سورة البقرة، الآية 283
الجزء 3، الصفحة 49.
۞ وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا۟ كَاتِبًا فَرِهَـٰنٌ مَّقْبُوضَةٌ ۖ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِى ٱؤْتُمِنَ أَمَـٰنَتَهُۥ وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ ۗ وَلَا تَكْتُمُوا۟ ٱلشَّهَـٰدَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُۥٓ ءَاثِمٌ قَلْبُهُۥ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴿٢٨٣﴾
الآية في سياق السورةاستمع إلى سورة البقرة
تفسير الآية
التفسير الميسر
وإن كنتم مسافرين ولم تجدوا مَن يكتب لكم فادفعوا إلى صاحب الحق شيئًا يكون عنده ضمانًا لحقِّه إلى أن يردَّ المدينُ ما عليه مِن دين، فإن وثق بعضكم ببعض فلا حرج في ترك الكتابة والإشهاد والرهن، ويبقى الدَّين أمانة في ذمَّة المدين، عليه أداؤه، وعليه أن يراقب الله فلا يخون صاحبه. فإن أنكر المدين ما عليه من دين، وكان هناك مَن حضر وشهد، فعليه أن يظهر شهادته، ومَن أخفى هذه الشهادة فهو صاحب قلب غادر فاجر. والله المُطَّلِع على السرائر، المحيط علمه بكل أموركم، وسيحاسبكم على ذلك.
تفسير السعدي
يشمل هذا التفسير الآيات 282 إلى 283
الآية 282: احتوت هذه الآيات على إرشاد الباري عباده في معاملاتهم إلى حفظ حقوقهم بالطرق النافعة والإصلاحات التي لا يقترح العقلاء أعلى ولا أكمل منها فإن فيها فوائد كثيرة: منها: جواز المعاملات في الديون سواء كانت ديون سلم أو شراء مؤجلاً ثمنه فكله جائز، لأن الله أخبر به عن المؤمنين، وما أخبر به عن المؤمنين فإنه من مقتضيات الإيمان وقد أقرهم عليه الملك الديان. ومنها: وجوب تسمية الأجل في جميع المداينات وحلول الإجارات. ومنها: أنه إذا كان الأجل مجهولاً فإنه لا يحل لأنه غرر وخطر فيدخل في الميسر. ومنها: أمره تعالى بكتابة الديون، وهذا الأمر قد يجب إذا وجب حفظ الحق كالذي للعبد عليه ولاية، كأموال اليتامى والأوقاف والوكلاء والأمناء، وقد يقارب الوجوب كما إذا كان الحق متمحضاً للعبد فقد يقوى الوجوب وقد يقوى الاستحباب، بحسب الأحوال المقتضية لذلك، وعلى كل حال فالكتابة من أعظم ما تحفظ به هذه المعاملات المؤجلة لكثرة النسيان ولوقوع المغالطات، وللاحتراز من الخونة الذين لا يخشون الله تعالى. ومنها: أمره تعالى للكاتب أن يكتب بين المتعاملين بالعدل فلا يميل مع أحدهما لقرابة ولا غيرها ولا على أحدهما لعداوة ونحوها. ومنها: أن الكتابة بين المتعاملين من أفضل الأعمال ومن الإحسان إليهما، وفيها حفظ حقوقهما وبراءة ذممهما كما أمره الله بذلك فليحتسب الكاتب بين الناس هذه الأمور ليحظى بثوابها. ومنها: أن الكاتب لا بد أن يكون عارفاً بالعدل معروفاً بالعدل، لأنه إذا لم يكن عارفاً بالعدل لم يتمكن منه، وإذا لم يكن معتبراً، عدلاً عند الناس، رضياً، لم تكن كتابته معتبرة، ولا حاصلاً بها المقصود الذي هو حفظ الحقوق. ومنها: أن من تمام الكتابة والعدل فيها أن يحسن الكاتب الإنشاء والألفاظ المعتبرة في كل معاملة بحسبها، وللعرف في هذا المقام اعتبار عظيم. ومنها: أن الكتابة من نعم الله على العباد التي لا تستقيم أمورهم الدينية ولا الدنيوية إلا بها، وأن من علَّمه الله الكتابة فقد تفضل عليه بفضل عظيم، فمن تمام شكره لنعمة الله تعالى أن يقضي بكتابته حاجات العباد ولا يمتنع من الكتابة ولهذا قال:{ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله}. ومنها: أن الذي يكتبه الكاتب هو اعتراف من عليه الحق إذا كان يحسن التعبير عن الحق الذي عليه، فإن كان لا يحسن ذلك لصغره أو سفهه أو جنونه أو خرسه أو عدم استطاعته، أملى عنه وليه، وقام وليه في ذلك مقامه. ومنها: أن الاعتراف من أعظم الطرق التي تُثبَت بها الحقوق حيث أمر الله تعالى أن يكتب الكاتب ما أملى عليه من عليه الحق. ومنها: ثبوت الولاية على القاصرين من الصغار والمجانين والسفهاء ونحوهم. ومنها: أن الولي يقوم مقام موليه في جميع اعترافاته المتعلقة بحقوقه. ومنها: أن من أمنته في معاملة وفوضته فيها فقوله في ذلك مقبول وهو نائب منابك، لأنه إذا كان الولي على القاصرين ينوب منابهم، فالذي وليته باختيارك وفوضت إليه الأمر أولى بالقبول واعتبار قوله وتقديمه على قولك عند الاختلاف. ومنها: أنه يجب على الذي عليه الحق إذا أملى على الكاتب أن يتقي الله ولا يبخس الحق الذي عليه فلا ينقصه في قدره ولا في وصفه ولا في شرط من شروطه أو قيد من قيوده، بل عليه أن يعترف بكل ما عليه من متعلقات الحق كما يجب ذلك إذا كان الحق على غيره له، فمن لم يفعل ذلك فهو من المطففين الباخسين. ومنها: وجوب الاعتراف بالحقوق الجلية والحقوق الخفية وأن ذلك من أعظم خصال التقوى، كما أن ترك الاعتراف بها من نواقض التقوى ونواقصها. ومنها: الإرشاد إلى الإشهاد في البيع فإن كانت في المداينات فحكمها حكم الكتابة كما تقدم، لأن الكتابة هي كتابة الشهادة، وإن كان البيع بيعاً حاضراً فينبغي الإشهاد فيه ولا حرج فيه بترك الكتابة لكثرته وحصول المشقة فيه. ومنها: الإرشاد إلى إشهاد رجلين عدلين فإن لم يمكن أو تعذر أو تعسر فرجل وامرأتان، وذلك شامل لجميع المعاملات، بيوع الإدارة وبيوع الديون وتوابعها من الشروط والوثائق وغيرها. وإذا قيل قد ثبت أنه - صلى الله عليه وسلم - قضى بالشاهد الواحد مع اليمين ، والآية الكريمة ليس فيها إلا شهادة رجلين أو رجل وامرأتين، قيل: الآية الكريمة فيها إرشاد الباري عباده إلى حفظ حقوقهم ولهذا أتى فيها بأكمل الطرق وأقواها، وليس فيها ما ينافي ما ذكره النبي - صلى الله عليه وسلم - من الحكم بالشاهد واليمين، فباب حفظ الحقوق في ابتداء الأمر يرشد فيه العبد إلى الاحتراز والتحفظ التام، وباب الحكم بين المتنازعين ينظر فيه إلى المرجحات والبينات بحسب حالها. ومنها: أن شهادة المرأتين قائمة مقام الرجل الواحد في الحقوق الدنيوية وأما في الأمور الدينية كالرواية والفتوى فإن المرأة فيه تقوم مقام الرجل، والفرق ظاهر بين البابين. ومنها: الإرشاد إلى الحكمة في كون شهادة المرأتين عن شهادة الرجل وأنه لضعف ذاكرة المرأة غالباً وقوة حافظة الرجل. ومنها: أن الشاهد لو نسي شهادته فذكره الشاهد الآخر فذكر، أنه لا يضر ذلك النسيان إذا زال بالتذكير لقوله:{أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى}؛ ومن باب أولى إذا نسي الشاهد ثم ذكر من دون تذكير، فإن الشهادة مدارها على العلم واليقين. ومنها: أن الشهادة لا بد أن تكون عن علم ويقين لا عن شكِّ، فمتى صار عند الشاهد ريب في شهادته ولو غلب على ظنه لم يحل له أن يشهد إلا بما يعلم. ومنها: أن الشاهد ليس له أن يمتنع إذا دعي للشهادة سواء دعي للتحمل أو للأداء وأن القيام بالشهادة من أفضل الأعمال الصالحة كما أمر الله بها وأخبر عن نفعها ومصالحها. ومنها: أنه لا يحل الإضرار بالكاتب ولا بالشهيد بأن يدعيا في وقت أو حالة تضرهما. وكما أنه نهي لأهل الحقوق والمتعاملين أن يضاروا الشهود والكتاب فإنه أيضاً نهي للكاتب والشهيد أن يضار المتعامليْن أو أحدهما. وفي هذا أيضاً أن الشاهد والكاتب إذا حصل عليهما ضرر في الكتابة والشهادة أنه يسقط عنهما الوجوب. وفيها: التنبيه على أن جميع المحسنين الفاعلين للمعروف لا يحل إضرارهم وتحميلهم ما لا يطيقون، فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ وكذلك على من أحسن وفعل معروفاً أن يتمم إحسانه بترك الإضرار القولي والفعلي بمن أوقع به المعروف، فإن الإحسان لا يتم إلا بذلك. ومنها: أنه لا يجوز أخذ الأجرة على الكتابة والشهادة حيث وجبت لأنه حق أوجبه الله على الكاتب والشهيد، ولأنه من مضارة المتعاملين. ومنها: التنبيه على المصالح والفوائد المترتبة على العمل بهذه الإرشادات الجليلة وأن فيها حفظ الحقوق والعدل وقطع التنازع والسلامة من النسيان والذهول ولهذا قال: {ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا}؛ وهذه مصالح ضرورية للعباد. ومنها: أن تعلم الكتابة من الأمور الدينية، لأنها وسيلة إلى حفظ الدين والدنيا وسبب للإحسان. ومنها: أن من خصه الله بنعمة من النعم يحتاج الناس إليها فمن تمام شكر هذه النعمة أن يعود بها على عباد الله وأن يقضي بها حاجاتهم لتعليل الله النهي عن الامتناع عن الكتابة بتذكير الكاتب بقوله: {كما علمه الله}؛ ومع هذا فمن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته. ومنها: أن الإضرار بالشهود والكتاب فسوق بالإنسان، فإن الفسوق هو الخروج عن طاعة الله إلى معصيته، وهو يزيد وينقص ويتبعض، ولهذا لم يقل فأنتم فساق أو فاسقون بل قال:{فإنه فسوق بكم}؛ فبقدر خروج العبد عن طاعة ربه فإنه يحصل به من الفسوق بحسب ذلك، واستدل بقوله تعالى:{واتقوا الله ويعلمكم الله}؛ أن تقوى الله وسيلة إلى حصول العلم، وأوضح من هذا قوله تعالى:{يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً}؛ أي: علماً تفرقون به بين الحقائق والحق والباطل. ومنها: أنه كما أنه من العلم النافع تعليم الأمور الدينية المتعلقة بالعبادات فمنه أيضاً تعليم الأمور الدنيوية المتعلقة بالمعاملات، فإن الله تعالى حفظ على العباد أمور دينهم ودنياهم، وكتابه العظيم فيه تبيان كل شيء. ومنها: مشروعية الوثيقة بالحقوق وهي الرهون والضمانات التي تكفل للعبد حصول حقه سواء عامل برًّا أو فاجراً أميناً أو خائناً، فكم في الوثائق من حفظ حقوق وانقطاع منازعات. ومنها: أن تمام الوثيقة في الرهن أن يكون مقبوضاً، ولا يدل ذلك على أنه لا يصح الرهن إلا بالقبض بل التقييد بكون الرهن مقبوضاً يدل على أنه قد يكون مقبوضاً تحصل به الثقة التامة وقد لا يكون مقبوضاً فيكون ناقصاً. ومنها: أنه يستدل بقوله:
الآية 283:{فرهان مقبوضة}؛ أنه إذا اختلف الراهن والمرتهن في مقدار الدين الذي به الرهن أن القول قول المرتهن صاحب الحق لأن الله جعل الرهن وثيقة به فلولا أنه يقبل قوله في ذلك لم تحصل به الوثيقة لعدم الكتابة والشهود. ومنها: أنه يجوز التعامل بغير وثيقة ولا شهود لقوله: {فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي ائتمن أمانته}؛ ولكن في هذه الحال يحتاج إلى التقوى والخوف من الله وإلا فصاحب الحق مخاطر في حقه ولهذا أمر الله في هذه الحال من عليه الحق أن يتقي الله ويؤدي أمانته. ومنها: أن من ائتمنه معاملة فقد عمل معه معروفاً عظيماً ورضي بدينه وأمانته فيتأكد على من عليه الحق أداء الأمانة من الجهتين: أداء لحق الله وامتثالاً لأمره، ووفاء بحق صاحبه الذي رضي بأمانته ووثق به. ومنها: تحريم كتم الشهادة وأن كاتمها قد أثم قلبه الذي هو ملك الأعضاء، وذلك لأن كتمها كالشهادة بالباطل والزور فيها ضياع الحقوق وفساد المعاملات والإثم المتكرر في حقه وحق من عليه الحق. وأما تقييد الرهن بالسفر مع أنه يجوز حضراً وسفراً فللحاجة إليه لعدم الكاتب والشهيد. وختم الآية بأنه عليم بكل ما يعمله العباد كالترغيب لهم في المعاملات الحسنة والترهيب من المعاملات السيئة.
تفسير الجلالين
﴿وإنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَر﴾ أيْ مُسافِرِينَ وتَدايَنْتُمْ ﴿ولَمْ تَجِدُوا كاتِبًا فَرِهان﴾ تَسْتَوْثِقُونَ بِها وبَيَّنَتْ السُّنَّة جَواز الرَّهْن فِي الحَضَر ووُجُود الكاتِب فالتَّقَيُّد بِما ذُكِرَ لِأَنَّ التَّوْثِيق فِيهِ أشَدّ وفِي قِراءَة فَرِهان جَمْع رَهْن ﴿مَقْبُوضَة﴾ أفادَ قَوْله مَقْبُوضَة اشْتِراط القَبْض فِي الرَّهْن والِاكْتِفاء بِهِ مِن المُرْتَهِن ووَكِيله. ﴿فَإنْ أمِنَ بَعْضكُمْ بَعْضًا﴾ أيْ الدّائِن المَدِين عَلى حَقّه فَلَمْ يَرْتَهِن ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اُؤْتُمِنَ﴾ أيْ المَدِين ﴿أمانَته﴾ دَيْنه ﴿ولْيَتَّقِ اللَّه رَبّه﴾ فِي أدائِهِ ﴿ولا تَكْتُمُوا الشَّهادَة﴾ إذا دُعِيتُمْ لِإقامَتِها ﴿ومَن يَكْتُمها فَإنَّهُ آثِم قَلْبه﴾ خُصَّ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ مَحَلّ الشَّهادَة ولِأَنَّهُ إذا أثِمَ تَبِعَهُ غَيْره فَيُعاقَب عَلَيْهِ مُعاقَبَة الآثِمِينَ ﴿واللَّه بِما تَعْمَلُونَ عَلِيم﴾ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْء مِنهُ
تفسير ابن كثير
يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ﴾ أَيْ: مُسَافِرِينَ وَتَدَايَنْتُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى ﴿وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا﴾ يَكْتُبُ لَكُمْ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَوْ وَجَدُوهُ وَلَمْ يَجِدْ قِرْطَاسًا أَوْ دَوَاةً أَوْ قَلَمًا فَرُهُن مَقْبُوضَةٌ، أَيْ: فَلْيكن بَدَلَ الْكِتَابَةِ رِهَان مَقْبُوضَةٌ فِي يَدِ صَاحِبِ الْحَقِّ.
وَقَدِ اسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَة﴾ عَلَى أَنَّ الرَّهْنَ لَا يُلْزِمُ إِلَّا بِالْقَبْضِ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ، وَاسْتَدَلَّ بِهَا آخَرُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الرَّهْنُ مَقْبُوضًا فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَذَهَبَ إِلَيْهِ طَائِفَةٌ.
وَاسْتَدَلَّ آخَرُونَ مِنَ السَّلَفِ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ الرَّهْنُ مَشْرُوعًا إِلَّا فِي السَّفَرِ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رسُولَ اللَّهِ ﷺ تُوفِّي وَدِرْعُه مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ عَلَى ثَلَاثِينَ وَسْقًا مِنْ شَعِيرٍ، رَهَنَهَا قُوتًا لِأَهْلِهِ [[صحيح البخاري برقم (٢٥٠٨) ولم أقع عليه في صحيح مسلم من حديث أنس وهو فيه من حديث عائشة رضي الله عنها.]] . وَفِي رِوَايَةٍ: مِنْ يَهُودِ الْمَدِينَةِ [[الرواية في سنن النسائي (٧/٢٨٨) .]] . وَفِي رِوَايَةِ الشَّافِعِيِّ: عِنْدَ أَبِي الشَّحْمِ الْيَهُودِيِّ [[مسند الشافعي (ص ٢٥١) .]] . وَتَقْرِيرُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ فِي كِتَابِ "الْأَحْكَامِ الْكَبِيرِ"، ولله الحمد والمنة، وبه الْمُسْتَعَانُ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ رَوَى ابنُ أَبِي حَاتِمٍ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: هَذِهِ نَسَخَتْ مَا قَبْلَهَا.
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: إِذَا ائْتَمَنَ بَعْضُكُمْ [[في جـ: "بعضهم".]] بَعْضًا فَلَا بَأْسَ أَلَّا تَكْتُبُوا أَوْ لَا تُشهدوا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّه﴾ يُعْنَى: المؤتَمن، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَهْلُ السُّنَنِ، مِنْ رِوَايَةِ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرة: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قال: "عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ" [[المسند (٥/١٢) وسنن أبي داود برقم (٣٥٦١) وسنن الترمذي برقم (١٢٦٦) وسنن النسائي الكبرى برقم (٥٧٨٣) وسنن ابن ماجة برقم (٢٤٠٠) .]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَة﴾ أَيْ: لَا تُخْفُوهَا وَتَغُلُّوهَا وَلَا تُظْهِرُوهَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: شَهَادَةُ الزُّورِ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ، وَكِتْمَانُهَا كَذَلِكَ. وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ قَالَ السُّدِّيُّ: يَعْنِي: فَاجْرٌ قَلْبُهُ، وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الآثِمِينَ﴾ [الْمَائِدَةِ: ١٠٦] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النِّسَاءِ: ١٣٥] ، وَهَكَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾
تفسير الطبري
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾
قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته القرأة في الأمصار جميعًا ﴿كَاتِبًا﴾ ، بمعنى: ولم تجدوا من يكتب لكم كتابَ الدَّين الذي تداينتموه إلى أجل مسمًّى،"فرهان مقبوضة".
* *
وقرأ جماعةٌ من المتقدمين: ﴿وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا﴾ ، بمعنى: ولم يكن لكم إلى اكتتاب كتاب الدين سبيلٌ، إما بتعذّر الدواة والصحيفة، وإما بتعذر الكاتب وإن وجدتم الدواة والصحيفة.
* *
والقراءة التي لا يجوز غيرها عندنا هي قراءة الأمصار:"ولم تجدوا كاتبًا"، بمعنى: من يكتب، لأن ذلك كذلك في مصاحف المسلمين.
* *
[قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه] : [[هذه الزيادة بين القوسين لا بد منها، حتى يستقيم الكلام.]] وإن كنتم، أيها المتداينون، في سفر بحيث لا تجدون كاتبًا يكتب لكم، ولم يكن لكم إلى اكتتاب كتاب الدين الذي تداينتموه إلى أجل مسمى بينكم الذي أمرتكم باكتتابه والإشهاد عليه سبيلٌ، فارتهنوا بديونكم التي تداينتموها إلى الأجل المسمى رهونًا تقبضونها ممن تداينونه كذلك، ليكون ثقةً لكم بأموالكم.
ذكر من قال ما قلنا في ذلك:
٦٤٣٥ - حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك قوله:"وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبًا فرهان مقبوضة"، فمن كان على سفر فبايع بيعًا إلى أجل فلم يجد كاتبًا، فرخص له في الرهان المقبوضة، وليس له إن وَجد كاتبًا أن يرتهن.
٦٤٣٦ - حدثت عن عمار قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله:"وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبًا"، يقول: كاتبًا يكتب لكم ="فرهان مقبوضة".
٦٤٣٧ - حدثني يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك قال: ما كان من بيع إلى أجل، فأمر الله عز وجل أنْ يكتب ويُشْهد عليه، وذلك في المُقام. فإن كان قوم على سفر تبايعوا إلى أجل فلم يجدوا [كاتبًا] ، فرهان مقبوضة. [[الزيادة بين القوسين، أخشى أن تكون سقطت من الناسخ.]]
* *
ذكر قول من تأول ذلك على القراءة التي حكيناها:
٦٤٣٨ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا يزيد بن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس:"فإن لم تجدوا كتابًا"، يعني بالكتاب، الكاتبَ والصحيفة والدواة والقلم.
٦٤٣٩ - حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، أخبرنا ابن جريج قال، أخبرني أبي، عن ابن عباس أنه قرأ:"فإن لم تجدوا كتابًا"، قال: ربما وجد الرجل الصحيفة ولم يجد كاتبًا.
٦٤٤٠ - حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد، كان يقرأها:"فإن لم تجدوا كتابًا"، ويقول: ربما وجد الكاتبُ ولم تُوجد الصحيفة أو المداد، ونحو هذا من القول.
٦٤٤١ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كتابًا"، يقول: مدادًا، - يقرأها كذلك - يقول: فإن لم تجدوا مدادًا، فعند ذلك تكون الرهون المقبوضة ="فرهن مقبوضة"، قال: لا يكون الرهن إلا في السفر.
٦٤٤٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج قال، حدثنا حماد بن زيد، عن شعيب بن الحبحاب قال: إن أبا العالية كان يقرؤها،"فإن لم تجدوا كتابًا"، قال أبو العالية: تُوجد الدواةُ ولا توجد الصحيفة.
* *
قال أبو جعفر: واختلف القرأة في قراءة قوله:"فرهان مقبوضة".
فقرأ ذلك عامة قرأة الحجاز والعراق: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ ، بمعنى جماع"رَهْن" كما"الكباش" جماع"كبش"، و"البغال" جماع"بَغل"، و"النعال" جماع"نعل".
* *
وقرأ ذلك جماعة آخرون: ﴿فَرُهُنٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ على معنى جمع:"رِهان"،"ورُهن" جمع الجمع، وقد وجهه بعضهم إلى أنها جمع"رَهْن":، مثل"سَقْف وسُقُف".
* *
وقرأه آخرون: ﴿فَرُهْنٌ﴾ مخففة الهاء على معنى جماع"رَهْن"، كما تجمع"السَّقْف سُقْفًا". قالوا: ولا نعلم اسمًا على"فَعْل" يجمع على"فُعُل وفُعْل" إلا"الرُّهُنُ والرُّهْن". و"السُّقُف والسُّقْف".
قال أبو جعفر: والذي هو أولى بالصواب في ذلك قراءة من قرأه:"فرهان مقبوضة". لأن ذلك الجمعُ المعروفُ لما كان من اسم على"فَعْل"، كما يقال:"حَبْلٌ وحبال" و"كَعْب وكعاب"، ونحو ذلك من الأسماء. فأما جمع"الفَعْل" على"الفُعُل أو الفُعْل" فشاذّ قليل، إنما جاء في أحرف يسيرة وقيل:"سَقْف وسُقُفٌ وسُقْف""وقلْبٌ وقُلُب وقُلْب" من:"قلب النخل". [[هذا كله غريب لم يرد في كتب اللغة.]] "وجَدٌّ وجُدٌّ"، للجد الذي هو بمعنى الحظّ. [[وهذا أيضًا غريب لم أجده في كتب اللغة، وإنما قالوا في جمعه"أجداد وأجد وجدود". وكان في المطبوعة"حد وحد" بالحاء، و"الخط"، وهو خطأ، وفي المخطوطة غير منقوط.]] وأما ما جاء من جمع"فَعْل" على"فُعْل" ف"ثَطٌّ، وثُطّ"، و"وَرْدٌ ووُرْد" و"خَوْدٌ وخُود".
وإنما دعا الذي قرأ ذلك:"فرُهْنٌ مقبوضة" إلى قراءته فيما أظن كذلك، مع شذوذه في جمع"فَعْل"، أنه وجد"الرِّهان" مستعملة في رِهَان الخيل، فأحبّ صرف ذلك عن اللفظ الملتبس برهان الخيل، الذي هو بغير معنى"الرهان" الذي هو جمع"رَهْن"، ووجد"الرُّهُن" مقولا في جمع"رَهْن"، كما قال قَعْنَب:
بَانَتْ سُعادُ وأَمْسَى دُونَهَا عَدَنُ ... وَغَلِقَتْ عِنْدَهَا مِنْ قَلْبِكَ الرُّهُنُ [[مختارات ابن الشجرى ١: ٦، ولباب الآداب ٤٠٢-٤٠٤، اللسان (رهن) ، وروايته هناك"من قبلك"، وهي أجود فيما أرى. غلق الرهن غلقًا (بفتحتين) وغلوقًا: إذا لم تجد ما تخلص به الرهن وتفكه في الوقت المشروط، فعندئذ يملك المرتهن الرهن الذي عنده. كان هذا على رسم الجاهلية، فأبطله الإسلام. يقول: فارقتك بعد العهود والمواثيق والمحبات التي أعطيتها، فذهبت بذلك كله، كما يذهب بالرهان من كانت تحت يده.]]
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: فإن كان المدين أمينًا عند رب المال والدَّين فلم يرتهن منه في سفره رَهْنًا بدينه لأمانته عنده على ماله وثقته، ="فليتق الله"، المدينُ ="رَبّه"، يقول: فليخف الله ربه في الذي عليه من دين صاحبه أن يجحده، أو يَلُطّ دونه، [[يقال: "لط الغريم بالحق دون الباطل": دافع ومنع الحق. و"لط حقه، ولط عليه" جحده ومنعه.]] أو يحاول الذهاب به، فيتعرّض من عقوبة الله لما لا قبل له، [[في المطبوعة والمخطوطة: "ما لا قبل" بحذف اللام، وما أثبت هو أقرب إلى الجودة.]] به وليؤدّ دينه الذي ائتمنه عليه، إليه.
* *
وقد ذكرنا قول من قال:"هذا الحكم من الله عز وجل ناسخٌ الأحكامَ التي في الآية قبلها: من أمر الله عز وجلّ بالشهود والكتاب". وقد دللنا على أولى ذلك بالصواب من القول فيه، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع. [[انظر ما سلف آنفًا: ص ٥٣-٥٥.]] وقد:-
٦٤٤٣ - حدثني يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله:"فإن أمِن بعضكم بعضًا فليؤد الذي اؤتمن أمانته"، إنما يعني بذلك: في السفر، فأما الحضر فلا وهو واجد كاتبًا، فليسَ له أن يرتهن ولا يأمن بعضُهم بعضًا.
* *
قال أبو جعفر: وهذا الذي قاله الضحاك = من أنه ليس لرب الدين ائتمانُ المدين وهو واجد إلى الكاتب والكتاب والإشهاد عليه سبيلا وإن كانا في سفر=، فكما قال، لما قد دللنا على صحّته فيما مضى قبل.
وأما ما قاله= من أنّ الأمر في الرّهن أيضًا كذلك، مثل الائتمان: في أنه ليس لربّ الحق الارتهان بماله إذا وجد إلى الكاتب والشهيد سبيلا في حضر أو سفر= فإنه قولٌ لا معنى له، لصحة الخبر عن رسول الله ﷺ:-
٦٤٤٤- أنه اشترى طعامًا نَسَاءً، ورهن به درعًا لهُ. [[الأثر: ٦٤٤٤- ذكره الطبري بغير إسناد. وقد رواه البخاري في صحيحه (الفتح ٥: ١٠٠- ١٠٢) ومسلم في صحيحه ١١: ٣٩، ٤٠ من طرق، عن عائشة أم المؤمنين. وسنن البيهقي ٦: ٣٦. يقال نسأت عنه دينه نساء: (بالمد وفتح النون) : أخرته. و"بعته بنسيئة"، أي: بأخرة.]]
* *
فجائز للرجل أن يرهن بما عليه، ويرتهن بمالَهُ من حقّ، في السفر والحضر- لصحة الخبر بما ذكرنا عن رسول الله ﷺ، وأنّ معلومًا أنّ النبيّ ﷺ لم يكن - حين رَهن من ذكرنا - غير واجد كاتبًا ولا شهيدًا، لأنه لم يكن متعذرًا عليه بمدينته في وقت من الأوقات الكاتبُ والشاهدُ، غير أنهما إذا تبايعا برَهْن، فالواجب عليهما= إذا وجدا سبيلا إلى كاتب وشهيد، أو كان البيع أو الدَّين إلى أجل مسمى [[في المطبوعة: "وكان البيع. . . " وأثبت ما في المخطوطة.]] = أن يكتبا ذلك ويشهدَا على المال والرّهن. وإنما يجوز ترك الكتاب والإشهاد في ذلك، حيث لا يكون لهما إلى ذلك سبيلٌ.
* *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣) ﴾
قال أبو جعفر: وهذا خطابٌ من الله عز وجل للشهود الذين أمر المستدينَ وربَّ المال بإشهادهم، فقال لهم:"ولا يأب الشهداءُ إذا ما دعوا" - ولا تكتموا، أيها الشهود، بعد ما شهدتم شهادَتكم عند الحكام، كما شهدتم على ما شهدتم عليه، ولكن أجيبوا من شهدتم له إذا دعاكم لإقامة شهادتكم على خصمه على حقه عند الحاكم الذي يأخذُ له بحقه.
ثم أخبر الشاهدَ جل ثناؤه ما عليه في كتمان شهادته، وإبائه من أدائها والقيام بها عند حاجة المستشهد إلى قيامه بها عند حاكم أو ذي سلطان، فقال:"ومن يَكتمها". يعني: ومن يكتم شهادته ="فإنه آثم قَلبه"، يقول: فاجرٌ قلبه، مكتسبٌ بكتمانه إياها معصية الله، [[انظر تفسير"الإثم" فيما سلف من فهارس اللغة.]] كما:-
٦٤٤٥ - حدثني المثنى قال، أخبرنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله:"ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثمُ قلبه"، فلا يحل لأحد أن يكتم شهادةً هي عنده، وإن كانت على نفسه والوالدين، ومن يكتمها فقد ركب إثمًا عظيمًا.
٦٤٤٦ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله:"ومن يكتمها فإنه آثم قلبه"، يقول: فاجر قلبه.
٦٤٤٧ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قال: أكبر الكبائر الإشراك بالله، لأن الله يقول: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [[في المخطوطة والمطبوعة: "ومن يشرك بالله"، وليست هذه قراءتها، أخطأ الناسخ وسها.]] [سورة المائدة: ٧٢] ، وشهادة الزور، وكتمان الشهادة، لأن الله عز وجل يقول:"ومَنْ يكتمها فإنه آثمٌ قلبه".
* *
وقد روي عن ابن عباس أنه كان يقول:"على الشاهد أن يشهد حيثما استُشهد، ويخبر بها حيثُ استُخبر".
٦٤٤٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن محمد بن مسلم قال، أخبرنا عمرو بن دينار، عن ابن عباس قال: إذا كانت عندك شهادة فسألك عنها فأخبره بها، ولا تقل:"أخْبِر بها عند الأمير"، أخبره بها، لعله يراجع أو يَرْعَوي.
* *
وأما قوله:"والله بما تعملون عليمٌ"، فإنه يعني:"بما تعملون" في شهادتكم من إقامتها والقيام بها، أو كتمانكم إياها عند حاجة من استشهدكم إليها، وبغير ذلك من سرائر أعمالكم وعلانيتها ="عليمٌ"، يحصيه عليكم، ليجزيكم بذلك كله جزاءكم، إما خيرًا وإما شرًّا على قدر استحقاقكم.