سورة الفتح، الآية 29
الجزء 26، الصفحة 515.
مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ ۚ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَىٰهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنًا ۖ سِيمَاهُمْ فِى وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِى ٱلتَّوْرَىٰةِ ۚ وَمَثَلُهُمْ فِى ٱلْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْـَٔهُۥ فَـَٔازَرَهُۥ فَٱسْتَغْلَظَ فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِۦ يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ ۗ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًۢا ﴿٢٩﴾
الآية في سياق السورةاستمع إلى سورة الفتح
تفسير الآية
التفسير الميسر
محمد رسول الله، والذين معه على دينه أشداء على الكفار، رحماء فيما بينهم، تراهم ركعًا سُجَّدًا لله في صلاتهم، يرجون ربهم أن يتفضل عليهم، فيدخلهم الجنة، ويرضى عنهم، علامة طاعتهم لله ظاهرة في وجوههم من أثر السجود والعبادة، هذه صفتهم في التوراة. وصفتهم في الإنجيل كصفة زرع أخرج ساقه وفرعه، ثم تكاثرت فروعه بعد ذلك، وشدت الزرع، فقوي واستوى قائمًا على سيقانه جميلًا منظره، يعجب الزُّرّاع؛ ليَغِيظ بهؤلاء المؤمنين في كثرتهم وجمال منظرهم الكفار. وفي هذا دليل على كفر من أبغض الصحابة -رضي الله عنهم-؛ لأن من غاظه الله بالصحابة، فقد وُجد في حقِّه موجِب الغَيْظ، وهو الكفر. وعد الله الذين آمنوا منهم بالله ورسوله وعملوا ما أمرهم الله به، واجتنبوا ما نهاهم عنه، مغفرة لذنوبهم، وثوابًا جزيلًا لا ينقطع، وهو الجنة. ووعد الله حق مصدَّق لا يُخْلَف، وكل من اقتفى أثر الصحابة رضي الله عنهم فهو في حكمهم في استحقاق المغفرة والأجر العظيم، ولهم الفضل والسبق والكمال الذي لا يلحقهم فيه أحد من هذه الأمة، رضي الله عنهم وأرضاهم.
تفسير السعدي
الآية 29: يخبر تعالى عن رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه من المهاجرين والأنصار؛ أنَّهم بأكمل الصفات وأجلِّ الأحوال، وأنَّهم {أشداءُ على الكفَّارِ}؛ أي: جادِّين ومجتهدين في عداوتهم، وساعين في ذلك بغاية جهدهم، فلم يروا منهم إلاَّ الغلظةَ والشدَّةَ؛ فلذلك ذلَّ أعداؤُهم لهم وانكسروا وقهرهم المسلمون، {رحماءُ بينَهم}؛ أي: متحابُّون متراحمون متعاطفون كالجسد الواحد، يحبُّ أحدُهم لأخيه ما يحبُّ لنفسه، هذه معاملتُهم مع الخلق، وأمَّا معاملتُهم مع الخالق؛ فتراهم {رُكَّعاً سجداً}؛ أي: وصفهم كثرة الصلاة التي أجلُّ أركانها الركوع والسجود، {يبتغونَ}: بتلك العبادة {فضلاً من الله ورضواناً}؛ أي: هذا مقصودهم، بلوغُ رضا ربِّهم والوصول إلى ثوابِهِ {سيماهم في وجوهِهِم من أثرِ السُّجودِ}؛ أي: قد أثَّرت العبادة مِنْ كثرتِها وحسنِها في وجوههم حتى استنارتْ، لمَّا استنارت بالصلاة بواطنهم؛ استنارتْ ظواهِرُهم. {ذلك}: المذكور {مَثَلُهُم في التَّوراةِ}؛ أي: هذا وصفُهم الذي وصَفَهم الله به مذكورٌ بالتوراة هكذا. وأما {مثلهم في الإنجيل}؛ فإنَّهم موصوفون بوصف آخر، وأنَّهم في كمالهم وتعاونهم {كزرع أخۡرَجَ شطأه فآزره}؛ أي: أخرج فراخه فوازرتْه فراخُهُ في الشباب والاستواء، {فاستغلظَ}: ذلك الزرع؛ أي: قوي وغلظ، {فاستوى على سوقِهِ}: جمع ساق، {يعجِبُ الزُّرَّاعَ}: من كماله واستوائه وحسنه واعتداله، كذلك الصحابة رضي الله عنهم هم كالزرع في نفعهم للخلق واحتياج الناس إليهم، فقوَّة إيمانهم وأعمالهم بمنزلة قوَّة عروق الزرع وسوقِهِ، وكون الصغير والمتأخِّر إسلامه قد لَحِقَ الكبير السابق، ووازره وعاونه على ما هو عليه من إقامة دينِ الله والدعوةِ إليه، كالزرع الذي أخْرَجَ شَطأه فآزره فاستغلظ، ولهذا قال:{لِيَغيظَ بهم الكفارَ}: حين يَرَوْنَ اجتماعهم وشدَّتهم على دينهم، وحين يتصادمون هم وهم في معارك النِّزال ومعامع القتال، {وَعَدَ الله الذين آمنوا وعَمِلوا الصالحات منهم مغفرةً وأجراً عظيماً}: فالصحابة رضي الله عنهم، الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح، قد جمع الله لهم بين المغفرةِ التي من لوازمها وقايةُ شرور الدُّنيا والآخرة والأجر العظيم في الدنيا والآخرة.
