سورة الحاقة، الآية 38
الجزء 29، الصفحة 568.
فَلَآ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ ﴿٣٨﴾
الآية في سياق السورةاستمع إلى سورة الحاقة
تفسير الآية
التفسير الميسر
يشمل هذا التفسير الآيات 38 إلى 43
أَقْسَم اللهُ بما تبصرون من المرئيات، وما لا تبصرون مما غاب عنكم، إن القرآن لَكَلام الله، يتلوه رسول عظيم الشرف والفضل، وليس بقول شاعر كما تزعمون، قليلًا ما تؤمنون، وليس بسجع كسجع الكهان، قليلًا ما يكون منكم تذكُّر وتأمُّل للفرق بينهما، ولكنه كلام رب العالمين الذي أنزله على رسوله محمد ﷺ.
تفسير السعدي
يشمل هذا التفسير الآيات 38 إلى 52
{38 ـ 43} أقسم تعالى بما يُبْصِرُ الخلقُ من جميع الأشياء وما لا يبصِرونه، فدخل في ذلك كلُّ الخلق، بل دخل في ذلك نفسُه المقدَّسة، على صدق الرسول بما جاء به من هذا القرآن الكريم، وأنَّ الرسول الكريم بلَّغه عن الله تعالى، ونزَّه اللهُ رسولَه عمَّا رماه به أعداؤه من أنَّه شاعرٌ أو ساحرٌ، وأنَّ الذي حملهم على ذلك عدم إيمانهم وتذكُّرهم؛ فلو آمنوا وتذكَّروا ما ينفعهم ويضرُّهم، ومن ذلك أن ينظروا في حال محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ويرمُقوا أوصافه وأخلاقه ليروا أمراً مثل الشمس يدلُّهم على أنَّه رسول الله حقًّا وأن ما جاء به {تنزيلٌ من ربِّ العالمين}، لا يَليقُ أن يكون قولاً للبشر، بل هو كلامٌ دالٌّ على عظمة من تكلَّم به وجلالة أوصافه وكمال تربيته للخلق وعلوِّه فوق عباده. وأيضاً؛ فإنَّ هذا ظن منهم بما لا يليق بالله وحكمته.
{44 ـ 47} فإنه {لو تقوَّل}: عليه وافترى {بعض الأقاويل}: الكاذبة، {لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتينَ}: وهو عرقٌ متصلٌ بالقلب إذا انقطع هلك منه الإنسان؛ فلو قدِّر أنَّ الرسول ـ حاشا وكلا ـ تقوَّل على الله؛ لعاجَلَه بالعقوبة وأخذَه أخذَ عزيزٍ مقتدرٍ؛ لأنَّه حكيمٌ قديرٌ على كلِّ شيءٍ ؛ فحكمته تقتضي أن لا يُمْهِلَ الكاذب عليه الذي يزعم أنَّ الله أباح له دماء مَنْ خالفه وأموالهم، وأنَّه هو وأتباعه لهم النجاةُ، ومَنْ خالفَه؛ فله الهلاكُ. فإذا كان الله قد أيَّد رسوله بالمعجزات، وبرهن على صدق ما جاء به بالآيات البيِّنات، ونصره على أعدائه، ومكَّنه من نواصيهم؛ فهو أكبر شهادةٍ منه على رسالته. وقوله:{فما منكم من أحدٍ عنه حاجزينَ}؛ أي: لو أهلكه؛ ما امتنعَ هو بنفسه ولا قَدَرَ أحدٌ أن يمنعه من عذاب الله.
الآية 48:{وإنَّه}؛ أي: القرآن الكريم، {لتذكرةٌ للمتَّقين}: يتذكَّرون به مصالح دينهم ودنياهم، فيعرفونها ويعملون عليها، يذكِّرهم العقائد الدينيَّة والأخلاق المرضيَّة والأحكام الشرعيَّة، فيكونون من العلماء الربانيِّين، والعباد العارفين، والأئمَّة المهديِّين.
الآية 49:{وإنَّا لَنَعۡلَمُ أنَّ منكم مكذِّبين}: به، وهذا فيه تهديدٌ ووعيدٌ للمكذِّبين، وأنَّه سيعاقِبُهم على تكذيبهم بالعقوبة البليغة.
الآية 50:{وإنَّه لحسرةٌ على الكافرين}: فإنَّهم لما كفروا به ورأوا ما وَعَدَهم به؛ تحسَّروا إذ لم يهتدوا به ولم ينقادوا لأمره، ففاتهم الثواب، وحصلوا على أشدِّ العذاب، وتقطَّعت بهم الأسباب.
الآية 51:{وإنَّه لحقُّ اليقين}؛ أي: أعلى مراتب العلم؛ فإنَّ أعلى مراتب العلم اليقين، وهو العلم الثابت الذي لا يتزلزل ولا يزول. واليقين مراتبه ثلاثةٌ، كلُّ واحدة أعلى مما قبلها: أولُها علم اليقين، وهو العلمُ المستفاد من الخبر. ثم عينُ اليقين، وهو العلم المدرَك بحاسة البصر. ثم حقُّ اليقين، وهو العلم المدرَك بحاسَّة الذوق والمباشرة. وهذا القرآن بهذا الوصف؛ فإنَّ ما فيه من العلوم المؤيَّدة بالبراهين القطعيَّة وما فيه من الحقائق والمعارف الإيمانيَّة يحصُلُ به لمن ذاقه حقُّ اليقين.
