سورة القرآن surah-quran.com

سورة البلد

سورة البلد، الآية 3

الجزء 30، الصفحة 594.

وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ﴿٣﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

يشمل هذا التفسير الآيات 1 إلى 4

أقسم الله بهذا البلد الحرام، وهو «مكة»، وأنت -أيها النبي- حلالٌ في هذا «البلد الحرام» تصنع فيه ما شئتَ، ولم يُحَلَّ له إلّا ساعة من نهار. وفي الآية بشارة للنبي ﷺ بفتح «مكة» على يديه، وحلِّها له في القتال. وأقسم بوالد البشرية -وهو آدم عليه السلام- وما تناسل منه من ولد، لقد خلقنا الإنسان في شدة وعناء من مكابدة الدنيا.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 1 إلى 20

وهي مكية

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

{1 ـ 3} يقسم تعالى {بهذا البلدِ} الأمين، وهو مكَّة المكرَّمة، أفضل البلدان على الإطلاق، خصوصاً وقت حلول الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيها، {ووالدٍ وما وَلَدَ}؛ أي: آدم وذرِّيَّته.

{4 ـ 7} والمقسَم عليه قولُه: {لقد خَلَقۡنا الإنسانَ في كَبَدٍ}: يُحتمل أنَّ المراد بذلك ما يكابده ويقاسيه من الشَّدائد في الدُّنيا وفي البرزخ ويوم يقوم الأشهاد، وأنَّه ينبغي له أن يسعى في عملٍ يُريحُهُ من هذه الشَّدائد ويوجب له الفرح والسرور الدَّائم، وإن لم يفعلْ؛ فإنَّه لا يزال يكابد العذاب الشديد أبد الآباد، ويحتمل أن المعنى لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم وأقوم خِلْقة يقدر على التصرف والأعمال الشديدة ومع ذلك فإنه لم يشكر الله على هذه النِّعمة العظيمة، بل بطر بالعافية، وتجبَّر على خالقه، فَحَسِبَ بجهله وظلمه أنَّ هذه الحال ستدوم له، وأنَّ سلطان تصرُّفه لا ينعزل، ولهذا قال [تعالى]: {أيحسبُ أن لن يقدِر عليه أحدٌ}: ويطغى ويفتخر بما أنفق من الأموال على شهوات نفسه؛ فيقول {أهلكتُ مالاً لُبَداً}؛ أي: كثيراً بعضه فوق بعض. وسمى الله [تعالى] الإنفاق في الشَّهوات والمعاصي إهلاكاً؛ لأنَّه لا ينتفع المنفق بما أنفق، ولا يعود إليه من إنفاقه إلاَّ النَّدم والخسار والتَّعب والقلَّة، لا كمن أنفق في مرضاة الله في سبيل الخير؛ فإنَّ هذا قد تاجر مع الله وربح أضعاف أضعاف ما أنفق، قال الله متوعِّداً هذا الذي افتخر بما أنفق في الشهوات:{أيحسبُ أن لم يَرَهُ أحدٌ}؛ أي: أيظنُّ في فعله هذا أنَّ الله لا يراه ويحاسبه على الصغير والكبير؟! بل قد رآه الله وحفظ عليه أعماله ووكل به الكرام الكاتبين لكل ما عمله من خيرٍ وشرٍّ.

{8 ـ 10} ثم قرَّره بنعمه، فقال:{ألم نجعل له عينين. ولساناً وشفتين}: للجمال والبصر والنُّطق وغير ذلك من المنافع الضروريَّة فيها؛ فهذه نعم الدُّنيا. ثم قال في نعم الدين:{وَهَدَيۡناهُ النَّجۡدَيۡنِ}؛ أي: طريقي الخير والشرِّ؛ بيَّنَّا له الهدى من الضَّلال، والرُّشد من الغيِّ. فهذه المنن الجزيلة تقتضي من العبد أن يقوم بحقوق الله ويشكره على نعمه، وأن لا يستعين بها على معاصي الله.

الآية 11: ولكن هذا الإنسان لم يفعل ذلك؛ {فلا اقتحم العقبة}؛ أي: لم يقتحمْها ويعبُرْ عليها؛ لأنه متَّبع لهواه ، وهذه العقبة شديدةٌ عليه.