وَلِنَسُق قصَّةَ الحديبية بطولها كما ساقها الإمامُ شمس الدين ابن القيم في «الهدي النبوي»؛ فإنَّ فيها إعانةً على فهم هذه السورة، وقد تكلَّم على معانيها وأسرارها. قال رحمه الله تعالى: فصل في قصة الحديبية قال نافعٌ: كانت سنة ستٍّ في ذي القعدة. وهذا هو الصحيح، وهو قول الزهريِّ وقَتادة وموسى بن عُقبة ومحمد بن إسحاق وغيرهم. وقال هشامُ بن عروة عن أبيه: خرج رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إلى الحديبية في رمضان، وكانت في شوال. وهذا وهمٌ، وإنما كانت غزاة الفتح في رمضان. [وقد] قال أبو الأسود عن عروة: إنَّها كانتْ في ذي القعدة على الصواب. وفي «الصحيحين» عن أنس أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - اعتمر أربع عمر، كلُّهن في ذي القعدة. فذكر منهنّ عمرة الحديبية. وكان معه ألف وخمسمائة. هكذا في «الصحيحين» عن جابر. وعنه فيهما: كانوا ألفاً وأربعمائة. وفيهما عن عبد الله بن أبي أوفى: كنا ألفاً وثلاثمائة. قال قتادةُ: قلت لسعيد بن المسيّب: كم كان الجماعة الذين شهدوا بيعةَ الرضوانِ؟ قال خمس عشرة مائة. قال: قلت: فإنَّ جابر بن عبد الله قال: كانوا أربع عشرة مائة، قال: يرحمه الله وهم، هو حدثني أنَّهم كانوا خمس عشرة مائة. قلت: وقد صحَّ عن جابر القولان، وصحَّ عنه أنهم نحروا عام الحديبية سبعين بَدَنَةً، البدنة عن سبعة، فقيل له: كم كنتم؟ قال: ألفاً وأربعمائة بخيلنا ورجلنا؛ يعني: فارسهم وراجلهم. والقلب إلى هذا أميل، وهو قول البراء بن عازب ومعقلِ بن يسار وسلمة بن الأكوع في أصحِّ الروايتين وقول المسيب بن حزن. قال شعبةُ عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن أبيه: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحت الشجرة ألفاً وأربعمائة، وغلط غلطاً بيِّناً من قال: كانوا سبعمائة! وعذره أنهم نحروا يومئذ سبعينَ بدنةً، والبدنة قد جاء إجزاؤها عن سبعة وعن عشرة! وهذا لا يدل على ما قاله هذا القائل؛ فإنَّه قد صرح بأن البدنة كانت في هذه الغزوة عن سبعة؛ فلو كانت السبعون عن جميعهم؛ لكانوا أربعمائة وتسعين رجلاً، وقد قال في تمام الحديث بعيْنِهِ أنَّهم كانوا ألفاً وأربعمائة. فصل فلما كانوا بذي الحليفة؛ قلدَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - الهَدْيَ وأشعره وأحرم بالعمرة وبعث عيناً له بين يديه من خزاعة يخبِرُه عن قريش، حتى إذا كان قريباً من عسفان؛ أتاه عينه، فقال: إني قد تركت كعب بن لؤيٍّ قد جمعوا لك الأحابيش، وجمعوا لك جموعاً، وهم مقاتلوك وصادُّوك عن البيت [ومانعوك]. واستشار النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أصحابه [وقال]: أترون أن نميل إلى ذراري هؤلاء الذين أعانوهم فنصيبهم؟ فإنْ قَعَدوا قعدوا موتورين محزونين، وإن نجوا؛ تكنْ عنقاً قطعها الله، أم ترونَ أن نؤمَّ البيتَ فمن صدَّنا عنه قاتلناه؟ قال أبو بكر: الله ورسوله أعلم، إنَّما جئْنا معتمرين، ولم نجئ لقتال أحدٍ، ولكن؛ منْ حال بيننا وبين البيت؛ قاتلناه. فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «فرُوحوا إذاً»! فراحوا، حتى إذا كانوا ببعض الطريق؛ قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش [طليعة]؛ فخذوا ذات اليمين». فوالله ما شعر بهم خالدٌ، حتى إذا هم بغبرة الجيش، فانطلق يركض نذيراً لقريش. وسار النبي - صلى الله عليه وسلم -، حتى إذا كان بالثنيَّة التي يهبط عليهم منها؛ بركت به راحلته، فقال الناسُ: حلْ حلْ! فألحَّتْ، فقالوا: خلأتِ القصواءُ، خلأتِ القصواء. فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «ما خلأتِ القصواءُ وما ذاك لها بخلُقُ، ولكن حبسها حابسُ الفيل». ثم قال:«والذي نفسي بيده؛ لا يسألوني خطَّة يعظِّمون فيها حرمات الله؛ إلاَّ أعطيتموها». ثم زجرها، فوثبت به، فعدل، حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمدٍ قليل الماء، إنَّما يتبرَّضه الناس تبرُّضاً، فلم يلبث الناس أن نزحوه، فشكوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العطش، فانتزع سهماً من كنانته، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه. قال: فوالله؛ ما زال يجيش لهم بالريِّ حتى صدروا عنها. وفزعت قريشٌ لنزوله عليهم، فأحبَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يبعث إليهم رجلاً من أصحابه، فدعا عمر بن الخطاب ليبعثه إليهم، فقال: يا رسول الله! ليس لي بمكة أحدٌ من بني كعب يغضب لي إن أوذيتُ؛ فأرسلْ عثمان بن عفان؛ فإنَّ عشيرته بها، وإنَّه مبلغٌ ما أردت. فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عثمان بن عفان، فأرسله إلى قريش، وقال:«أخبِرْهم أنا لم نأتِ لقتال، [و] إنما جئنا عمَّاراً، وادعُهم إلى الإسلام». وأمره أن يأتي رجالاً بمكَّة مؤمنين ونساء مؤمنات، فيدخل عليهم، ويبشِّرهم بالفتح، ويخبرهم أنَّ الله عز وجل مظهرٌ دينه بمكة حتى لا يُستخفى فيها بالإيمان. فانطلق عثمان، فمرَّ على قريش ببلدح، فقالوا: أين تريد؟ فقال: بعثني رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أدعوكم إلى الله وإلى الإسلام، وأخبركم أنا لم نأتِ لقتال، وإنَّما جئنا عمَّاراً. قالوا: قد سمعنا ما تقولُ؛ فانفذْ لحاجتك. وقام إليه أبان بن سعيد بن العاص، فرحَّب به، وأسرج فرسه، فحمل عثمان على الفرس، فأجاره، وأردفه أبان حتى جاء مكة. وقال المسلمون قبل أن يرجع عثمان: خَلَصَ عثمانُ قبلَنا إلى البيت وطاف به. فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما أظنُّه طاف بالبيت ونحن محصورونَ». فقالوا: وما يمنعه يا رسول الله وقد خَلَصَ؟ قال:«ذاك ظنِّي به أن لا يطوفَ بالكعبة حتى نطوف معه». واختلط المسلمون بالمشركينَ في أمر الصلح، فرمى رجلٌ من أحد الفريقين رجلاً من الفريق الآخر، وكانت معركةٌ، وترامَوْا بالنبل والحجارة، وصاح الفريقان كلاهما، وارتهن كلُّ واحدٍ من الفريقين بمن فيهم، وبلغ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّ عثمان قد قتل، فدعا إلى البيعة، فثار المسلمون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو تحت الشجرة فبايعوه على ألاَّ يفروا فأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيد نفسِهِ، وقال:«هذه عن عثمان». ولما تمَّت البيعةُ؛ رجع عثمان، فقال له المسلمون: اشتفيتَ يا أبا عبد الله من الطواف بالبيت؟ فقال: بئسما ظننتُم بي، والذي نفسي بيده؛ لو مكثت بها سنة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقيمٌ بالحديبية ما طفتُ بها حتى يطوفَ بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولقد دعتْني قريشٌ إلى الطواف بالبيت فأبيتُ. فقال المسلمون: رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - كان أعلمنا بالله وأحسننا ظنًّا. وكان عمر آخذاً بيد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للبيعة تحت الشجرة، فبايعه المسلمون كلهم إلاَّ الجدَّ بن قيس، وكان معقل بن يسار آخذاً بغصنها يرفعه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان أول من بايعه أبو سنان الأسدي، وبايعه سلمة بن الأكوع ثلاث مرات في أول الناس وأوسطهم وآخرهم. فبينما هم كذلك؛ إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعيُّ في نفر من خزاعة، وكانوا عيبة نصح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أهل تهامة، فقال: إني تركت كعب بن لؤيٍّ وعامر بن لؤيٍّ نزلوا أعداد مياه الحديبية، معهم العوذُ المطافيل، وهم مقاتلوك وصادُّوك عن البيت. قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّا لم نجئ لقتال أحدٍ، ولكن جئنا معتمرين، وإنَّ قريشاً قد نهكتهمُ الحربُ وأضرَّت بهم؛ فإنْ شاؤوا أماددهم ويخلُّوا بيني وبين الناس، وإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس؛ فعلوا، وإلاَّ؛ فقد جموا، وإن [هم] أبوا إلاَّ القتال؛ فوالذي نفسي بيده؛ لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفردَ سالفتي أو لينفذنَّ الله أمره». قال بديل: سأبلغهم ما تقولُ. فانطلق حتى أتى قريشاً، فقال: إني قد جئتُكم من عند هذا الرجل، وسمعته يقول قولاً؛ فإن شئتُم عرضتُه عليكم. فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تحدِّثنا عنه بشيء. وقال ذوو الرأي منهم:هات ما سمعته! قال: سمعتُه يقول كذا وكذا.[فحدثهم بما قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -]، فقال عروةُ بن مسعود الثقفي: إنَّ هذا قد عرض عليكم خطةَ رشدٍ؛ فاقبلوها عليكم خطة رشد؛ فاقبلوها ودعوني آته. فقالوا: ائتِهِ! فأتاه، فجعل يكلمه، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - نحوًا من قوله لبديل، فقال له عروة عند ذلك: أي محمد! أرأيت لو استأصلت قومك؛ هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى؛ فوالله؛ إني لأرى وجوها وأرى أوباشاً من الناس خليقة أن يفروا ويدعوك. فقال له أبو بكر: امصص بظر اللات! أنحن نفرُّ عنه وندعه؟! قال: من ذا؟ قالوا: أبو بكر. قال: أما والذي نفسي بيده؛ لولا بد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجتك. وجعل يكلم النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكلما كلمه؛ أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة عند رأس النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومعه السيف، وعليه المغفر، فكلما أهوى عروة إلى لحية النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ ضرب يده بنعل السيف، وقال: أخر يدك عن لحية رسول الله - صلى الله عليه وسلم -! فرفع عروة رأسه، وقال: من ذا؟ قال: المغيرة بن شعبة. فقال: أي غدر!؛ أو لست أسعى في غدرتك؟! وكان المغيرة صحب قوما فقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أما الإسلام؛ فأقبل، وأما المال؛ فلست منه في شيء. ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ بعينيه فوالله؛ ما تنخم النبي صلى الله عليه وسلم نخامة؛ إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها جلده ووجهه، وإذا أمرهم؛ ابتدروا أمره، وإذا توضأ؛ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم؛ خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدُون إليه النظر تعظيمة له. فرجع عروة إلى أصحابه، فقال: أي قوم! والله؛ لقد وفدت على الملوك؛ علي كسري، وقيصر والنجاشي. والله؛ ما رأيت ملكا يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمدٍ محمدًا. والله؛ إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم؛ ابتدروا أمره، وإذا توضأ؛ كادوا يقتلون على وضوئه، وإذا تكلم؛ خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيمة له، وقد عرض عليكم خطة رشد؛ فاقبلوها. فقال رجل من بني كِنانة: دعوني آته! فقالوا: ائته! فلما أشرف على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه؛ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «هذا فلانٌ، وهو من قوم يعظِّمونَ البدنَ، فابعثوها له». فبعثوها، فاستقبله القوم يلبُّون، فلما رأى ذلك؛ قال: سبحان الله! لا ينبغي لهؤلاء أن يُصَدَّوا عن البيت. فرجع إلى أصحابه، فقال: رأيتُ البُدْنَ قد قُلِّدَتْ وأُشْعِرَتْ، وما أرى أن يصدُّوا عن البيت. فقام مكرز بن حفص، [و] قال: دعوني آتِهِ! فقالوا: ائته! فلما أشرف عليهم؛ قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «هذا مكرز بن حفص، وهو رجلٌ فاجرٌ». فجعل يكلِّم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فبينما هو يكلِّمه؛ إذ جاء سُهيل بن عمرو، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «قد سَهُلَ لكم من أمركم». فقال: هات اكتبْ بيننا وبينك كتاباً. فدعا الكاتب، فقال:«اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم». فقال سهيل: أما الرحمن؛ فوالله ما ندري ما هو؟ ولكن اكتب: باسمك اللهم. كما كنتَ تكتبُ. فقال المسلمون: والله؛ لا نكتبُها إلاَّ بسم الله الرحمن الرحيم. فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «اكتب باسمك اللهم». ثم قال:«اكتب: هذا ما قاضى عليه محمدٌ رسولُ الله». فقال سهيلٌ: فوالله؛ لو كنا نعلم أنك رسولُ الله ما صَدَدْناك عن البيت ولا قاتَلْناك، ولكن اكتبْ: محمدُ بنُ عبد الله. فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنِّي رسولُ الله وإن كذَّبْتُموني، اكتبْ: محمد بن عبد الله». فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «على أن تخلُّوا بيننا وبين البيت فنطوف به». فقال سهيلٌ: والله؛ لا تتحدَّث العرب أنَّا أخِذْنا ضغطةً. ولكن ذلك من العام المقبل. فكتب. فقال سهيلٌ: على أن لا يأتيك منَّا رجلٌ، وإن كان على دينِك؛ إلاَّ ردَدْتَه علينا. فقال المسلمون: سبحان الله! كيف يردُّ إلى المشركين وقد جاء مسلماً؟ فبينما هم كذلك؛ إذ جاء أبو جندل بنُ سهيل [بن عمرو] يرسُفُ في قيوده، قد خرج من أسفل مكة، حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيلٌ: هذا يا محمدُ أول ما قاضيك عليه أن تردَّه [إليّ]. فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّا لم نقضِ الكتابَ بعدُ». فقال: فوالله؛ إذاً لا أصالحك على شيءٍ أبداً. فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «فأجِزْه لي». فقال: ما أنا بمجيزه [لك]. فقال:«بلى فافْعَلْ». قال: ما أنا بفاعل. قال مكرزٌ:[بلى] قد أجَزْناه. فقال أبو جندل: يا معشر المسلمين! أردُّ إلى المشركين وقد جئت مسلماً؟! ألا ترون ما لقيت؟! وكان قد عذِّب في الله عذاباً شديداً. قال عمر بن الخطاب: والله؛ ما شككتُ منذ أسلمتُ إلاَّ يومئذٍ، فأتيتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فقلت: يا رسول الله! ألستَ نبيَّ الله حقًّا؟ قال:«بلى». قلت: ألسنا على الحقِّ وعدوُّنا على الباطل؟ قال:«بلى». فقلت: علامَ نعطي الدنيَّة في ديننا [إذاً] ونرجِعُ ولما يحكُم الله بيننا وبين أعدائنا؟ فقال:«إنِّي رسولُ الله، وهو ناصري، ولست أعصيه». قلت: أولستَ كنت تحدِّثنا أنا سنأتي البيت ونطوفُ به؟ قال:«بلى، أفأخبرتُك أنك تأتيه العام؟». قلت: لا. قال:«فإنك آتيه ومطوِّفٌ به». قال: فأتيت أبا بكر، فقلتُ له كما قلتُ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وردَّ عليه أبو بكر كما ردَّ عليه رسول الله سواء، وزاد:«فاستمسكْ بغرزه حتى تموت، فوالله؛ إنَّه لعلى الحقِّ». قال عمر: فعملتُ لذلك أعمالاً. فلما فرغ من قضية الكتاب؛ قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «قوموا وانحروا ثم احلِقوا». فوالله ما قام منهم رجلٌ [واحدٌ]، حتى قال ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحدٌ؛ قام فدخل على أمِّ سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت [أم سلمة]: يا رسول الله! أتحبُّ ذلك؟ اخرج، ثم لا تكلِّمْ أحداً [منهم] كلمةً حتى تنحر بُدْنَكَ وتدعُوَ حالقك فيحلق لك. فقام، فخرج، فلم يكلِّم أحداً منهم حتى فعل ذلك؛ نحر بُدنه ودعا حالِقَه فحلَقَه. فلما رأى الناس ذلك؛ قاموا، فنحروا، وجعل بعضهم يحلقُ بعضاً، حتى كاد بعضُهم يقتُلُ بعضاً غمًّا. ثم جاءت نسوةٌ مؤمناتٌ، فأنزل الله عزَّ وجلَّ:{[يا أيها الذين آمنوا] إذا جاءكم المؤمناتُ مهاجراتٍ فامتحنوهنَّ ... }: حتى بلغ {بعصم الكوافرِ}، فطلق عمر يومئذٍ امرأتين كانتا له في الشرك، فتزوَّج إحداهما معاوية والأخرى صفوان بن أمية، ثم رجع إلى المدينة. وفي مرجعه أنزل الله عليه:{إنَّا فَتَحۡنا لك فتحاً مبيناً [ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطاً مستقيماً وينصرك الله نصراً عزيزاً ... ]} إلى آخرها، فقال عمر: أفتحٌ هو يا رسول الله؟ قال:«نعم». فقال الصحابة: هنيئاً لك يا رسول الله؛ فما لنا؟ فأنزل الله عزَّ وجلَّ:{هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ... } الآية. انتهى.
وهذا آخر تفسير سورة الفتح. ولله الحمد [والمنة]. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. نقلته من خط المفسر رحمه الله وعفا عنه، وكان الفراغ من كتابته في 13 ذي الحجة سنة 1345، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين، آمين. بقلم الفقير إلى ربه، سليمان بن حمد العبد الله البسام، غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين آمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
* * *
تفسير الجلالين
﴿مُحَمَّد﴾ مُبْتَدَأ ﴿رَسُول اللَّه﴾ خَبَره ﴿والَّذِين مَعَهُ﴾ أيْ أصْحابه مِن المُؤْمِنِينَ مُبْتَدَأ خَبَره ﴿أشِدّاء﴾ غِلاظ ﴿عَلى الكُفّار﴾ لا يَرْحَمُونَهُمْ ﴿رُحَماء بَيْنهمْ﴾ خَبَر ثانٍ أيْ مُتَعاطِفُونَ مُتَوادُّونَ كالوالِدِ مَعَ الوَلَد ﴿تَراهُمْ﴾ تُبْصِرهُمْ ﴿رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ حالانِ ﴿يَبْتَغُونَ﴾ مُسْتَأْنَف يَطْلُبُونَ ﴿فَضْلًا مِن اللَّه ورِضْوانًا سِيماهُمْ﴾ عَلامَتهمْ مُبْتَدَأ ﴿فِي وُجُوههمْ﴾ خَبَره وهُوَ نُور وبَياض يُعْرَفُونَ بِهِ فِي الآخِرَة أنَّهُمْ سَجَدُوا فِي الدُّنْيا ﴿مِن أثَر السُّجُود﴾ مُتَعَلِّق بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَر أيْ كائِنَة وأُعْرِبَ حالًا مِن ضَمِيره المُنْتَقِل إلى الخَبَر ﴿ذَلِكَ﴾ الوَصْف المَذْكُور ﴿مَثَلهمْ﴾ صِفَتهمْ مُبْتَدَأ ﴿فِي التَّوْراة﴾ خَبَره ﴿ومَثَلهمْ فِي الإنْجِيل﴾ مُبْتَدَأ خَبَره ﴿كَزَرْعٍ أخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ بِسُكُونِ الطّاء وفَتْحها: فِراخه ﴿فَآزَرَهُ﴾ بِالمَدِّ والقَصْر قَوّاهُ وأَعانَهُ ﴿فاسْتَغْلَظَ﴾ غَلُظَ ﴿فاسْتَوى﴾ قَوِيَ واسْتَقامَ ﴿عَلى سُوقه﴾ أُصُوله جَمْع ساق ﴿يُعْجِب الزُّرّاع﴾ أيْ زُرّاعه لِحُسْنِهِ مِثْل الصَّحابَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ بَدَءُوا فِي قِلَّة وضَعْف فَكَثُرُوا وقَوُوا عَلى أحْسَن الوُجُوه ﴿لِيَغِيظَ بِهِمْ الكُفّار﴾ مُتَعَلِّق بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْله أيْ شُبِّهُوا بِذَلِكَ ﴿وعَدَ اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحات مِنهُمْ﴾ الصَّحابَة ومِن لِبَيانِ الجِنْس لا لِلتَّبْعِيضِ لِأَنَّهُمْ كُلّهمْ بِالصِّفَةِ المَذْكُورَة ﴿مَغْفِرَة وأَجْرًا عَظِيمًا﴾ الجَنَّة وهُما لِمَن بَعْدهمْ أيْضًا فِي آيات
