سورة القرآن surah-quran.com

سورة الفرقان

سورة الفرقان، الآية 63

الجزء 19، الصفحة 365.

وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى ٱلْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَـٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَـٰمًا ﴿٦٣﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

وعباد الرحمن الصالحون يمشون على الأرض بسكينة متواضعين، وإذا خاطبهم الجهلة السفهاء بالأذى أجابوهم بالمعروف من القول، وخاطبوهم خطابًا يَسْلَمون فيه من الإثم، ومن مقابلة الجاهل بجهله.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 63 إلى 77

الآية 63: العبوديَّةُ لله نوعان: عبوديَّةٌ لربوبيَّتِهِ؛ فهذه يشتركُ فيها سائرُ الخلق؛ مسلمهُم وكافرُهم، بَرُّهم وفاجِرُهم؛ فكلُّهم عبيدٌ لله مربوبون مدبرون، {إن كُلُّ مَنۡ في السمواتِ والأرضِ إلاَّ آتي الرحمنِ عَبۡداً}. وعبوديَّةٌ لألوهيَّتِهِ وعبادتِهِ ورحمتِهِ، وهي عبوديَّةُ أنبيائِهِ وأوليائِهِ، وهي المراد هنا، ولهذا أضافها إلى اسمه الرحمن؛ إشارةً إلى أنَّهم إنَّما وصلوا إلى هذه الحال بسبب رحمته، فَذَكَرَ [أنَّ] صفاتِهِم أكملُ الصفات ونعوتَهم أفضلُ النعوتِ، فوصَفَهم بأنَّهم {يَمۡشونَ على الأرضِ هَوۡناً}؛ أي: ساكنين متواضعين لله وللخَلْق؛ فهذا وصفٌ لهم بالوقارِ والسَّكينةِ والتَّواضُع لله ولعبادِهِ، {وإذا خاطَبَهُمُ الجاهلونَ}؛ أي: خطابَ جهل؛ بدليل إضافةِ الفعل وإسناده لهذا الوصفِ، {قالوا سلاماً}؛ أي: خاطَبوهم خطاباً يَسْلمونَ فيه من الإثم، ويَسْلَمونَ من مقابلة الجاهل بجهلِهِ، وهذا مدحٌ لهم بالحِلْم الكثير ومقابلة المسيء بالإحسان والعفو عن الجاهل ورزانةِ العقل الذي أوصلهم إلى هذه الحال.

الآية 64:{والذين يَبيتونَ لربِّهم سُجَّداً وقياماً}؛ أي: يكثِرون من صلاةِ الليل مخلِصين فيها لربِّهم متذلِّلين له؛ كما قال تعالى:{تتجافى جُنوبُهم عن المضاجِع يَدۡعونَ رَبَّهم خَوۡفاً وطَمَعاً ومما رَزَقۡناهم يُنفِقون. فلا تَعۡلم نفسٌ ما أُخۡفِي لهم مِن قُرَّةِ أعۡيُنٍ جزاءً بما كانوا يَعۡمَلونَ}.

الآية 65:{والذين يقولونَ ربَّنا اصرِفۡ عنَّا عذابَ جَهَنَّمَ}؛ أي: ادفعه عنا بالعصمةِ من أسبابِهِ ومغفرةِ ما وَقَعَ منَّا مما هو مقتضٍ للعذاب، {إنَّ عَذابها كانَ غراماً}؛ أي: ملازماً لأهلها بمنزلة ملازمةِ الغريم لغريمه.

الآية 66:{إنَّها ساءتۡ مُستقرًّا ومُقاماً}: وهذا منهم على وجه التضرُّع لربِّهم، وبيانِ شدَّةِ حاجتهم إليه، وأنَّهم ليس في طاقتهم احتمالُ هذا العذاب، وليتذكَّروا مِنَّةَ الله عليهم؛ فإنَّ صرف الشدَّةِ بحسب شدتها وفظاعتها يعظُمُ وقعُها، ويشتدُّ الفرحُ بصرفها.

الآية 67:{والذين إذا أنفَقوا}: النفقاتِ الواجبةَ والمستحبةَ {لم يُسۡرِفوا}: بأن يَزيدوا على الحدِّ فيدخُلوا في قسم التبذير، {ولم يَقۡتُروا}: فيدخلوا في باب البُخْل والشُّحِّ، وإهمال الحقوق الواجبة، {وكان}: إنفاقُهم {بينَ ذلك}: بين الإسراف والتقتير {قَواماً}: يبذُلون في الواجبات من الزَّكَواتِ والكفاراتِ والنفقاتِ الواجبةِ وفيما ينبغي على الوجه الذي يَنْبَغي من غير ضررٍ ولا ضِرارٍ، وهذا من عدلهم واقتصادهم.

