سورة القرآن surah-quran.com

سورة آل عمران

سورة آل عمران، الآية 143

الجزء 4، الصفحة 68.

وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ ﴿١٤٣﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

ولقد كنتم -أيها المؤمنون- قبل غزوة «أُحد» تتمنون لقاء العدو؛ لتنالوا شرف الجهاد والاستشهاد في سبيل الله الذي حَظِي به إخوانكم في غزوة «بدر»، فها هو ذا قد حصل لكم الذي تمنيتموه وطلبتموه، فدونكم فقاتلوا وصابروا.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 139 إلى 143

الآية 139: يقول تعالى مشجعاً لعباده المؤمنين ومقوياً لعزائمهم ومنهضاً لهممهم: {ولا تهنوا ولا تحزنوا}؛ أي: ولا تهنوا وتضعفوا في أبدانكم، ولا تحزنوا في قلوبكم عندما أصابتكم المصيبة، وابتليتم بهذه البلوى، فإن الحزن في القلوب والوهن على الأبدان زيادة مصيبة عليكم، وعون لعدوكم عليكم بل شجعوا قلوبكم وصبروها وادفعوا عنها الحزن وتصلبوا على قتال عدوكم، وذكر تعالى أنه لا ينبغي ولا يليق بهم الوهن والحزن وهم الأعلون في الإيمان ورجاء نصر الله وثوابه، فالمؤمن المبتغي ما وعده الله من الثواب الدنيوي والأخروي لا ينبغي له ذلك، ولهذا قال تعالى:{وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين}.

ثم سلاهم بما حصل لهم من الهزيمة، وبين الحكم العظيمة المترتبة على ذلك فقال:

الآية 140:{إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله}، فأنتم وهم قد تساويتم في القرح، ولكنكم ترجون من الله ما لا يرجون كما قال تعالى:{إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون}. ومن الحكم في ذلك أن هذه الدار يعطي الله منها المؤمن والكافر والبر والفاجر فيداول الله الأيام بين الناس:يوم لهذه الطائفة ويوم للطائفة الأخرى، لأن هذه الدارَ الدنيا منقضية فانية، وهذا بخلاف الدار الآخرة فإنها خالصة للذين آمنوا.{وليعلم الله الذين آمنوا}، هذا أيضاً من الحكم أنه يبتلي الله عباده بالهزيمة والابتلاء ليتبين المؤمن من المنافق، لأنه لو استمر النصر للمؤمنين في جميع الوقائع لدخل في الإسلام من لا يريده، فإذا حصل في بعض الوقائع بعض أنواع الابتلاء تبين المؤمن حقيقة الذي يرغب في الإسلام في الضراء والسراء واليسر والعسر ممن ليس كذلك، {ويتخذ منكم شهداء}. وهذا أيضاً من بعض الحكم، لأن الشهادة عند الله من أرفع المنازل، ولا سبيل لنيلها إلا بما يحصل من وجود أسبابها، فهذا من رحمته بعباده المؤمنين، أن قيَّض لهم من الأسباب ما تكرهه النفوس، لينيلهم ما يحبون من المنازل العالية والنعيم المقيم.{والله لا يحب الظالمين}، الذين ظلموا أنفسهم وتقاعدوا عن القتال في سبيله، وكأن في هذا تعريضاً بذم المنافقين وأنهم مبغوضون لله، ولهذا ثبطهم عن القتال في سبيله، ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة، ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين.

الآية 141:{وليمحص الله الذين آمنوا}، وهذا أيضاً من الحكم أن الله يمحص بذلك المؤمنين من ذنوبهم وعيوبهم، يدل ذلك على أن الشهادة والقتال في سبيل الله تكفر الذنوب وتزيل العيوب ، وليمحص الله أيضاً المؤمنين من غيرهم من المنافقين فيتخلصون منهم ويعرفون المؤمن من المنافق. ومن الحكم أيضاً أنه يقدر ذلك ليمحق الكافرين، أي: ليكون سبباً لمحقهم واستئصالهم بالعقوبة، فإنهم إذا انتصروا بغوا وازدادوا طغياناً إلى طغيانهم يستحقون به المعاجلة بالعقوبة رحمة بعباده المؤمنين. ثم قال تعالى:

