سورة الحجر، الآية 18
الجزء 14، الصفحة 263.
إِلَّا مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ فَأَتْبَعَهُۥ شِهَابٌ مُّبِينٌ ﴿١٨﴾
الآية في سياق السورةاستمع إلى سورة الحجر
تفسير الآية
التفسير الميسر
إلا من اختلس السمع مِن كلام أهل الملأ الأعلى في بعض الأوقات، فأدركه ولحقه كوكب مضيء يحرقه. وقد يُلْقي الشيطان إلى وليه بعض ما استرقَه قبل أن يحرقه الشهاب.
تفسير السعدي
يشمل هذا التفسير الآيات 16 إلى 20
الآية 16: يقول تعالى مبيناً كمال اقتداره ورحمته بخلقه: {ولقد جَعَلۡنا في السماء بروجاً}؛ أي: نجوماً كالأبراج والأعلام العظام يُهتدى بها في ظُلمات البرِّ والبحر، {وزيَّنَّاها للناظرين}: فإنَّه لولا النجوم؛ لما كان للسماء هذا المنظر البهي والهيئة العجيبة، وهذا مما يدعو الناظرين إلى التأمُّل فيها والنظر في معانيها والاستدلال بها على باريها.
الآية 17:{وحَفِظناها من كلِّ شيطان رجيم}: إذا استرق السمع؛ اتَّبعته الشهبُ الثواقب، فبقيت السماء ظاهرها مجمّلٌ بالنجوم النيرات، وباطنها محروسٌ ممنوعٌ من الآفات.
الآية 18:{إلا من استرق السمع}؛ أي:[إلاّ] في بعض الأوقات قد يسترق بعضُ الشياطين السمع بخفية واختلاس. {فأتۡبَعَهُ شهابٌ مبينٌ}؛ أي: بيِّن منير يقتله أو يخبله؛ فربما أدركه الشهاب قبل أن يوصِلَها الشيطان إلى وليِّه فينقطع خبر السماء عن الأرض، وربَّما ألقاها إلى وليِّه قبل أن يدرِكَه الشهاب، فيضمُّها، ويكذبُ معها مائة كذبة، ويستدلُّ بتلك الكلمة التي سُمعت من السماء.
الآية 19:{والأرض مددناها}؛ أي: وسعناها سعة يتمكَّن الآدميون والحيوانات كلُّها من الامتداد بأرجائها والتناول من أرزاقها والسكونِ في نواحيها. {وألقَيۡنا فيها رواسيَ}؛ أي: جبالاً عظاماً تحفظ الأرض بإذن الله أن تميدَ وتثبِّتها أن تزول. {وأنبَتۡنا فيها من كلِّ شيءٍ موزونٍ}؛ أي: نافع متقوَّم يضطرُّ إليه العباد والبلاد ما بين نخيل وأعناب وأصناف الأشجار وأنواع النبات والمعادن.
الآية 20:{وجعلنا لكم فيها معايش}: من الحرث ومن الماشية ومن أنواع المَكاسب والحِرَف، {ومَنۡ لستم له برازقين}؛ أي: أنعمنا عليكم بعبيدٍ وإماءٍ وأنعامٍ لنفعكم ومصالحكم، وليس عليكم رزقُها، بل خوَّلكم الله إيَّاها، وتكفَّل بأرزاقها.
تفسير الجلالين
﴿إلّا﴾ لَكِنْ ﴿مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْع﴾ خَطَفَهُ ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهاب مُبِين﴾ كَوْكَب يُضِيء ويُحْرِقهُ أوْ يَثْقُبهُ أوْ يَخْبِلهُ
تفسير ابن كثير
يشمل هذا التفسير الآيات 16 إلى 20
يَذْكُرُ تَعَالَى خَلْقَهُ السَّمَاءَ فِي ارْتِفَاعِهَا وَمَا زَيَّنَها بِهِ مِنَ الْكَوَاكِبِ الثَّوَاقِبِ، لِمَنْ تَأَمَّلَهَا، وَكَرَّرَ النَّظَرَ [[في ت: "نظره".]] فِيهَا، يَرَى فِيهَا مِنَ الْعَجَائِبِ وَالْآيَاتِ الْبَاهِرَاتِ، مَا يَحَارُ نَظَرُهُ فِيهِ. وَلِهَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: الْبُرُوجُ هَاهُنَا هِيَ: الْكَوَاكِبُ.
قُلْتُ: وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ [الْفُرْقَانِ: ٦١] وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْبُرُوجُ هِيَ: مَنَازِلُ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ.
وَقَالَ عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ: الْبُرُوجُ هَاهُنَا: هِيَ قُصُورُ الْحَرَسِ [[في ت: "الحرس فيها".]]
وَجَعَلَ الشُهب حَرَسًا لَهَا مِنْ مَرَدة الشَّيَاطِينِ، لِئَلَّا يَسْمَعُوا [[في أ: "لئلا يسمعوا".]] إِلَى الْمَلَأِ الْأَعْلَى، فَمَنْ تَمَرَّدَ مِنْهُمْ [وَتَقَدَّمَ] [[زيادة من ت، أ.]] لِاسْتِرَاقِ السَّمْعِ، جَاءَهُ ﴿شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ فَأَتْلَفَهُ، فَرُبَّمَا يَكُونُ قَدْ أَلْقَى الْكَلِمَةَ الَّتِي سَمِعَهَا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ الشِّهَابُ إِلَى الَّذِي هُوَ دُونَهُ، فَيَأْخُذُهَا الْآخَرُ، وَيَأْتِي بِهَا إِلَى وَلِيِّهِ، كَمَا جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي الصَّحِيحِ، كَمَا قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ:
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ [[في ت: "حدثنا ابن سفيان".]] عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، يبلُغُ بِهِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: "إِذَا قَضَى اللَّهُ الْأَمْرَ فِي السَّمَاءِ، ضَرَبَتِ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضعانًا لِقَوْلِهِ كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفوان". قَالَ عَلِيٌّ، وَقَالَ غَيْرُهُ: صَفْوَانٍ يَنفُذهم ذَلِكَ، فَإِذَا فُزّع عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا: الَّذِي قَالَ: الْحَقُّ، وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ. فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُو السَّمْعِ، وَمُسْتَرِقُو السمع، هَكَذَا وَاحِدٌ فَوْقَ آخَرَ -وَوَصَفَ سُفْيَانُ بِيَدِهِ فَفَرَّج بَيْنَ أَصَابِعِ يَدِهِ الْيُمْنَى، نَصبَها بَعْضَهَا [[في أ: "بعضا".]] فَوْقَ بَعْضٍ -فَرُبَّمَا أَدْرَكَ الشِّهَابُ الْمُسْتَمِعَ قَبْلَ أَنْ يَرْمي بِهَا إِلَى صَاحِبِهِ فيحرقَه، وَرُبَّمَا لَمْ يُدْرِكْهُ [حَتَّى] [[زيادة من ت، أ، والبخاري.]] يَرْمي بِهَا إِلَى الَّذِي يَلِيهِ، [إِلَى الَّذِي] [[زيادة من ت، أ، والبخاري.]] هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ، حَتَّى يُلْقُوهَا إِلَى الْأَرْضِ -وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ: حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى الْأَرْضِ فَتُلْقَى [[في ت، أ: "فيلقى".]] عَلَى فَمِ السَّاحِرِ -أَوِ: الْكَاهِنِ -فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ [[في ت، أ: "كذبة فيصدق".]] فَيَقُولُونَ: أَلَمْ يُخْبِرْنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا يَكُونُ كَذَا وَكَذَا، فَوَجَدْنَاهُ حَقًّا؟ لِلْكَلِمَةِ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَّمَاءِ" [[صحيح البخاري برقم (٤٧٠١) .]]
ثُمَّ ذَكَرَ، تَعَالَى، خَلْقَهُ الْأَرْضَ، وَمَدَّهُ إِيَّاهَا وَتَوْسِيعَهَا وَبَسْطَهَا، وَمَا جَعَلَ فِيهَا مِنَ الْجِبَالِ الرَّوَاسِي، وَالْأَوْدِيَةِ وَالْأَرَاضِي وَالرِّمَالِ، وَمَا أَنْبَتَ فِيهَا مِنَ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ الْمُتَنَاسِبَةِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ أَيْ: مَعْلُومٍ. وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعِكْرِمَةُ، وَأَبُو مَالِكٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْحَكَمُ بْنُ عُتَيبة [[في أ: "موزون".]] وَالْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَأَبُو صَالِحٍ، وَقَتَادَةُ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: مُقَدَّرٌ بِقَدَرٍ.
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُوزَن [[في أ: "موزون".]] وَيُقَدَّرُ بِقَدَرٍ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَا تَزِنُهُ [أَهْلُ] [[زيادة من ت، أ.]] الْأَسْوَاقِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ يَذْكُرُ، تَعَالَى، أَنَّهُ صَرَفَهُمْ فِي الْأَرْضِ فِي صُنُوفٍ [مِنَ] [[زيادة من أ.]] الْأَسْبَابِ وَالْمَعَايِشِ، وَهِيَ جَمْعُ مَعِيشَةٍ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: وَهِيَ الدَّوَابُّ وَالْأَنْعَامُ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هُمُ الْعَبِيدُ وَالْإِمَاءُ وَالدَّوَابُّ وَالْأَنْعَامُ.
وَالْقَصْدُ أَنَّهُ، تَعَالَى، يَمْتَنُّ [[في ت: "يمتن تعالى".]] عَلَيْهِمْ بِمَا يَسَّرَ لَهُمْ مِنْ أَسْبَابِ الْمَكَاسِبِ وَوُجُوهِ الْأَسْبَابِ وَصُنُوفِ الْمَعَايِشِ، وَبِمَا سَخَّرَ لَهُمْ مِنَ الدَّوَابِّ الَّتِي يَرْكَبُونَهَا وَالْأَنْعَامِ الَّتِي يَأْكُلُونَهَا، وَالْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ الَّتِي يَسْتَخْدِمُونَهَا، ورزْقهم عَلَى خَالِقِهِمْ لَا عَلَيْهِمْ فَلَهُمْ هُمُ الْمَنْفَعَةُ، وَالرِّزْقُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى.
تفسير الطبري
يشمل هذا التفسير الآيات 17 إلى 18
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (١٨) ﴾
يقول تعالى ذكره: وحفظنا السماء الدنيا من كلّ شيطان لعين قد رجمه الله ولعنه ﴿إِلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ يقول لكن قد يسترق من الشياطين السمع مما يحدث في السماء بعضها، فيتبعه شهاب من النار مبين، يبين أثره فيه، إما بإخباله وإفساده، أو بإحراقه.
وكان بعض نحويي أهل البصرة يقول في قوله ﴿إِلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ هو استثناء خارج، كما قال: ما أشتكي إلا خيرا، يريد: لكن أذكر خيرا. وكان ينكر ذلك من قيله بعضهم، ويقول: إذا كانت إلا بمعنى لكن عملت عمل لكن، ولا يحتاج إلى إضمار أذكر، ويقول: لو احتاج الأمر كذلك إلى إضمار أذكر احتاج قول القائل: قام زيد لا عمرو إلى إضمار أذكر.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا عفان بن مسلم، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا الأعمش عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: تصعد الشياطين أفواجا تسترق السمع، قال: فينفرد المارد منها فيعلو، فيرمى بالشهاب، فيصيب جبهته أو جنبه، أو حيث شاء الله منه، فيلتهب فيأتي أصحابه وهو يلتهب، فيقول: إنه كان من الأمر كذا وكذا، قال: فيذهب أولئك إلى إخوانهم من الكهنة، فيزيدون عليه أضعافه من الكذب، فيخبرونهم به، فإذا رأوا شيئا مما قالوا قد كان صدّقوهم بما جاءوهم به من الكذب.
⁕ حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ إِلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ قال: أراد أن يخطف السمع، وهو كقوله ﴿إِلا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ .
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله ﴿إِلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ وهو نحو قوله ﴿إِلا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ .
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله ﴿إِلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ قال: خطف الخطفة.
⁕ حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله ﴿إِلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ هو كقوله ﴿إِلا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ كان ابن عباس يقول: إن الشهب لا تقتل ولكن تحرق وتخبل [[الخبل والتخبيل: إفساد الأعضاء، حتى لا يدري كيف يمشي، فهو متخبل خبل. (اللسان) .]] وتجرح من غير أن تقتل.
⁕ حدثني الحارث، قال: ثنا القاسم، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج ﴿مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ قال: الرجيم: الملعون، قال: وقال القاسم عن الكسائي: إنه قال: الرجم في جميع القرآن: الشتم.