سورة القرآن surah-quran.com

سورة الحديد

سورة الحديد، الآية 5

الجزء 27، الصفحة 538.

لَّهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ ﴿٥﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

له ملك السموات والأرض، وإلى الله مصير أمور الخلائق في الآخرة، وسيجازيهم على أعمالهم.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 1 إلى 6

وهي مدنية

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الآية 1: يخبرُ تعالى عن عظمته وجلاله وسعة سلطانِهِ أنَّ جميع {ما في السمواتِ والأرض} من الحيوانات الناطقة [والصامتة] وغيرها والجوامد تسبِّحُ بحمد ربِّها وتنزِّهه عمَّا لا يليق بجلاله، وأنها قانتةٌ لربِّها، منقادةٌ لعزَّته، قد ظهرت فيها آثار حكمته، ولهذا قال:{وهو العزيز الحكيم}؛ فهذا فيه بيان عموم افتقار المخلوقات العلويَّة والسفليَّة لربِّها في جميع أحوالها، وعموم عزَّته وقهره للأشياء كلِّها، وعموم حكمته في خلقه وأمره.

الآية 2: ثم أخبر عن عموم ملكه، فقال:{له ملكُ السمواتِ والأرضِ يحيي ويميتُ}؛ أي: هو الخالق لذلك، الرازق المدبِّر لها بقدرته، {وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ}.

الآية 3:{هو الأولُ}: الذي ليس قبلَه شيءٌ. {والآخر}: الذي ليس بعدَه شيءٌ. {والظاهر}: الذي ليس فوقَه شيءٌ. {والباطن}: الذي ليس دونَه شيءٌ. {وهو بكلِّ شيءٍ عليمٌ}: قد أحاط علمُه بالظواهر والبواطن والسرائر والخفايا والأمور المتقدِّمة والمتأخِّرة.

الآية 4:{هو الذي خلق السمواتِ والأرضَ في ستَّة أيام}: أولُها يومُ الأحد، وآخرُها يومُ الجمعة، {ثم استوى على العرش}: استواءً يَليقُ بجلاله فوق جميع خلقه، {يعلم ما يَلِجُ في الأرض}: من حبٍّ وحيوانٍ ومطرٍ وغير ذلك، {وما يخرج منها}: من نبتٍ وشجرٍ وحيوان وغير ذلك، {وما ينزِلُ من السماء}: من الملائكة والأقدار والأرزاق، {وما يَعۡرُجُ فيها}: من الملائكة والأرواح والأدعية والأعمال وغير ذلك، {وهو معكم أينما كُنتم}؛ كقوله:{ما يكون من نجوى ثلاثةٍ إلاَّ هو رابِعُهم ولا خمسةٍ إلاَّ هو سادسُهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلاَّ هو معهم أينما كانوا}: وهذه المعيَّة معيَّةُ العلم والاطِّلاع، ولهذا توعَّد ووعد بالمجازاة بالأعمال بقوله:{والله بما تعلمون بصيرٌ}؛ أي: هو تعالى بصيرٌ بما يصدر منكم من الأعمال وما صدرت عنه تلك الأعمال من برٍّ وفجورٍ؛ فمجازيكمعليها وحافظها عليكم.

الآية 5:{له ما في السمواتِ والأرضِ}: ملكاً وخلقاً وعبيداً يتصرَّف فيهم بما شاءه من أوامره القدريَّة والشرعيَّة الجارية على الحكمة الربَّانيَّة، {وإلى الله تُرۡجَعُ الأمور}: من الأعمال والعمال، فيعرض عليه العبادُ، فيميز الخبيثُ من الطيِّب، ويجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.

الآية 6:{يولِجُ الليل في النَّهار ويولِجُ النهارَ في الليل}؛ أي: يدخِلُ الليل على النهار، فيغشيهم الليل بظلامه، فيسكنون ويهدؤون، ثم يُدْخِلُ النهار على الليل، فيزول ما على الأرض من الظلام، ويضيء الكون، فيتحرَّك العباد، ويقومون إلى مصالحهم ومعايشهم، ولا يزال اللهُ يكوِّر الليلَ على النهار والنهارَ على الليل، ويداول بينهما في الزيادة والنقص والطول والقصر، حتى تقومَ بذلك الفصول وتستقيمَ الأزمنة ويحصلَ من المصالح بذلك ما يحصل ، فتبارك الله ربُّ العالمين، وتعالى الكريم الجواد الذي أنعم على عباده بالنعم الظاهرة والباطنة، {وهو عليمٌ بذات الصُّدور}؛ أي: بما يكون في صدور العالمين، فيوفِّق مَنْ يعلم أنَّه أهلٌ لذلك، ويخذُلُ من يعلم أنَّه لا يَصْلُحُ لهدايتِهِ.

