سورة الحج، الآية 4
الجزء 17، الصفحة 332.
كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُۥ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُۥ يُضِلُّهُۥ وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ ﴿٤﴾
الآية في سياق السورةاستمع إلى سورة الحج
تفسير الآية
التفسير الميسر
قضى الله وقدَّر على هذا الشيطان أنه يُضِل كلَّ من اتبعه، ولا يهديه إلى الحق، بل يسوقه إلى عذاب جهنم الموقدة جزاء اتباعه إياه.
تفسير السعدي
يشمل هذا التفسير الآيات 3 إلى 4
{3 ـ 4} أي: ومن الناس طائفةٌ وفرقةٌ؛ سلكوا طريق الضَّلال، وجعلوا يجادلون بالباطل الحقَّ؛ يريدون إحقاق الباطل وإبطال الحقِّ، والحال أنَّهم في غاية الجهل، ما عندهم من العلم شيء، وغاية ما عندهم تقليد أئمَّة الضَّلال من كلِّ شيطان مَريدٍ متمرِّدٍ على الله وعلى رسلِهِ معاندٍ لهم، قد شاقَّ الله ورسوله، وصار من الأئمة الذين يدعون إلى النار. {كُتِبَ عليه}؛ أي: قدِّر على هذا الشيطان المريد، {أنَّه مَنۡ تولاَّه}؛ أي: اتَّبعه؛ {فأنَّه يضلُّه}: عن الحقِّ ويجنِّبه الصراط المستقيم؛ {ويهديهِ إلى عذابِ السَّعير}: وهذا نائبُ إبليس حقًّا؛ فإنَّ اللَّه قال عنه:{إنَّما يدعو حِزۡبَهُ ليكونوا من أصحاب السَّعير}. فهذا الذي يجادلُ في الله قد جمع بين ضلالِهِ بنفسِهِ وتصدِّيه إلى إضلال الناس، وهو متَّبعٌ ومقلِّد لكلِّ شيطان مَريدٍ، ظلماتٌ بعضها فوق بعض، ويدخل في هذا جمهورُ أهل الكفر والبدع؛ فإنَّ أكثرهم مقلِّدةٌ يجادلون بغير علم.
تفسير الجلالين
﴿كُتِبَ عَلَيْهِ﴾ قُضِيَ عَلى الشَّيْطان ﴿أنَّهُ مَن تَوَلّاهُ﴾ أيْ اتَّبَعَهُ ﴿فَأَنَّهُ يُضِلّهُ ويَهْدِيهِ﴾ يَدْعُوهُ ﴿إلى عَذاب السَّعِير﴾ أيْ النّار
تفسير ابن كثير
يشمل هذا التفسير الآيات 3 إلى 4
يَقُولُ تَعَالَى ذَامًّا لِمَنْ كَذَّبَ بِالْبَعْثِ، وَأَنْكَرَ قُدْرَةَ اللَّهِ عَلَى إِحْيَاءِ الْمَوْتَى، مُعْرِضًا عَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى أَنْبِيَائِهِ، مُتَّبِعًا فِي قَوْلِهِ وَإِنْكَارِهِ وَكُفْرِهِ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ، مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، وَهَذَا حَالُ أَهْلِ الضَّلَالِ [[في ت: "الضلالة".]] وَالْبِدَعِ، الْمُعْرِضِينَ عَنِ الْحَقِّ، الْمُتَّبِعِينَ لِلْبَاطِلِ، يَتْرُكُونَ مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنَ الْحَقِّ الْمُبِينِ، وَيَتَّبِعُونَ أَقْوَالَ رُءُوسِ الضَّلَالَةِ، الدُّعَاةِ إِلَى الْبِدَعِ بِالْأَهْوَاءِ وَالْآرَاءِ، وَلِهَذَا قَالَ فِي شَأْنِهِمْ وَأَشْبَاهِهِمْ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ، أَيْ: عِلْمٍ صَحِيحٍ، ﴿وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ. مَرِيدٍ كُتِبَ عَلَيْهِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي الشَّيْطَانَ، يَعْنِي: كُتِبَ عَلَيْهِ كِتَابَةً قَدَرِيَّةً ﴿أَنَّهُ مَنْ تَوَلاهُ﴾ أَيِ: اتَّبَعَهُ وَقَلَّدَهُ، ﴿فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ أَيْ: يُضِلُّهُ فِي الدُّنْيَا وَيَقُودُهُ فِي الْآخِرَةِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ، وَهُوَ الْحَارُّ الْمُؤْلِمُ الْمُزْعِجُ الْمُقْلِقُ.
وَقَدْ قَالَ السُّدِّيُّ، عَنِ أَبِي مَالِكٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي النَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ. وَكَذَلِكَ [[في ف: "وكذا".]] قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ سَلْمٍ [[في ت، ف: "ابن مسلم".]] الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الْمَحْرَمِ أَبُو قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا الْمَعْمَرُ [[في ت: "المعتمر".]] ، حَدَّثَنَا أَبُو كَعْبٍ الْمَكِّيُّ قَالَ: قَالَ خَبِيثٌ مِنْ خُبثاء قُرَيْشٍ: أَخْبِرْنَا [[في ت: "حدثنا".]] عَنْ رَبِّكُمْ، مِنْ ذَهَبٍ هُوَ، أَوْ مِنْ فِضَّةٍ هُوَ، أَوْ مِنْ نُحَاسٍ هُوَ؟ فَقَعْقَعَتِ السَّمَاءُ قَعْقَعَةً -وَالْقَعْقَعَةُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: الرَّعْدُ-فَإِذَا قِحْف رَأَسِهِ سَاقِطٌ بَيْنَ يَدَيْهِ.
وَقَالَ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: جَاءَ يَهُودِيٌّ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَخْبِرْنَا عَنْ رَبِّكَ: مَنْ أَيِّ شَيْءٍ هُوَ؟ مِنْ دُرٍّ أَمْ مِنْ يَاقُوتٍ؟ قال: فجاءت صاعقة فأخذته.
تفسير الطبري
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٤) ﴾
يقول تعالى ذكره: قضي على الشيطان، فمعنى ﴿كُتِبَ﴾ ههنا قُضِي، والهاء التي في قوله عليه من ذكر الشيطان.
كما:-
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر عن قتادة ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاهُ﴾ قال: كُتب على الشيطان، أنه من اتبع الشيطان من خلق الله.
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاهُ﴾ قال: الشيطان اتبعه.
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد ﴿أَنَّهُ مَنْ تَوَلاهُ﴾ ، قال: اتبعه.
* *
وقوله ﴿فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ﴾
يقول: فإن الشيطان يضله، يعني: يضل من تولاه. والهاء التي في "يضله عائدة على "من" التي في قوله ﴿مَنْ تَوَلاهُ﴾ وتأويل الكلام: قُضى على الشيطان أنه يضلّ أتباعه ولا يهديهم إلى الحق.
* *
وقوله ﴿وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾
يقول: ويَسُوقُ مَنِ اتَّبَعَهُ إلى عذاب جهنم الموقدة، وسياقه إياه إليه بدعائه إلى طاعته ومعصية الرحمن، فذلك هدايته من تبعه إلى عذاب جهنم.