الآية 52:{فسبِّح باسم ربِّك العظيم}؛ أي: نزِّههُ عما لا يَليق بجلاله، وقدِّسْه بذِكْرِ أوصاف جلاله وجماله وكماله.
تم تفسير سورة الحاقة. والحمد لله رب العالمين.
* * *
تفسير الجلالين
﴿فَلا﴾ زائِدَة ﴿أُقْسِم بِما تُبْصِرُونَ﴾ مِن المَخْلُوقات
تفسير ابن كثير
يشمل هذا التفسير الآيات 38 إلى 43
يَقُولُ تَعَالَى مُقسمًا لِخَلْقِهِ بِمَا يُشَاهِدُونَهُ مِنْ آيَاتِهِ فِي مَخْلُوقَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى كَمَالِهِ فِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَمَا غَابَ عَنْهُمْ مِمَّا لَا يُشَاهِدُونَهُ مِنَ الْمُغَيَّبَاتِ عَنْهُمْ: إِنَّ الْقُرْآنَ كلامُه وَوَحْيُهُ وتنزيلُه عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ، الَّذِي اصْطَفَاهُ لِتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، فَقَالَ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لَا تُبْصِرُونَ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ يَعْنِي: مُحَمَّدًا، أَضَافَهُ إِلَيْهِ عَلَى مَعْنَى التَّبْلِيغِ؛ لِأَنَّ الرَّسُولَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُبَلِّغَ عَنِ الْمُرْسِلِ؛ وَلِهَذَا أَضَافَهُ فِي سُورَةِ التَّكْوِيرِ إِلَى الرَّسُولِ الْمَلَكِيِّ: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ وَهَذَا جِبْرِيلُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ يَعْنِي: مُحَمَّدًا ﷺ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأفُقِ الْمُبِينِ﴾ يَعْنِي: أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى جِبْرِيلَ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا، ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ أَيْ: بِمُتَّهَمٍ ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ [التَّكْوِيرِ: ١٩ -٢٥] ، وَهَكَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلا مَا تُؤْمِنُونَ وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ، فَأَضَافَهُ تَارَةً إِلَى قَوْلٍ الرَّسُولِ الْمَلَكِيِّ، وَتَارَةً إِلَى الرَّسُولِ الْبَشَرِيِّ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُبَلِّغٌ عَنِ اللَّهِ مَا اسْتَأْمَنَهُ عَلَيْهِ مِنْ وَحْيِهِ وَكَلَامِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿تَنزيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ، حَدَّثَنَا شُرَيح بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: خَرَجْتُ أَتَعَرَّضُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ أُسْلِمَ، فَوَجَدْتُهُ قَدْ سَبَقَنِي إِلَى الْمَسْجِدِ، فَقُمْتُ خَلْفَهُ، فَاسْتَفْتَحَ سُورَةَ الْحَاقَّةِ، فَجَعَلْتُ أَعْجَبُ مِنْ تَأْلِيفِ الْقُرْآنِ، قَالَ: فَقُلْتُ: هَذَا وَاللَّهِ شَاعِرٌ كَمَا قَالَتْ قُرَيْشٌ. قَالَ: فَقَرَأَ: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ قَالَ: فَقُلْتُ: كَاهِنٌ. قَالَ فَقَرَأَ: ﴿وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ تَنزيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقَاوِيلِ لأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾
إِلَى آخِرِ السُّورَةِ. قَالَ: فَوَقَعَ الْإِسْلَامُ فِي قَلْبِي كُلَّ مَوْقِعٍ [[المسند (١/١٧) .]] .
فَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ الْأَسْبَابِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى مُؤَثِّرَةً فِي هِدَايَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، كَمَا أَوْرَدْنَا كَيْفِيَّةَ إِسْلَامِهِ فِي سِيرَتِهِ الْمُفْرَدَةِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ [[في أ: "ولله الحمد والمنة".]] .
تفسير الطبري
يشمل هذا التفسير الآيات 38 إلى 42
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) ﴾
يقول تعالى ذكره: فلا ما الأمر كما تقولون معشر أهل التكذيب بكتاب الله ورسله، أقسم بالأشياء كلها التي تبصرون منها، والتي لا تبصرون.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد في قوله: (فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لا تُبْصِرُونَ) قال: أقسم بالأشياء، حتى أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون.
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لا تُبْصِرُونَ﴾ يقول: بما ترون وبما لا ترون.
* *
وقوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾
يقول تعالى ذكره: إن هذا القرآن لقول رسول كريم، وهو محمد ﷺ يتلوه عليهم.
* *
وقوله: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلا مَا تُؤْمِنُونَ﴾
يقول جلّ ثناؤه: ما هذا القرآن بقول شاعر؛ لأن محمدًا لا يُحسن قيل الشعر، فتقولوا هو شعر، ﴿قَلِيلا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ يقول: تصدّقون قليلا به أنتم، وذلك خطاب من الله لمشركي قريش، ﴿وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ يقول: ولا هو بقول كاهن، لأن محمدًا ليس بكاهن، فتقولوا: هو من سجع الكهان، ﴿قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ يقول: تتعظون به أنتم، قليلا ما تعتبرون به.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ : طهَّره الله من ذلك وعصمه، ﴿وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ، طهَّره الله من الكهانة، وعصمه منها.