سورة القرآن surah-quran.com

سورة الحشر

سورة الحشر، الآية 9

الجزء 28، الصفحة 546.

وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلْإِيمَـٰنَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُوا۟ وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِۦ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴿٩﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

والذين استوطنوا «المدينة»، وآمنوا من قبل هجرة المهاجرين -وهم الأنصار- يحبون المهاجرين، ويواسونهم بأموالهم، ولا يجدون في أنفسهم حسدًا لهم مما أُعْطوا من مال الفيء وغيره، ويُقَدِّمون المهاجرين وذوي الحاجة على أنفسهم، ولو كان بهم حاجة وفقر، ومن سَلِم من البخل ومَنْعِ الفضل من المال فأولئك هم الفائزون الذين فازوا بمطلوبهم.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 1 إلى 17

وهي مدنية

بسم الله الرحمن الرحيم

هذه السورة تُسَمَّى سورة بني النضير، وهم طائفةٌ كبيرةٌ من اليهود في جانب المدينة وقت بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلمَّا بُعث النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وهاجر إلى المدينة؛ كفروا به في جملة من كفر من اليهود، فهادن النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - طوائف اليهود الذين هم جيرانه في المدينة، فلما كان بعد وقعةِ بدرٍ بستة أشهر أو نحوها؛ خرج إليهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، وكلَّمهم أن يعينوه في دِيَةِ الكلابيين الذين قتلهم عمرو بن أمية الضَّمْريُّ، فقالوا: نفعل يا أبا القاسم! اجلس هاهنا حتى نقضي حاجتك! فخلا بعضهم ببعض، وسوَّل لهم الشيطانُ الشقاء الذي كُتِبَ عليهم، فتآمروا بقتله - صلى الله عليه وسلم -، فقالوا: أيُّكم يأخُذُ هذه الرحى فيصعد فيلقيها على رأسه يشدخه بها؟ فقال أشقاهم عمرو بن جحاش: أنا. فقال لهم سلامُ بن مشكمٍ: لا تفعلوا؛ فوالله؛ لَيُخْبَرَنَّ بما هممتم به، وإنَّه لنقضٌ للعهد الذي بيننا وبينه. وجاء الوحي على الفور إليه من ربِّه بما همُّوا به، فنهض مسرعاً، فتوجَّه إلى المدينة، ولحقه أصحابُه، فقالوا: نهضتَ ولم نشعرْ بك! فأخبرهم بما همَّتْ يهودُ به، وبعث إليهم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أنِ اخْرُجوا من المدينة ولا تساكنوني بها، وقد أجَّلْتُكم عشراً؛ فمن وجدتُ بعد ذلك؛ ضربتُ عُنُقه. فأقاموا أياماً يتجهَّزون، وأرسل إليهم المنافق عبد الله بن أبيِّ بن سلول أن لا تخرجوا من دياركم؛ فإن معي ألفين يدخلون معكم حصنكم فيموتون دونكم، وتنصُرُكم قريظةُ وحلفاؤكم من غطفان. وطمع رئيسهم حييُّ بن أخطبَ فيما قال له، وبعث إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إنَّا لا نخرج من ديارنا؛ فاصنعْ ما بدا لك! فكبَّر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، ونهضوا إليهم، وعلي بن أبي طالب يحملُ اللواء، وأقاموا على حصونهم يرمون بالنَّبْل والحجارة، واعتزلتهم قريظةُ، وخانهم ابنُ أبيٍّ وحلفاؤهم من غطفان، فحاصرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقطع نخلَهم وحرَّق، فأرسلوا إليه: نحن نخرجُ من المدينة، فأنزلهم على أن يخرجوا منها بنفوسهم وذراريِّهم وأنَّ لهم ما حملتْ إبِلُهم إلاَّ السلاحَ. وقبض رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - الأموال والسلاح. وكانت بنو النضير خالصةً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لنوائبه ومصالح المسلمين، ولم يخمِّسْها؛ لأن الله أفاءها عليه ولم يوجِفِ المسلمون عليها بخيل ولا ركابٍ، وأجلاهم إلى خيبر، وفيهم حييُّ بن أخطب كبيرهم، واستولى على أرضهم وديارهم، وقبض السلاح، فوجد من السلاح خمسين درعاً وخمسين بيضةً وثلاثمائة وأربعين سيفاً، هذا حاصل قصتهم كما ذكرها أهل السير.

الآية 1: فافتتح تعالى هذه السورة بالإخبار أنَّ جميع مَن في السماوات والأرض تسبِّح بحمد ربِّها وتنزِّهه عمَّا لا يليق بجلاله وتعبُدُه وتخضعُ لعظمتِهِ ؛ لأنه العزيز الذي قد قهر كلَّ شيء؛ فلا يمتنعُ عليه شيءٌ، ولا يستعصي عليه عسيرٌ ، الحكيم في خلقِه وأمرِه؛ فلا يخلُقُ شيئاً عبثاً، ولا يُشْرِّعُ ما لا مصلحة فيه، ولا يفعل إلا ما هو مقتضى حكمته.

الآية 2: ومن ذلك نصرُه لرسوله - صلى الله عليه وسلم - على الذين كفروا من أهل الكتاب من بني النضير حين غَدَروا برسوله فأخرجهم من ديارهم وأوطانهم التي ألِفوها وأحبوها، وكان إخراجهم منها أولَ حشرٍ وجلاءٍ كتبه الله عليهم على يد رسولِه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، فجلوا إلى خيبر. ودلَّت الآية الكريمة أن لهم حشراً وجلاءً غير هذا؛ فقد وقع حين أجلاهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - من خيبر، ثم عمرُ رضي الله عنه أخرج بقيتهم منها. {ما ظننتُم}: أيها المسلمون {أن يخرُجوا}: من ديارهم؛ لحصانتها ومنعتها وعزِّهم فيها، {وظنوا أنهم مانعتُهم حصونُهم من اللهِ}: فأعجبوا بها، وغرَّتْهم، وحسبوا أنهم لا يُنالون بها، ولا يقدِرُ عليها أحدٌ، وقدَرُ الله وراء ذلك كلِّه، لا تغني عنه الحصونُ والقلاعُ ولا تجدي فيه القوةُ والدفاع، ولهذا قال:{فأتاهمُ اللهُ من حيثُ لم يحتسِبوا}؛ أي: من الأمر والباب الذي لم يخطر ببالهم أن يُؤتَوا منه، وهو أنَّه تعالى:{قَذَفَ في قلوبِهِم الرعبَ}: وهو الخوف الشديدُ، الذي هو جند الله الأكبر، الذي لا ينفع معه عددٌ ولا عدةٌ ولا قوةٌ ولا شدةٌ؛ فالأمر الذي يحتسبونه، ويظنُّون أنَّ الخلل يدخل عليهم منه إن دخل، هو الحصون التي تحصَّنوا بها واطمأنتْ نفوسُهم إليها، ومن وَثِقَ بغير الله؛ فهو مخذولٌ، ومن ركن إلى غير الله؛ كان وبالاً عليه ، فأتاهم أمرٌ سماويٌّ نزل على قلوبهم، التي هي محلُّ الثبات والصبر أو الخور والضعف، فأزال قوَّتها وشدَّتها، وأورثها ضعفاً وخوراً وجبناً لا حيلة لهم في دفعه ، فصار ذلك عوناً عليهم، ولهذا قال:{يُخۡرِبونَ بيوتَهم بأيديهِم وأيدي المُؤمِنينَ}، وذلك أنَّهم صالحوا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - على أنَّ لهم ما حملتِ الإبلُ، فنقضوا لذلك كثيراً من سقوفهم التي استحسنوها، وسلَّطوا المؤمنين بسبب بغيهم على إخراب ديارِهِم وهدم حصونِهم، فهم الذين جَنَوا على أنفسهم وصاروا أكبر عونٍ عليها. {فاعۡتَبِروا يا أولي الأبصارِ}؛ أي: البصائر النافذة والعقول الكاملة؛ فإنَّ في هذا معتبراً يُعْرَف به صنع الله [تعالى] في المعاندين للحقِّ، المتبعين لأهوائهم، الذين لم تنفعهم عزَّتهم ولا مَنَعَتْهم قوتُهم ولا حصَّنتهم حصونهم، حين جاءهم أمرُ الله؛ وصل إليهم النكال بذنوبهم، والعبرة بعموم المعنى لا بخصوص السبب؛ فإنَّ هذه الآية تدلُّ على الأمر بالاعتبار، وهو اعتبار النظير بنظيره، وقياس الشيء على ما يشابهه ، والتفكُّر فيما تضمَّنته الأحكام من المعاني والحكم التي هي محلُّ العقل والفكرة، وبذلك يكمُلُ العقل، وتتنور البصيرة، ويزداد الإيمان، ويحصل الفهم الحقيقيُّ.

