا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، إِلَّا غَبَطَنِي بِذَلِكَ الْمَقَامِ، وَهُوَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ. فَآتِي بِهِمُ الْجَنَّةَ، فَأَسْتَفْتِحُ فَيُفْتَحُ لِي وَلَهُمْ، فَيُذْهَبُ بِهِمْ إِلَى نَهْرٍ يُقَالُ لَهُ: نَهْرُ الْحَيَوَانِ، حَافَّتَاهُ قَصَبٌ مُكَلَّلٌ بِاللُّؤْلُؤِ، تُرَابُهُ الْمِسْكُ، وَحَصْبَاؤُهُ الْيَاقُوتُ. فَيَغْتَسِلُونَ مِنْهُ، فَتَعُودُ إِلَيْهِمْ أَلْوَانُ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَرِيحُ [أَهْلِ الْجَنَّةِ] [[زيادة من ك، م، أ.]] فَيَصِيرُونَ كَأَنَّهُمُ الْكَوَاكِبُ الدُّرِّيَّةُ، وَيَبْقَى فِي صُدُورِهِمْ شَامَاتٌ بِيضٌ يُعْرَفُونَ بِهَا، يُقَالُ لَهُمْ: مَسَاكِينُ أَهْلِ الْجَنَّةِ" [[رواه الطبري في تفسيره (١٢/٤٦٩) .]]

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله: ﴿أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩) ﴾

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في المعنيِّين بهذا الكلام.

فقال بعضهم: هذا قِيل الله لأهل النار، توبيخًا على ما كان من قِيلهم في الدنيا، لأهل الأعراف، عند إدخاله أصحابَ الأعراف الجنة.

ذكر من قال ذلك:

١٤٧٤٣ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قال:"أصحاب الأعراف"، رجال كانت لهم ذنوب عظام، وكان حَسْم أمرهم لله، يقومون على الأعراف، فإذا نظروا إلى أهل الجنة طمعوا أن يدخلوها. وإذا نظروا إلى أهل النار تعوَّذوا بالله منها، فأدخلوا الجنة. فذلك قوله تعالى:"أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة"، يعني أصحابَ الأعراف="ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون".

١٤٧٤٤ - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن جويبر، عن الضحاك قال، قال ابن عباس: إن الله أدخل أصحابَ الأعراف الجنة لقوله:"ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون".

١٤٧٤٥ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: قال الله لأهل التكبر والأموال:"أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة"، يعني أصحاب الأعراف="ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون".