{12 ـ 16} ثم فسَّر هذه العقبة بقوله: {فكُّ رقبةٍ}؛ أي: فكُّها من الرقِّ بعتقها أو مساعدتها على أداء كتابتها، ومن باب أولى فكاك الأسير المسلم عند الكفار، {أو إطعامٌ في يوم ذي مَسۡغَبَةٍ}؛ أي: مجاعةٍ شديدةٍ؛ بأن يطعم وقت الحاجة أشدَّ الناس حاجةً، {يتيماً ذا مَقۡرَبَةٍ}؛ أي: جامعاً بين كونه يتيماً وفقيراً ذا قرابة، {أو مسكيناً ذا مَتۡرَبَةٍ}؛ أي: قد لزق بالتراب من الحاجة والضَّرورة.

الآية 17:{ثم كان من الذين آمنوا}: وعملوا الصالحات ؛ أي: آمنوا بقلوبهم بما يجب الإيمان به، وعملوا الصالحات بجوارحهم، فدخل في هذا كلُّ قول وفعل واجبٍ أو مستحبٍّ، {وتواصَوۡا بالصَّبۡرِ}: على طاعة الله وعن معصيته وعلى أقداره المؤلمة؛ بأن يحثَّ بعضهم بعضاً على الانقياد لذلك والإتيان به كاملاً منشرحاً به الصَّدر مطمئنَّةً به النفس، {وتواصَوۡا بالمَرۡحَمَةِ}: للخلق؛ من إعطاء محتاجهم، وتعليم جاهلهم، والقيام بما يحتاجون إليه من جميع الوجوه، ومساعدتهم على المصالح الدينيَّة والدنيويَّة، وأن يحبَّ لهم ما يحبُّ لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه.

الآية 18:{أولئك}: الذين قاموا بهذه الأوصاف، الذين وفقهم الله لاقتحام [هذه] العقبة، {أولئك أصحاب الميمنة}: لأنَّهم أدَّوا ما أمر الله به من حقوقه وحقوق عباده، وتركوا ما نُهوا عنه، وهذا عنوان السعادة وعلامتها.

{19 ـ 20}{والذين كفروا بآياتنا}: بأن نبذوا هذه الأمور وراء ظُهورهم فلم يصدِّقوا بالله ولا آمنوا به ولا عملوا صالحاً ولا رحموا عباد الله. أولئك {أصحاب المشأمة. عليهم نارٌ مؤصدةٌ}؛ أي: مغلقةٌ، في عَمَدٍ ممدَّدةٍ، قد مدَّت من ورائها؛ لئلاَّ تنفتح أبوابها، حتى يكونوا في ضيقٍ وهمٍّ وشدَّةٍ.

والحمد لله.

* * *

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿ووالِد﴾ أيْ آدَم ﴿وما ولَدَ﴾ أيْ ذُرِّيَّته وما بِمَعْنى مِن

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يشمل هذا التفسير الآيات 1 إلى 10

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْبَلَدِ

وَهِيَ مَكِّيَّةٌ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

* *

هَذَا قَسَمٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ [[في أ: "تعالى".]] بِمَكَّةَ أُمِّ الْقُرَى فِي حَالِ كَوْنِ السَّاكِنِ فِيهَا حَالًا؛ لِيُنَبِّهَ عَلَى عَظَمَةِ قَدْرِهَا فِي حَالِ إِحْرَامِ أَهْلِهَا.

قَالَ خَصيف، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ لَا رَدَّ عَلَيْهِمْ؛ أَقْسَمَ بِهَذَا الْبَلَدِ.

وَقَالَ شَبيب بْنُ بِشْرٍ، عَنْ عِكْرِمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ يَعْنِي: مَكَّةَ، ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ قَالَ: أَنْتَ -يَا مُحَمَّدُ-يَحِلُّ لَكَ أَنْ تُقَابِلَ بِهِ. وَكَذَا رُوي عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَير، وَأَبِي صَالِحٍ، وَعَطِيَّةَ، وَالضَّحَّاكِ، وَقَتَادَةَ، وَالسُّدِّيِّ، وَابْنِ زَيْدٍ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَا أَصَبْتَ فِيهِ فَهُوَ حَلَالٌ لَكَ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ قَالَ: أَنْتَ بِهِ مِنْ غَيْرِ حَرَج وَلَا إِثْمٍ.

وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: أَحَلَّهَا اللَّهُ لَهُ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ.

وَهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي قَالُوهُ قَدْ وَرَد بِهِ الْحَدِيثُ الْمُتَّفَقُ عَلَى صِحَّتِهِ: "إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بحُرمَة اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَا يُعضَد شَجَرُهُ وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهُ. وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كحرمتها بالأمس، ألا فليبلغ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ". وَفِي لَفْظٍ [آخَرَ] [[زيادة من م.]] فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّص بِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ فَقُولُوا: إِنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ" [[الحديث في صحيح البخاري برقم (١٠٤، ١٠٥، ١٨٣٢، ٤٢٩٥) وصحيح مسلم برقم (١٣٥٣) من حديث ابن عباس رضي الله عنه.]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب، حَدَّثَنَا ابْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ خَصِيف، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ الْوَالِدُ: الَّذِي يَلِدُ، وَمَا وَلَدَ: الْعَاقِرُ الَّذِي لَا يُولَدُ لَهُ.

وَرَوَاهُ [ابْنُ جَرِيرٍ وَ] [[زيادة من أ.]] ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، مِنْ حَدِيثِ شَرِيكٍ -وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَاضِي-بِهِ.

وَقَالَ عِكْرِمَةُ: الْوَالِدُ: الْعَاقِرُ، وَمَا وَلَدَ: الَّذِي يَلِدُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَأَبُو صَالِحٍ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالسُّدِّيُّ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وخُصيف، وَشُرَحْبِيلُ بْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُمْ: يَعْنِي بِالْوَالِدِ آدَمَ، وَمَا وَلَدَ وَلَدَهُ.

وَهَذَا الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ مُجَاهِدٌ وَأَصْحَابُهُ حَسَنٌ قَوِيٌّ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَقْسَمَ بِأُمِّ الْقُرَى وَهِيَ الْمَسَاكِنُ أَقْسَمَ بَعْدَهُ بِالسَّاكِنِ، وَهُوَ آدَمُ أَبُو الْبَشَرِ وَوَلَدُهُ.

وَقَالَ أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ: هُوَ إِبْرَاهِيمُ وَذُرِّيَّتُهُ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.

وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّهُ عَامٌّ فِي كُلِّ وَالِدٍ وَوَلَدِهِ. وَهُوَ مُحْتَمَلٌ أَيْضًا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ رُوي عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَمُجَاهِدٍ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وخَيْثَمة، وَالضَّحَّاكِ، وَغَيْرِهِمْ: يَعْنِي مُنْتَصِبًا -زَادَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ-فِي [[في م، أ: "منتصبا في".]] بَطْنِ أُمِّهِ.

وَالْكَبَدُ: الِاسْتِوَاءُ وَالِاسْتِقَامَةُ. وَمَعْنَى هَذَا الْقَوْلِ: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ سَوِيًّا مُسْتَقِيمًا كَقَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الإنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الِانْفِطَارِ: ٦، ٧] ، وَكَقَوْلِهِ ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التِّينِ:٤] .

وَقَالَ ابْنُ [أَبِي نجيحُ] [[زيادة من م.]] جُرَيْجٍ وَعَطَاءٍ [[في م، أ: "عن عطاء".]] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فِي كَبَدٍ، قَالَ: فِي شِدَّةِ خُلق، أَلَمْ تَرَ إِلَيْهِ ... وَذَكَرَ مَوْلِدَهُ وَنَبَاتَ أَسْنَانِهِ.

قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿فِي كَبَدٍ﴾ نُطْفَةٌ، ثُمَّ عَلَقَةٌ، ثُمَّ مُضْغَةٌ يَتَكَبَّدُ فِي الْخَلْقِ -قَالَ مُجَاهِدٌ: وَهُوَ كَقَوْلِهِ: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ وَأَرْضَعَتْهُ كُرْهًا، وَمَعِيشَتُهُ كُرْهٌ، فَهُوَ يُكَابِدُ ذَلِكَ.

وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ فِي شِدَّةٍ وطَلَب مَعِيشَةٍ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: فِي شِدَّةٍ وَطُولٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ: فِي مَشَقَّةٍ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِصَامٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ أَبَا جَعْفَرٍ الْبَاقِرَ سَأَلَ رَجُلًا مَنِ الْأَنْصَارِ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ قَالَ: فِي قِيَامِهِ وَاعْتِدَالِهِ. فَلَمْ يُنكر عَلَيْهِ أَبُو جَعْفَرٍ.

وَرَوَى مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَوْدُودٍ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ قَالَ: يُكَابِدُ أَمْرًا مَنْ أَمْرِ الدُّنْيَا، وَأَمْرًا مَنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ -وَفِي رِوَايَةٍ: يُكَابِدُ مضايق الدنيا وشدائد الآخرة.

وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ قَالَ: آدَمُ خُلِقَ فِي السَّمَاءِ، فَسُمي ذَلِكَ الكَبَد.

وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ الْمُرَادَ [بِذَلِكَ] [[زيادة من م.]] مُكَابَدَةُ الْأُمُورِ وَمَشَاقِّهَا.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: يَعْنِي أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ يَأْخُذُ مَالَهُ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ قَالَ: ابْنُ آدَمَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يُسأل عَنْ هَذَا الْمَالِ: مَنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ؟ وَأَيْنَ أَنْفَقَهُ؟

وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ قَالَ: اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالا لُبَدًا﴾ أَيْ: يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: أَنْفَقْتُ مَالًا لُبَدًا، أَيْ: كَثِيرًا. قَالَهُ مُجَاهِدٌ [وَالْحَسَنُ] [[زيادة من م، أ.]] وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَغَيْرُهُمْ.

﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: أَيْ أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. وَكَذَا قَالَ غَيْرُهُ مِنَ السَّلَفِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ أَيْ: يُبْصِرُ بِهِمَا، ﴿وَلِسَانًا﴾ أَيْ: يَنْطِقُ بِهِ، فَيُعبر عَمَّا فِي ضَمِيرِهِ، ﴿وَشَفَتَيْنِ﴾ [[في م: (ولسانا وشفتين) .]] يَسْتَعِينُ بِهِمَا عَلَى الْكَلَامِ وَأَكْلِ الطَّعَامِ، وَجَمَالًا لِوَجْهِهِ وَفَمِهِ.

وَقَدْ رَوَى الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ أَبِي الرَّبِيعِ الدِّمَشْقِيِّ، عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ، قَدْ أَنْعَمْتُ عَلَيْكَ نِعَمًا عِظَامًا لَا تُحْصِي عَدَدَهَا وَلَا تُطِيقُ شُكْرَهَا، وَإِنَّ مِمَّا أَنْعَمْتُ عَلَيْكَ أَنْ جَعَلْتُ لَكَ عَيْنَيْنِ تَنْظُرُ بِهِمَا، وَجَعَلْتُ لَهُمَا غِطَاءً، فَانْظُرْ بِعَيْنَيْكَ إِلَى مَا أَحْلَلْتُ لَكَ، وَإِنْ رَأَيْتَ مَا حَرَّمْتُ عَلَيْكَ فَأَطْبِقْ عَلَيْهِمَا غِطَاءَهُمَا. وَجَعَلْتُ لَكَ لِسَانًا، وَجَعَلْتُ لَهُ غُلَافًا، فَانْطِقْ بِمَا أَمَرْتُكَ وأحللتُ لَكَ، فَإِنْ عَرَض لَكَ مَا حَرَّمْتُ عَلَيْكَ فَأَغْلِقْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ. وَجَعَلْتُ لَكَ فَرْجًا، وَجَعَلْتُ لَكَ سِتْرًا، فَأَصِبْ بِفَرْجِكَ مَا أَحْلَلْتُ لَكَ، فَإِنْ عَرَض لَكَ مَا حَرَّمْتُ عَلَيْكَ فَأرْخِ عَلَيْكَ سِتْرَكَ. يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ لَا تَحْمِلُ سُخْطِي، وَلَا تُطِيقُ انْتِقَامِي" [[تاريخ دمشق (١٩/٤٦ "المخطوط") .]] .

﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ -هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ-: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ قَالَ: الْخَيْرُ وَالشَّرُّ. وَكَذَا رُوي عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَأَبِي وَائِلٍ، وَأَبِي صَالِحٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، وَالضَّحَّاكِ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ فِي آخَرِينَ.

وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بن وهب: أخبرني بْنُ لَهِيعة، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ سِنان بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "هُمَا نَجْدَانِ، فَمَا جَعَلَ نَجْدَ الشَّرِّ أحب إليكم من نجد الخير" [[ورواه ابن عدي في الكامل (٣/٣٥٦) من طريق ابن وهب.]] .

تَفَرَّدَ بِهِ سِنَانُ بْنُ سَعْدٍ -وَيُقَالُ: سَعْدُ بْنُ سِنَانٍ -وَقَدْ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالْجُوزَجَانِيُّ: مُنْكَرُ الْحَدِيثِ. وَقَالَ أَحْمَدُ: تَرَكْتُ حَدِيثَهُ لِاضْطِرَابِهِ. وَرَوَى خَمْسَةَ عَشَرَ حَدِيثًا مُنْكَرَةً كُلَّهَا، مَا أَعْرِفُ مِنْهَا حَدِيثًا وَاحِدًا. يُشْبِهُ حَدِيثُهُ حديثَ الْحَسَنِ -يَعْنِي الْبَصْرِيَّ-لَا يُشْبِهُ حديثَ أَنَسٍ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّة، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُمَا النَّجْدَانِ، نَجْدُ الْخَيْرِ وَنَجْدُ الشَّرِّ، فَمَا جَعَلَ نَجْدَ الشَّرِّ أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ نَجْدِ الْخَيْرِ" [[تفسير الطبري (٣٠/١٢٨) .]] .

وَكَذَا رَوَاهُ حَبِيبُ بْنُ الشَّهِيدِ، وَيُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ، وَأَبُو وَهْبٍ، عَنِ الْحَسَنِ مُرْسَلًا. وَهَكَذَا أَرْسَلَهُ قَتَادَةُ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِصَامٍ الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا أبو أحمد الزبيري، حدثنا عيسى ابن عِقَالٍ [[في أ: "عفان".]] عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ قَالَ: الثَّدْيَيْنِ.

وَرُوِيَ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيم [[في أ: "خيثم".]] وَقَتَادَةَ وَأَبِي [[في م: "وابن".]] حَازِمٍ، مِثْلُ ذَلِكَ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي كُرَيْب، عَنْ وَكِيع، عَنْ عِيسَى بْنِ عقَال، بِهِ. ثُمَّ قَالَ: وَالصَّوَابُ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ.

وَنَظِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [سُورَةُ الْإِنْسَانِ: ٢، ٣] .

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

يشمل هذا التفسير الآيات 1 إلى 7

القول في تأويل قوله تعالى جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (٢) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي كَبَدٍ (٤) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالا لُبَدًا (٦) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (٧) ﴾ .

يقول تعالى ذكره: أقسم يا محمد بهذا البلد الحرام، وهو مكة، وكذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ يعني: مكة.

⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ قال: مكة.

⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ قال: الحرام.

⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ قال: مكة.

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ قال: البلد مكة.

⁕ حدثنا سوار بن عبد الله، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن عبد الملك، عن عطاء، في قوله: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ يعني مكة.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ قال: مكة.

* *

وقوله: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾

يعني: بمكة؛ يقول جلّ ثناؤه لنبيه محمد ﷺ: وأنت يا محمد حِلٌّ بهذا البلد، يعني بمكة؛ يقول: أنت به حلال تصنع فيه من قَتْلِ من أردت قتلَه، وأَسْرِ من أردت أسره، مُطْلَقٌ ذلك لك؛ يقال منه: هو حِلّ، وهو حلال، وهو حِرْم، وهو حرام، وهو محلّ، وهو محرم، وأحللنا، وأحرمنا.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ يعني بذلك: نبيّ الله ﷺ، أحلّ الله له يوم دخل مكة أن يقتل من شاء، ويستحْيِي من شاء؛ فقتل يومئذ ابن خَطَل صَبْرا وهو آخذ بأستار الكعبة، فلم تحِل لأحد من الناس بعد رسول الله ﷺ أن يقتل فيها حراما حرّمه الله، فأحلّ الله له ما صنع بأهل مكة، ألم تسمع أن الله قال في تحريم الحرم: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ يعني بالناس أهل القبلة.

⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ قال: ما صنعت فأنت في حلّ من أمر القتال.

⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ قال: أحلّ لرسول الله ﷺ ما صنع فيه ساعة.

⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ قال: أحل له أن يصنع فيه ما شاء.

⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ قال: أُحِلَّت للنبي ﷺ، قال: اصنع فيها ما شئت.

⁕ حدثني موسى بن عبد الرحمن، قال: ثنا حسين الجُعْفِيّ، عن زائدة، عن منصور، عن مجاهد، في قول الله ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ قال: أنت حِلّ مما صنعت فيه.

⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن منصور، عن مجاهد ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ قال: أحلّ الله لك يا محمد ما صنعت في هذا البلد من شيء، يعني مكة.

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ قال: لا تؤاخَذ بما عملت فيه، وليس عليك فيه ما على الناس.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ يقول: بريء عن الحرج والإثم.

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ يقول: أنت به حلّ لست بآثم.

⁕ حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ قال: لم يكن بها أحد حلا غير النبيّ ﷺ، كلّ من كان بها حراما، لم يحلّ لهم أن يقاتلوا فيها، ولا يستحلوا حرمه، فأحله الله لرسوله، فقاتل المشركين فيه.

⁕ حدثنا سوار بن عبد الله، قال حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبد الملك، عن عطاء ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ قال: إن الله حرّم مكة، لم تحلّ لنبيّ إلا نبيكم ساعة من نهار.

⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ يعني محمدا، يقول: أنت حلّ بالحرم، فاقتل إن شئت، أو دع.

* *

وقوله: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾

يقول تعالى ذكره: فأقسم بوالد وبولده الذي وَلَد.

ثم اختلف أهل التأويل في المعنّي بذلك من الوالد وما ولد، فقال بعضهم: عُنِي بالوالد: كلّ والد، وما ولد: كلّ عاقر لم يلد.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن عطية، عن شريك، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس في: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ قال: الوالد: الذي يلد، وما ولد: العاقر الذي لا يولد له.

⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ قال: العاقر، والتي تلد.

⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن النضر بن عربي، عن عكرِمة ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ قال: العاقر، والتي تلد.

⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ قال: هو الوالد وولده.

وقال آخرون: عُنِي بذلك: آدم وولده.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ قال: الوالد: آدم، وما ولد: ولده.

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ قال: ولده.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ قال: آدم وما ولد.

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ قال: آدم وما ولد.

⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن أبي زائدة، عن ابن أبي خالد، عن أبي صالح في قول الله ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ قال: آدم وما ولد.

⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ قال: الوالد: آدم، وما ولد: ولده.

⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، قوله: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ قال: آدم وما ولد.

⁕ حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن عبيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، في قوله: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ قال: آدم وما ولد.

وقال آخرون: عُنِي بذلك: إبراهيم وما ولد.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني محمد بن موسى الحَرَشيّ، قال: ثنا جعفر بن سليمان، قال: سمعت أبا عمران الجَوْنِيّ يقرأ: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ قال: إبراهيم وما ولد.

والصواب من القول في ذلك: ما قاله الذي قالوا: إن الله أقسم بكلّ والد وولده، لأن الله عم كلّ والد وما ولد. وغير جائز أن يخصّ ذلك إلا بحجة يجب التسليم لها من خبر، أو عقل، ولا خبر بخصوص ذلك، ولا برهان يجب التسليم له بخصوصه، فهو على عمومه كما عمه.

* *

وقوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾

وهذا هو جواب القسم.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: وقع ها هنا القسم ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ .

واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معناه: لقد خلقنا ابن آدم في شدّة وعناء ونصب.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ يقول: في نَصَب.

⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا سعيد، عن منصور بن زاذان، عن الحسن، أنه قال في هذه الآية: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ يقول: في شدّة.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ حين خُلِق في مشقة لا يُلَقى ابن آدم إلا مكابد أمر الدنيا والآخرة.

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿فِي كَبَدٍ﴾ قال: يكابد أمر الدنيا والآخرة.

وقال بعضهم: خُلِق خَلْقا لم نَخْلق خلقه شيئا.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن عليّ بن رفاعة، قال: سمعت الحسن يقول: لم يخلق الله خلقا يكابد ما يُكابد ابن آدم.

⁕ قال: ثنا وكيع، عن عليّ بن رفاعة، قال: سمعت سعيد بن أبي الحسن يقول: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ قال: يكابد مصائب الدنيا، وشدائد الآخرة.

⁕ قال: ثنا وكيع، عن النضر، عن عكرِمة قال: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ قال: في شدّة.

⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ قال: في شدّة.

⁕ قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: في شدّة معيشته، وحمله وحياته، ونبات أسنانه.

⁕ قال: ثنا مهران، عن سفيان، قال: قال مجاهد ﴿الإنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ قال: شدة خروج أسنانه.

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿الإنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ قال: شدّة.

وقال آخرون: معنى ذلك أنه خُلِق منتصبا معتدل القامة.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ قال: في انتصاب، ويقال: في شدّة.

⁕ حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا حرمى بن عمارة، قال: ثنا شعبة، قال: أخبرني عمارة، عن عكرِمة، في قوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ قال: في انتصاب، يعني القامة.

⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ قال: منتصبا.

⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران؛ وحدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، جميعا عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، مثله.

⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن أبي زائدة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الله بن شَدَّاد، في قوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ قال: معتدلا بالقامة، قال أبو صالح: معتدلا في القامة.

⁕ حدثنا يحيى بن داود الواسطي، قال: ثنا يحيى بن سعيد القطان، عن إسماعيل، عن أبي صالح ﴿خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ قال: قائما.

⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله: ﴿فِي كَبَدٍ﴾ خُلِق منتصبا على رجلين، لم تخلق دابة على خلقه

⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مُغيرة، عن مجاهد ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ قال: في صَعَد.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنه خُلق في السماء.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ قال: في السماء، يسمى ذلك الكَبَد.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: قول من قال: معنى ذلك أنه خلق يُكابد الأمور ويُعالجها، فقوله: ﴿فِي كَبَدٍ﴾ معناه: في شدّة.

وإنما قلنا: ذلك أولى بالصواب؛ لأن ذلك هو المعروف في كلام العرب من معاني الكَبَد، ومنه قول لبيد بن ربيعة:

عَيْنِ هَلا بَكَيْتِ أرْبَدَ إذْ ... قُمْنا وَقَامَ الخُصُومِ فِي كَبَد [[يعني أن حاجة الأولى منهما كحاجة الثانية، فلذلك وجب تكرارها. سياق العبارة: "فكان معلومًا أن حاجة كل كلمة. . . وكان معلومًا أم الصواب أن تكون معها. . . وكان بينًا. . . " إلى آخر الفقرة.]]

* *

وقوله: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾

ذُكر أن ذلك نزل في رجل بعينه من بني جُمح، كان يُدعى أبا الأشدّ، وكان شديدًا، فقال جلّ ثناؤه: أيحسب هذا القويّ بجَلَده وقوّته، أن لن يقهره أحد ويغلبه، فالله غالبه وقاهره.

* *

وقوله: ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالا لُبَدًا﴾

يقول هذا الجليد الشديد: أهلكت مالا كثيرا، في عداوة محمد ﷺ، فأنفقت ذلك فيه، وهو كاذب في قوله ذلك، وهو فعل من التلبُّد، وهو الكثير، بعضه على بعض، يقال منه: لبد بالأرض يَلْبُد: إذا لصق بها.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿مَالا لُبَدًا﴾ يعني باللبد: المال الكثير.

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿مَالا لُبَدًا﴾ قال: كثيرا.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني مسلم، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ﴿أَهْلَكْتُ مَالا لُبَدًا﴾ . قال: مالا كثيرا.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿أَهْلَكْتُ مَالا لُبَدًا﴾ : أي كثيرا.

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿مَالا لُبَدًا﴾ قال: اللبد: الكثير.

واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار: ﴿مَالا لُبَدًا﴾ بتخفيف الباء. وقرأه أبو جعفر بتشديدها.

والصواب بتخفيفها، لإجماع الحجة عليه.

* *

وقوله: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾

يقول تعالى ذكره: أيظن هذا القائل ﴿أَهْلَكْتُ مَالا لُبَدًا﴾ أن لم يره أحد في حال إنفاقه يزعم أنه أنفقه.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ ابن آدم إنك مسئول عن هذا المال، من أين اكتسبته، وأين أنفقته.

⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله.