سورة القرآن surah-quran.com

سورة البينة

سورة البينة، الآية 6

الجزء 30، الصفحة 598.

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ وَٱلْمُشْرِكِينَ فِى نَارِ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمْ شَرُّ ٱلْبَرِيَّةِ ﴿٦﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

إن الذين كفروا من اليهود والنصارى والمشركين عقابهم نار جهنم خالدين فيها، أولئك هم أشد الخليقة شرًّا.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 1 إلى 8

وهي مدنية

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الآية 1: يقول تعالى: {لم يكنِ الذينَ كَفَروا من أهلِ الكتابِ}؛ أي: من اليهود والنصارى، {والمشركين}: من سائر أصناف الأمم، {مُنفَكِّينَ}: عن كفرهم وضلالهم الذي هم عليه؛ أي: لا يزالون في غيِّهم وضلالهم، لا يزيدهم مرور الأوقات إلاَّ كفراً، {حتَّى تأتِيَهُم البيِّنةُ}: الواضحة والبرهان الساطع.

{2 ـ 3} ثم فسَّر تلك البيِّنة، فقال:{رسولٌ من اللهِ}؛ أي: أرسله الله يدعو الناس إلى الحقِّ، وأنزل عليه كتاباً يتلوه ليعلِّم الناس الحكمة ويزكِّيهم ويخرجَهم من الظُّلُمات إلى النُّور، ولهذا قال:{يتلو صُحُفاً مطهَّرةً}؛ أي: محفوظةً من قربان الشياطين، لا يمسُّها إلاَّ المطهَّرون؛ لأنَّها أعلى ما يكون من الكلام، ولهذا قال عنها:{فيها}؛ أي: في تلك الصُّحف {كتبٌ قيِّمةٌ}؛ أي: أخبارٌ صادقةٌ وأوامرُ عادلةٌ تهدي إلى الحقِّ وإلى طريقٍ مستقيمٍ؛ فإذا جاءتهم هذه البيِّنة؛ فحينئذٍ يتبيَّن طالب الحقِّ ممَّن ليس له مقصدٌ في طلبه، فيهلك مَن هلك عن بيِّنة ويحيا من حيَّ عن بيِّنةٍ.

الآية 4: وإذا لم يؤمن أهل الكتاب بهذا الرسول وينقادوا له؛ فليس ذلك ببدع من ضلالهم وعنادهم؛ فإنَّهم ما تفرَّقوا واختلفوا وصاروا أحزاباً {إلاَّ من بعدِ ما جاءتۡهُمُ البيِّنَةُ}: التي توجب لأهلها الاجتماع والاتِّفاق، ولكنَّهم لرداءتهم ونذالتهم لم يزدهم الهدى إلا ضلالاً ولا البصيرة إلا عمىً.

الآية 5: مع أنَّ الكتب كلَّها جاءت بأصل واحدٍ ودين واحدٍ؛ فما {أمِروا} في سائر الشرائع، إلا أن يعبدوا {اللهَ مخلصين له الدِّين}؛ أي: قاصدين بجميع عباداتهم الظَّاهرة والباطنة وجه الله وطلب الزُّلفى لديه، {حنفاءَ}؛ أي: معرضين مائلين عن سائر الأديان المخالفة لدين التَّوحيد، وخصَّ الصلاة والزَّكاة بالذِّكر مع أنَّهما داخلان في قوله:{ليعبدوا الله مخلصين له الدين}؛ لفضلهما وشرفهما وكونهما العبادتين اللتين مَن قام بهما قام بجميع شرائع الدين. {وذلك}؛ أي: التَّوحيد والإخلاص في الدِّين هو {دين القيِّمة}؛ أي: الدين المستقيم الموصل إلى جنَّات النَّعيم، وما سواه فطرقٌ موصلةٌ إلى الجحيم.

الآية 6: ثم ذكر جزاء الكافرين بعدما جاءتهم البيِّنة، فقال:{إنَّ الذين كفروا من أهل الكتابِ والمشركينَ في نارِ جهنَّم}: قد أحاط بهم عذابها، واشتدَّ عليهم عقابها، {خالدين فيها}: لا يُفَتَّر عنهم العذاب، وهم فيها مبلسون. {أولئك هم شرُّ البريَّة}: لأنَّهم عرفوا الحقَّ، وتركوه، وخسروا الدُّنيا والآخرة.

الآية 7:{إنَّ الذين آمنوا وعملوا الصَّالحات أولئك هم خيرُ البريَّة}: لأنَّهم عبدوا الله وعرفوه، وفازوا بنعيم الدُّنيا والآخرة.

الآية 8:{جزاؤهم عند ربِّهم جناتُ عدنٍ}؛ أي: جناتُ إقامةٍ لا ظعن فيها ولا رحيل ولا طلب لغايةٍ فوقَها، {تجري من تحتها الأنهارُ خالدين فيها أبداً رضيَ الله عنهم ورضوا عنه}: فرضي عنهم بما قاموا به من مراضيه، ورضوا عنه بما أعدَّ لهم من أنواع الكرامات [وجزيل المثوبات]. {ذلك}: الجزاء الحسن {لِمَنۡ خشيَ ربَّه}؛ أي: لمن خاف الله فأحجم عن معاصيه، وقام بما أوجب عليه.

