سورة الحجر، الآية 66
الجزء 14، الصفحة 265.
وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَٰلِكَ ٱلْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَـٰٓؤُلَآءِ مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ ﴿٦٦﴾
الآية في سياق السورةاستمع إلى سورة الحجر
تفسير الآية
التفسير الميسر
وأوحينا إلى لوط أن قومك مستأصَلون بالهلاك عن آخرهم عند طلوع الصبح.
تفسير السعدي
يشمل هذا التفسير الآيات 57 إلى 77
الآية 57: أي: {قال} الخليلُ عليه السلام للملائكة: {فما خطبكُم أيُّها المرسلون}؛ أي: ما شأنكم؟ ولأيِّ شيءٍ أرسِلْتُم؟!
الآية 58:{قالوا إنَّا أرسِلۡنا إلى قوم مجرِمين}؛ أي: كثر فسادُهم وعَظُم شرُّهم لنعذِّبَهم ونعاقبهم.
{59 ـ 60}{إلاَّ آلَ لوطٍ}؛ أي: إلاَّ لوطاً وأهله، {إلاَّ امرأتَهُ قدَّرۡنا أنَّها لَمِنَ الغابرين}؛ أي: الباقين بالعذاب، وأما لوطٌ؛ فَسَنُخْرِجَنَّه وأهله وننجِّيهم منها. فجعل إبراهيم يجادل الرسل في إهلاكهم ويراجعهم، فقيل له:{يا إبراهيمُ أعۡرِضۡ عن هذا إنَّه قد جاء أمُر ربِّك وإنَّهم آتيهم عذابٌ غير مردودٍ}. فذهبوا منه.
{61 ـ 62}{فلما جاء آلَ لوطٍ المرسلونَ قال} لهم لوط: {إنَّكم قوم مُنۡكَرونَ}؛ أي: لا أعرفكم، ولا أدري من أنتم.
الآية 63: فَـ {قالوا بل جِئۡناك بما كانوا فيه يَمۡتَرون}؛ أي: جئناك بعذابهم الذي كانوا يشكُّون فيه ويكذِّبونك حين تَعِدُهم به.
الآية 64:{وأتيناك بالحقِّ}: الذي ليس بالهزل. {وإنَّا لصادقونَ}: فيما قلنا لك.
الآية 65:{فأسۡرِ بأهلك بقِطۡع من الليل}؛ أي: في أثنائه حين تنام العيون ولا يدري أحدٌ عن مَسْراك. {ولا يَلۡتَفِتۡ منكم أحدٌ}؛ أي: بل بادروا وأسرعوا، {وامۡضوا حيثُ تُؤۡمَرون}: كأنَّ معهم دليلاً يدلُّهم على أين يتوجَّهون.
الآية 66:{وقضَيۡنا إليه ذلك}؛ أي: أخبرناه خبراً لا مَثْنَوِيَّة فيه، {أنَّ دابرَ هؤلاء مقطوعٌ مصبحينَ}؛ أي: سيصبِّحهم العذابُ الذي يجتاحهم، ويستأصلهم.
{67 ـ 69}{وجاء أهلُ المدينة}؛ أي: المدينة التي فيها لوطٌ، {يستبشرونَ}؛ أي: يبشِّر بعضُهم بعضاً بأضياف لوطٍ وصباحةِ وجوههم واقتدارهم عليهم، وذلك لقصدِهِم فعلَ الفاحشة فيهم، فجاؤوا حتى وصلوا إلى بيت لوطٍ، فجعلوا يعالجون لوطاً على أضيافه، ولوطٌ يستعيذُ منهم ويقولُ:{إنَّ هؤلاء ضَيۡفي فلا تَفۡضَحونِ. واتَّقوا الله ولا تُخۡزُونِ}؛ أي: راقبوا الله أول ذلك، وإن كان ليس فيكم خوفٌ من الله؛ فلا تفضحوني في أضيافي، وتنتَهكِوا منهم الأمر الشنيع.
الآية 70: فَـ {قَالوا} له جواباً عن قوله: {ولا تخزونِ} فقط: {أولم نَنۡهَكَ عن العالمين}: أن تضيِّفهم، فنحن قد أنذرناك، ومن أنذر؛ فقد أعذر.
{71 ـ 72} فَـ {قَال} لهم لوطٌ من شدَّة الأمر الذي أصابه: {هؤلاء بناتي إن كنتُم فاعلينَ}: فلم يبالوا بقوله، ولهذا قال الله لرسوله محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -: {لَعَمۡرُك إنَّهم لفي سكرتِهِم يعمهونَ}: وهذه السكرة هي سكرة محبَّة الفاحشة التي لا يُبالون معها بعذل ولا لوم.
الآية 73: فلما بينت له الرسل حالَهم؛ زال عن لوطٍ ما كان يَجِدُه من الضيق والكرب، فامتثل أمر ربِّه، وسرى بأهله ليلاً، فنجوا. وأما أهل القرية؛ {فأخذتۡهُمُ الصيحةُ مشرقينَ}؛ أي: وقت شروق الشمس؛ حين كانت العقوبة عليهم أشدّ.
الآية 74:{فجعَلۡنا عالِيَها سافِلَها}؛ أي: قلبنا عليهم مدينتهم، {وأمطَرۡنا عليهم حجارةً من سجِّيل}: تتبع فيها من شذَّ من البلد منهم.
الآية 75:{إن في ذلك لآيات للمتوسِّمين}؛ أي: المتأمِّلين المتفكِّرين الذين لهم فكرٌ ورويَّة وفراسةٌ يفهمون بها ما أريد بذلك مِن أنَّ من تجرّأ على معاصي الله، خصوصاً هذه الفاحشة العظيمة، وأنَّ الله سيعاقِبُهم بأشنع العقوباتِ؛ كما تجرؤوا على أشنع السيئات.
الآية 76:{وإنَّها}؛ أي: مدينة قوم لوط {لَبسبيل مُقيم}: للسالكين، يعرفه كلُّ مَنْ تردَّد في تلك الدِّيار.
الآية 77:{إنَّ في ذلك لآيةً للمؤمنين}: وفي هذه القصة من العبر: عنايتُه تعالى بخليله إبراهيم؛ فإنَّ لوطاً عليه السلام من أتباعه وممَّن آمن به، فكأنه تلميذٌ له؛ فحين أراد الله إهلاك قوم لوطٍ حين استحقُّوا ذلك؛ أمر رسله أن يمرُّوا على إبراهيم عليه السلام كي يبشِّروه بالولد ويخبروه بما بعثوا له، حتى إنَّه جادلهم عليه السلام في إهلاكهم، حتى أقنعوه، فطابت نفسُه، وكذلك لوط عليه السلام، لما كانوا أهل وطَنِهِ؛ فربما أخذتْه الرقة عليهم والرأفة بهم؛ قدَّر الله من الأسباب ما به يشتدُّ غيظُه وحِنْقُهُ عليهم، حتَّى استبطأ إهلاكَهم لمَّا قيل له:{إنَّ موعِدَهم الصبحُ أليس الصبحُ بقريبٍ}. ومنها: أن الله تعالى إذا أراد أن يُهْلِكَ قرية ازداد شرُّهم وطغيانهم؛ فإذا انتهى؛ أوقع بهم من العقوبات ما يستحقُّونه.
تفسير الجلالين
﴿وقَضَيْنا﴾ أوْحَيْنا ﴿إلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْر﴾ وهُوَ ﴿أنَّ دابِر هَؤُلاءِ مَقْطُوع مُصْبِحِينَ﴾ حال أيْ يَتِمّ اسْتِئْصالهمْ فِي الصَّباح
تفسير ابن كثير
يشمل هذا التفسير الآيات 65 إلى 66
يَذْكُرُ تَعَالَى عَنِ الْمَلَائِكَةِ أَنَّهُمْ أَمَرُوهُ أَنْ يَسري بِأَهْلِهِ بَعْدَ مُضِيِّ جَانِبٍ مِنَ اللَّيْلِ، وَأَنْ يَكُونَ لُوطٌ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، يَمْشِي وَرَاءَهُمْ، لِيَكُونَ أَحْفَظَ لَهُمْ.
وَهَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْشِي فِي الغَزاة بِمَا كَانَ يَكُونُ [[في ت: "في الغزو إنما كان"، وفي أ: "في الغزو وإنما يكون".]] سَاقَةً، يُزجي الضَّعِيفَ، وَيَحْمِلُ الْمُنْقَطِعَ [[رواه أبو داود في السنن برقم (٢٦٣٩) من حديث جابر ولفظه: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يتخلف في المسير، فيزجي الضعيف، ويردف، ويدعو لهم".]]
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾ أَيْ: إِذَا سَمِعْتُمُ الصَّيْحَةَ بِالْقَوْمِ فَلَا تلتفتوا إليهم، وذروهم فيما حَلَّ بِهِمْ مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ، ﴿وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ كَأَنَّهُ كَانَ مَعَهُمْ مَنْ يَهْدِيهِمُ السَّبِيلَ.
﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ﴾ أَيْ: تَقَدَّمَنَا إِلَيْهِ في هذا ﴿أَنَّ دَابِرَهَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ أَيْ: وَقْتَ: الصَّبَاحِ كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هُودٍ: ٨١]
تفسير الطبري
يشمل هذا التفسير الآيات 66 إلى 67
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦) وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) ﴾
يقول تعالى ذكره: وفرغنا إلى لوط من ذلك الأمر، وأوحينا أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين: يقول: إن آخر قومك وأوّلهم مجذوذ مستأصل صباح ليلتهم، وأنّ من قوله ﴿أَنَّ دَابِرَ﴾ في موضع نصب ردّا على الأمر بوقوع القضاء عليها. وقد يجوز أن تكون في موضع نصب بفقد الخافض، ويكون معناه: وقضينا إليه ذلك الأمر بأن دابر هؤلاء مقطوع مُصبحين. وذكر أن ذلك في قراءة عبد الله: وقلنا إن دابر هؤلاء مقطوع مُصبحين. وعُنِي بقوله ﴿مُصْبِحِينَ﴾ : إذا أصبحوا، أو حين يصبحون.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس، قوله ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ يعني: استئصال هلاكهم مصبحين.
⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأمْر﴾ قال: وأوحينا إليه.
* *
وقوله ﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾
يقول: وجاء أهل مدينة سَدُوم وهم قوم لوط لما سمعوا أن ضيفا قد ضاف لوطا مستبشرين بنزولهم مدينتهم طمعا منهم في ركوب الفاحشة.
كما:-
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ استبشروا بأضياف نبيّ الله ﷺ لوط، حين نزلوا لما أرادوا أن يأتوا إليهم من المنكر.