الآية 3: ثم أخبر تعالى أنَّ هؤلاء اليهود لم يصِبْهم جميع ما يستحقون من العقوبة، وأن الله خفَّف عنهم، فلولا أنه كتبَ عليهم الجلاءَ الذي أصابهم وقضاه عليهم [وقدره] بقدره الذي لا يُبَدَّلُ ولا يُغَيَّرُ؛ لكان لهم شأنٌ آخر من عذاب الدُّنيا ونَكالها، ولكنهم وإن فاتهم العذابُ الشديد الدنيويُّ؛ فإنَّ لهم في الآخرة عذابَ النار الذي لا يمكن أن يعلم شدَّته إلاَّ الله؛ فلا يخطر ببالهم أن عقوبتهم [قد] انقضتْ وفرغتْ ولم يبقَ لهم منها بقيةٌ؛ فما أعدَّ الله لهم من العذابِ في الآخرة أعظم وأطمُّ.

الآية 4: و {ذلك} لأنَّهم {شاقُّوا اللهَ ورسولَه}: وعادَوْهما وحاربوهما وسعوا في معصيتهما، وهذه سنته وعادته فيمن شاقَّه. {ومن يُشاقِّ اللهَ فإنَّ اللهَ شديدُ العقابِ}.

الآية 5: ولما لام بنو النضير رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين في قطع النخيل والأشجار، وزعموا أن ذلك من الفساد وتوصلوا بذلك إلى الطعن بالمسلمين، أخبر تعالى أنَّ قطع النخيل إن قطعوه أو إبقاءهم إيَّاه إن أبْقَوْه؛ أنه بإذنه [تعالى] وأمره، {ولِيُخۡزِيَ الفاسقين}: حيث سلَّطكم على قطع نخلهم وتحريقها؛ ليكون ذلك نكالاً لهم وخزياً في الدُّنيا وذلًّا يُعرف به عجزُهم التامُّ الذي ما قدروا على استنقاذ نخلهم الذي هو مادة قوتهم. واللِّينة تشمل سائرَ النخيل على أصحِّ الاحتمالات وأولاها؛ فهذه حال بني النضير وكيف عاقبهم الله [تعالى] في الدُّنيا.

الآية 6: ثم ذكر مَن انتقلت إليه أموالُهم وأمتعتُهم، فقال:{وما أفاء اللهُ على رسولهِ منهم}؛ أي: من أهل هذه القرية، وهم بنو النضير، {فـ}: إنَّكم يا معشر المسلمين، {ما أوجَفۡتُم عليه من خيل ولا ركابٍ}؛ أي: ما أجلبتم وحشدتم ؛ أي: لم تتعبوا بتحصيلها لا بأنفسكم ولا بمواشيكم، بل قذف الله في قلوبهم الرعبَ، فأتتكم صفواً عفواً، ولهذا قال:{ولكنَّ الله يسلِّطُ رسله على من يشاءُ واللهُ على كلِّ شيءٍ قديرٌ}: من تمام قدرته أنَّه لا يمتنع عليه ممتنعٌ ولا يتعزَّز من دونه قويٌّ.

الآية 7: وتعريف الفيء باصطلاح الفقهاء: هو ما أخِذَ من مال الكفار بحقٍّ من غير قتال؛ كهذا المال الذي فرُّوا وتركوه خوفاً من المسلمين، وسُمِّي فيئاً؛ لأنه رجع من الكفار الذين هم غير مستحقِّين له إلى المسلمين الذين لهم الحقُّ الأوفر فيه. وحكمه العامُّ كما ذكره الله بقوله:{ما أفاءَ اللهُ على رسولهِ من أهلِ القُرى}: عموماً، سواء كان في وقت الرسول أو بعده على مَن تَوَلَّى من بعدِهِ من أمَّته، {فللهِ وللرسولِ ولذي القربى واليتامى والمساكينِ وابنِ السبيل}: وهذه الآية نظير الآية التي في سورة الأنفال ، وهي قوله:{واعلموا أنَّما غَنِمۡتُم من شيءٍ فأنَّ لله خُمُسَه وللرسول ولذي القُربى واليتامى والمساكينِ وابنِ السبيلِ}؛ فهذا الفيء يُقسم خمسة أقسام: لله ولرسوله يُصْرَفُ في مصالح المسلمين العامة. وخمسٌ لذوي القربى، وهم بنو هاشم وبنو المطلب؛ حيث كانوا، يسوَّى فيه بين ذكورهم وإناثهم، وإنَّما دخل بنو المطَّلب في خمس الخمس مع بني هاشم ولم يدخُلْ بقية بني عبد مناف؛ لأنهم شاركوا بني هاشم في دخولهم الشعبَ حين تعاقدتْ قريشٌ على هجرهم وعداوتهم، فنصروا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -؛ بخلاف غيرهم، ولهذا قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم في بني عبد المطلب:«إنَّهم لم يفارِقوني في جاهليَّة ولا إسلام». وخمسٌ لفقراء اليتامى، وهم من لا أب له ولم يبلغْ. وخمسٌ للمساكين. وخمسٌ لأبناء السبيل، وهم الغرباء المنقطَع بهم في غير أوطانهم. وإنَّما قدَّر الله هذا التقدير وحصر الفيء في هؤلاء المعيَّنين؛ لكي {لا يكونَ دُولَةً}؛ أي: مداولةً واختصاصاً {بين الأغنياءِ منكم}: فإنَّه لو لم يقدِّره؛ لتداولته الأغنياءُ الأقوياء، ولما حَصَلَ لغيرهم من العاجزين منه شيءٌ، وفي ذلك من الفساد ما لا يعلمه إلا الله؛ كما أنَّ في اتِّباع أمر الله وشرعه من المصالح ما لا يدخل تحت الحصر، ولذلك أمر الله بالقاعدة الكلِّيَّة والأصل العام، فقال:{وما آتاكُمُ الرسولُ فخذوهُ وما نَهاكم عنهُ فانتَهوا}: وهذا شاملٌ لأصول الدين وفروعه ظاهره وباطنه، وأنَّ ما جاء به الرسول يتعيَّن على العباد الأخذ به واتِّباعه، ولا تحلُّ مخالفته، وأنَّ نصَّ الرسول على حكم الشيء كنصِّ الله تعالى؛ لا رخصةَ لأحدٍ ولا عذر له في تركه، ولا يجوز تقديم قول أحدٍ على قوله. ثم أمر بتقواه التي بها عِمارةُ القلوب والأرواح والدُّنيا والآخرة، وبها السعادة الدائمة والفوزُ العظيم، وبإضاعتها الشقاء الأبديُّ والعذاب السرمديُّ، فقال:{واتَّقوا الله إنَّ الله شديدُ العقابِ}: على من ترك التقوى وآثر اتِّباع الهوى.