تمت. والحمد لله.

* * *

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْل الكِتاب والمُشْرِكِينَ فِي نار جَهَنَّم خالِدِينَ فِيها﴾ حال مُقَدَّرَة، أيْ مُقَدَّرًا خُلُودهمْ فِيها مِن اللَّه تَعالى ﴿أُولَئِكَ هُمْ شَرّ البَرِيَّة﴾

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يشمل هذا التفسير الآيات 6 إلى 8

يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ مَآلِ الْفُجَّارِ، مِنْ كَفَرَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَالْمُشْرِكِينَ الْمُخَالِفِينَ لَكُتُبِ اللَّهِ الْمُنَزَّلَةِ وَأَنْبِيَاءِ اللَّهِ الْمُرْسَلَةِ: أَنَّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أَيْ: مَاكِثِينَ، لَا يُحَوَّلُونَ عَنْهَا وَلَا يَزُولُونَ ﴿أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ أَيْ: شَرُّ الْخَلِيقَةِ الَّتِي بَرَأَهَا اللَّهُ وَذَرَأَهَا.

ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ حَالِ الْأَبْرَارِ -الَّذِينَ آمَنُوا بِقُلُوبِهِمْ، وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِأَبْدَانِهِمْ-بِأَنَّهُمْ خير الْبَرِيَّةِ.

وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَبُو هُرَيْرَةَ وَطَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، عَلَى تَفْضِيلِ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْبَرِيَّةِ [[في أ: "من البشر".]] عَلَى الْمَلَائِكَةِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾

ثُمَّ قَالَ: ﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ أَيْ: بِلَا انْفِصَالٍ وَلَا انْقِضَاءٍ وَلَا فَرَاغٍ.

﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ وَمَقَامُ رِضَاهُ عَنْهُمْ أَعْلَى مِمَّا أُوتُوهُ مِنَ النَّعِيمِ الْمُقِيمِ، ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ فِيمَا مَنَحَهُمْ مِنَ الْفَضْلِ الْعَمِيمِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ أَيْ: هَذَا الْجَزَاءُ حَاصِلٌ لِمَنْ خَشِيَ اللَّهَ وَاتَّقَاهُ حَقَّ تَقْوَاهُ، وَعَبَدَهُ كَأَنَّهُ يَرَاهُ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَرَهُ فَإِنَّهُ يَرَاهُ.

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ، عَنْ أَبِي وَهْبٍ -مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ-عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الْبَرِيَّةِ؟ " قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: "رَجُلٌ أَخَذَ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، كُلَّمَا كَانَتْ هَيْعَة اسْتَوَى عَلَيْهِ. أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الْبَرِيَّةِ؟ " قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: "رَجُلٌ فِي ثُلَّة مِنْ غَنَمِهِ، يُقِيمُ الصَّلَاةَ وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ. أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِشَرِّ [[في أ: "بخير".]] الْبَرِيَّةِ؟ ". قَالُوا: بَلَى. قَالَ: "الَّذِي يَسأل بِاللَّهِ، وَلَا يُعطي بِهِ" [[المسند (٢/٣٩٦) وقال الهيثمي في المجمع (٥/٢٧٩) : "أبو معشر -نجيح- ضعيف، وأبو معشر (كذا فيه، والصواب: أبو وهب) مولى أبي هريرة لم أعرفه".]] .

آخِرُ تفسير سورة "لم يكن" [[في م: "آخر تفسيرها".]] .

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

يشمل هذا التفسير الآيات 6 إلى 7

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) ﴾ .

يقول تعالى ذكره: إن الذين كفروا بالله ورسوله محمد ﷺ، فجحدوا نبوّته، من اليهود والنصارى والمشركين جميعهم ﴿فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ يقول: ماكثين لابثين فيها ﴿أَبَدًا﴾ لا يخرجون منها، ولا يموتون فيها ﴿أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ يقول جل ثناؤه: هؤلاء الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين، هم شرّ من برأه الله وخلقه، والعرب لا تهمز البرية، وبترك الهمز فيها قرأتها قراء الأمصار، غير شيء يُذكر عن نافع بن أبي نعيم، فإنه حكى بعضهم عنه أنه كان يهمزها، وذهب بها إلى قول الله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: ٢٢] وأنها فعيلة من ذلك. وأما الذين لم يهمزوها، فإن لتركهم الهمز في ذلك وجهين: أحدهما أن يكونوا تركوا الهمز فيها، كما تركوه من الملك، وهو مفعل من ألك أو لأك، ومِن يرى، وترى، ونرى، وهو يفعل من رأيت. والآخر: أن يكونوا وجَّهوها إلى أنها فعيلة من البري وهو التراب. حكي عن العرب سماعا: بفيك البري، يعني به: التراب.

* *

وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾

يقول تعالى ذكره: إن الذين آمنوا بالله ورسوله محمد، وعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأطاعوا الله فيما أمر ونهى ﴿أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ يقول: من فعل ذلك من الناس فهم خير البرية. وقد: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا عيسى بن فرقد، عن أبي الجارود، عن محمد بن عليّ ﴿أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ فقال النبي ﷺ: "أنْتَ يا عَلي وَشِيعَتُكَ".