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿لَهُ مُلْك السَّماوات والأَرْض وإلى اللَّه تُرْجَع الأُمُور﴾ المَوْجُودات جَمِيعها

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يشمل هذا التفسير الآيات 4 إلى 6

يخبر تعالى عن خلقه السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، ثُمَّ أَخْبَرَ بِاسْتِوَائِهِ عَلَى الْعَرْشِ بَعْدَ خَلْقِهِنَّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ وَأَشْبَاهِهَا فِي سورة "الأعراف [[عند تفسير الآية:٥٤.]] بما أغنى عن إعادته هاهنا.

﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأرْضِ﴾ أَيْ: يَعْلَمُ عَدَدَ مَا يَدْخُلُ فِيهَا مِنْ حَبٍّ وَقَطْرٍ ﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ مِنْ زَرْعٍ ونَبات وَثِمَارٍ، كَمَا قَالَ: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٥٩] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا يَنزلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ أَيْ: مِنَ الْأَمْطَارِ، وَالثُّلُوجِ والبرَد، وَالْأَقْدَارِ وَالْأَحْكَامِ مَعَ الْمَلَائِكَةِ الْكِرَامِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ "الْبَقَرَةِ" أَنَّهُ مَا يَنْزِلُ مِنْ قَطْرَةٍ مِنَ السَّمَاءِ إِلَّا وَمَعَهَا مَلَكٌ يُقرّرها فِي الْمَكَانِ الَّذِي يَأْمُرُ اللَّهُ بِهِ حَيْثُ يَشَاءُ تَعَالَى.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ أَيْ: مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَعْمَالِ، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ: "يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ اللَّيْلِ" [[صحيح مسلم برقم (١٧٩) مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عنه.]]

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أَيْ: رَقِيبٌ عَلَيْكُمْ، شَهِيدٌ عَلَى أَعْمَالِكُمْ حَيْثُ أَنْتُمْ، وَأَيْنَ كُنْتُمْ، مِنْ بَرٍّ أَوْ بَحْرٍ، فِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، فِي الْبُيُوتِ أَوِ الْقِفَارِ، الْجَمِيعُ فِي عِلْمِهِ عَلَى السَّوَاءِ، وَتَحْتَ بَصَرِهِ وَسَمِعِهِ، فَيَسْمَعُ كَلَامَكُمْ وَيَرَى مَكَانَكُمْ، وَيَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَنَجْوَاكُمْ، كَمَا قَالَ: ﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [هُودٍ: ٥] . وَقَالَ ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرَّعْدِ: ١٠] ، فَلَا إِلَهَ غَيْرُهُ وَلَا رَبَّ سِوَاهُ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ قَالَ لِجِبْرِيلَ، لَمَّا سَأَلَهُ عَنِ الْإِحْسَانُ: "أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ".

وَرَوَى الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ حَدِيثِ نَصْرِ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ جُنَادَةَ بْنِ مَحْفُوظِ بْنِ عَلْقَمَةَ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ نَصْرِ بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ أَخِيهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَائِذٍ قَالَ: قَالَ عُمَرَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: زَوِّدْنِي كَلِمَةً أَعِيشُ بِهَا فَقَالَ: "اسْتَحِ اللَّهَ كَمَا تَسْتَحِي رَجُلًا مِنْ صَالِح عَشِيرَتِكَ لَا يُفَارِقُكَ" [[وذكره المؤلف في مسند عمر بن الخطاب (٢/٦٠٩) من طريق الإسماعيلي وقال: "إسناده غريب، وفي حديث القدر: "فإن لم تكن تراه فإنه يراك" وله شاهد من حديث سعيد بن يزيد عن بن عم له قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْصِنِي، قَالَ: "استح من الله كما تستحي من الرجل الصالح من قومك". أخرجه مجشل في تاريخ واسط (ص٢٠٩) .]]

هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْغَاضِرِيِّ مَرْفُوعًا: "ثَلَاثٌ مَنْ فَعَلَهُنَّ فَقَدْ طَعِمَ الْإِيمَانَ: مَنْ عَبَدَ اللَّهَ وَحْدَهُ، وَأَعْطَى زَكَاةَ مَالِهِ طَيِّبَةً بِهَا نَفْسُهُ فِي كُلِّ عَامٍ، وَلَمْ يُعْطِ الهَرَمة وَلَا الدَرنة، وَلَا الشَّرط اللَّئِيمَةَ وَلَا الْمَرِيضَةَ وَلَكِنْ مِنْ أَوْسَطِ أَمْوَالِكُمْ. وَزَكَّى نَفْسَه" وَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا تَزْكِيَةُ الْمَرْءِ نَفْسَهُ؟ فَقَالَ: "يَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ مَعَهُ حَيْثُ كَانَ" [[ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٤/٩٦) من طريق الزبيدي عن يحيى بن جابر، أن عبد الرحمن بن جبير حدثه أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ معاوية الغاضري به، ورواه أبو داود من طريق الزبيدي عن يحيى بن جابر، عن جبير بن نفير به نحوه، والأول أصح.]]

وَقَالَ نُعَيْم بْنُ حَمّاد، رَحِمَهُ اللَّهُ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ دِينَارِ الْحِمْصِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُهَاجِرٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنُ رُوَيم، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنم، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِنَّ أَفْضَلَ الْإِيمَانِ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ مَعَكَ حَيْثُمَا كنت". غريب. [[ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٤٧) "مجمع البحرين" عن مطلب، عن نعيم بن حماد به وقال: "تفرد به عثمان". ورواه أبو نعيم في الحلية (٦/١٢٤) عن الطبراني، عن يحيى بن عثمان، عن نعيم بن حماد به، وقال: "غريب من حديث عروة لم نكتبه إلا من حديث محمد بن مهاجر". وعثمان بن سعيد لم يعرفه الهيثمي في المجمع (١/٦٠) ، وذكره بن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٦/١٥٢) ونقل عن يحيى بن معين أنه ثقة.]] وَكَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ يُنْشِدُ هَذَيْنَ الْبَيْتَيْنِ:

إِذَا مَا خَلَوْتَ الدَّهْرَ يَوْمًا فَلا تَقُلْ ... خَلَوْتُ وَلَكِنْ قُلْ: عَلَيَّ رَقِيبُ ...

وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ يَغْفَلُ سَاعَةً ... وَلا أَنَّ مَا يَخْفَى عَلَيْهِ يَغِيبُ ...

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ﴾ أَيْ: هُوَ الْمَالِكُ لِلدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ كَمَا قَالَ: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأولَى﴾ [اللَّيْلِ: ١٣] ، وَهُوَ الْمَحْمُودُ عَلَى ذَلِكَ، كَمَا قَالَ: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الأولَى وَالآخِرَةِ﴾ [الْقَصَصِ:٧٠] ، وَقَالَ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [سَبَإٍ: ١] . فَجَمِيعُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مِلْكٌ لَهُ، وَأَهْلُهُمَا عَبِيدٌ أَرِقَّاءُ أَذِلَّاءُ بَيْنَ يَدَيْهِ كَمَا قَالَ: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مَرْيَمَ: ٩٣-٩٥] . وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ﴾ أَيْ: إِلَيْهِ الْمَرْجِعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَحْكُمُ فِي خَلْقِهِ بِمَا يَشَاءُ، وَهُوَ الْعَادِلُ الَّذِي لَا يَجُورُ وَلَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ، بَلْ إِنْ يَكُنْ أَحَدُهُمْ عَمِلَ حَسَنَةً وَاحِدَةً يُضَاعِفْهَا إِلَى عَشْرِ أَمْثَالِهَا، ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النِّسَاءِ: ٤٠] وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٤٧] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ أَيْ: هُوَ الْمُتَصَرِّفُ فِي الْخَلْقِ، يُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَيُقَدِّرُهُمَا بِحِكْمَتِهِ كَمَا يَشَاءُ، فَتَارَةً يُطَوِّلُ اللَّيْلَ وَيُقَصِّرُ النَّهَارَ، وَتَارَةً بِالْعَكْسِ، وَتَارَةً يَتْرُكُهُمَا مُعْتَدِلَيْنَ. وَتَارَةً يَكُونُ الْفَصْلُ شِتَاءً ثُمَّ رَبِيعًا ثُمَّ قَيْظًا ثُمَّ خَرِيفًا، وَكُلُّ ذَلِكَ بِحِكْمَتِهِ وَتَقْدِيرِهِ لِمَا يُرِيدُهُ بِخَلْقِهِ، ﴿وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أَيْ: يَعْلَمُ السَّرَائِرَ وَإِنْ دَقَّتْ، وَإِنْ خَفِيَتْ.

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

يشمل هذا التفسير الآيات 5 إلى 6

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ (٥) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٦) ﴾

يقول تعالى ذكره: له سلطان السموات والأرض نافذ في جميعهنّ، وفي جميع ما فيهنّ أمره. ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ﴾ يقول جلّ ثناؤه: وإلى الله مصير أمور جميع خلقه، فيقضي بينهم بحكمه.

* *

وقوله: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾

، يعني بقوله: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ يدخل ما نقص من ساعات الليل في النهار، فيجعله زيادة في ساعاته، ﴿وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ يقول: ويدخل ما نقص من ساعات النهار في الليل، فيجعله زيادة في ساعات الليل.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

وقد ذكرنا الرواية بما قالوا فيما مضى من كتابنا هذا، غير أنا نذكر في هذا الموضع بعض ما لم نذكر هنالك إن شاء الله تعالى.

⁕ حدثنا هناد بن السريّ، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرِمة، في قوله: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ قال: قصر هذا في طول هذا، وطول هذا في قصر هذا.

⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، في قوله: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ قال: دخول الليل في النهار، ودخول النهار في الليل.

⁕ حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، في قوله: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ قال: قصر أيام الشتاء في طول ليله، وقصر ليل الصيف في طول نهاره.

* *

وقوله: ﴿وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾

يقول: وهو ذو علم بضمائر صدور عباده، وما عزمت عليه نفوسهم من خير أو شرّ، أو حدّثت بهما أنفسهم، لا يخفى عليه من ذلك خافية.