{8 ـ 9} ثم ذكر تعالى الحكمة والسبب الموجب لجعله تعالى أموال الفيء لمن قدَّرها له، وأنَّهم حقيقون بالإعانة، مستحقُّون لأن تُجعل لهم، وأنهم ما بين مهاجرين؛ قد هجروا المحبوبات والمألوفات من الديار والأوطان والأحباب والخلان والأموال رغبةً في الله ونصرةً لدين الله ومحبةً لرسول الله؛ فهؤلاء هم الصادقون؛ الذين عملوا بمقتضى إيمانهم، وصدَّقوا إيمانَهم بأعمالهم الصالحة والعبادات الشاقَّة؛ بخلاف مَنِ ادَّعى الإيمان وهو لم يصدِّقْه بالجهاد والهجرة وغيرهما من العبادات، وبين أنصار، وهم الأوس والخزرج، الذين آمنوا بالله ورسوله طوعاً ومحبةً واختياراً، وآووا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومنعوه من الأحمر والأسود، وتبوَّءوا دار الهجرة والإيمان، حتى صارت موئلاً ومرجعاً يرجع إليه المؤمنون، ويلجأ إليه المهاجرون، ويسكن بحماه المسلمون؛ إذ كانت البلدانُ كلُّها بلدانَ حربٍ وشركٍ وشرٍّ، فلم يزل أنصارُ الدين يأوون إلى الأنصار، حتى انتشر الإسلام وقوي وجعل يزداد شيئاً فشيئاً، [وينمو قليلاً قليلاً] حتى فتحوا القلوبَ بالعلم والإيمان والقرآن، والبلدانَ بالسيف والسنان، الذين من جُملة أوصافهم الجميلة أنهم {يحبُّون مَن هاجَر إليهم}، وهذا لمحبَّتهم لله ورسوله، أحبُّوا أحبابه، وأحبُّوا من نصر دينه. {ولا يجِدونَ في صدورهم حاجةً مما أوتوا}؛ أي: لا يحسُدون المهاجرين على ما آتاهم الله من فضلهِ وخصَّهم به من الفضائل والمناقب الذين هم أهلها. وهذا يدلُّ على سلامة صدورهم وانتفاء الغلِّ والحقد والحسد عنها، ويدلُّ ذلك على أنَّ المهاجرين أفضل من الأنصار؛ لأنَّ الله قدَّمهم بالذِّكر، وأخبر أنَّ الأنصارَ لا يجدون في صدورهم حاجةً مما أوتوا، فدلَّ على أنَّ الله تعالى آتاهم ما لم يؤتِ الأنصارَ ولا غيرهم، ولأنَّهم جمعوا بين النصرة والهجرة، وقوله:{ويؤثِرونَ على أنفسِهِم ولو كان بهم خَصاصةٌ}؛ أي: ومن أوصاف الأنصار التي فاقوا بها غيرهم وتميَّزوا بها عمَّن سواهم الإيثار، وهو أكمل أنواع الجود، وهو الإيثار بمحابِّ النفس من الأموال وغيرها، وبذلها للغيرِ، مع الحاجة إليها، بل مع الضَّرورة والخَصاصة، وهذا لا يكون إلا من خُلُقٍ زكيٍّ ومحبَّة لله تعالى مقدَّمة على [محبة] شهوات النفس ولذَّاتها. ومن ذلك قصَّة الأنصاريِّ الذي نزلت الآية بسببه حين آثر ضيفَه بطعامه وطعام أهله وأولادِهِ وباتوا جياعاً. والإيثار عكس الأثَرَةِ؛ فالإيثارُ محمودٌ، والأثَرَةُ مذمومةٌ؛ لأنَّها من خصال البخل والشحِّ، ومن رُزِق الإيثار؛ فقد وُقِيَ شُحَّ نفسِه، {ومَن يوقَ شُحَّ نفسهِ فأولئك همُ المفلحونَ}: ووقايةُ شحِّ النفس يشمل وقايتها الشحَّ في جميع ما أمر به؛ فإنَّه إذا وُقِيَ العبدُ شحَّ نفسه؛ سمحت نفسه بأوامر الله ورسوله، ففعلها طائعاً منقاداً منشرحاً بها صدرُه، وسمحت نفسه بترك ما نهى اللهُ عنه، وإنْ كان محبوباً للنفس؛ تدعو إليه وتطلَّع إليه، وسمحتْ نفسه ببذل الأموال في سبيل الله وابتغاءِ مرضاتِه، وبذلك يحصُلُ الفلاح والفوزُ؛ بخلاف مَنْ لم يوقَ شحَّ نفسه، بل ابْتُلِيَ بالشُّحِّ بالخير الذي هو أصل الشرِّ ومادته.

الآية 10: فهذان الصنفان الفاضلان الزكيَّان هم الصحابة الكرام والأئمة الأعلام، الذين حازوا من السوابق والفضائل والمناقب ما سَبَقوا به مَن بعدَهم وأدركوا به مَن قبلهم، فصاروا أعيان المؤمنين وسادات المسلمين وقادات المتَّقين، وحسب من بعدهم من الفضل أن يسيرَ خلفَهم ويأتمَّ بهُداهم، ولهذا ذكر الله من اللاحقين مَن هو مؤتمٌّ بهم [وسائر خلفهم]، فقال:{والذين جاؤوا من بعدِهم}؛ أي: من بعد المهاجرين والأنصارِ، {يقولون}: على وجه النُّصح لأنفسهم ولسائر المؤمنين: {ربَّنا اغۡفِرۡ لنا ولإخوانِنا الذين سَبَقونا بالإيمانِ}: وهذا دعاءٌ شاملٌ لجميع المؤمنين من السابقين من الصحابة ومَن قبلَهم ومَن بعدهم، وهذا من فضائل الإيمان؛ أنَّ المؤمنين ينتفعُ بعضُهم ببعض ويدعو بعضُهم لبعض؛ بسبب المشاركةِ في الإيمان، المقتضي لعقد الأخوَّة بين المؤمنين، التي من فروعها أن يدعوَ بعضُهم لبعض، وأن يحبَّ بعضُهم بعضاً، ولهذا ذكر الله في هذا الدعاء نفي الغلِّ عن القلب، الشامل لقليلِه وكثيرِه، الذي إذا انتفى؛ ثبت ضدُّه، وهو المحبَّة بين المؤمنين والموالاة والنصح ونحو ذلك مما هو من حقوق المؤمنين، فوصفَ الله مَن بعد الصحابة بالإيمان؛ لأنَّ قولهم:{سَبَقونا بالإيمان}: دليلٌ على المشاركة فيه ، وأنَّهم تابعون للصحابة في عقائد الإيمان وأصوله، وهم أهل السنة والجماعة، الذين لا يصدق هذا الوصف التامُّ إلاَّ عليهم، وَوَصَفَهم بالإقرار بالذُّنوب والاستغفار منها واستغفار بعضهم لبعض واجتهادهم في إزالة الغلِّ والحقدِ [عن قلوبهم] لإخوانهم المؤمنين؛ لأنَّ دعاءهم بذلك مستلزمٌ لما ذكرنا ومتضمِّنٌ لمحبَّة بعضهم بعضاً، وأنْ يحبَّ أحدُهم لأخيه ما يحبُّ لنفسه، وأن ينصحَ له حاضراً وغائباً حيًّا وميتاً. ودلَّت الآية الكريمة على أنَّ هذا من جملة حقوق المؤمنين بعضهم لبعض. ثم ختموا دعاءهم باسمينِ كريمينِ دالَّين على كمال رحمة الله وشدَّة رأفته وإحسانه بهم، الذي من جملته: بل [من] أَجَلِّه توفيقُهم للقيام بحقوقه وحقوق عباده. فهؤلاء الأصناف الثلاثة هم أصناف هذه الأمة، وهم المستحقُّون للفيء، الذي مصرفه راجعٌ إلى مصالح الإسلام، وهؤلاء أهله الذين هم أهلُه، جعلنا الله منهم بمنِّه وكرمه.