تفسير ابن كثير
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ [[في ت: "صلى الله عليه وسلم" وفي م: "صلوات الله وسلامه عليه".]] ، أَنَّهُ رَسُولُهُ حَقًّا بِلَا شَكٍّ وَلَا رَيْبٍ، فَقَالَ: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ ، وَهَذَا مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ، وَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى كُلِّ وَصْفٍ جَمِيلٍ، ثُمَّ ثَنَّى بِالثَّنَاءِ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٥٤] وَهَذِهِ صِفَةُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمْ شَدِيدًا عَنِيفًا عَلَى الْكَفَّارِ، رَحِيمًا بَرًّا بِالْأَخْيَارِ، غَضُوبًا عَبُوسًا فِي وَجْهِ الْكَافِرِ، ضَحُوكًا بَشُوشًا فِي وَجْهِ أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التَّوْبَةِ: ١٢٣] ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ الواحد، إذا اشتكى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بالحمَّى والسَّهر" [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٣٠١١) ومسلم فس صحيحه برقم (٢٥٨٦) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه.]] ، وَقَالَ: "الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا" وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٤٨١) ومسلم في صحيحه برقم (٢٥٨٥) مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عنه.]] كِلَا الْحَدِيثَيْنِ فِي الصَّحِيحِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ : وَصَفَهُمْ بِكَثْرَةِ الْعَمَلِ وَكَثْرَةِ [[في ت، م: "وذكر".]] الصَّلَاةِ، وَهِيَ خَيْرُ الْأَعْمَالِ، وَوَصَفَهُمْ بِالْإِخْلَاصِ فِيهَا لِلَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، وَالِاحْتِسَابِ عِنْدَ اللَّهِ جَزِيلَ الثَّوَابِ، وَهُوَ الْجَنَّةُ [[في م: "المحبة".]] الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى فَضْلِ اللَّهِ، وَهُوَ سَعَةُ الرِّزْقِ عَلَيْهِمْ، وَرِضَاهُ، تَعَالَى، عَنْهُمْ وَهُوَ أَكْبَرُ مِنَ الْأَوَّلِ، كَمَا قَالَ: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التَّوْبَةِ: ٧٢] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ : قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ يَعْنِي: السَّمْتَ الْحَسَنَ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: يَعْنِي: الْخُشُوعَ وَالتَّوَاضُعَ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الطُّنَافسي، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الجَعْفي، عَنْ زَائِدَةَ [[في م: "المحبة".]] ، عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ قَالَ: الْخُشُوعُ قُلْتُ: مَا كُنْتُ أَرَاهُ إِلَّا هَذَا الْأَثَرَ فِي الْوَجْهِ، فَقَالَ: رُبَّمَا كَانَ بَيْنَ عَيْنَيْ مَنْ هُوَ أَقْسَى قَلْبًا مِنْ فِرْعَوْنَ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: الصَّلَاةُ تُحَسِّنُ وُجُوهَهُمْ.
وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: مَنْ كَثُرَتْ صَلَاتُهُ بِاللَّيْلِ حَسُنَ وَجْهُهُ بِالنَّهَارِ.
وَقَدْ أَسْنَدَهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ الطَّلْحي، عَنْ ثَابِتِ بْنِ مُوسَى، عَنْ شَرِيكٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ [[في ت: "عن النبي".]] ﷺ: "مَنْ كَثُرَتْ صَلَاتُهُ بِاللَّيْلِ حَسُنَ وَجْهُهُ بِالنَّهَارِ" وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ [[سنن ابن ماجة برقم (١٣٣٣) .]] .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ لِلْحَسَنَةِ نُورًا فِي الْقَلْبِ، وَضِيَاءً فِي الْوَجْهِ، وَسَعَةً فِي الرِّزْقِ، وَمَحَبَّةً فِي قُلُوبِ النَّاسِ.
وَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانُ: مَا أَسَرَّ أَحَدٌ سَرِيرَةً إِلَّا أَبْدَاهَا اللَّهُ عَلَى صَفَحَات وَجْهِهِ، وفَلتَات لِسَانِهِ.
وَالْغَرَضُ أَنَّ الشَّيْءَ الْكَامِنَ فِي النَّفْسِ يَظْهَرُ عَلَى صَفَحَاتِ الْوَجْهِ، فَالْمُؤْمِنُ إِذَا كَانَتْ سَرِيرَتُهُ صَحِيحَةً مَعَ اللَّهِ أَصْلَحَ اللَّهُ ظَاهِرَهُ لِلنَّاسِ، كَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَصْلَحَ سَرِيرَتَهُ أَصْلَحَ اللَّهُ عَلَانِيَتَهُ.
وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ، حدثنا حامد بن آدم المروزي، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ العَرْزَمي، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْل [[في ت: "وروى أبو القاسم الطبراني بإسناده".]] ، عَنْ جُنْدَب بْنِ سُفْيَانَ البَجَلي قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "مَا أَسَرَّ أَحَدٌ سَرِيرَةً إِلَّا أَلْبَسُهُ اللَّهُ رِدَاءَهَا، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ"، الْعَرْزَمِيُّ مَتْرُوكٌ [[المعجم الكبير (٢/١٧١) وحامد بن آدم كذاب.]] .
وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ [[في أ: "عن".]] مُوسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، حَدَّثَنَا دَرَّاجٍ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: "لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ يَعْمَلُ فِي صَخْرَةٍ صَمَّاءَ لَيْسَ لَهَا بَابٌ وَلَا كُوَّةٌ، لَخَرَجَ عَمَلُهُ لِلنَّاسِ كَائِنًا مَا [[في ت: "من".]] كَانَ" [[المسند (٣/٢٨) .]] .
وَقَالَ [[في ت: "وروى".]] الْإِمَامُ أَحْمَدُ [أَيْضًا] [[زيادة من ت.]] : حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا زُهَيْر، حَدَّثَنَا قَابُوسُ بْنُ أَبِي ظَبْيَان: أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: "إِنَّ الْهَدْيَ الصَّالِحَ، وَالسَّمْتَ الصَّالِحَ، وَالِاقْتِصَادَ جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ" وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيِّ، عَنْ زُهَيْرٍ، بِهِ [[المسند (١/٢٩٦) وسنن أبي داود برقم (٤٧٧٦) .]] .
فَالصَّحَابَةُ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ] [[زيادة من ت، م، أ.]] خَلُصَتْ نِيَّاتُهُمْ وَحَسُنَتْ أَعْمَالُهُمْ، فَكُلُّ مَنْ نَظَرَ إِلَيْهِمْ أَعْجَبُوهُ فِي سَمْتِهِمْ وَهَدْيِهِمْ.
وَقَالَ مَالِكٌ، رَحِمَهُ اللَّهُ: بَلَغَنِي أَنَّ النَّصَارَى كَانُوا إِذَا رَأَوُا الصَّحَابَةَ الَّذِينَ فَتَحُوا الشَّامَ يَقُولُونَ: "وَاللَّهِ لَهَؤُلَاءِ خَيْرٌ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ فِيمَا بَلَغَنَا". وَصَدَقُوا فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ مُعَظَّمَةٌ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَأَعْظَمُهَا وَأَفْضَلُهَا أَصْحَابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد نَوَّهَ اللَّهُ بِذِكْرِهِمْ فِي الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ وَالْأَخْبَارِ الْمُتَدَاوَلَةِ [[في م: "المقدسة".]] ؛ وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ ، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ [فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ : ﴿أَخْرَجَ شَطْأَهُ] ﴾ [[زيادة من م.]] أَيْ: فِرَاخَهُ، ﴿فَآزَرَهُ﴾ أَيْ: شَدَّهُ ﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾ أَيْ: شَبَّ وَطَالَ، ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾ أَيْ: فَكَذَلِكَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ آزَرُوهُ وَأَيَّدُوهُ وَنَصَرُوهُ فَهُمْ مَعَهُ كَالشَّطْءِ مَعَ الزَّرْعِ، ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ .
وَمِنْ هَذِهِ الْآيَةِ انْتَزَعَ الْإِمَامُ مَالِكٌ -رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ-بِتَكْفِيرِ الرَّوَافِضِ الَّذِينَ يُبْغِضُونَ الصَّحَابَةَ، قَالَ: لِأَنَّهُمْ يَغِيظُونَهُمْ، وَمَنْ غَاظَ الصَّحَابَةُ فَهُوَ كَافِرٌ لِهَذِهِ الْآيَةِ. وَوَافَقَهُ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى ذَلِكَ. وَالْأَحَادِيثُ فِي فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ وَالنَّهْيِ عَنِ التَّعَرُّضِ لَهُمْ بِمَسَاءَةٍ كَثِيرَةٌ [[في م: "كبيرة".]] ، ويكفيهم ثناء الله عليهم، ورضاه عنهم.
ثُمَّ قَالَ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ﴾ مِنْ" هَذِهِ لِبَيَانِ الْجِنْسِ، ﴿مَغْفِرَةً﴾ أَيْ: لِذُنُوبِهِمْ. ﴿وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ أَيْ: ثَوَابًا جَزِيلًا وَرِزْقًا كَرِيمًا، وَوَعْدُ اللَّهِ حَقٌّ وَصِدْقٌ، لَا يُخْلَفُ وَلَا يُبَدَّلُ، وَكُلُّ مَنِ اقْتَفَى أَثَرَ الصَّحَابَةِ فَهُوَ فِي حُكْمِهِمْ، وَلَهُمُ الْفَضْلُ وَالسَّبْقُ وَالْكَمَالُ الَّذِي لَا يَلْحَقُهُمْ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ، وَجَعَلَ جَنَّاتِ الْفِرْدَوْسِ مَأْوَاهُمْ [[في ت، م، أ: "مثواهم".]] ، وَقَدْ فَعَلَ.
قَالَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أحدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ" [[صحيح مسلم برقم (٢٥٤٠) .]] .
آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ الْفَتْحِ، وَلِلَّهِ الحمد والمنة.
تفسير الطبري
يشمل هذا التفسير الآيات 28 إلى 29
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨) مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩) مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩) ﴾
يعني تعالى ذكره بقوله ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ الذي أرسل رسوله محمدا ﷺ بالبيان الواضح، وَدِين الحَق، وهو الإسلام؛ الذي أرسله داعيا خلقه إليه ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ يقول: ليبطل به الملل كلها، حتى لا يكون دين سواه، وذلك كان كذلك حتى ينزل عيسى ابن مريم، فيقتل الدجال، فحينئذ تبطل الأديان كلها، غير دين الله الذي بعث به محمدا ﷺ، ويظهر الإسلام على الأديان كلها.
* *
وقوله ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾
يقول جلّ ثناؤه لنبيه ﷺ: أشهدك يا محمد ربك على نفسه، أنه سيظهر الدين الذي بعثك به ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ يقول: وحسبك به شاهدا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن حُمَيد، قال. ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا أبو بكر الهُذَليّ، عن الحسن ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ يقول: أشهد لك على نفسه أنه سيظهر دينك على الدين كله، وهذا إعلام من الله تعالى نبيه ﷺ، والذين كرهوا الصلح يوم الحديبية من أصحابه، أن الله فاتح عليهم مكة وغيرها من البلدان، مسليهم بذلك عما نالهم من الكآبة والحزن، بانصرافهم عن مكة قبل دخولهموها، وقبل طوافهم بالبيت.
* *
وقوله ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾
يقول تعالى ذكره: محمد رسول الله وأتباعه من أصحابه الذين هم معه على دينه، ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ ، غليظة عليهم قلوبهم، قليلة بهم رحمتهم ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ يقول: رقيقة قلوب بعضهم لبعض، لينة أنفسهم لهم، هينة عليهم لهم.
