سورة القرآن surah-quran.com

سورة الأعراف

سورة الأعراف، الآية 57

الجزء 8، الصفحة 157.

وَهُوَ ٱلَّذِى يُرْسِلُ ٱلرِّيَـٰحَ بُشْرًۢا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِۦ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَـٰهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ ٱلْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِۦ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ ۚ كَذَٰلِكَ نُخْرِجُ ٱلْمَوْتَىٰ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴿٥٧﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

والله تعالى هو الذي يرسل الرياح الطيبة اللينة، مبشرات بالغيث الذي تثيره بإذن الله، فيستبشر الخلق برحمة الله، حتى إذا حملت الريح السحاب المحمل بالمطر ساقه الله بها لإحياء بلد، قد أجدبت أرضه، ويَبِست أشجاره وزرعه، فأنزل الله به المطر، فأخرج به الكلأ والأشجار والزروع، فعادت أشجاره محملة بأنواع الثمرات. كما نحيي هذا البلد الميت بالمطر نخرج الموتى من قبورهم أحياءً بعد فنائهم؛ لتتعظوا، فتستدلوا على توحيد الله وقدرته على البعث.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 57 إلى 58

الآية 57: بين تعالى أثراً من آثار قدرته ونفحة من نفحات رحمته، فقال:{وهو الذي يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته}؛ أي: الرياح المبشرات بالغيث، التي تثيره بإذن الله من الأرض، فيستبشر الخلق برحمة الله، وترتاح لها قلوبهم قبل نزوله. {حتى إذا أقلَّت}: الرياح {سحاباً ثقالاً}: قد أثاره بعضها، وألفه ريحٌ أخرى وألقحه ريح أخرى، {سُقۡناه لبلدٍ ميِّتٍ}: قد كادت تهلك حيواناتُهُ وكاد أهله أن ييأسوا من رحمة الله. {فأنزلنا به}؛ أي: بذلك البلد الميت {الماء}: الغزير من ذلك السحاب، وسخَّر الله له ريحاً تدره وريحاً تفرِّقه بإذن الله. فأنبتنا به من كلِّ الثمرات: فأصبحوا مستبشرين برحمة الله، راتعين بخير الله. وقوله:{كذلك نخرِجُ الموتى لعلَّكم تَذَكَّرون}؛ أي: كما أحيينا الأرض بعد موتها بالنبات كذلك نخرج الموتى من قبورهم بعدما كانوا رفاتاً متمزِّقين. وهذا استدلال واضح؛ فإنه لا فرق بين الأمرين؛ فمنكِرُ البعثِ استبعاداً له مع أنه يرى ما هو نظيره من باب العناد وإنكار المحسوسات. وفي هذا الحثُّ على التذكُّر والتفكُّر في آلاء الله والنظر إليها بعين الاعتبار والاستدلال لا بعين الغفلة والإهمال.

الآية 58: ثم ذكر تفاوت الأراضي التي ينزل عليها المطر، فقال:{والبلدُ الطيِّب}؛ أي: طيب التربة والمادة، إذا نزل عليه المطر؛ {يخرج نباتُهُ}: الذي هو مستعدٌّ له {بإذن ربِّه}؛ أي: بإرادة الله ومشيئته، فليست الأسباب مستقلَّةً بوجود الأشياء حتى يأذن الله بذلك. {والذي خَبُثَ}: من الأراضي {لا يخرُجُ إلَّا نَكِداً}؛ أي: إلا نباتاً خاسًّا لا نفع فيه ولا بركة. {كذلك نصرِّف الآيات لقوم يشكرونَ}؛ أي: ننوِّعها، ونبيِّنها، ونضرب فيها الأمثال، ونسوقها لقوم يشكرون الله بالاعتراف بنعمه والإقرار بها وصرفها في مرضاة الله؛ فهم الذين ينتفعون بما فصل الله في كتابه من الأحكام والمطالب الإلهية؛ لأنَّهم يرونها من أكبر النعم الواصلة إليهم من ربهم، فيتلقونها مفتقرين إليها فرحين بها، فيتدبَّرونها ويتأمَّلونها، فيبين لهم من معانيها بحسب استعدادهم. وهذا مثالٌ للقلوب حين ينزل عليها الوحي الذي هو مادةُ الحياة كما أن الغيث مادة الحيا؛ فإن القلوب الطيبة حين يجيئها الوحي تقبله وتعلمه وتنبُتُ بحسب طيب أصلها وحسن عنصرها، وأما القلوب الخبيثة التي لا خير فيها؛ فإذا جاءها الوحي؛ لم يجد محلاًّ قابلاً، بل يجدها غافلة معرضة أو معارضة، فيكون كالمطر الذي يمرُّ على السباخ والرمال والصخور فلا يؤثِّر فيها شيئاً، وهذا كقوله تعالى:{أنزل من السماءِ ماءً فسالتۡ أوديةٌ بِقَدَرِها فاحتملَ السيلُ زبداً رابياً ... } الآيات.

