سورة القرآن surah-quran.com

سورة الحج

سورة الحج، الآية 51

الجزء 17، الصفحة 338.

وَٱلَّذِينَ سَعَوْا۟ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا مُعَـٰجِزِينَ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ ﴿٥١﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

يشمل هذا التفسير الآيات 49 إلى 51

قل -أيها الرسول-: يا أيها الناس ما أنا إلا منذر لكم مبلِّغ عن الله رسالته. فالذين آمنوا بالله ورسوله، واستقر ذلك في قلوبهم، وعملوا الأعمال الصالحة، لهم عند الله عفو عن ذنوبهم ومغفرة يستر بها ما صدر عنهم من معصية، ورزق حسن لا ينقطع وهو الجنة. والذين اجتهدوا في الكيد لإبطال آيات القرآن بالتكذيب مُشاقين مغالبين، أولئك هم أهل النار الموقدة، يدخلونها ويبقون فيها أبدًا.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 49 إلى 51

الآية 49: يأمر تعالى عبده ورسوله محمداً - صلى الله عليه وسلم - أن يخاطِبَ الناس جميعاً بأنَّه رسولُ اللَّه حقًّا؛ مبشراً للمؤمنين بثواب اللَّه، منذراً للكافرين والظالمين من عقابِهِ. وقولُهُ:{مبينٌ} أي؛ بيِّنُ الإنذار، وهو التخويف مع الإعلام بالمَخُوف، وذلك لأنَّه أقام البراهين الساطعة على صدق ما أنذرهم به.

الآية 50: ثم ذَكَرَ تفصيل النِّذارة والبِشارة، فقال:{فالذين آمنوا}: بقلوبهم إيماناً صحيحاً صادقاً، {وعملوا الصالحات}: بجوارِحِهم [{في جنَّاتِ النعيم}؛ أي: الجنات التي يُتَنَعَّمُ بها بأنواع النعيم من المآكل والمشارب والمناكح والصُّوَر والأصوات والتنعُّم برؤية الربِّ الكريم وسماع كلامه.

الآية 51:{والذين كفروا}؛ أي: جَحَدوا نعمةَ ربِّهم، وكذَّبوا رُسُله وآياته]. فأولئك {أصحابُ الجحيم}؛ أي: الملازمون لها، المصاحبون لها في كلِّ أوقاتهم؛ فلا يخفَّف عنهم من عذابِها، ولا يفتَّرُ عنهم لَحْظةٌ من عقابها.

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿والَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتنا﴾ القُرْآن بِإبْطالِها ﴿مُعاجِزِينَ﴾ مَن اتَّبَعَ النَّبِيّ أيْ يَنْسُبُونَهُمْ إلى العَجْز ويُثَبِّطُونَهُمْ عَنْ الإيمان أوْ مُقَدِّرِينَ عَجْزنا عَنْهُمْ وفِي قِراءَة مُعاجِزِينَ مُسابِقِينَ لَنا أيْ يَظُنُّونَ أنْ يَفُوتُونا بِإنْكارِهِمْ البَعْث والعِقاب ﴿أُولَئِكَ أصْحاب الجَحِيم﴾ النّار

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يشمل هذا التفسير الآيات 49 إلى 51

يَقُولُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ حِينَ طَلَبَ مِنْهُ الْكَفَّارُ وُقُوعَ الْعَذَابِ، وَاسْتَعْجَلُوهُ بِهِ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أَيْ: إِنَّمَا أَرْسَلَنِي اللَّهُ إِلَيْكُمْ نَذِيرًا لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ، وَلَيْسَ إِلَيَّ مِنْ حِسَابِكُمْ مِنْ شَيْءٍ، أَمْرُكُمْ إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَجَّلَ لَكُمُ الْعَذَابَ، وَإِنْ شَاءَ أَخَّرَهُ عَنْكُمْ، وَإِنْ شَاءَ تَابَ عَلَى مَنْ يَتُوبُ إِلَيْهِ، وَإِنْ شَاءَ أَضَلَّ مَنْ كَتَبَ عَلَيْهِ الشَّقَاوَةَ، وَهُوَ الْفَعَّالُ لِمَا يَشَاءُ وَيُرِيدُ وَيَخْتَارُ، [وَ] [[زيادة من ف.]] ﴿لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الرَّعْدُ: ٤١] وَ ﴿إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ. فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أَيْ: آمَنَتْ قُلُوبُهُمْ وَصَدَقُوا إِيمَانَهُمْ بِأَعْمَالِهِمْ، ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ أَيْ: مَغْفِرَةٌ لِمَا سَلَفَ مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ، وَمُجَازَاةٌ حَسَنةٌ عَلَى الْقَلِيلِ مِنْ حَسَنَاتِهِمْ.

[وَ] [[زيادة من ت.]] قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيّ: إِذَا سمعتَ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ فَهُوَ الْجَنَّةُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ : قَالَ مُجَاهِدٌ: يُثَبّطون النَّاسَ عَنْ مُتَابَعَةِ النَّبِيِّ ﷺ. وَكَذَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: مُثَبِّطِينَ.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ : مُرَاغِمِينَ.

﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ : وَهِيَ النَّارُ الْحَارَّةُ الْمُوجِعَةُ الشَّدِيدُ عَذَابُهَا وَنَكَالُهَا، أَجَارَنَا اللَّهُ مِنْهَا.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النَّحْلِ: ٨٨] .

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

يشمل هذا التفسير الآيات 48 إلى 51

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨) ﴾

يقول تعالى ذكره: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا﴾ يقول: أمهلتهم وأخَّرت عذابهم، وهم بالله مشركون، ولأمره مخالفون، وذلك كان ظلمهم الذي وصفهم الله به جلّ ثناؤه، فلم أعجل بعذابهم، ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهَا﴾ يقول: ثم أخذتها بالعذاب، فعذّبتها في الدنيا بإحلال عقوبتنا بهم، ﴿وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ يقول: وإليّ مصيرهم أيضا بعد هلاكهم، فيلقون من العذاب حينئذ ما لا انقطاع له؛ يقول تعالى ذكره: فكذلك حال مستعجليك بالعذاب من مشركي قومك، وإن أمليت لهم إلى آجالهم التي أجلتها لهم، فإني آخذهم بالعذاب، فقاتلهم بالسيف، ثم إليّ مصيرهم بعد ذلك فموجعهم إذن عقوبة على ما قدّموا من آثامهم.

* *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٥١) ﴾

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل يا محمد لمشركي قومك الذين يجادلونك في الله بغير علم، اتباعا منهم لكل شيطان مريد: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أنذركم عقاب الله أن ينزل بكم في الدنيا، وعذابه في الآخرة أن تصلوه مبين: يقول: أبين لكم إنذاري ذلك وأظهره، لتنيبوا من شرككم وتحذروا ما أنذركم من ذلك، لا أملك لكم غير ذلك، فأما تعجيل العقاب وتأخيره الذي تستعجلونني به، فإلى الله ليس ذلك إليّ، ولا أقدر عليه؛ ثم وصف نذارته وبشارته، ولم يجر للبشارة ذكر، ولما ذكرت النذارة على عمل علم أن البشارة على خلافه، فقال: والذين آمنوا بالله ورسوله وعملوا الصالحات منكم أيها الناس ومن غيركم ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ يقول: لهم من الله ستر ذنوبهم التي سلفت منهم في الدنيا عليهم في الآخرة ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ يقول: ورزق حسن في الجنة.

كما:-

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جُرَيج، قوله: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ قال: الجنة.

* *

وقوله: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾

يقول: والذين عملوا في حججنا فصدّوا عن اتباع رسولنا، والإقرار بكتابنا الذي أنزلناه، وقال في آياتنا فأدخلت فيه في كما يقال: سعى فلان في أمر فلان.

واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿مُعاجِزينَ﴾ فقال بعضهم: معناه: مشاقين.

ذكر من قال ذلك: حدثنا أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا حجاج، عن عثمان بن عطاء، عن أبيه، عن ابن عباس، أنه قرأها: ﴿معاجزين﴾ في كل القرآن، يعني بألف، وقال: مشاقين.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنهم ظنوا أنهم يعجزون الله فلا يقدر عليهم.

ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة: ﴿فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ قال: كذبوا بآيات الله فظنوا أنهم يعجزون الله، ولن يعجزوه.

⁕ حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، مثله.

وهذان الوجهان من التأويل في ذلك على قراءة من قرأه: ﴿فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ بالألف، وهي قراءة عامة قرّاء المدينة والكوفة. وأما بعض قرّاء أهل مكة والبصرة، فإنه قرأه: "مُعَجِّزِينَ" بتشديد الجيم بغير ألف، بمعنى أنهم عجزوا الناس وثبطوهم عن اتباع رسول الله ﷺ والإيمان بالقرآن.

ذكر من قال ذلك كذلك من قراءته: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: "مُعَجِّزِينَ" قال: مبطِّئين يبطِّئون الناس عن اتباع النبيّ ﷺ.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.

والصواب من القول في ذلك أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القرّاء، متقاربتا المعنى؛ وذلك أن من عجز عن آيات الله، فقد عاجز الله، ومن معاجزة الله التعجيز عن آيات الله، والعمل بمعاصيه وخلاف أمره، وكان من صفة القوم الذين أنزل الله هذه الآيات فيهم أنهم كانوا يبطِّئون الناس عن الإيمان بالله، واتباع رسوله، ويغالبون رسول الله ﷺ، يحسبون أنهم يعجزونه ويغلبونه، وقد ضمن الله له نصره عليهم، فكان ذلك معاجزتهم الله. فإذ كان ذلك كذلك، فبأي القراءتين قرأ القارئ فمصيب الصواب في ذلك.

وأما المعاجزة فإنها المفاعلة من العجز، ومعناه: مغالبة اثنين، أحدهما صاحبه أيهما يعجزه فيغلبه الآخر ويقهره.

وأما التعجيز: فإنه التضعيف وهو التفعيل من العجز.

* *

وقوله: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾

يقول: هؤلاء الذين هذه صفتهم هم سكان جهنم يوم القيامة وأهلها الذين هم أهلها.