كما:-
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ ألقى الله في قلوبهم الرحمة، بعضهم لبعض ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ يقول: تراهم ركعا أحيانا لله في صلاتهم سجدا أحيانا ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ﴾ يقول: يلتمسون بركوعهم وسجودهم وشدّتهم على الكفار ورحمة بعضهم بعضا، فضلا من الله، وذلك رحمته إياهم، بأن يتفضل عليهم، فيُدخلهم جنته ﴿وَرِضْوَانًا﴾ يقول: وأن يرضى عنهم ربهم.
* *
وقوله ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾
يقول: علامتهم في وجوههم من أثر السجود في صلاتهم.
ثم اختلف أهل التأويل في السيما الذي عناه الله في هذا الموضع، فقال بعضهم: ذلك علامة يجعلها الله في وجوه المؤمنين يوم القيامة، يعرفون بها لما كان من سجودهم له في الدنيا.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ قال: صلاتهم تبدو في وجوههم يوم القيامة.
⁕ حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبيد الله العتكي، عن خالد الحنفي، قوله ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ قال: يعرف ذلك يوم القيامة في وجوههم من أثر سجودهم في الدنيا، وهو كقوله ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ .
⁕ حدثني عبيد بن أسباط بن محمد، قال: ثنا أبي، عن فضيل بن مروزق، عن عطية، في قوله ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ قال: مواضع السجود من وجوههم يوم القيامة أشد وجوههم بياضا.
⁕ حدثنا محمد بن عمارة، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا ابن فضيل، عن فضيل، عن عطية، بنحوه.
⁕ حدثني أبو السائب، قال: ثنا ابن فضيل، عن فضيل، عن عطية، بنحوه.
⁕ حدثنا مجاهد بن موسى، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا فضيل، عن عطية، مثله.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر، قال: سمعت شبيبا يقول عن مقاتل بن حيان، قال: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ قال: النور يوم القيامة.
⁕ حدثنا ابن سنان القزاز، قال: ثنا هارون بن إسماعيل، قال: قال عليّ بن المبارك: سمعت غير واحد عن الحسن، في قوله ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ قال: بياضا في وجوههم يوم القيامة.
وقال آخرون: بل ذلك سيما الإسلام وَسمْته وخشوعه، وعنى بذلك أنه يرى من ذلك عليهم في الدنيا.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ قال: السَّمْت الحَسَن.
⁕ قال: ثنا مجاهد، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا الحسن بن معاوية، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس، في قوله ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ قال: أما إنه ليس بالذي ترون، ولكنه سيما الإسلام وسَحْنته وسَمته وخشوعه.
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفيان، عن حميد الأعرج، عن مجاهد ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ قال: الخشوع والتواضع.
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن حميد الأعرج، عن مجاهد، مثله.
⁕ قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ قال: الخشوع.
⁕ حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، في هذه الآية ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ قال: السَّحْنة.
⁕ حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، في قوله ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ قال: هو الخشوع، فقلت: هو أثر السجود، فقال: إنه يكون بين عينيه مثل ركبة العنز وهو كما شاء الله.
وقال آخرون: ذلك أثر يكون في وجوه المصلين، مثل أثر السهر، الذي يظهر في الوجه مثل الكلف والتهيج والصفرة، وأشبه ذلك مما يظهره السهر والتعب في الوجه، ووجهوا التأويل في ذلك إلى أنه سيما في الدنيا.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن رجل، عن الحسن ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ قال: الصفرة.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر، عن أبيه، قال: زعم الشيخ الذي كان يقصّ في عُسر، وقرأ ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ فزعم أنه السهر يرى في وجوههم.
⁕ حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا يعقوب القمِّيُّ، عن حفص، عن شَمِر بن عَطية، في قوله ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ قال: تهيج في الوجه من سهر الليل.
وقال آخرون: ذلك آثار ترى في الوجه من ثرى الأرض، أو نَدَى الطَّهُور.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا حوثرة بن محمد المنقري، قال: ثنا حماد بن مسعدة؛ وحدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا حرير جميعا عن ثعلبة بن سهيل، عن جعفر بن أبي المُغيرة، عن سعيد بن جُبير، في قوله ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ قال: ثرى الأرض، وندى الطَّهُور.
⁕ حدثنا ابن سنان القزّاز، قال: ثنا هارون بن إسماعيل، قال: ثناء عليّ بن المبارك، قال: ثنا مالك بن دينار، قال: سمعت عكرِمة يقول ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ قال: هو أثر التراب.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبرنا أن سيما هؤلاء القوم الذين وصف صفتهم في وجوههم من أثر السجود، ولم يخصّ ذلك على وقت دون وقت. وإذ كان ذلك كذلك، فذلك على كلّ الأوقات، فكان سيماهم الذي كانوا يعرفون به في الدنيا أثر الإسلام، وذلك خشوعه وهديه وزهده وسمته، وآثار أداء فرائضه وتطوّعِه، وفي الآخرة ما أخبر أنهم يعرفون به، وذلك الغرّة في الوجه والتحجيل في الأيدي والأرجل من أثر الوضوء، وبياض الوجوه من أثر السجود.
وبنحو الذي قلنا في معنى السيما قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ يقول: علامتهم أو أعلمتهم الصلاة.
* *
وقوله ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾
يقول: هذه الصفة التي وصفت لكم من صفة أتباع محمد ﷺ الذين معه صفتهم في التوراة.
* *
وقوله ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾
يقول: وصفتهم في إنجيل عيسى صفة زرع أخرج شطأه، وهو فراخه، يقال منه: قد أشطأ الزرع: إذا فرَّخ فهو يشطّي إشطاء، وإنما مثلهم بالزرع المشطئ، لأنهم ابتدءوا في الدخول في الإسلام، وهم عدد قليلون، ثم جعلوا يتزايدون، ويدخل فيه الجماعة بعدهم، ثم الجماعة بعد الجماعة، حتى كثر عددهم، كما يحدث في أصل الزرع الفرخ منه، ثم الفرخ بعده حتى يكثر وينمي.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنا معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ أصحابه مثلهم، يعني نعتهم مكتوبا في التوراة والإنجيل قبل أن يخلق السموات والأرض.
⁕ حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قالة: ثنا عبيد، عن الضحاك ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ ... إلى قوله ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ ثم قال ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ ... الآية.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ذلك ﴿مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ : أي هذا المثل في التوراة ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ فهذا مثل أصحاب رسول الله ﷺ في الإنجيل.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ قال ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ .
⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ يعني السيما في الوجوه مثلهم في التوراة، وليس بمثلهم في الإنجيل، ثم قال عزّ وجلّ: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ ... الآية، هذا مثلهم في الإنجيل.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ .
⁕ حدثني عمرو بن عبد الحميد، قال: ثنا مروان بن معاوية، عن جُويبر، عن الضحاك في قول الله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ ... الآية، قال: هذا مثلهم في التوراة، ومثل آخر في الإنجيل ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ﴾ الآية.
وقال آخرون: هذان المَثَلان في التوراة والإنجيل مثلهم.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ والإنجيل واحد.
وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: مثلهم في التوراة، غير مثَلهم في الإنجيل، وإن الخبر عن مثلهم في التوراة متناه عند قوله ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ وذلك أن القول لو كان كما قال مجاهد من أن مثلهم في التوراة والإنجيل واحد، لكان التنزيل: ومثلهم في الإنجيل، وكزرع أخرج شطأه، فكان تمثيلهم بالزرع معطوفا على قوله ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ حتى يكون ذلك خبرا عن أن ذلك مَثلهم في التوراة والإنجيل، وفي مجيء الكلام بغير واو في قوله ﴿كَزَرْعٍ﴾ دليل بَيِّن على صحة ما قُلْنا، وأن قولهم ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الإنْجِيلِ﴾ خبر مبتدأ عن صفتهم التي هي في الإنجيل دون ما في التوراة منها.
وبنحو الذي قلنا في قوله ﴿أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني يحيى بن إبراهيم المسعوديّ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن جدّه، عن الأعمش، عن خيثمة، قال: بينا عبد الله يقرئ رجلا عند غروب الشمس، إذ مرّ بهذه الآية ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ قال: أنتم الزرع، وقد دنا حصادكم.
⁕ قال: ثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن حُمَيد الطويل، قال: قرأ أنس بن مالك: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ﴾ قال: تدرون ما شطأه؟ قال: نباته.
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ قال: سنبله حين يتسلع نباته عن حباته.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ قال: هذا مثل أصحاب محمد ﷺ في الإنجيل، قيل لهم: إنه سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع، منهم قوم يأمرون بالمعروف، وينهوْن عن المنكر.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة والزهريّ ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ قالا أخرج نباته.
⁕ حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ يعني: أصحاب محمد ﷺ، يكونون قليلا ثم يزدادون ويكثرون ويستغلظون.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ أولاده، ثم كثرت أولاده.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ قال: ما يخرج بجنب الحقلة فيتمّ وينمي.
* *
وقوله ﴿فَآزَرَهُ﴾
يقول: فقوّاه: أي قوى الزرعَ شطأه وأعانه، وهو من الموازرة التي بمعنى المعاونة ﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾ يقول: فغلظ الزرع ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ والسوق: جمع ساق، وساق الزرع والشجر: حاملته.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿فآزَرَهُ﴾ يقول: نباته مع التفافه حين يسنبل ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإنْجِيلِ﴾ فهو مثل ضربه لأهل الكتاب إذا خرج قوم ينبتون كما ينبت الزرع فيبلغ فيهم رجال يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ثم يغلظون، فهم أولئك الذين كانوا معهم. وهو مَثل ضربه الله لمحمد ﷺ يقول: بعث الله النبيّ وحده، ثم اجتمع إليه ناس قليل يؤمنون به، ثم يكون القليل كثيرا، ويستغلظون، ويغيظ الله بهم الكفار.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله ﴿فَآزَرَهُ﴾ قال: فشدّه وأعانه.
* *
وقوله ﴿عَلَى سُوقِهِ﴾
قال: أصوله.
⁕ حدثني ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة والزهري ﴿فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ يقول: فتلاحق.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿فَآزَرَهُ﴾ اجتمع ذلك فالتفتّ؛ قال: وكذلك المؤمنون خرجوا وهم قليل ضعفاء، فلم يزل الله يزيد فيهم، ويؤيدهم بالإسلام، كما أيَّد هذا الزرع بأولاده، فآزره، فكان مثلا للمؤمنين.
⁕ حدثني عمرو بن عبد الحميد، قال: ثنا مروان بن معاوية، عن جُوَيبر، عن الضحاك ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ يقول: حبّ برّ نثر متفرّقا، فتنبت كلّ حبة واحدة، ثم أنبتت كل واحدة منها، حتى استغلظ فاستوى على سوقه؛ قال: يقول: كان أصحاب محمد ﷺ قليلا ثم كثروا، ثم استغلظوا ﴿لِيَغِيظَ﴾ الله ﴿بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ .
* *
وقوله ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾
يقول تعالى ذكره: يعجب هذا الزرعُ الذي استغلظ فاستوى على سوقه في تمامه وحُسن نباته، وبلوغه وانتهائه الذين زرعوه ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ يقول: فكذلك مثل محمد ﷺ وأصحابه، واجتماع عددهم حتى كثروا ونموا، وغلظ أمرهم كهذا الزرع الذي وصف جلّ ثناؤه صفته، ثم قال ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ فدلّ ذلك على متروك من الكلام، وهو أن الله تعالى فعل ذلك بمحمد ﷺ وأصحابه ليغيظ بهم الكفار.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ يقول الله: مثلهم كمثل زرع أخرج شطأه فآزَره، فاستغلظ، فاستوى على سوقه، حتى بلغ أحسن النبات، يُعْجِب الزرّاع من كثرته، وحُسن نباته.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾ قال: يعجب الزرّاع حُسنه ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ بالمؤمنين، لكثرتهم، فهذا مثلهم في الإنجيل.
* *
وقوله ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾
يقول تعالى ذكره: وعد الله الذين صدّقوا الله ورسوله ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ يقول: وعملوا بما أمرهم الله به من فرائضه التي أوجبها عليهم.
* *
وقوله ﴿مِنْهُمْ﴾
يعني: من الشطء الذي أخرجه الزرع، وهم الداخلون في الإسلام بعد الزرع الذي وصف ربنا تبارك وتعالى صفته. والهاء والميم في قوله ﴿مِنْهُمْ﴾ عائد على معنى الشطء لا على لفظه، ولذلك جمع فقيل: "منهم"، ولم يقل "منه". وإنما جمع الشطء لأنه أريد به من يدخل في دين محمد ﷺ إلى يوم القيامة بعد الجماعة الذين وصف الله صفتهم بقوله ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ .
* *
وقوله ﴿وَمَغْفِرَةً﴾
يعني: عفوا عما مضى من ذنوبهم، وسيئ أعمالهم بحسنها.
* *
وقوله ﴿وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾
يعني: وثوابا جزيلا وذلك الجنة.
آخر تفسير سورة الفتح