الآية 68:{والذين لا يَدۡعونَ مع اللهِ إلهاً آخر}: بل يَعْبُدونَه وحدَه مخلصين له الدين حنفاءَ مقبلينَ عليه معرِضين عمَّا سواه، {ولا يَقۡتُلونَ النفسَ التي حرَّمَ اللهُ}: وهي نفسُ المسلم والكافرِ المعاهَد {إلاَّ بالحقِّ}: كقتل النفس بالنفس، وقتل الزاني المحصَن والكافر الذي يَحِلُّ قتله، {ولا يَزۡنونَ}: بل يحفَظون فروجَهم؛ إلاَّ على أزواجِهِم أوْما مَلَكَتْ أيمانُهم، {ومَنۡ يَفۡعَلۡ ذلك}؛ أي: الشرك بالله أو قتل النفس التي حرَّم الله بغير حقٍّ أو الزِّنا؛ فسوف {يَلۡقَ أثاما}.

الآية 69: ثم فسَّره بقوله: {يُضاعَفۡ له العذابُ يوم القيامةِ ويَخۡلُدۡ فيه}؛ أي: في العذاب {مهاناً}، فالوعيد بالخلودِ لمن فعلها كلَّها ثابتٌ لا شكَّ فيه، وكذلك لمن أشركَ بالله، وكذلك الوعيد بالعذاب الشديد على كلِّ واحدٍ من هذه الثلاثة؛ لكونها إمَّا شرك وإمَّا من أكبر الكبائر، وأما خلود القاتل والزاني في العذاب؛ فإنَّه لا يتناوله الخلودُ؛ لأنه قد دلَّت النصوصُ القرآنيَّة والسنَّة النبويَّة أنَّ جميع المؤمنين سيخرُجون من النار، ولا يخلُدُ فيها مؤمنٌ، ولو فعل من المعاصي ما فعل. ونصَّ تعالى على هذه الثلاثة لأنها أكبر الكبائر: فالشرك فيه فساد الأديان، والقتلُ فيه فسادُ الأبدان، والزِّنا فيه فساد الأعراض.

الآية 70:{إلاَّ مَن تابَ}: عن هذه المعاصي وغيرِها بأنْ أقْلَعَ عنها في الحال، وندم على ما مضى له من فعلها، وعزم عزماً جازماً أنْ لا يعود، {وآمنَ} بالله إيماناً صحيحاً يقتضي تركَ المعاصي وفعل الطاعات، {وعمل صالحاً}: مما أمر به الشارعُ إذا قَصَدَ به وجه الله؛ {فأولئك يبدِّلُ الله سيئاتِهِم حسناتٍ}؛ أي: تتبدَّل أفعالُهم وأقوالُهم التي كانت مستعدِّة لعمل السيئات، تتبدَّلُ حسناتٍ، فيتبدَّل شِرْكُهم إيماناً، ومعصيتُهم طاعةً، وتتبدَّلُ نفس السيئات التي عملوها ثم أحدثوا عن كل ذنبٍ منها توبةً وإنابةً وطاعةً، تبدَّلُ حسناتٍ كما هو ظاهر الآية، وورد في ذلك حديث الرجل الذي حاسبه الله ببعض ذنوبه، فعدَّدها عليه، ثم أبدل مكان كلِّ سيئةٍ حسنةً، فقال: يا ربِّ! إنَّ لي سيئاتٍ لا أراها هاهنا. والله أعلم. {وكان الله غفوراً}: لمن تاب يغفر الذُّنوب العظيمة. {رحيماً}: بعبادِهِ؛ حيثُ دعاهم إلى التوبة بعد مبارزتِهِ بالعظائم، ثم وَفَّقَهم لها، ثم قَبِلَها منهم.

الآية 71:{ومن تاب وعَمِلَ صالحاً فإنَّه يتوبُ إلى الله مَتاباً}؛ أي: فليعلم أنَّ توبتَه في غاية الكمال؛ لأنَّها رجوعٌ إلى الطريق الموصل إلى الله، الذي هو عينُ سعادة العبد وفلاحه؛ فَلْيُخْلِصْ فيها، ولْيُخَلِّصْها من شوائب الأغراض الفاسدة. فالمقصودُ من هذا الحثُّ على تكميل التوبة واتِّباعها على أفضل الوجوه وأجلها؛ ليقدم على من تاب إليه، فيوفيه أجره بحسب كمالها.

الآية 72:{والذين لا يشهدون الزُّورَ}؛ أي: لا يحضُرونَ الزُّورَ؛ أي: القول والفعل المحرم، فيجتنبون جميع المجالس المشتملة على الأقوال المحرَّمة أو الأفعال المحرَّمة؛ كالخوض في آيات الله، والجدال الباطل، والغيبة، والنميمة، والسب، والقذف، والاستهزاء، والغناء المحرم، وشرب الخمر، وفرش الحرير والصور ... ونحو ذلك، وإذا كانوا لا يشهدون الزور؛ فمن باب أولى وأحرى أنْ لا يقولوه ويفعلوه، وشهادة الزُّور داخلة في قول الزُّور، تدخل في هذه الآية بالأولوية، {وإذا مَرُّوا باللغوِ}: وهو الكلام الذي لا خيرَ فيه ولا فيه فائدةٌ دينيةٌ ولا دنيويةٌ؛ ككلام السفهاء ونحوهم {مَرُّوا كِراماً}؛ أي: نَزَّهوا أنْفُسَهم، وأكرموها عن الخوض فيه، ورأوا الخوضَ فيها وإن كان لا إثم فيه؛ فإنَّه سفهٌ ونقصٌ للإنسانيَّة والمروءة؛ فربؤوا بأنفسهم عنه. وفي قوله:{إذا مَرُّوا باللغوِ}: إشارة إلى أنهم لا يقصدون حُضورَه ولا سماعَه، ولكن عند المصادفةِ التي من غير قصدٍ يُكْرِمونَ أنفسهم عنه.

الآية 73:{والذين إذا ذُكِّروا بآياتِ ربِّهم}: التي أمَرَهُم باستماعها والاهتداء بها {لم يَخِرُّوا عليها صُمًّا وعُمياناً}؛ أي: لم يقابلوها بالإعراض عنها، والصمم عن سماعها، وصرف النظر والقلوب عنها كما يفعله من لم يؤمن بها ويصدق، وإنَّما حالهم فيها وعند سماعها كما قال تعالى:{إنَّما يؤمنُ بآياتنا الذين إذا ذُكِّروا بها خَرُّوا سُجَّداً وسَبَّحوا بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ وهُم لا يَسۡتَكۡبِرونَ}: يقابلونها بالقَبول والافتقار إليها والانقيادِ والتسليم لها، وتجِدُ عندَهم آذاناً سامعةً وقلوباً واعيةً، فيزداد بها إيمانُهم، ويتمُّ بها إيقانُهم، وتُحْدِثُ لهم نشاطاً، ويفرحون بها سروراً واغتباطاً.

الآية 74:{والذين يقولونَ ربَّنا هَبۡ لنا من أزواجِنا}؛ أي: قُرَنائِنا من أصحابٍ وأقرانٍ وزوجاتٍ، {وذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أعينٍ}؛ أي: تَقَرُّ بهم أعيننا، وإذا اسْتَقْرَأنا حالَهم وصفاتِهِم؛ عَرَفْنا من هِمَمِهِم وعلوِّ مرتبتِهِم [أنَّهم لا تَقَرُّ أَعْيُنُهم حَتَّى يَرَوهُم مُطِيعين لربِّهم عَالِمين عَامِلين وهذا كما أنه دعاء لأزواجهم] وذُرِّيَّاتِهم في صلاحهم؛ فإنَّه دعاءٌ لأنفسهم؛ لأنَّ نفعه يعودُ عليهم، ولهذا جعلوا ذلك هبةً لهم، فقالوا:{هَبۡ لنا}، بل دعاؤهم يعودُ إلى نفع عموم المسلمين؛ لأنَّ بِصَلاحِ مَنْ ذُكِرَ يكونُ سبباً لصلاح كثيرٍ ممَّن يتعلَّق بهم وينتفعُ بهم.{واجۡعَلۡنا للمتَّقين إماماً}؛ أي: أوْصِلْنا يا ربَّنا إلى هذه الدرجة العالية؛ درجة الصديقين والكُمَّل من عباد الله الصالحين، وهي درجة الإمامة في الدين، وأنْ يكونوا قدوةً للمتَّقين في أقوالهم وأفعالهم، يُقتدى بأفعالهم ويطمئنُّ لأقوالهم ويسير أهل الخير خلفَهم، فيهدون ويهتدون. ومن المعلوم أنَّ الدعاءَ ببلوغ شيء دعاءٌ بما لا يتمُّ إلاَّ به، وهذه الدرجة ـ درجة الإمامة في الدين ـ لا تتمُّ إلاَّ بالصبر واليقين؛ كما قال تعالى:{وجعلناهم أئِمَّةً يهدونَ بأمرِنا لمَّا صبروا وكانوا بآياتنا يوقنونَ}: فهذا الدُّعاء يستلزم من الأعمال والصبر على طاعةِ الله وعن معصيتِهِ وأقدارِهِ المؤلمة ومن العلم التامِّ الذي يوصل صاحِبَه إلى درجة اليقين خيراً كثيراً وعطاءً جزيلاً، وأنْ يكونوا في أعلى ما يمكن من درجاتِ الخَلْقِ بعد الرسل.

{75 ـ 76} ولهذا لما كانت هِمَمُهُم ومطالِبُهم عاليةً، كان الجزاء من جنس العمل، فجازاهم بالمنازل العاليات، فقال:{أولئك يُجۡزَوۡنَ الغرفةَ بما صبروا}؛ أي: المنازل الرفيعة والمساكن الأنيقة الجامعة لكلِّ ما يشتهَى وتلذُّه الأعين، وذلك بسبب صبرِهِم نالوا ما نالوا؛ كما قال تعالى:{والملائكةُ يَدۡخُلون عليهم مِن كلِّ بابٍ. سلامٌ عليكم بما صَبَرۡتُم فنعمَ عُقۡبى الدَّار}، ولهذا قال هنا:{ويُلَقَّوۡنَ فيها تحيَّةً وسلاماً}: من ربِّهم ومن ملائكتِهِ الكرام ومن بعضٍ على بعضٍ، ويَسْلَمون من جميع المنغِّصات والمكدِّرات. والحاصل أنَّ الله وَصَفَهم بالوَقار، والسَّكينة، والتَّواضع له ولعبادِهِ، وحسنِ الأدبِ، والحلم، وسعةِ الخُلُق، والعفوِ عن الجاهلين، والإعراض عنهم، ومقابلة إساءتهم بالإحسان، وقيام الليل، والإخلاص فيه، والخوف من النار، والتضرُّع لربِّهم أن يُنَجِّيَهم منها، وإخراج الواجب والمستحبِّ في النفقات، والاقتصاد في ذلك. وإذا كانوا مقتصدينَ في الإنفاق الذي جَرَتِ العادةُ بالتفريط فيه أو الإفراط؛ فاقتصادُهُم وتوسُّطُهم في غيره من باب أولى، والسلامةُ من كبائِر الذُّنوب، والاتِّصاف بالإخلاص لله في عبادتِهِ، والعِفَّةِ عن الدِّماء والأعراضِ، والتوبة عند صدور شيءٍ من ذلك، وأنهم لا يحضُرون مجالس المنكر والفسوق القوليَّة والفعليَّة، ولا يفعلونها بأنفسهم، وأنَّهم يتنزَّهون من اللغو والأفعال الرديَّة، التي لا خير فيها، وذلك يستلزمُ مروءتهم وإنسانيَّتَهم وكمالَهم ورفعةَ أنفسِهِم عن كلِّ خسيس قوليٍّ وفعليٍّ، وأنَّهم يقابِلون آياتِ الله بالقَبول لها والتفهُّم لمعانيها والعمل بها والاجتهاد في تنفيذِ أحكامها، وأنَّهم يَدْعون الله تعالى بأكمل الدُّعاء في الدُّعاءِ الذي ينتفعونَ به، وينتفع به من يتعلَّقُ بهم، وينتفعُ به المسلمون من صلاح أزواجِهِم وذُرِّيَّتِهِم، ومن لوازم ذلك سعيُهم في تعليمهم ووعظِهِم ونُصْحِهِم؛ لأنَّ مَنْ حَرَصَ على شيءٍ ودعا الله فيه؛ لا بدَّ أن يكون متسبباً فيه، وأنَّهم دَعَوا الله ببلوغ أعلى الدرجات الممكنة لهم، وهي درجة الإمامة والصديقيَّة؛ فلله ما أعلى هذه الصفات، وأرفع هذه الهمم، وأجل هذه المطالب، وأزكى تلك النفوس، وأطهر تيك القلوبِ، وأصفى هؤلاء الصفوةِ، وأتقى هؤلاء السادة. ولله فضلُ الله عليهم، ونعمتُهُ، ورحمتُهُ التي جلَّلتهم، ولطفُه الذي أوصلهم إلى هذه المنازل. ولله مِنَّةُ الله على عبادِهِ أنْ بَيَّنَ لهم أوصافَهم ونعتَ لهم هيئاتِهِم، وبيَّن لهم هِمَمَهم وأوضحَ لهم أجورَهم؛ ليشتاقوا إلى الاتِّصاف بأوصافهم، ويبذُلوا جهدهم في ذلك، ويسألوا الذي منَّ عليهم وأكرمهم، الذي فضلُهُ في كل زمان ومكان وفي كل وقت وأوان أنْ يَهْدِيَهم كما هداهم، ويتولاَّهم بتربيته الخاصَّة كما تولاَّهم. فاللهمَّ لك الحمدُ، وإليك المشتكى، وأنت المستعان، وبك المستغاث، ولا حول ولا قوة إلاَّ بك، لا نملِكُ لأنفسنا نفعاً ولا ضرًّا، ولا نقدر على مثقال ذرَّةٍ من الخير إن لم تُيَسِّرْ ذلك لنا؛ فإنَّا ضعفاء عاجزون من كلِّ وجه، نشهد أنَّك إن وَكَلْتَنا إلى أنفسنا طرفة عين؛ وَكَلْتَنا إلى ضعفٍ وعجزٍ وخطيئةٍ؛ فلا نثق يا ربَّنا إلاَّ برحمتك، التي بها خلقتنا ورزَقْتَنا وأنعمتَ علينا بما أنعمتَ من النعم الظاهرة والباطنة، وصرفت عنا من النقم؛ فارحمنا رحمةً تُغنينا بها عن رحمةِ مَنْ سواك، فلا خاب من سألَكَ ورجاك.

الآية 77: ولما كان الله تعالى قد أضاف هؤلاء العبادَ إلى رحمتِهِ واختصَّهم بعبوديَّتِهِ لشرفهم وفضلِهِم، ربَّما توهَّم متوهِّم أنَّه وأيضاً غيرهم؛ فَلِمَ لا يدخل في العبوديَّة؟! فأخبر تعالى أنَّه لا يبالي ولا يعبأ بغيرِ هؤلاء، وأنَّه لولا دعاؤكم إيَّاه دعاء العبادة ودعاء المسألة؛ ما عبأ بكم ولا أحبَّكم، فقال:{قُلۡ ما يَعۡبَأُ بكم رَبِّي لولا دُعاؤكُم فقدۡ كَذَّبۡتُم فسوفَ يكون لِزاماً}؛ أي: عذاباً يَلْزَمُكُم لزومَ الغريم لغريمه، وسوف يحكُمُ اللهُ بينكم وبين عبادِهِ المؤمنين.

تم تفسير سورة الفرقان. فلله الحمد والثناء والشكر أبدا.

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿وعِباد الرَّحْمَن﴾ مُبْتَدَأ وما بَعْده صِفات لَهُ إلى أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ غَيْر المُعْتَرِض فِيهِ ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأَرْض هَوْنًا﴾ أيْ بِسَكِينَةٍ وتَواضُع ﴿وإذا خاطَبَهُمْ الجاهِلُونَ﴾ بِما يَكْرَهُونَهُ ﴿قالُوا سَلامًا﴾ أيْ قَوْلًا يَسْلَمُونَ فِيهِ مِن الإثْم

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يشمل هذا التفسير الآيات 63 إلى 67

سب

هَذِهِ صِفَاتُ عِبَادِ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا﴾ أَيْ: بِسَكِينَةٍ وَوَقَارٍ مِنْ غَيْرِ جَبَرية وَلَا اسْتِكْبَارٍ، كَمَا قَالَ: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٣٧] . فَأَمَّا هَؤُلَاءِ فَإِنَّهُمْ يَمْشُونَ مِنْ غَيْرِ اسْتِكْبَارٍ وَلَا مرح، ولا أشر ولا بطر، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُمْ يَمْشُونَ كَالْمَرْضَى مِنَ التَّصَانُعِ تَصَنُّعًا وَرِيَاءً، فَقَدْ كَانَ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ ﷺ إِذَا مَشَى كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ مِنْ صَبَب، وَكَأَنَّمَا الْأَرْضُ تُطْوَى لَهُ. وَقَدْ كَرِهَ بَعْضُ السَّلَفِ الْمَشْيَ بِتَضَعُّفٍ وَتَصَنُّعٍ، حَتَّى رَوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ رَأَى شَابًّا يَمْشِي رُويدًا، فَقَالَ: مَا بَالَكَ؟ أَأَنْتَ مَرِيضٌ؟ قَالَ: لَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَعَلَاهُ بِالدِّرَّةِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَمْشِيَ بِقُوَّةٍ. وَإِنَّمَا [[في ف، أ: "وأما".]] الْمُرَادُ بالهَوْن هَاهُنَا السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا أَتَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ، وَأْتُوهَا وَعَلَيْكُمُ السِّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلَّوْا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا" [[رواه البخاري في صحيحه برقم (٦٣٥) ومسلم في صحيحه برقم (٦٠٣) من حديث أبي قتادة رضي الله عنه.]] .

وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ يَحْيَى [[في ف، أ: "عمر".]] بْنِ الْمُخْتَارِ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا﴾ قَالَ: إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ قَوْمٌ ذُلُل، ذَلَّتْ مِنْهُمْ -وَاللَّهِ -الأسماعُ وَالْأَبْصَارُ وَالْجَوَارِحُ، حَتَّى تَحْسَبَهُمْ مَرْضَى وَمَا بِالْقَوْمِ مِنْ مَرَضٍ، وَإِنَّهُمْ لَأَصِحَّاءُ، وَلَكِنَّهُمْ دَخْلَهُمْ مِنَ الْخَوْفِ مَا لَمْ يَدْخُلْ غَيْرَهُمْ، وَمَنَعَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا عِلْمُهُمْ بِالْآخِرَةِ، فَقَالُوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ. أَمَا وَاللَّهِ مَا أَحْزَنَهُمْ حَزَنُ النَّاسِ، وَلَا تَعَاظَمَ فِي نُفُوسِهِمْ شَيْءٌ طَلَبُوا بِهِ الْجَنَّةَ، أَبْكَاهُمُ الْخَوْفُ مِنَ النَّارِ، وَإِنَّهُ مَنْ لَمْ يَتَعَزَّ بِعَزَاءِ اللَّهِ تَقَطَّعُ نفسُه عَلَى الدُّنْيَا حَسَرَاتٍ، وَمَنْ لَمْ يَرَ لِلَّهِ نِعْمَةً إِلَّا فِي مَطْعَمٍ أَوْ فِي مَشْرَبٍ، فَقَدْ قلَّ عِلْمُهُ [[في أ: "عمله".]] وحضَر عذابهُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ أَيْ: إِذَا سَفه عَلَيْهِمُ الْجُهَّالُ بِالسَّيِّئِ، لَمْ يُقَابِلُوهُمْ عَلَيْهِ بِمِثْلِهِ، بَلْ يَعْفُونَ وَيَصْفَحُونَ، وَلَا يَقُولُونَ إِلَّا خَيْرًا، كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا تَزِيدُهُ شِدَّةُ الْجَهْلِ عَلَيْهِ إِلَّا حِلْمًا، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [الْقَصَصِ: ٥٥] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي خَالِدٍ الْوَالِبِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرّن المُزَني قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [وَسَبَّ رجلٌ رَجُلًا عِنْدَهُ، قَالَ: فَجَعَلَ الرَّجُلُ الْمَسْبُوبُ يَقُولُ: عَلَيْكَ السَّلَامُ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَمَا] [[زيادة من ف، أ، والمسند.]] إِنَّ مَلِكًا بَيْنَكُمَا يَذُبُّ عَنْكَ، كُلَّمَا شَتَمَكَ هَذَا قَالَ لَهُ: بَلْ أَنْتَ وَأَنْتَ أَحَقُّ بِهِ. وَإِذَا قَالَ لَهُ: عَلَيْكَ السَّلَامُ، قَالَ: لَا بَلْ عَلَيْكَ، وَأَنْتَ أَحَقُّ بِهِ. " إِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وَلَمْ يُخْرِجُوهُ [[المسند (٥/٤٤٥) وقال الهيثمي في المجمع (٨/٧٥) : "رجاله رجال الصحيح، غير أبي خالد الوالبي وهو ثقة".]] .

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿قَالُوا سَلامًا﴾ يَعْنِي: قَالُوا: سَدَادًا.

وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: رَدُّوا مَعْرُوفًا مِنَ الْقَوْلِ.

وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: ﴿قَالُوا [سَلامًا﴾ ، قَالَ: حُلَمَاءُ لَا يَجْهَلُونَ] [[زيادة من ف، أ.]] ، وَإِنْ جُهِلَ عَلَيْهِمْ حَلُمُوا. يُصَاحِبُونَ عِبَادَ اللَّهِ نَهَارَهُمْ بِمَا تَسْمَعُونَ [[في ف، أ: "بما يسمعون".]] ، ثُمَّ ذَكَرَ أن ليلهم خير ليل.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ أَيْ: فِي عِبَادَتِهِ وَطَاعَتِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالأسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذَّارِيَاتِ: ١٧ -١٨] ، وَقَالَ ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السَّجْدَةِ: ١٦] وَقَالَ ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ الْآيَةَ [الزُّمَرِ: ٩] وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ أَيْ: مُلَازِمًا دَائِمًا، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ [[هو الأعشى - ميمون بن قيس - والبيت في تفسير الطبري (١٩/٢٣) .]] :

إنْ يُعَذّب يَكُنْ غَرَامًا، وَإِنْ يُعْـ ... طِ جَزِيلَا فَإِنَّهُ لَا يُبَالي ...

وَلِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ : كُلُّ شَيْءٍ يُصِيبُ ابْنَ آدَمَ وَيَزُولُ عَنْهُ فَلَيْسَ بغرام، وإنما الغرام اللازم ما دامت السموات وَالْأَرْضُ. وَكَذَا قَالَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ [الْقُرَظِيُّ] [[زيادة من أ.]] : ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ يَعْنِي: مَا نَعِمُوا فِي الدُّنْيَا؛ إِنَّ اللَّهَ سَأَلَ الْكُفَّارَ عَنِ النِّعْمَةِ فَلَمْ يَرُدُّوهَا إِلَيْهِ، فَأَغْرَمَهُمْ فَأَدْخَلَهُمُ النَّارَ.

﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ أَيْ: بِئْسَ الْمَنْزِلُ مَنْظَرًا، وَبِئْسَ الْمَقِيلُ مَقَامًا.

[وَ] [[زيادة من أ.]] قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ : حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: إِذَا طُرح الرَّجُلُ فِي النَّارِ هَوَى فِيهَا، فَإِذَا انْتَهَى إِلَى بَعْضِ أَبْوَابِهَا قِيلَ لَهُ: مَكَانَكَ حَتَّى تُتْحَفَ، قَالَ: فَيُسْقَى كَأْسًا مِنْ سُمِّ الْأَسَاوِدِ وَالْعَقَارِبِ، قَالَ: فَيُمَيَّزُ الْجِلْدُ عَلَى حِدَةٍ، وَالشِّعْرُ عَلَى حِدَةٍ، وَالْعَصَبُ عَلَى حِدَةٍ، وَالْعُرُوقُ عَلَى حِدَةٍ.

وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عُبيد بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: إِنَّ فِي النَّارِ لَجُبَابًا فِيهَا حَيَّاتٌ أَمْثَالُ الْبُخْتِ، وَعَقَارِبُ أَمْثَالُ الْبِغَالِ الدَّلَمِ [[في أ: "الدهم".]] ، فَإِذَا قُذِفَ بِهِمْ فِي النَّارِ خَرَجَتْ إِلَيْهِمْ مِنْ أَوْطَانِهَا فَأَخَذَتْ بِشِفَاهِهِمْ وَأَبْشَارِهِمْ وَأَشْعَارِهِمْ، فَكَشَطَتْ لُحُومَهُمْ إِلَى أَقْدَامِهِمْ، فَإِذَا وَجَدَتْ حَرَّ النَّارِ رَجَعَتْ.

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا سَلَّامٌ -يَعْنِي ابْنَ مِسْكِينٍ -عَنْ أَبِي ظِلَالٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ عَبْدًا فِي جَهَنَّمَ لِيُنَادِي أَلْفَ سَنَةٍ: يَا حَنَّانُ، يَا مَنَّانُ. فَيَقُولُ اللَّهُ لِجِبْرِيلَ: اذْهَبْ فَآتِنِي بِعَبْدِي هَذَا. فَيَنْطَلِقُ جِبْرِيلُ فَيَجِدُ أَهْلَ النَّارِ مُنكبين [[في أ: "مكبين".]] يَبْكُونَ، فَيَرْجِعُ إِلَى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَيُخْبِرُهُ، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: آتِنِي بِهِ فَإِنَّهُ فِي مَكَانِ كَذَا وَكَذَا. فَيَجِيءُ بِهِ فَيُوقِفُهُ عَلَى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَيَقُولُ لَهُ: يَا عَبْدِي، كَيْفَ وَجَدْتَ مَكَانَكَ وَمَقِيلَكَ؟ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ شَرَّ مَكَانٍ، شَرَّ مَقِيلٍ. فَيَقُولُ: رُدُّوا عَبْدِي. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، مَا كُنْتُ أَرْجُو إِذْ أَخْرَجَتْنِي مِنْهَا أَنْ تَرُدَّنِي فِيهَا! فَيَقُولُ: دَعَوْا عَبْدِي [[المسند (٣/٢٣٠) وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٣٨٤) : "رجاله رجال الصحيح غير أبي ظلال وضعفه الجمهور، ووثقه ابن حبان".]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ أَيْ: لَيْسُوا بِمُبَذِّرِينَ في إِنْفَاقِهِمْ فَيَصْرِفُونَ فَوْقَ الْحَاجَةِ، وَلَا بُخَلَاءَ عَلَى أهْليهم فَيُقَصِّرُونَ فِي حَقِّهِمْ فَلَا يَكْفُونَهُمْ، بَلْ عَدْلا خِيَارًا، وَخَيْرُ الْأُمُورِ أَوْسَطُهَا، لَا هَذَا وَلَا هَذَا، ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ ، كَمَا قَالَ: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٢٩] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عِصَامُ [[في أ: "عاصم".]] بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ الْغَسَّانِيُّ، عَنْ ضَمْرَة، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مِنْ فِقْهِ الرَّجُلِ رِفْقُهُ فِي مَعِيشَتِهِ". وَلَمْ يُخْرِجُوهُ [[المسند (٥/١٩٤) .]] .

وَقَالَ [الْإِمَامُ] [[زيادة من أ.]] أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ الْحَدَّادُ، حَدَّثَنَا سُكَين [[في أ: "مسكين".]] بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ العَبْدي، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ الهَجَري عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا عَالَ مَنِ اقْتَصَدَ". وَلَمْ يُخْرِجُوهُ [[المسند (١/٤٤٧) وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٢٥٢) "في إسناده إبراهيم بن مسلم الهجري وهو ضعيف".]] .

وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَيْمُونٍ [[في ف، أ: "إبراهيم بن محمد بن محمد بن ميمون".]] حَدَّثَنَا سَعِيدُ [[في، أ: "سعد".]] بْنُ حَكِيمٍ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ حَبِيبٍ، عَنْ بِلَالٍ -يَعْنِي الْعَبْسِيَّ -عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "مَا أَحْسَنَ الْقَصْدَ فِي الْغِنَى، وَأَحْسَنَ الْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ، وَأَحْسَنَ الْقَصْدَ فِي الْعِبَادَةِ" ثُمَّ قَالَ: لَا نَعْرِفُهُ يُرْوَى إِلَّا مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ [[مسند البزار برقم (٣٦٠٤) وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٢٥٢) : "رواه البزار عن سَعِيدُ بْنُ حَكِيمٍ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ حَبِيبٍ، ومسلم هذا لم أجد من ذكره إلا ابن حبان في ترجمة سعيد الراوي عنه، وبقية رجاله ثقات".]] .

وَقَالَ إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ: مَا جَاوَزْتَ بِهِ أَمْرَ اللَّهِ فَهُوَ سَرَفٌ.

وَقَالَ غَيْرُهُ: السَّرَفُ النَّفَقَةُ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ.

وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: لَيْسَ النَّفَقَةُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ سَرَفًا [وَاللَّهُ أَعْلَمُ] [[زيادة من أ.]] .

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا (٦٣) ﴾

يقول تعالى ذكره: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا﴾ بالحلم والسكينة والوقار غير مستكبرين، ولا متجبرين، ولا ساعين فيها بالفساد ومعاصي الله.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، غير أنهم اختلفوا، فقال بعضهم: عنى بقوله: ﴿يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا﴾ أنهم يمشون عليها بالسكينة والوقار.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا﴾ قال: بالوقار والسكينة.

⁕ قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا محمد بن أبي الوضاح، عن عبد الكريم، عن مجاهد: ﴿يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا﴾ قال: بالحلم والوقار.

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث؛ قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا﴾ قال: بالوقار والسكينة.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.

⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا﴾ بالوقار والسكينة.

⁕ حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي، قال: ثنا شريك، عن سالم، عن سعيد وعبد الرحمن ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا﴾ قالا بالسكينة والوقار.

⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، عن شريك، عن جابر، عن عمار، عن عكرمة، في قوله: ﴿يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا﴾ قال: بالوقار والسكينة.

⁕ قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، مثله.

⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن أيوب، عن عمرو الملائي ﴿يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا﴾ قال: بالوقار والسكينة.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنهم يمشون عليها بالطاعة والتواضع.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا﴾ بالطاعة والعفاف والتواضع.

⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا﴾ قال: يمشون على الأرض بالطاعة.

⁕ حدثني أحمد بن عبد الرحمن، قال: ثني عمي عبد الله بن وهب، قال: كتب إليّ إبراهيم بن سويد، قال: سمعت زيد بن أسلم يقول: التمست تفسير هذه الآية ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا﴾ فلم أجدها عند أحد، فأُتيت في النوم فقيل لي: هم الذين لا يريدون يفسدون في الأرض.

⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، عن أسامة بن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: لا يفسدون في الأرض.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا﴾ قال: لا يتكبرون على الناس، ولا يتجبرون، ولا يفسدون. وقرأ قول الله ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنهم يمشون عليها بالحلم لا يجهلون على من جهل عليهم.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، عن أبي الأشهب، عن الحسن في ﴿يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا﴾ قال: حلماء، وإن جُهِلَ عليهم لم يجهلوا.

⁕ حدثنا ابن حميد قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الحسين، عن يزيد، عن عكرمة ﴿يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا﴾ قال: حلماء.

⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الحسن، في قوله: ﴿يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا﴾ قال: علماء حلماء لا يجهلون.

* *

وقوله: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾

يقول: وإذا خاطبهم الجاهلون بالله بما يكرهونه من القول، أجابوهم بالمعروف من القول، والسداد من الخطاب.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا أبو الأشهب، عن الحسن ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ﴾ ... الآية، قال: حلماء، وإن جُهل عليهم لم يجهلوا.

⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا ابن المبارك، عن معمر، عن يحيى بن المختار، عن الحسن، في قوله ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ قال: إن المؤمنين قوم ذُلُلٌ، ذلّت منهم والله الأسماع والأبصار والجوارح، حتى يحسبهم الجاهل مرضى، وإنهم لأصحاء القلوب، ولكن دخلهم من الخوف ما لم يدخل غيرهم، ومنعهم من الدنيا علمهم بالآخرة، فقالوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ والله ما حزنهم حزن الدنيا، ولا تعاظم في أنفسهم ما طلبوا به الجنة، أبكاهم الخوف من النار، وإنه من لم يتعز بعزاء الله تَقَطَّعَ نفسه على الدنيا حسرات، ومن لم ير لله عليه نعمة إلا في مطعم ومشرب، فقد قلّ علمه وحضر عذابه.

⁕ حدثنا ابن بشار قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ قال: سدادا.

⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا محمد بن أبي الوضاح، عن عبد الكريم، عن مجاهد ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ قال: سَدَادا من القول.

⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن الثوريّ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ حلماء.

⁕ قال: ثنا الحسين، قال: ثنا يحيى بن يمان، عن أبي الأشهب، عن الحسن، قال: حلماء لا يجهلون، وإن جُهِل عليهم حلموا ولم يسفهوا، هذا نهارهم فكيف ليلهم - خير ليل - صفوا أقدامهم، وأجْرَوا دموعهم على خدودهم يطلبون إلى الله جلّ ثناؤه في فكاك رقابهم.

⁕ قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا عبادة، عن الحسن، قال: حلماء لا يجهلون وإن جهل عليهم حلموا.