الآية 11: ثم تعجَّب تعالى من حال المنافقين، الذين طمَّعوا إخوانهم من أهل الكتاب في نصرتهم وموالاتهم على المؤمنين، وأنَّهم يقولون لهم:{لَئنۡ أخۡرِجۡتُمۡ لَنَخۡرُجَنَّ معكم ولا نُطيعُ فيكم أحداً أبداً}؛ أي: لا نطيع في عدم نصرتكم أحداً يعذِلُنا أو يخوَّفنا، {وإن قوتِلۡتُم لننصُرَنَّكم واللهُ يشهدُ إنَّهم لَكاذبونَ}: في هذا الوعد الذي غرُّوا به إخوانهم، ولا يستكثرُ هذا عليهم؛ فإنَّ الكذبَ وصفهم، والغرور والخداع مقارنهم، والنفاق والجبن يصحبهم.

الآية 12: ولهذا كذَّبهم الله بقوله الذي وُجِدَ مخبرُه كما أخبر به ووقع طِبْقَ ما قال، فقال:{لَئِنۡ أخۡرِجوا}؛ أي: من ديارهم جلاءً ونفياً {لا يخرُجون معهم}: لمحبَّتهم للأوطان، وعدم صبرهم على القتال، وعدم وفائهم بالوعد ، {ولَئِن قوتلوا لا يَنصُرونهم}: بل يستولي عليهم الجبنُ ويملكهم الفشل ويَخْذُلون إخوانَهم أحوج ما كانوا إليهم، {ولَئِن نَصَروهم}: على الفرض والتقدير ، {لَيُوَلُّنَّ الأدبارَ ثم لا يُنصرون}؛ أي: سيحصل منهم الإدبار عن القتال والنُّصرة، ولا يحصُل لهم نصرٌ من الله.

الآية 13: والسبب الذي حملهم على ذلك أنَّكم أيُّها المؤمنون {أشدُّ رهبةً في صدورِهِم من اللهِ}: فخافوا منكم أعظم ممَّا يخافون الله، وقدَّموا مخافَة المخلوق الذي لا يملك لنفسه [ولا لغيره] نفعاً ولا ضرًّا على مخافة الخالق الذي بيده الضرُّ والنفع والعطاء والمنع. {ذلك بأنَّهم قومٌ لا يفقهون}: مراتب الأمور، ولا يعرفون حقائق الأشياء، ولا يتصوَّرون العواقب، وإنَّما الفقه كلُّ الفقه أن يكون خوفُ الخالق ورجاؤه ومحبَّتُه مقدمةً على غيرها، وغيرها تبعاً لها.

الآية 14:{لا يقاتِلونَكم جميعاً}؛ أي: في حال الاجتماع {إلاَّ في قرىً محصَّنةٍ أو من وراءِ جُدُرٍ}؛ أي: لا يثبتون على قتالكم ولا يعزِمون عليه إلاَّ إذا كانوا متحصِّنين في القرى أو من وراء الجدر والأسوار؛ فإنهم إذ ذاك ربَّما يحصُل منهم امتناعٌ اعتماداً على حصونهم وجُدُرهم لا شجاعةً بأنفسهم، وهذا من أعظم الذَّمِّ. {بأسُهُم بينَهم شديدٌ}؛ أي: بأسهم فيما بينهم شديدٌ، لا آفة في أبدانهم ولا في قوَّتهم، وإنَّما الآفة في ضعف إيمانهم وعدم اجتماع كَلِمَتهم، ولهذا قال:{تحۡسَبُهُم جميعاً}: حين تراهم مجتمعين ومتظاهرين، {و} لكن {قلوبُهم شتًّى}؛ أي: متباغضة متفرِّقة متشتِّتة. {ذلك}: الذي أوجب لهم اتِّصافهم بما ذُكِرَ {بأنَّهم قومٌ لا يعقلونَ}؛ أي: لا عقل عندهم ولا لبَّ؛ فإنَّهم لو كانت لهم عقولٌ؛ لآثروا الفاضل على المفضول، ولَما رضوا لأنفسهم بأبخس الخطَّتين، ولكانت كلمتُهم مجتمعةً وقلوبهم مؤتلفةً؛ فبذلك يتناصرون ويتعاضدون ويتعاونون على مصالحهم [ومنافعهم] الدينيَّة والدنيويَّة؛ مثل هؤلاء المخذولين من أهل الكتاب، الذين انتصر الله لرسوله منهم، وأذاقَهم الخزيَ في الحياة الدنيا، وعدمَ نصرِ مَنْ وعدَهم بالمعاونة.

الآية 15:{كمثل الذين من قبلِهِم قريباً}: وهم كفارُ قريش، الذين {زيَّن لهمُ الشَّيطانُ أعمالهم، وقال: لا غَالِبَ لَكُمُ اليومَ من النَّاس، وإنَّي جَارٌ لكم، فَلَمَّا تَراءتِ الفئتانِ؛ نكص على عقبيهِ ، وقَالَ: إنِّي بَرِيءٌ منكم، إنَّي أرى ما لا ترَوۡنَ}! فغرَّتهم أنفسهم، وغرَّهم مَن غرَّهم، الذين لم ينفعوهم ولم يدفعوا عنهم العذاب، حتى أتوا بدراً بفخرهم وخُيَلائِهم، ظانِّين أنهم مدركون برسول الله والمؤمنين أمانيهم، فنصر الله رسوله والمؤمنين عليهم، فقتلوا كبارهم وصناديدهم، وأسروا مَن أسروا منهم، وفرَّ من فرَّ، وذاقوا بذلك وبالَ أمرِهم وعاقبةَ شِركهم وبغيهم. هذا في الدُّنيا، {ولهم} في الآخرة عذابُ النارِ.

الآية 16: ومَثَلُ هؤلاء المنافقين الذين غرُّوا إخوانهم من أهل الكتاب، {كمَثَل الشيطان إذ قال للإنسانِ اكۡفُرۡ}؛ أي: زيَّن له الكفر وحسَّنه ودعاه إليه، فلما اغتر به وكفر وحصل له الشقاء لم ينفعه الشيطان الذي تولاه ودعاه إلى ما دعاه إليه بل تبرَّأ منه، {وقال إني بريءٌ منك إني أخافُ اللهَ ربَّ العالمين}؛ أي: ليس لي قدرةٌ على دفع العذاب عنك، ولستُ بمغنٍ عنك مثقال ذرَّةٍ من الخير.

الآية 17:{فكان عاقِبَتَهما}؛ أي: الداعي الذي هو الشيطان والمدعو الذي هو الإنسان حين أطاعه، {أنهما في النار خالدَيۡنِ فيها}؛ كما قال تعالى:{إنَّما يدعو حزبَه ليكونوا من أصحابِ السعيرِ}. {وذلك جزاءُ الظالمين}: الذين اشتركوا في الظُّلم والكفر، وإن اختلفوا في شدَّة العذاب وقوته. وهذا دأب الشيطان مع كل أوليائهِ؛ فإنَّه يَدْعوهم ويدلِّيهم بغرور إلى ما يضرُّهم ، حتى إذا وقعوا في الشباك، وحاق بهم أسبابُ الهلاك؛ تبرأ منهم وتخلَّى عنهم، واللَّوم كلُّ اللَّوم على من أطاعه؛ فإنَّ الله قد حذَّر منه وأنذر، وأخبرَ بمقاصده وغايته ونهايته، فالمقدِم على طاعته عاصٍ على بصيرةٍ لا عذر له.

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّار﴾ أيْ المَدِينَة ﴿والإيمان﴾ أيْ ألِفُوهُ وهُمْ الأَنْصار ﴿مِن قَبْلهمْ يُحِبُّونَ مَن هاجَرَ إلَيْهِمْ ولا يَجِدُونَ فِي صُدُورهمْ حاجَة﴾ حَسَدًا ﴿مِمّا أُوتُوا﴾ أيْ آتى النَّبِيّ ﷺ المُهاجِرِينَ مِن أمْوال بَنِي النَّضِير المُخْتَصَّة بِهِمْ ﴿ويُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسهمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَة﴾ حاجَة إلى ما يُؤْثِرُونَ بِهِ ﴿ومَن يُوقَ شُحّ نَفْسه﴾ حِرْصها عَلى المال

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يشمل هذا التفسير الآيات 8 إلى 10

يَقُولُ تَعَالَى مُبَيِّنًا حَالَ الْفُقَرَاءِ الْمُسْتَحِقِّينَ لِمَالِ الْفَيْءِ أَنَّهُمْ ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ أَيْ: خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَخَالَفُوا قَوْمَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَرِضْوَانِهِ ﴿وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ أَيْ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ صَدَقوا قَوْلَهُمْ بِفِعْلِهِمْ، وَهَؤُلَاءِ هُمْ سَادَاتُ الْمُهَاجِرِينَ.

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مَادِحًا لِلْأَنْصَارِ، وَمُبَيِّنًا فَضْلَهُمْ وَشَرَفَهُمْ وَكَرَمَهُمْ وَعَدَمَ حَسَدهم، وَإِيثَارَهُمْ مَعَ الْحَاجَةِ، فَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أَيْ: سَكَنُوا دَارَ الْهِجْرَةِ مِنْ قَبْلِ الْمُهَاجِرِينَ وَآمَنُوا قَبْلَ كَثِيرٍ مِنْهُمْ.

قَالَ عُمَرُ: وَأُوصِي الْخَلِيفَةَ [مِنْ] [[زيادة من أ.]] بَعْدِي بِالْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ أَنْ يَعْرِفَ لَهُمْ حَقَّهُمْ، وَيَحْفَظَ لَهُمْ كَرَامَتَهُمْ. وَأُوصِيهِ بِالْأَنْصَارِ خَيْرًا الَّذِينَ تَبوّءوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلُ، أَنْ يَقْبَلَ من محسنهم، وأن يعفو [[في م: "وأن يعفى".]] عن مسيئهم. رواه البخاري هاهنا أَيْضًا [[صحيح البخاري برقم (٤٨٨٨) .]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ أَيْ: مِنْ كَرَمهم وَشَرَفَ أَنْفُسِهِمْ، يُحبّون الْمُهَاجِرِينَ [[في أ: "يحبون من هاجر إليهم".]] وَيُوَاسُونَهُمْ بِأَمْوَالِهِمْ.

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ الْمُهَاجِرُونَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا رَأَيْنَا مِثْلَ قَوْمٍ قَدِمْنَا عَلَيْهِمْ أَحْسَنَ مُوَاسَاةً فِي قَلِيلٍ وَلَا أَحْسَنَ بَذْلًا فِي كَثِيرٍ، لَقَدْ كَفَونا المَؤنة، وَأَشْرَكُونَا فِي الْمُهَنَّإِ، حَتَّى لَقَدْ خَشِينَا أَنْ يَذْهَبُوا بِالْأَجْرِ كُلِّهِ! قَالَ: "لَا مَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ ودَعَوتُمُ اللَّهَ لَهُمْ" [[المسند (٣/٢٠٠) .]] .

لَمْ أَرَهُ فِي الْكُتُبِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.

وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حِينَ خَرَجَ مَعَهُ إِلَى الْوَلِيدِ قَالَ: دَعَا النَّبِيُّ ﷺ الْأَنْصَارَ أَنْ يُقطع لَهُمُ الْبَحْرَيْنِ، قَالُوا: لَا إِلَّا أَنْ تُقطع لِإِخْوَانِنَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مِثْلَهَا. قَالَ: "إِمَّا لَا فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي، فَإِنَّهُ سَيُصِيبُكُمْ [بَعْدِي] [[زيادة من صحيح البخاري.]] أَثَرَةٌ".

تَفَرَّدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ [[صحيح البخاري برقم (٣٧٩٤) .]]

قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَتِ الْأَنْصَارُ: اقْسِمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا النَّخِيلَ. قَالَ: لَا. فَقَالُوا: تَكْفُونَا المؤنَةَ ونَشرككُم فِي الثَّمَرَةِ؟ قَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا. تَفَرَّدَ بِهِ دُونَ مُسْلِمٍ [[صحيح البخاري برقم (٢٣٢٥) .]] .

﴿وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ أَيْ: وَلَا يَجِدُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَسَدًا لِلْمُهَاجِرِينَ فِيمَا فَضَّلَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْمَنْزِلَةِ وَالشَّرَفِ، وَالتَّقْدِيمِ فِي الذِّكْرِ وَالرُّتْبَةِ.

قَالَ: الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: ﴿وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً﴾ يَعْنِي: الْحَسَدَ.

﴿مِمَّا أُوتُوا﴾ قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي فِيمَا أَعْطَى إِخْوَانَهُمْ. وَكَذَا قَالَ ابْنُ زَيْدٍ. وَمِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَيْثُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كُنَّا جُلوسًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "يَطَّلِعُ عَلَيْكُمُ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ". فَطَلَعَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ تَنظُف [[في م: "ينفض".]] لِحْيَتُهُ مِنْ وُضُوئِهِ، قَدْ تَعَلَّق [[في م: "قد علق".]] نَعْلَيْهِ بِيَدِهِ الشِّمَالِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِثْلَ ذَلِكَ، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مِثْلَ الْمَرَّةِ الْأُولَى. فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِثْلَ مَقَالَتِهِ [[في م::مثل حاله".]] أيضًا، فطلع ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَى مِثْلِ حَالَتِهِ الْأُولَى [[في م: "الأول".]] فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَبِعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَقَالَ: إِنِّي لَاحَيْتُ أَبِي فَأَقْسَمْتُ أَلَّا أَدْخُلَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُؤْوِيَنِي [[في أ: "أن توريني".]] إِلَيْكَ حَتَّى تَمْضِيَ فعلتُ. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ أَنَسٌ: فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُحَدِّثُ أَنَّهُ بَاتَ مَعَهُ تِلْكَ الثَّلَاثَ اللَّيَالِي [[في م: "الليالي الثلاث".]] فَلَمْ يَرَهُ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ شَيْئًا، غَيْرَ أَنَّهُ إِذَا تَعارّ تَقَلَّبَ عَلَى فِرَاشِهِ، ذَكَرَ اللَّهَ وَكَبَّرَ، حَتَّى يَقُومَ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: غَيْرَ أَنِّي لَمْ أَسْمَعْهُ يَقُولُ إِلَّا خَيْرًا، فَلَمَّا مَضَتِ الثَّلَاثُ لَيَالٍ وَكِدْتُ أَنْ أَحْتَقِرَ عَمَلَهُ، قُلْتُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي غَضَب وَلَا هَجْر [[في م، أ: "ولا هجرة".]] وَلَكِنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لَكَ ثَلَاثَ مرَار [[في م: "مرات".]] يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ". فَطَلَعْتَ أَنْتَ الثَّلَاثَ الْمِرَارَ [[في م: "المرات".]] فَأَرَدْتُ أَنْ آوِيَ إِلَيْكَ لِأَنْظُرَ مَا عملكَ فَأَقْتَدِيَ بِهِ، فَلَمْ أَرَكَ تَعْمَلُ كَثِيرَ [[في م: "كبير".]] عَمَلٍ، فَمَا الَّذِي بَلَغَ بِكَ مَا قَالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ. فَلَمَّا وَلَّيْتُ دَعَانِي فَقَالَ: مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ، غَيْرَ أَنِّي لَا أجدُ فِي نَفْسِي لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ غِشّا، وَلَا أحسدُ أَحَدًا عَلَى خَيْرٍ أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: هَذِهِ الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ، وَهِيَ الَّتِي لَا تُطَاقُ [[في م: "لا نطيق"، وفي أ: "لا تطيق".]] .

وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، عَنْ سُوَيد بْنِ نَصْرٍ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ بِهِ [[المسند (٣/١٦٦) وسنن النسائي الكبرى برقم (١٠٦٩٩) .]] وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحَيْنِ، لَكِنْ رَوَاهُ عُقَيْلٌ وَغَيْرُهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَنَسٍ [[انظر: تحفة الأشراف للمزى (١/٣٩٥) وكلام الحافظ بن حجر في النكت الظراف بهامشه.]] . فَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ يَعْنِي ﴿مِمَّا أُوتُوا﴾ الْمُهَاجِرُونَ. قَالَ: وَتَكَلَّمَ فِي أَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ بَعْضُ مَنْ تَكَلَّمَ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَعَاتَبَهُمُ اللَّهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: "إِنَّ إِخْوَانَكُمْ قَدْ تَرَكُوا الْأَمْوَالَ وَالْأَوْلَادَ وَخَرَجُوا إِلَيْكُمْ". فَقَالُوا: أَمْوَالُنَا بَيْنَنَا قَطَائِعُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَوَ غَيْرُ ذَلِكَ؟ ". قَالُوا: وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "هُمْ قَوْمٌ لَا يَعْرِفُونَ الْعَمَلَ، فَتَكْفُونَهُمْ وَتُقَاسِمُونَهُمُ [[في م: "ويقاسمونكم".]] الثَّمَرَ". فَقَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ [[رواه الطبري في تفسيره (٢٨/٢٨) .]]

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [[ذكر في "م" بقية الآية.]] يَعْنِي: حَاجَةً، أَيْ: يُقَدِّمُونَ الْمَحَاوِيجَ عَلَى حَاجَةِ أَنْفُسِهِمْ، وَيَبْدَءُونَ بِالنَّاسِ قَبَلَهُمْ فِي حَالِ احْتِيَاجِهِمْ إِلَى ذَلِكَ.

وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم أنه قَالَ: " أفضلُ الصَّدَقَةِ جَهدُ الْمُقِلِّ". وَهَذَا الْمَقَامُ أَعْلَى مِنْ حَالِ الَّذِينَ وَصَف اللهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [[في أ: "حبه مسكينًا".]] [الْإِنْسَانِ: ٨] . وَقَوْلُهُ: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٧٧] .

فَإِنَّ هَؤُلَاءِ يَتَصَدَّقُونَ وَهُمْ يُحِبُّونَ مَا تَصَدَّقُوا بِهِ، وَقَدْ لَا يَكُونُ لَهُمْ حَاجَةٌ إِلَيْهِ وَلَا ضَرُورَةَ بِهِ، وَهَؤُلَاءِ آثَرُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ مَعَ خَصَاصَتِهِمْ وَحَاجَتِهِمْ إِلَى مَا أَنْفَقُوهُ. وَمِنْ هَذَا الْمَقَامِ تَصَدَّقَ الصِّدِّيقُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، بِجَمِيعِ مَالِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟ ". فَقَالَ: أَبْقَيْتُ لَهُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. وَهَذَا [[في م: "وهكذا".]] الْمَاءُ الَّذِي عُرض [[في م: "اعرضوه".]] عَلَى عِكْرِمَةَ وَأَصْحَابِهِ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ، فَكُلٌّ مِنْهُمْ يَأْمُرُ بِدَفْعِهِ إِلَى صَاحِبِهِ، وَهُوَ جَرِيحٌ مُثْقَلٌ أحوجَ مَا يكون إلى الماء، فرده الآخر إلى الثلث، فَمَا وَصَلَ إِلَى الثَّالِثِ حَتَّى مَاتُوا عَنْ آخِرِهِمْ وَلَمْ يَشْرَبْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ.

وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا فُضيل بْنُ غَزوان، حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ الْأَشْجَعِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيرة قَالَ: أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَصَابَنِي الجهدُ، فَأَرْسَلَ إِلَى نِسَائِهِ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُنَّ شَيْئًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أَلَا رَجُلٌ يُضَيّفُ هَذَا اللَّيْلَةَ، رَحِمَهُ اللَّهُ؟ ". فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: ضَيفُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا تَدّخريه شَيْئًا. فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا عِنْدِي إِلَّا قوتُ الصِّبْيَةِ. قَالَ: فَإِذَا أَرَادَ الصبيةُ العَشَاء فَنَوِّمِيهِمْ وَتَعَالَيْ فَأَطْفِئِي السِّرَاجَ ونَطوي بُطُونَنَا اللَّيْلَةَ. ففعلَت، ثُمَّ غَدَا الرَّجُلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: "لَقَدْ عَجِبَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ -أَوْ: ضَحِكَ-مِنْ فُلَانٍ وَفُلَانَةٍ". وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [[صحيح البخاري برقم (٤٨٨٩) .]] .

وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طُرُقٍ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ، بِهِ نَحْوَهُ [[صحيح البخاري برقم (٣٧٩٨) وصحيح مسلم برقم (٢٠٥٤) وسنن الترمذي برقم (٣٣٠٤) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٥٨٢) .]] . وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ تَسْمِيَةُ هَذَا الْأَنْصَارِيِّ بِأَبِي طَلْحَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أَيْ: مَنْ سَلِمَ مِنَ الشُّحِّ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ.

قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ الْفَرَّاءُ، عَنْ عُبَيد اللَّهِ بْنِ مِقْسَم، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِيَّاكُمْ وَالظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلم ظلماتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاتَّقُوا الشُحَّ، فَإِنَّ الشّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ واستَحلُّوا مَحَارِمَهُمْ".

انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ مُسْلِمٌ، فَرَوَاهُ عَنِ القَعْنَبِيّ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ، بِهِ [[المسند (٣/٣٢٣) وصحيح مسلم برقم (٢٥٧٨) .]] .

وَقَالَ الْأَعْمَشُ وَشُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ الْأَقْمَرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اتَّقُوا الظُّلْم؛ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاتَّقُوا الفُحْش، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَلَا التَّفَحُّشَ، وَإِيَّاكُمْ والشُّحَّ؛ فَإِنَّهُ أهلكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، أَمَرَهُمْ بِالظُّلْمِ فَظَلَمُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْفُجُورِ فَفَجَرُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْقَطِيعَةِ فَقَطَعُوا".

وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ، كِلَاهُمَا عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرّة، بِهِ [[المسند (٢/١٥٩) وسنن أبي داود برقم (١٦٩٨) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٥٨٣) .]] .

وَقَالَ اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ [بْنِ الْهَادِ] [[زيادة من م، أ.]] عَنْ سُهَيل بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ اللِّجْلَاجِ [[في م: "الجلاح".]] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يقول: "لَا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ودخانُ جَهَنَّمَ فِي جَوْفِ عَبْدٍ أَبَدًا، وَلَا يَجْتَمِعُ الشُّحُّ وَالْإِيمَانُ فِي قَلْبِ عَبْدٍ أَبَدًا" [[رواه النسائي في السنن (٦/١٣) .]] .

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا الْمَسْعُودِيُّ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ هِلَالٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِنِّي أَخَافُ أَنْ أَكُونَ قَدْ هَلَكْتُ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وَأَنَا رَجُلٌ شَحِيحٌ، لَا أَكَادُ أَنْ أُخْرِجَ مِنْ يَدِي شَيْئًا! فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَيْسَ ذَلِكَ [[في م: "ليس ذاك".]] بِالشُّحِّ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ، إِنَّمَا الشُّحُّ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ أَنْ تَأْكُلَ مَالَ أَخِيكَ ظُلْمًا، وَلَكِنَّ ذَلِكَ [[في م: "ذاك".]] الْبُخْلُ، وَبِئْسَ الشَّيْءُ الْبُخْلُ" [[رواه الطبري في تفسيره (٢٨/٢٩) من طريق جامع به.]]

وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ طَارِقِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي الْهَيَّاجِ الْأَسَدِيِّ قَالَ: كُنْتُ أَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَرَأَيْتُ رَجُلًا يَقُولُ: اللَّهُمَّ قِنِي شُحَّ نَفْسِي". لَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ، فَقُلْتُ لَهُ، فَقَالَ: إِنِّي إِذَا وُقِيتُ شُحَّ نَفْسِي لَمْ أَسْرِقْ وَلَمْ أَزْنِ وَلَمْ أَفْعَلْ"، وَإِذَا الرَّجُلُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٢٨/٢٩) .]]

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا إسماعيل ابن عَيّاش، حَدَّثَنَا مُجَمع بْنُ جَارِيَةَ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ عَمِّهِ يَزِيدَ بْنِ جَارِيَةَ، عَنْ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "بَريء مِنَ الشُّحِّ مَن أَدَّى الزَّكَاةَ، وقَرَى الضَّيْفَ، وَأَعْطَى فِي النَّائِبَةِ" [[تفسير الطبري (٢٨/٢٩) ورواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (١٠٨٤٢) من طريق محمد بن إسحاق به، وروي مرسلاً، رواه الطبراني في المعجم الكبير (٤/١٨٨) من طريق عمرو بن يحيى وإبراهيم بن إسماعيل، وابن حبان في الثقات (٤/٢٠٢) من طريق ابن المبارك، كلهم عن مجمع ابن يحيى، عن عمه مرسلاً.]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ هَؤُلَاءِ هُمُ الْقِسْمُ الثَّالِثُ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ فُقَرَاؤُهُمْ مِنْ مَالِ الْفَيْءِ، وَهُمُ الْمُهَاجِرُونَ ثُمَّ الْأَنْصَارُ، ثُمَّ التَّابِعُونَ بِإِحْسَانٍ، كَمَا قَالَ فِي آيَةِ بَرَاءَةٌ: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٠] فالتابعون لهم بإحسان هُمُ: الْمُتَّبِعُونَ لِآثَارِهِمُ الْحَسَنَةِ وَأَوْصَافِهِمُ الْجَمِيلَةِ، الدَّاعُونَ لَهُمْ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ فِي هذه الآية الكريم: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ﴾ أَيْ: قَائِلِينَ: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا﴾ أَيْ: بُغْضًا وَحَسَدًا ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ وَمَا أَحْسَنَ مَا اسْتَنْبَطَ الْإِمَامُ مَالِكٌ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّ الرَّافِضِيَّ الَّذِي يَسُبُّ الصَّحَابَةَ لَيْسَ لَهُ فِي مَالِ الْفَيْءِ نَصِيبٌ لِعَدَمِ اتِّصَافِهِ بِمَا مَدَحَ اللَّهُ بِهِ هَؤُلَاءِ فِي قَوْلِهِمْ: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ .

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَسْرُوقِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: أُمِرُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لَهُمْ، فَسَبُّوهُمْ! ثُمَّ قَرَأْتُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ﴾ الْآيَةَ.

وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَية، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أُمِرْتُمْ بِالِاسْتِغْفَارِ لِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَسَبَبْتُمُوهُمْ. سمعتُ نَبِيَّكُمْ ﷺ يَقُولُ: "لَا تَذْهَبُ هَذِهِ الْأُمَّةُ حَتَّى يَلْعَنَ آخِرُهَا أَوَّلَهَا". رَوَاهُ الْبَغَوِيُّ [[معالم التنزيل للبغوي (٨/٠٨) وله شاهد في صحيح مسلم برقم (٣٠٢٢) عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: قَالَتْ لِي عَائِشَةُ: "يَا ابن أختي، أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسبوهم".]] ..

وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُسَدَّد، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: قَالَ عُمَرُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ قَالَ الزُّهْرِيُّ: قَالَ عُمَرُ: هَذِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَاصَّةً، قُرى [عَرَبِيَّةٌ: فَدَك وَكَذَا] [[زيادة من م، أ، وسنن أبي داود.]] وَكَذَا، فَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَلِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ فَاسْتَوْعَبَتْ هَذِهِ الْآيَةُ النَّاسَ، فَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا لَهُ فِيهَا حَقٌّ -قَالَ أَيُّوبُ: أَوْ قَالَ: حَظٌّ-إِلَّا بَعْضَ مَنْ تَمْلِكُونَ مِنْ أَرِقَّائِكُمْ. كَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَفِيهِ انْقِطَاعٌ [[سنن أبي داود برقم (٢٩٦٦)]] .

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا ابن ثور، عن مَعْمَر، عن أيوب، عن عكرمة ابن خَالِدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الحَدَثان قَالَ: قَرَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التَّوْبَةِ: ٦٠] ، ثُمَّ قَالَ هَذِهِ لِهَؤُلَاءِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى [وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ] ﴾ [[زيادة من م.]] [الْأَنْفَالِ: ٤١] ، ثُمَّ قَالَ: هَذِهِ لِهَؤُلَاءِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ حَتَّى بَلَغَ لِلْفُقَرَاءِ ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإيمَانَ﴾ ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ ثُمَّ قَالَ: اسْتَوْعَبَتْ هَذِهِ الآية المسلمين عامة، وَلَيْسَ أَحَدٌ إِلَّا لَهُ فِيهَا حَقٌّ [[في أ: "فيها جزء".]] ، ثُمَّ قَالَ: لَئِنْ عِشْتُ لَيَأْتِيَنَّ الرَّاعِيَ -وَهُوَ بَسرو حِمير-نَصِيبُهُ فِيهَا، لَمْ يَعْرَقْ فِيهَا جَبِينُهُ.

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) ﴾

يقول تعالى ذكره: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإيمَانَ﴾ يقول: اتخذوا المدينة مدينة الرسول ﷺ فابتنوها منازل، ﴿وَالإيمَانَ﴾ بالله ورسوله ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يعني: من قبل المهاجرين، ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ : يحبون من ترك منزله، وانتقل إليهم من غيرهم، وعُنِي بذلك الأنصار يحبون المهاجرين.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ قال: الأنصار نعت. قال محمد بن عمرو: سفاطة أنفسهم. وقال الحارث: سخاوة أنفسهم عندما روى عنهم من ذلك، وإيثارهم إياهم ولم يصب الأنصار من ذلك الفيء شيء.

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ يقول: مما أعطوا إخوانهم هذا الحيّ من الأنصار، أسلموا في ديارهم، فابتنوا المساجد والمسجد، قبل قدوم النبي ﷺ فأحسن الله عليهم الثناء في ذلك، وهاتان الطائفتان الأوّلتان من هذه الآية، أخذتا بفضلهما، ومضتا على مَهَلهما، وأثبت الله حظهما في الفيء.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد في قوله الله عزّ وجلّ: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ﴾ قال: هؤلاء الأنصار يحبون من هاجر إليهم من المهاجرين.

* *

وقوله: ﴿وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾

يقول جلّ ثناؤه: ولا يجد الذين تبوّءوا الدار من قبلهم، وهم الأنصار في صدورهم حاجة، يعني حسدا مما أوتوا، يعني مما أوتي المهاجرين من الفيء، وذلك لما ذُكر لنا من أن رسول الله ﷺ قسم أموال بني النضير بين المهاجرين الأوّلين دون الأنصار، إلا رجلين من الأنصار، أعطاهما لفقرهما، وإنما فعل ذلك لرسول الله ﷺ خاصة.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أَبي بكر، أنه حدّث أنّ بني النضير خَلَّوا الأموال لرسول الله ﷺ، فكانت النضير لرسول الله ﷺ خاصة، يضعها حيث يشاء، فقسمها رسول الله ﷺ على المهاجرين الأوّلين دون الأنصار، إلا أن سهل بن حُنيف وأبا دُجانة سمِاك بن خَرَشَة ذكرا فقرا، فأعطاهما رسول الله ﷺ.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ المهاجرون. قال: وتكلم في ذلك: ﴿يعني أموال بني النضير﴾ بعضُ من تكلمَّ من الأنصار، فعاتبهم الله عزّ وجلّ في ذلك فقال: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . قال، قال رسول الله ﷺ لهم: "إنَّ إخْوَانَكُمْ قَدْ تَرَكُوا الأمْوَالَ وَالأولاد وَخَرَجُوا إلَيْكُمْ" فقالوا: أموالنا بينهم قطائع، فقال رسول الله ﷺ: "أو غَيْرَ ذَلِكَ؟ " قالوا: وما ذلك يا رسول الله؟ قال: "هُمْ قَوْمٌ لا يعْرِفُونَ العَمَلَ فَتَكْفُونَهُمْ وَتُقَاسِمُونَهُمْ الثَّمَر"، فقالوا: نعم يا رسول الله.

وبنحو الذي قلنا في قوله: ﴿وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا سليمان أَبو داود، قال: ثنا شعبة، عن أَبي رجاء، عن الحسن، في قوله: ﴿وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ قال: الحسد.

⁕ قال: ثنا عبد الصمد، قال: ثنا شعبة، عن أَبي رجاء، عن الحسن ﴿حَاجَةً فِي صُدُورِهِمْ﴾ قال: حسدًا في صدورهم.

⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا أبو رجاء، عن الحسن مثله.

* *

وقوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾

يقول تعالى ذكره: وهو يصف الأنصار الذين تبوّءُوا الدار والإيمان من قبل المهاجرين ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ يقول: ويعطون المهاجرين أموالهم إيثارًا لهم بها على أنفسهم، ﴿وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ يقول: ولو كان بهم حاجة وفاقة إلى ما آثروا به من أموالهم على أنفسهم، والخصاصة: مصدر، وهي أيضًا اسم، وهو كلّ ما تخلَّلته ببصرك كالكوة والفرجة في الحائط، تجمع خَصَاصَات وخِصَاص، كمال قال الراجز:

قَدْ عَلِمَ المَقَاتِلاتُ هَجَّا [[هذه ثلاثة أبيات من مشطور الرجز لم أجدها في معاني القرآن للفراء ولا في مجاز القرآن لأبي عبيدة، ولا في اللسان. وليست على بينة من صحة بعض ألفاظها. والمؤلف استشهد بها في هذه الموضع على أن الخصاص جمع خصاصة. وفي (اللسان: الخصاص) : الفرج بين الأثافي والأصابع، وقالوا لخروق المصفاة والمنخل خصاص. وخصاص المنخل والباب والبرقع وغيره: خلله، واحدته: خصاصة (وكله بفتح الخاء) .]] والنَّاظراتُ مِنْ خَصَاصٍ لَمْجا

لأورِيَنْهَا دُلَجا أوْ مُنْجَا

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن فضيل، عن أبيه، عن أَبي حازم، عن أَبي هريرة، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ليضيفه، فلم يكن عنده ما يضيفه، فقال: "ألا رجل يضيف هذا رحمه الله؟ " فقام رجل من الأنصار يقال له أبو طلحة، فانطلق به إلى رحله، فقال لامرأته: أكرمي ضيف رسول الله ﷺ نوّمي الصبية، وأطفئي المصباح وأريه بأنك تأكلين معه، واتركيه لضيف رسول الله ﷺ ففعلت فنزلت ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ .

⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن فضيل، عن غزوان، عن أَبي حازم، عن أَبي هريرة، أن رجلا من الأنصار بات به ضيف، فلم يكن عنده إلا قوته وقوت صبيانه، فقال لامرأته: نَوَّمِي الصِّبْيَة وأطفئي المصباح، وقرّبي للضيف ما عندك، قال: فنزلت هذه الآية ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ يقول تعالى ذكره: من وقاه الله شحّ نفسه ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ المخلَّدون في الجنة. والشحّ في كلام العرب: البخل، ومنع الفضل من المال؛ ومعه قول عمرو بن كلثوم:

تَرَى اللَّحِزَ الشَّحِيحَ إذَا أُمِرَّتْ عَلَيْهِ لِمَالِهِ فِيهَا مُهِينًا [[البيت من معلقة عمرو بن كلثوم التغلبي (انظره في شرحي الزوزني والتبريزي على المعلقات) واللحز: الضيق الصدر السيىء الخلق اللئيم. والشحيح: البخيل: الحريص. والجمع الأشحة والأشحاء، والفعل: شح يشح. والمصدر: الشح، وهو البخل معه حرص. يقول: ترى الإنسان الضيق الصدر البخيل الحريص مهينا لما له فيها، أي في شربها، إذا أمرت عليه الخمر، أي أديرت عليه. وقد استشهد المؤلف بالبيت عند قوله تعالى: "ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون".]]

يعني بالشحيح: البخيل، يقال: إنه لشحيح بين الشحّ والشحّ، وفيه شحة شديدة وشحاحة. وأما العلماء فإنهم يرون أن الشحّ في هذا الموضع إنما هو أكل أموال الناس بغير حقّ.

⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا المسعودي، عن أشعث، عن أَبي الشعثاء، عن أبيه، قال: أتى رجل ابن مسعود فقال: إني أخاف أن أكون قد هلكت، قال: وما ذاك؟ قال: أسمع الله يقول: (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ) وأنا رجل شحيح لا يكاد يخرج من يدي شيء، قال: ليس ذاك بالشحّ الذي ذكر الله في القرآن، إنما الشحّ أن تأكل مال أخيك ظلمًا، ذلك البخل، وبئس الشيء البخل.

⁕ حدثني يحي بن إبراهيم، قال: ثني أَبي، عن أبيه، عن جده، عن الأعمش، عن جامع، عن الأسود بن هلال قال: جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود، فقال يا أبا عبد الرحمن، إني أخشى أن تكون أصابتني هذه الآية ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ والله ما أعطي شيئًا أستطيع منعه، قال: ليس ذلك بالشحّ، إنما الشحّ أن تأكل مال أخيك بغير حقه، ولكن ذلك البخل.

⁕ حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا يحيى وعبد الرحمن، قالا ثنا سفيان، عن طارق بن عبد الرحمن، عن سعيد بن جُبَير، عن أَبي الهياج الأسدي، قال: كنت أطوف بالبيت، فرأيت رجلا يقول: اللهمّ قني شحّ نفسي، لا يزيد على ذلك، فقلت له، فقال. إني إذا وقيت شح نفسي لم أسرق، ولم أزن، ولم أفعل شيئًا، وإذا الرجل عبد الرحمن بن عوف.

⁕ حدثني محمد بن إسحاق، قال: ثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، قال: ثنا إسماعيل بن عياش، قال: ثنا مجمع بن جارية الأنصاري، عن عمه يزيد بن جارية الأنصاري، عن أنس بن مالك، عن رسول الله ﷺ قال: "برئ مِنَ الشُّحِّ مَنْ أَدَّّى الزَّكَاةَ، وَقَرَى الضَّيْفَ، وَأعْطَى في النَّائِبَةِ"

⁕ حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا زياد بن يونس أبو سلامة، عن نافع بن عمر المكي، عن ابن أَبي مليكة، عن عبد الله بن عمر، قال: إن نجوت من ثلاث طمعت أن أنجو. قال عبد الله بن صفوان ما هنّ أنبيك فيهنّ، قال: أخرج المال العظيم، فأخرجه ضرارًا، ثم أقول: أقرض ربي هذه الليلة، ثم تعود نفسي فيه حتى أعيده من حيث أخرجته، وإن نجوت من شأن عثمان، قال ابن صفوان: أما عثمان فقُتل يوم قُتل، وأنت تحبّ قتله وترضاه، فأنت ممن قتله؛ وأما أنت فرجل لم يقك الله شحّ نفسك، قال: صدقت.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قول الله عزّ وجلّ: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ قال: من وقي شحّ نفسه فلم يأخذ من الحرام شيئًا، ولم يقربه، ولم يدعه الشحّ أن يحبس من الحلال شيئًا، فهو من المفلحين، كما قال الله عزّ وجل.

⁕ وحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ قال: من لم يأخذ شيئًا لشيء نهاه الله عزّ وجلّ عنه، ولم يدعه الشحّ على أن يمنع شيئًا من شيء أمره الله به، فقد وقاه الله شحّ نفسه، فهو من المفلحين.