لما ذكر تعالى من أدلة توحيده جملةً صالحةً؛ أيَّد ذلك بذِكْرِ ما جرى للأنبياء الداعين إلى توحيده مع أممهم المنكرين لذلك، وكيف أيَّد الله أهل التوحيد وأهلك من عاندهم ولم ينقَدْ لهم، وكيف اتَّفقت دعوة المرسلين على دينٍ واحد ومعتقدٍ واحد.

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿وهُوَ الَّذِي يُرْسِل الرِّياح بُشْرًا بَيْن يَدَيْ رَحْمَته﴾ أيْ مُتَفَرِّقَة قُدّام المَطَر وفِي قِراءَة بِسُكُونِ الشِّين تَخْفِيفًا وفِي أُخْرى بِسُكُونِها وفَتْح النُّون مَصْدَرًا وفِي أُخْرى بِسُكُونِها وضَمّ المُوَحَّدَة بَدَل النُّون: أيْ مُبَشِّرًا ومُفْرَد الأُولى نُشُور كَرَسُولٍ والأَخِيرَة بَشِير ﴿حَتّى إذا أقَلَّتْ﴾ حَمَلَتْ الرِّياح ﴿سَحابًا ثِقالًا﴾ بِالمَطَرِ ﴿سُقْناهُ﴾ أيْ السَّحاب وفِيهِ التِفات عَنْ الغَيْبَة ﴿لِبَلَدٍ مَيِّت﴾ لا نَبات بِهِ أيْ لِإحْيائِها ﴿فَأَنْزَلْنا بِهِ﴾ بِالبَلَدِ ﴿الماء فَأَخْرَجْنا بِهِ﴾ بِالماءِ ﴿مِن كُلّ الثَّمَرات كَذَلِكَ﴾ الإخْراج ﴿نُخْرِج المَوْتى﴾ مِن قُبُورهمْ بِالإحْياءِ ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ فَتُؤْمِنُونَ

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يشمل هذا التفسير الآيات 57 إلى 58

لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى أَنَّهُ خالق [[في أ: "خلق".]] السموات وَالْأَرْضِ، وَأَنَّهُ الْمُتَصَرِّفُ الْحَاكِمُ المدبِّر المسخِّر، وَأَرْشَدَ إِلَى دُعَائِهِ؛ لِأَنَّهُ عَلَى مَا يَشَاءُ قَادِرٌ -نَبَّهَ تَعَالَى عَلَى أَنَّهُ الرَّزَّاقُ، وَأَنَّهُ يُعِيدُ الْمَوْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَالَ: " وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ نشْرًا " أَيْ: نَاشِرَةً بَيْنَ يَدَيِ السَّحَابِ الْحَامِلِ لِلْمَطَرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَرَأَ ﴿بُشْرًا﴾ كَقَوْلِهِ ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ [الرُّومِ:٤٦]

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ أَيْ: بَيْنَ يَدَيِ الْمَطَرِ، كَمَا قَالَ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنزلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشُّورَى:٢٨] وَقَالَ ﴿فَانْظُرْ إِلَى أَثَر رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الرُّومِ:٥٠] [[في أ: "آثار".]]

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالا﴾ أَيْ: حَمَلَتِ الرِّيَاحُ سَحَابًا ثِقَالًا أَيْ: مِنْ كَثْرَةِ مَا فِيهَا مِنَ الْمَاءِ، تَكُونُ ثَقِيلَةً قَرِيبَةً مِنَ الْأَرْضِ مُدْلَهِمَّةً، كَمَا قَالَ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ.

وأسلمتُ وجْهِي لمنْ أسْلَمَتْ ... لَهُ المُزْنُ تَحْمل عَذْبا زُلالا ...

وأسلَمْتُ وَجْهي لِمَنْ أسلَمَتْ ... لَهُ الْأَرْضُ تحملُ صَخرًا ثِقَالًا [[البيتين في السيرة النبوية لابن هشام (١/٢٣١) .]]

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ أَيْ: إِلَى أَرْضٍ مَيِّتَةٍ، مُجْدِبَةٍ [[في أ: "ميتة أي مجدبة".]] لَا نَبَاتَ فِيهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا [وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ [[زيادة من ك، م، أ، وفي هـ: "الآية".]] ] ﴾ [يس:٣٣] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى﴾ أَيْ: كَمَا أَحْيَيْنَا هَذِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا، كَذَلِكَ نُحْيِي الْأَجْسَادَ بَعْدَ صَيْرُورَتِهَا رَمِيمًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يُنَزِّلُ اللَّهُ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، مَاءً مِنَ السَّمَاءِ، فَتُمْطِرُ الْأَرْضَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَتَنْبُتُ مِنْهُ الْأَجْسَادُ فِي قُبُورِهَا كَمَا يَنْبُتُ الْحَبُّ فِي الْأَرْضِ. وَهَذَا الْمَعْنَى كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ، يَضْرِبُ اللَّهُ مَثَلًا لِلْقِيَامَةِ بِإِحْيَاءِ الْأَرْضِ بَعْدَ مَوْتِهَا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ أَيْ: وَالْأَرْضُ الطَّيِّبَةُ يَخْرُجُ نَبَاتُهَا سَرِيعًا حَسَنًا، كَمَا قَالَ: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ [آلِ عِمْرَانَ:٣٧]

﴿وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلا نَكِدًا﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ: كَالسِّبَاخِ وَنَحْوِهَا.

وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْآيَةِ: هذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر.

وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ [[في أ: "ابن أبي أسامة" وهو خطأ.]] عَنْ بُرَيد [[في أ: "يزيد".]] بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ، كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَتْ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ الْمَاءَ، فَأَنْبَتَتِ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ. وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبَ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا. وَأَصَابَ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تَنْبُتُ [[في ك، د، م، أ: "ولا تنبت كلأ".]] فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُه فِي دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ، فَعَلم وَعَلَّم، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا. وَلَمْ يَقْبَل هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ".

رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طُرُقٍ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ حَمَّادِ بْنِ أُسَامَةَ، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (٧٩) ، وصحيح مسلم برقم (٢٢٨٢) ، وسنن النسائي الكبرى برقم (٥٨٤٣) .]]

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنزلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧) ﴾

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره، هو الذي يرسل الرياح نشرًا بين يدي رحمته. [[القراءة التي أثبتها أبو جعفر في تفسير الآية"نشرا"، ولكني أثبت في الآية قراءتنا في مصحفنا، وسأثبتها في سائر المواضع بقراءة أبي جعفر بالنون.]]

* *

و"النشر" بفتح"النون" وسكون"الشين"، في كلام العرب، من الرياح، الطيبة اللينة الهبوب، التي تنشئ السحاب. وكذلك كل ريح طيبة عندهم فهي"نشر"، ومنه قول امرئ القيس:

كَأَنَّ المُدَامَ وَصَوْبَ الغَمَامِ ... وَرِيحَ الخُزَامَى وَنَشْرَ القُطُرْ [[ديوانه: ٧٩، واللسان (نشر) من قصيدة له طويلة، وهذا البيت في ذكر"هو" صاحبته وهذا البيت في صفة رائحة ثغرها عند الصباح، حين تتغير أفواه الناس، يقول بعده: يُعَلُّ بِهِ بَرْدُ أَنْيَابِهَا ... إذَا طَرَّبَ الطَّائِر المُسْتَحِرْ

و"القطر" (بضمتين) : هو العود الذي يتبخر به. و"صوب الغمام"، وقعه حيث يقع. و"يعل" يسقى بالمدام مرة بعد مرة. و"الطائر المستحر"، الديك إذا صوت عند السحر. يصفها بطيب رائحة فمها، حين تتغير الأفواه بعد النوم.]]

* *

وبهذه القراءة قرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين، خلا عاصم بن أبي النجود، فإنه كان يقرؤه:"بشرًا" على اختلاف عنه فيه.

* *

فروى ذلك بعضهم عنه: ﴿بُشْرًا﴾ ، بالباء وضمها، وسكون الشين.

وبعضهم، بالباء وضمها وضم الشين.

وكان يتأوّل في قراءته ذلك كذلك قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ [سورة الروم: ٤٦] ، تبشر بالمطر، وأنه جمع"بشير" يبشر بالمطر، جُمِع"بُشُرًا"، كما يجمع"النذير""نُذُرًا". [[في المطبوعة: "وأنه جمع بشير بشرًا، كما يجمع النذير نذرًا"، وأثبت ما في المخطوطة.]]

* *

وأما قرأة المدينة وعامة المكيين والبصريين، فإنهم قرؤوا ذلك: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِل الرِّيَاحَ نُشُرَا﴾ ، بضم"النون"، و"الشين" بمعنى جمع"نَشور" جمع"نشرًا"، كما يجمع"الصبور""صُبُرًا"، و"الشكور""شُكُرًا".

* *

وكان بعض أهل العلم بكلام العرب يقول: معناها إذا قرئت كذلك: أنها الريح التي تهبّ من كل ناحية، وتجيء من كل وجه. [[انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ٢١٧.]]

* *

وكان بعضهم يقول: إذا قرئت بضم النون، فينبغي أن تسكن شينها، لأن ذلك لغة بمعنى"النَّشْر" بالفتح. وقال: العرب تضم النون من"النُّشْر" أحيانًا، وتفتح أحيانًا بمعنى واحد. قال: فاختلاف القرأة في ذلك على قدر اختلافها في لغتها فيه. وكان يقول: هو نظير"الخَسْف"،"والخُسْف"، بفتح الخاء وضمها.

* *

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن قراءة من قرأ ذلك: ﴿نَشْرًا﴾ و ﴿نُشُرًا﴾ ، بفتح"النون" وسكون"الشين"، وبضم"النون" و"الشين" قراءتان مشهورتان في قرأة الأمصار.

.. ... .... ...... ..... ..... ...... ...... ...... ..... ..... ... ... ...... ..... ..... ... ... [[في موضع هذه النقط سقط لا شك فيه، ذكر فيه العلة التي سيشير إليها بعد. ولم أستطع أن أجد نقلا عن أبي جعفر يهدي إلى ما يسد هذا الخرم.]] .

فلا أحب القراءة بها، وإن كان لها معنى صحيح ووجه مفهوم في المعنى والإعراب، لما ذكرنا من العلة.

* *

وأما قوله:"بين يدي رحمته"، فإنه يقول: قدام رحمته وأمامها.

* *

والعرب كذلك تقول لكل شيء حدث قدام شيء وأمامه:"جاء بين يديه"، لأن ذلك من كلامهم جرى في أخبارهم عن بني آدم، وكثر استعماله فيهم، حتى قالوا ذلك في غير ابن آدم وما لا يَدَ له. [[انظر تفسير: " بين يديه " فيما سلف ٦: ١٦٠، ٤٣٨.]]

* *

و"الرحمة" التي ذكرها جل ثناؤه في هذا الموضع، المطر.

* *

فمعنى الكلام إذًا: والله الذي يرسل الرياح ليّنًا هبوبها، طيبًا نسيمها، أمام غيْثه الذي يسوقه بها إلى خلقه، فينشئ بها سحابًا ثقالا حتى إذا أقلتها = و"الإقلال" بها، حملها، كما يقال:"استقلّ البعير بحمله"، و"أقله"، إذا حمله فقام به = ساقه الله لإحياء بلد ميت، قد تعفَّت مزارعه، ودَرَست مشاربه، وأجدب أهلُه، [[انظر تفسير"ميت" و"موت الأرض" فيما سلف ٣: ٢٧٤/ ٥: ٤٤٦.]] فأنزل به المطر، وأخرج به من كل الثمرات.

* *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٤٧٨٢ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وهو الذي يرسل الرياح نشرًا بين يدي رحمته" إلى قوله:"لعلكم تذكرون"، قال: إن الله يرسل الريح فتأتي بالسحاب من بين الخافقين، طرف السماء والأرض من حيث يلتقيان، فيخرجه من ثَمَّ، ثم ينشره فيبسطه في السماء كيف يشاء، ثم يفتح أبواب السماء، فيسيل الماء على السحاب، ثم يمطر السحاب بعد ذلك. وأما"رحمته"، فهو المطر.

* *

وأما قوله:"كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون"، فإنه يقول تعالى ذكره: كما نحيي هذا البلد الميت بما ننزل به من الماء الذي ننزله من السحاب، فنخرج به من الثمرات بعد موته وجدوبته وقُحُوط أهله، كذلك نخرج الموتى من قبورهم أحياءً بعد فنائهم ودروس آثارهم ="لعلكم تذكرون"، يقول تعالى ذكرُه للمشركين به من عبدة الأصنام، المكذبين بالبعث بعد الممات، المنكرين للثواب والعقاب: ضربتُ لكم، أيها القوم، هذا المثل الذي ذكرت لكم: من إحياء البلد الميت بقَطْر المطر الذي يأتي به السحاب الذي تنشره الرياح التي وصفت صفتها، لتعتبروا فتذكروا وتعلموا أن مَنْ كان ذلك من قدرته، فيسيرٌ في قدرته إحياء الموتى بعد فنائها، وإعادتها خلقًا سويًّا بعد دُرُوسها. [[انظر تفسير"التذكر" فيما سلف ص: ٢٩٩، تعليق: ١، والمراجع هناك.]]

* *

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

١٤٧٨٣ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله:"كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون"، وكذلك تخرجون، وكذلك النشور، كما نخرج الزرع بالماء.

* *

١٤٧٨٤ - وقال أبو هريرة: إن الناس إذا ماتوا في النفخة الأولى، أمطر عليهم من ماء تحت العرش يُدعى"ماء الحيوان" أربعين سنة، فينبتون كما ينبت الزرع من الماء. حتى إذا استكملت أجسادهم، نفخ فيهم الروح، ثم تُلْقى عليهم نَوْمة، فينامون في قبورهم. فإذا نفخ في الصور الثانية عاشوا، وهم يجدون طعم النوم في رؤوسهم وأعينهم، كما يجد النائم حين يستيقظ من نومه، فعند ذلك يقولون: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ ، فناداهم المنادي: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [سورة يس: ٥٢] . [[الأثر: ١٤٧٨٤ - هذا الخبر عن أبي هريرة، رواه بغير إسناد، وكنت أظنه من رواية السدي في الأثر السالف، ولكني شككت في ذلك، فآثرت أن أضع له رقمًا مستقلا. وأيا ما كان، فإني لم أجد نص هذا الخبر في شيء من مراجعي. وحديث أبي هريرة في البعث، رواه مسلم في صحيحه ١٨: ٩١، قال:

"قال رسول الله ﷺ: ما بين النفختين أربعون. قالوا: يا أبا هريرة: أربعون يومًا؟ قال: أَبَيْتُ. قالوا: أربعون شهرًا؟ قال: أبيتُ. قالوا: أربعون سنة؟ قال أبيتُ، ثم ينزل الله من السماء ماءً فيَنْبُتُون كما يَنْبُتُ البَقْل. وَليس من الإنسانِ شيء إلا يَبْلَى، إلا عظمًا واحدًا، وهو عَجْبُ الذنب، ومنه يُرَكَّبُ الخلقُ يوم القيامة".]]

* *

١٤٧٨٥ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله:"كذلك نخرج الموتى"، قال: إذا أراد الله أن يخرج الموتى، أمطر السماء حتى تتشقق عنهم الأرض، ثم يرسل الأرواح، فتعود كل روح إلى جسدها، فكذلك يحيي الله الموتى بالمطر كإحيائه الأرض.