١٤٧٤٦ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"أهؤلاء"، الضعفاء="الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون"، قال: فقال حذيفة:"أصحاب الأعراف"، قوم تكافأت أعمالهم، فقصَّرت بهم حسناتهم عن الجنة، وقصَّرت بهم سيئاتهم عن النار، فجعلوا على الأعراف، يعرفون الناس بسيماهم. فلما قُضِي بين العباد، أذن لهم في طلب الشفاعة، فأتوا آدم عليه السلام، فقالوا: يا آدم، أنت أبونا فاشفع لنا عند ربك! فقال: هل تعلمون أحدًا خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وسبقت رحمته إليه غضبه، [[في المطبوعة: "رحمة الله إليه غضبه"، وأثبت ما في المخطوطة.]] وسجدت له الملائكة، غيري؟ فيقولون: لا! قال: فيقول: ما عملت فيه كُنْهَ ما أستطيع أن أشفع لكم، [["كنه الشيء" قدره ونهايته وغايته وحقيقته، يريد: ما عملت ما يبلغ بي مرتبة الشفاعة لكم. وفي المطبوعة: "ما علمت"، وأثبت ما في المخطوطة. وفي تفسير ابن كثير، نقلا عن هذا الموضع من التفسير: "ما علمت كنهه ما أستطيع"، والصواب ما في مخطوطة الطبري.]] ولكن ائتوا ابني إبراهيم! قال: فيأتون إبراهيم عليه السلام فيسألونه أن يشفع لهم عند ربه، فيقول: هل تعلمون من أحدٍ اتخذه الله خليلا؟ هل تعلمون أحدًا أحرقه قومه في النار في الله، غيري؟ فيقولون: لا! فيقول: ما عملت كُنْهَ ما أستطيع أن أشفع لكم، [[في المطبوعة هنا أيضًا: "ما علمت"، وأثبت ما في المخطوطة. وفي المخطوطة: "ما عملت فيه ما أستطيع"، بإسقاط"كنه" سهوًا من الناسخ على الأرجح.]] ولكن ائتوا ابني موسى! فيأتون موسى عليه السلام، فيقول: هل تعلمون من أحد كلمه الله تكليمًا، وقرّبه نجيًّا، غيري؟ فيقولون: لا! فيقول: ما عملت فيه كُنْهَ ما أستطيع أن أشفع لكم، ولكن ائتوا عيسى! فيأتونه فيقولون: اشفع لنا عند ربك! فيقول: هل تعلمون أحدًا خلقه الله من غير أب، غيري؟ فيقولون: لا! فيقول: هل تعلمون من أحد كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله غيري؟ قال: فيقولون: لا! قال: فيقول: أنا حجيجُ نفسي، ما عملت فيه كُنْهَ ما أستطيع أن أشفع لكم، [[في المطبوعة: "ما علمت كنه ما أستطيع"، وأثبت ما في المخطوطة، كما ذكرت في التعليقين السالفين.]] ولكن ائتوا محمدًا رسول الله ﷺ! قال رسول الله ﷺ: فيأتوني، فأضرب بيدي على صدري، ثم أقول: أنا لها! ثم أمشي حتى أقف بين يدي العرش، فأثني على ربي، فيفتح لي من الثناء ما لم يسمع السامعون بمثله قطُّ، ثم أسجد فيقال لي: يا محمد، ارفع رأسك، سل تُعطَه، واشفع تُشَفَّع! فأرفع رأسي فأقول: رب، أمتي! فيقال: هم لك، فلا يبقى نبي مرسل ولا ملك مقرَّب إلا غَبَطني يومئذ بذلك المقام، وهو المقام المحمود. قال: فآتي بهم باب الجنة، فأستفتح فيفتح لي ولهم، فيُذهب بهم إلى نهر يقال له"نهر الحيوان"، [[في المطبوعة: "نهر الحياة"، وأثبت ما في المخطوطة، وهو المطابق لما في تفسير ابن كثير.]] حافتاه قَصَب من ذهب مكلل باللؤلؤ، [["القصب" أنابيب مستطيلة مجوفة من الجوهر، أو الذهب أو الفضة. وكان في المطبوعة كما سلف آنفًا ص: ٤٥٥، تعليق: ١، "قضب" بالضاد، وأثبت ما في المخطوطة، وغيرها من المراجع]] ترابه المسك، وحصباؤه الياقوت، فيغتسلون منه، فتعود إليهم ألوان أهل الجنة وريح أهل الجنة، [[في المخطوطة: "وريح"، بإسقاط"أهل الجنة". وفي المطبوعة: "وريحهم"، وأثبت ما في تفسير ابن كثير ٣: ٤٨٥، نقلا عن هذا الموضع من تفسير الطبري.]] ويصيرون كأنهم الكواكب الدرّية، ويبقى في صدورهم شامات بيض يعرفون بها، يقال لهم:"مساكين أهل الجنة".

١٤٧٤٧ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك قال: إن الله أدخلهم بعد أصحاب الجنة، وهو قوله:"ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون"، يعني أصحاب الأعراف. وهذا قول ابن عباس.

* *

قال أبو جعفر: فتأويل الكلام على هذا التأويل الذي ذكرنا عن ابن عباس، ومن ذكرنا قوله فيه=: قال الله لأهل التكبر عن الإقرار بوحدانية الله، والإذعان لطاعته وطاعة رسله، الجامعين في الدنيا الأموال مكاثرة ورياء: أيها الجبابرة كانوا في الدنيا، [[في المطبوعة: "أيها الجبابرة الذين كانوا في الدنيا"، زاد"الذين"، وليست في المخطوطة، والذي في المخطوطة حق الصواب.]] أهؤلاء الضعفاء الذين كنتم في الدنيا أقسمتم لا ينالهم الله برحمة؟ قال: قد غفرت لهم ورحمتهم بفضلي ورحمتي، ادخلوا يا أصحاب الأعراف الجنة لا خوف عليكم بعدها من عقوبة تعاقبون بها على ما سلف منكم في الدنيا من الآثام والإجرام، ولا أنتم تحزنون على شيء فاتكم في دنياكم.

* *

وقال أبو مجلز: بل هذا القول خبر من الله عن قيل الملائكة لأهل النار، بعد ما دخلوا النار، تعييرًا منهم لهم على ما كانوا يقولون في الدنيا للمؤمنين الذين أدخلهم الله يوم القيامة جنته. وأما قوله:"ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون"، فخبر من الله عن أمره أهل الجنة بدخولها.

١٤٧٤٨ - حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن سليمان التيمي، عن أبي مجلز قال: نادت الملائكة رجالا في النار يعرفونهم بسيماهم:"ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون * أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة"، قال: فهذا حين يدخل أهل الجنة الجنةَ ="ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون".