سورة آل عمران، الآية 137
الجزء 4، الصفحة 67.
قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ ﴿١٣٧﴾
الآية في سياق السورةاستمع إلى سورة آل عمران
تفسير الآية
التفسير الميسر
يخاطب الله المؤمنين لمّا أُصيبوا يوم «أُحد» تعزية لهم بأنه قد مضت من قبلكم أمم، ابتُلي المؤمنون منهم بقتال الكافرين فكانت العاقبة لهم، فسيروا في الأرض معتبرين بما آل إليه أمر أولئك المكذبين بالله ورسله.
تفسير السعدي
يشمل هذا التفسير الآيات 137 إلى 138
الآية 137: وهذه الآيات الكريمات، وما بعدها في قصة أحد، يعزي تعالى عباده المؤمنين، ويسليهم ويخبرهم أنه مضى قبلهم أجيال وأمم كثيرة امتحنوا، وابتلي المؤمنون منهم بقتال الكافرين، فلم يزالوا في مداولة ومجاولة حتى جعل الله العاقبة للمتقين والنصر لعباده المؤمنين، وآخر الأمر حصلت الدولة على المكذبين وخذلهم الله بنصر رسله وأتباعهم، {فسيروا في الأرض} بأبدانكم وقلوبكم {فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين}، فإنكم لا تجدونهم إلا معذبين بأنواع العقوبات الدنيوية، قد خوت ديارهم وتبين لكل أحد خسارهم، وذهب عزهم وملكهم وزال بذخهم وفخرهم، أفليس في هذا أعظم دليل وأكبر شاهد على صدق ما جاءت به الرسل، وحكمة الله التي يمتحن بها عباده ليبلوهم ويتبين صادقهم من كاذبهم؟ ولهذا قال تعالى:
الآية 138:{هذا بيان للناس}؛ أي: دلالة ظاهرة تبين للناس الحق من الباطل، وأهل السعادة من أهل الشقاوة، وهو الإشارة إلى ما أوقع الله بالمكذبين، {وهدى وموعظة للمتقين}، لأنهم هم المنتفعون بالآيات، فتهديهم إلى سبيل الرشاد وتعظهم وتزجرهم عن طريق الغي، وأما باقي الناس فهي بيان لهم تقوم عليهم الحجة من الله ليهلك من هلك عن بينة، ويحتمل أن الإشارة في قوله:{هذا بيان للناس}، للقرآن العظيم والذكر الحكيم وأنه بيان للناس عموماً، وهدى وموعظة للمتقين خصوصاً، وكلا المعنيين حق.
تفسير الجلالين
ونَزَلَ فِي هَزِيمَة أُحُد ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ مَضَتْ. ﴿مِن قَبْلكُمْ سُنَن﴾ طَرائِق فِي الكُفّار بِإمْهالِهِمْ ثُمَّ أخَذَهُمْ ﴿فَسِيرُوا﴾ أيّها المُؤْمِنُونَ ﴿فِي الأَرْض فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَة المُكَذِّبِينَ﴾ الرُّسُل أيْ آخِر أمْرهمْ مِن الهَلاك فَلا تَحْزَنُوا لِغَلَبَتِهِمْ فَأَنا أُمْهِلهُمْ لِوَقْتِهِمْ
تفسير ابن كثير
يشمل هذا التفسير الآيات 137 إلى 143
يَقُولُ تَعَالَى مُخَاطِبًا عِبَادَهُ [[في أ: "لعباده".]] الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أُصِيبوا يومَ أُحُد، وقُتِل مِنْهُمْ سَبْعُونَ: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ أَيْ: قَدْ جَرَى نَحْوَ هَذَا عَلَى الْأُمَمِ الَّذِينَ كَانُوا مَنْ قَبْلِكُمْ مِنْ أَتْبَاعِ الْأَنْبِيَاءِ، ثُمَّ كَانَتِ الْعَاقِبَةُ لَهُمْ وَالدَّائِرَةُ عَلَى الْكَافِرِينَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ .
ثُمَّ قَالَ: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ فِيهِ بَيَانٌ لِلْأُمُورِ عَلَى جَلِيَّتِهَا، وَكَيْفَ كَانَ الأممُ الْأَقْدَمُونَ مَعَ أَعْدَائِهِمْ ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ فِيهِ خَبَرُ مَا قَبْلَكُمْ وَ ﴿هُدًى﴾ لِقُلُوبِكُمْ وَ ﴿مَوْعِظَةٌ﴾ أَيْ: زَاجِرٌ [عَنِ الْمَحَارِمِ وَالْمَآثِمِ] [[زيادة من جـ، ر.]] .
ثُمَّ قَالَ مُسَلِّيًا لِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿وَلا تَهِنُوا﴾ أَيْ: لَا تَضعفوا بِسَبَبِ مَا جَرَى ﴿وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
أَيِ: الْعَاقِبَةُ وَالنُّصْرَةُ لَكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ.
﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ أَيْ: إِنْ كُنْتُمْ قَدْ أَصَابَتْكُمْ جراحٌ وقُتل مِنْكُمْ طائفةٌ، فَقَدْ أَصَابَ أَعْدَاءَكُمْ قَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ مِنْ قَتْلٍ وَجِرَاحٍ ﴿وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ أَيْ: نُديل عَلَيْكُمُ الْأَعْدَاءَ تَارَةً، وَإِنْ كَانَتِ الْعَاقِبَةُ لَكُمْ لِمَا لَنَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكَمِ [[في أ: "الحكمة".]] ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي مِثْلِ هَذَا لنَرَى، أَيْ: مَنْ يَصبر عَلَى مُنَاجَزَةِ الْأَعْدَاءِ ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ يَعْنِي: يُقْتَلُون فِي سَبِيلِهِ، ويَبْذُلون مُهَجهم فِي مَرْضَاتِهِ. ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ. وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أَيْ: يُكَفِّرَ عَنْهُمْ مِنْ ذُنُوبِهِمْ، إِنْ كَانَ لَهُمْ ذُنُوبٌ وَإِلَّا رُفعَ لَهُمْ فِي دَرَجَاتِهِمْ بِحَسَبِ مَا أُصِيبُوا بِهِ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ أَيْ: فَإِنَّهُمْ إِذَا ظَفَرُوا بَغَوا وبَطروا فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبَ دَمَارِهِمْ وَهَلَاكِهِمْ ومَحْقهم وَفَنَائِهِمْ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ أَيْ: أَحَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمْ تُبْتَلوا بِالْقِتَالِ وَالشَّدَائِدِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا [حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ] [[زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [الْبَقَرَةِ:٢١٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ [وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ] [[زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ:١-٣] ؛ وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ أَيْ: لَا يَحْصُلُ لَكُمْ دُخُولُ الْجَنَّةِ حَتَّى تُبْتَلَوا وَيَرَى اللَّهُ مِنْكُمُ الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مُقَارَنَةِ الْأَعْدَاءِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ أَيْ: قَدْ كُنْتُمْ -أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ-قَبْلَ هَذَا الْيَوْمِ تَتَمَنَّوْنَ لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَتَتَحَرَّقُونَ عَلَيْهِمْ، وَتَوَدُّونَ مُنَاجَزَتَهُمْ وَمُصَابَرَتَهُمْ، فَهَا قَدْ حَصَلَ لَكُمُ الَّذِي تَمَنَّيْتُمُوهُ وَطَلَبْتُمُوهُ، فدونَكم فَقَاتِلُوا وَصَابِرُوا.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا تَمَنَّوْا [[في هـ: "تتمنوا"، والمثبت من جـ، ر، ومسلم.]] لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَسَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ، فَإذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ" [[صحيح البخاري معلقا برقم (٣٠٢١) وصحيح مسلم برقم (١٧٤١) .]] .
وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾ يَعْنِي: الْمَوْتَ شَاهَدْتُمُوهُ [[في و: "يعني شاهدوه".]] فِي لَمَعان السُّيُوفِ وَحَدِّ الأسِنّة وَاشْتِبَاكِ الرِّماح، وَصُفُوفِ الرِّجَالِ لِلْقِتَالِ.
وَالْمُتَكَلِّمُونَ يُعَبِّرُونَ عَنْ هَذَا بالتخْييل، وَهُوَ مُشَاهَدَةُ مَا لَيْسَ بِمَحْسُوسٍ كَالْمَحْسُوسِ [[في جـ: "في المحسوس"، وفي ر، أ، و: "من المحسوس".]] كَمَا تَتَخَيل الشَّاةَ صداقة الكبش وعداوة الذئب.
تفسير الطبري
القول في تأويل قوله: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧) ﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله تعالى ذكره:"قد خلت من قبلكم سنن"، مضت وسلفت منى فيمن كان قبلكم، [[انظر تفسير"خلا" فيما سلف ٣: ١٠٠، ١٢٨ / ٤: ٢٨٩.]] يا معشر أصحاب محمد وأهل الإيمان به، من نحو قوم عاد وثمود وقوم هود وقوم لوط، وغيرهم من سُلاف الأمم قبلكم [["سلاف" على وزن"جهال" جمع"سلف"، وجمعه أيضًا"أسلاف"، والسلاف: المتقدمون من الآباء الذين مضوا.]] = "سنن"، يعني: مثُلات سيرَ بها فيهم وفيمن كذَّبوا به من أنبيائهم الذين أرسلوا إليهم، بإمهالي أهلَ التكذيب بهم، واستدراجي إياهم، حتى بلغ الكتاب فيهم أجله الذي أجَّلته لإدالة أنبيائهم وأهل الإيمان بهم عليهم، ثم أحللت بهم عقوبتي، وأنزلتُ بساحتهم نِقَمي، [[في المطبوعة: "نقمتي"، وأثبت ما في المخطوطة.]] فتركتهم لمن بعدهم أمثالا وعبرًا ="فسيروا في الأرض فانظروا كيف كانَ عاقبه المكذبين"، يقول: فسيروا - أيها الظانّون، أنّ إدالتي مَنْ أدلت من أهل الشرك يوم أحُد على محمد وأصحابه، لغير استدراج مني لمن أشرك بي، وكفرَ برسلي، وخالف أمري - في ديار الأمم الذين كانوا قبلكم، ممن كان على مثل الذي عليه هؤلاء المكذبون برسولي والجاحدون وحدانيتي، فانظروا كيف كان عاقبة تكذيبهم أنبيائي، وما الذي آل إليه غِبُّ خلافهم أمري، [[في المطبوعة: "عن خلافهم أمري"، وهي في المخطوطة"عب" غير منقوطة، فلم يحسن الناشر قراءتها، وغب الأمر: عاقبته وآخرته.]] وإنكارهم وحدانيتي، فتعلموا عند ذلك أنّ إدالتي من أدلت من المشركين على نبيي محمد وأصحابه بأحد، إنما هي استدراج وإمهال ليبلغ الكتاب أجله الذي أجلت لهم.
ثم إما أن يؤول حالهم إلى مثل ما آل إليه حال الأمم الذين سلفوا قبلهم: من تعجيل العقوبة عليهم، أو ينيبوا إلى طاعتي واتباع رسولي.
* *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
٧٨٦٧- حدثنا محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر قال، حدثنا عباد، عن الحسن في قوله:"قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين"، فقال: ألم تسيروا في الأرض فتنظروا كيف عذب الله قوم نوح وقوم لوط وقومَ صالح، والأممَ التي عذَّب الله عز وجل؟
٧٨٦٨- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"قد خلت من قبلكم سنن"، يقول: في الكفار والمؤمنين، والخير والشرّ.
٧٨٦٩- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"قد خلت من قبلكم سنن"، في المؤمنين والكفار.
٧٨٧٠- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: استقبل ذكر المصيبة التي نزلت بهم = يعني بالمسلمين يوم أحد = والبلاء الذي أصابهم، والتمحيص لما كان فيهم، واتخاذه الشهداء منهم، فقال تعزية لهم وتعريفًا لهم فيما صنعوا، وما هو صانع بهم:"قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين"، أي: قد مضت مني وقائع نقمة في أهل التكذيب لرسلي والشرك بي: [[في المخطوطة والمطبوعة: "والشرك في عاد وثمود. . ."، وهو خطأ جدًا، والصواب ما أثبته من سيرة ابن هشام.]] عادٍ وثمودَ وقوم لوط وأصحاب مدين، فسيروا في الأرض تروْا مثُلات قد مضت فيهم، ولمن كان على مثل ما هم عليه من ذلك مني، [[في المخطوطة والمطبوعة: "ما هم عليه مثل ذلك مني"، والصواب من ابن هشام.]] وإن أمْليْتُ لهم، [[في المخطوطة والمطبوعة: "إن أمكنت لهم"، والصواب من ابن هشام. والإملاء: الإمهال والاستدراج.]] أي: لئلا تظنوا أنّ نقمتي انقطعت عن عدوكم وعدوي، [[في المخطوطة والمطبوعة: "عن عدوهم وعدوي"، والصواب من ابن هشام، وهو مقتضى سياق الضمائر في عبارته.]] للدوْلة التي أدلتها عليكم بها، لأبتليكم بذلك، [[الإدالة الغلبة. يقال: "أديل لنا على عدونا"، أي نصرنا عليهم، و"أدلني على فلان"، أي: انصرني عليه. والدولة (بضم الدال، وبفتحها وسكون الواو) : الانتقال من حال إلى حال في الحرب وغيرها. وانظر ما سيأتي في تفسير ذلك بعد قليل ص: ٢٣٩.]] لأعلم ما عندكم. [[الأثر: ٧٨٧٠- سيرة ابن هشام ٣: ١١٦، وهو من تمام الآثار التي آخرها: ٧٨٦٦.]]
٧٨٧١- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:"قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبه المكذبين"، يقول: متَّعهم في الدنيا قليلا ثم صيرَّهم إلى النار.
* *
قال أبو جعفر: وأما"السنن" فإنها جمع"سنَّة"،"والسُّنَّة"، هي المثالُ المتبع، والإمام المؤتمُّ به. يقال منه:"سنّ فلان فينا سُنة حسنة، وسنّ سُنة سيئة"، إذا عمل عملا اتبع عليه من خير وشر، ومنه قول لبيد بن ربيعة:
مِنْ مَعْشَرٍ سَنَّتْ لَهُمْ آباؤُهُمْ ... وَلِكلِّ قَوْمٍ سُنَّةٌ وَإِمَامُهَا [[من معلقته البارعة، يذكر قومه وفضلهم، والبيت متعلق بقوله قبل: إِنّا إِذَا التَقَتِ المَجَامِعُ لم يَزَلْ ... مِنَّا لِزَازُ عَظِيمَةٍ جَشّامُهَا
وَمُقَسِّمٌ يُعْطِى العَشِيرَةَ حَقّهَا ... ومُغَذْمِرٌ لِحقوقِها هَضّامُها
فَضْلا وَذُو كَرَمٍ يعِين عَلَى النَّدَى ... سَمْحٌ كَسُوبُ رَغَائِبٍ غَنّامُهَا
مِنْ مَعْشَرٍ............................ ... ......................................
يقول: هذه العادة سنة وطريقة قد توارثناها، ولكل سنة إمام قد تقدم الناس فيها فاتبعوه، فنحن أهل الفضل القديم الذي ابتدعته أوائلنا للناس.]] وقولُ سليمان بن قَتَّه: [[في المطبوعة: "سليمان بن قنة"، وهو تصحيف وقع في كتب كثيرة، و"قتة" أمه، وهو مولى لتيم قريش. وهو من التابعين، روى عن أبي سعيد الخدري، وابن عمر وابن عباس، وعمرو ابن العاص، ومعاوية. ترجم له البخاري في الكبير ٢ / ٢ / ٣٣، وابن أبي حاتم ٢ / ١ / ١٣٦. وزعم بعضهم أنه"سليمان بن حبيب المحاربي"، وهو خطأ، بل هما رجلان، هذا محاربي، وهذا تيمي. وهو أحد الشعراء الفرسان، وهو القائل: وَقَدْ يَحْرِمُ الله الفَتَى وَهْوَ عَاقِلٌ ... وَيُعْطِى الفَتَى مَالا وَلَيْس له عَقْلُ
وهو من أول من سن رثاء أهل البيت، وله في رثائهم شعر كثير.]]
وَإنَّ الألَى بالطَفِّ مِنْ آل هَاشِم ... تَآسَوْا فَسَنُّوا لِلكِرَامِ التَّآسِيَا [[تاريخ الطبري ٧: ١٨٤، وأنساب الأشراف ٥: ٣٣٩، وأمالي الشجري ١: ١٣١، واللسان (أسى) ، وغيرها. وهذا البيت، أنشده مصعب بن الزبير قبل مقتله، فعلم الناس أن لا يريم حتى يقتل. و"الطف": أرض من ضاحية الكوفة في طريق البرية، فيها كان مقتل الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما. وقوله: "تآسوا"، صار بعضهم أسوة لبعض في الصبر على المصير إلى الموت بلا رهبة ولا فرق.]]
* *
وقال ابن زيد في ذلك ما:-
٧٨٧٢- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"قد خلت من قبلكم سنن"، قال: أمثالٌ.