الآية 142:{أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين}، هذا استفهام إنكاري، أي: لا تظنوا ولا يخطر ببالكم أن تدخلوا الجنة من دون مشقة واحتمال المكاره في سبيل الله، وابتغاء مرضاته، فإن الجنة أعلى المطالب وأفضل ما به يتنافس المتنافسون، وكلما عظم المطلوب عظمت وسيلته والعمل الموصل إليه، فلا يوصل إلى الراحة إلا بترك الراحة ولا يدرك النعيم إلا بترك النعيم، ولكن مكاره الدنيا التي تصيب العبد في سبيل الله، عند توطين النفس لها وتمرينها عليها ومعرفة ما تَؤول إليه تنقلب عند أرباب البصائر منحًا يسرون بها ولا يبالون بها، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ثم وبخهم تعالى على عدم صبرهم بأمر كانوا يتمنونه ويودون حصوله، فقال:

الآية 143:{ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه}، وذلك أن كثيراً من الصحابة رضي الله عنهم ممن فاته بدر، يتمنون أن يحضرهم الله مشهداً يبذلون فيه جهدهم، قال الله تعالى لهم:{فقد رأيتموه}؛ [أي: رأيتم] ما تمنيتم بأعينكم {وأنتم تنظرون}، فما بالكم وترك الصبر؟ هذه حالة لا تليق ولا تحسن، خصوصاً لمن تمنى ذلك وحصل له ما تمنى، فإن الواجب عليه بذل الجهد واستفراغ الوسع في ذلك. وفي هذه الآية دليل على أنه لا يكره تمني الشهادة. ووجه الدلالة أن الله تعالى أقرهم على أمنيتهم، ولم ينكر عليهم، وإنما أنكر عليهم عدم العمل بمقتضاها والله أعلم. ثم قال تعالى:

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿ولَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ﴾ فِيهِ حَذْف إحْدى التّاءَيْنِ فِي الأَصْل ﴿المَوْت مِن قَبْل أنْ تَلْقَوْهُ﴾ حَيْثُ قُلْتُمْ لَيْتَ لَنا يَوْمًا كَيَوْمِ بَدْر لِنَنالَ ما نالَ شُهَداؤُهُ ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾ أيْ سَبَبه الحَرْب ﴿وأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ أيْ بُصَراء تَتَأَمَّلُونَ الحال كَيْفَ هِيَ فَلِمَ انْهَزَمْتُمْ ؟ ونَزَلَ فِي هَزِيمَتهمْ لَمّا أُشِيعَ أنَّ النَّبِيّ قُتِلَ وقالَ لَهُمْ المُنافِقُونَ إنْ كانَ قُتِلَ فارْجِعُوا إلى دِينكُمْ

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يشمل هذا التفسير الآيات 137 إلى 143

يَقُولُ تَعَالَى مُخَاطِبًا عِبَادَهُ [[في أ: "لعباده".]] الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أُصِيبوا يومَ أُحُد، وقُتِل مِنْهُمْ سَبْعُونَ: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ أَيْ: قَدْ جَرَى نَحْوَ هَذَا عَلَى الْأُمَمِ الَّذِينَ كَانُوا مَنْ قَبْلِكُمْ مِنْ أَتْبَاعِ الْأَنْبِيَاءِ، ثُمَّ كَانَتِ الْعَاقِبَةُ لَهُمْ وَالدَّائِرَةُ عَلَى الْكَافِرِينَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ .

ثُمَّ قَالَ: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ فِيهِ بَيَانٌ لِلْأُمُورِ عَلَى جَلِيَّتِهَا، وَكَيْفَ كَانَ الأممُ الْأَقْدَمُونَ مَعَ أَعْدَائِهِمْ ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنَ فِيهِ خَبَرُ مَا قَبْلَكُمْ وَ ﴿هُدًى﴾ لِقُلُوبِكُمْ وَ ﴿مَوْعِظَةٌ﴾ أَيْ: زَاجِرٌ [عَنِ الْمَحَارِمِ وَالْمَآثِمِ] [[زيادة من جـ، ر.]] .

ثُمَّ قَالَ مُسَلِّيًا لِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿وَلا تَهِنُوا﴾ أَيْ: لَا تَضعفوا بِسَبَبِ مَا جَرَى ﴿وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾

أَيِ: الْعَاقِبَةُ وَالنُّصْرَةُ لَكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ.

﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ أَيْ: إِنْ كُنْتُمْ قَدْ أَصَابَتْكُمْ جراحٌ وقُتل مِنْكُمْ طائفةٌ، فَقَدْ أَصَابَ أَعْدَاءَكُمْ قَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ مِنْ قَتْلٍ وَجِرَاحٍ ﴿وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ أَيْ: نُديل عَلَيْكُمُ الْأَعْدَاءَ تَارَةً، وَإِنْ كَانَتِ الْعَاقِبَةُ لَكُمْ لِمَا لَنَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكَمِ [[في أ: "الحكمة".]] ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي مِثْلِ هَذَا لنَرَى، أَيْ: مَنْ يَصبر عَلَى مُنَاجَزَةِ الْأَعْدَاءِ ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ يَعْنِي: يُقْتَلُون فِي سَبِيلِهِ، ويَبْذُلون مُهَجهم فِي مَرْضَاتِهِ. ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ. وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أَيْ: يُكَفِّرَ عَنْهُمْ مِنْ ذُنُوبِهِمْ، إِنْ كَانَ لَهُمْ ذُنُوبٌ وَإِلَّا رُفعَ لَهُمْ فِي دَرَجَاتِهِمْ بِحَسَبِ مَا أُصِيبُوا بِهِ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ أَيْ: فَإِنَّهُمْ إِذَا ظَفَرُوا بَغَوا وبَطروا فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبَ دَمَارِهِمْ وَهَلَاكِهِمْ ومَحْقهم وَفَنَائِهِمْ.

ثُمَّ قَالَ: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ أَيْ: أَحَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمْ تُبْتَلوا بِالْقِتَالِ وَالشَّدَائِدِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا [حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ] [[زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [الْبَقَرَةِ:٢١٤] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ [وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ] [[زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "الآية".]] ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ:١-٣] ؛ وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ أَيْ: لَا يَحْصُلُ لَكُمْ دُخُولُ الْجَنَّةِ حَتَّى تُبْتَلَوا وَيَرَى اللَّهُ مِنْكُمُ الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مُقَارَنَةِ الْأَعْدَاءِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ أَيْ: قَدْ كُنْتُمْ -أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ-قَبْلَ هَذَا الْيَوْمِ تَتَمَنَّوْنَ لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَتَتَحَرَّقُونَ عَلَيْهِمْ، وَتَوَدُّونَ مُنَاجَزَتَهُمْ وَمُصَابَرَتَهُمْ، فَهَا قَدْ حَصَلَ لَكُمُ الَّذِي تَمَنَّيْتُمُوهُ وَطَلَبْتُمُوهُ، فدونَكم فَقَاتِلُوا وَصَابِرُوا.

وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا تَمَنَّوْا [[في هـ: "تتمنوا"، والمثبت من جـ، ر، ومسلم.]] لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَسَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ، فَإذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ" [[صحيح البخاري معلقا برقم (٣٠٢١) وصحيح مسلم برقم (١٧٤١) .]] .

وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾ يَعْنِي: الْمَوْتَ شَاهَدْتُمُوهُ [[في و: "يعني شاهدوه".]] فِي لَمَعان السُّيُوفِ وَحَدِّ الأسِنّة وَاشْتِبَاكِ الرِّماح، وَصُفُوفِ الرِّجَالِ لِلْقِتَالِ.

وَالْمُتَكَلِّمُونَ يُعَبِّرُونَ عَنْ هَذَا بالتخْييل، وَهُوَ مُشَاهَدَةُ مَا لَيْسَ بِمَحْسُوسٍ كَالْمَحْسُوسِ [[في جـ: "في المحسوس"، وفي ر، أ، و: "من المحسوس".]] كَمَا تَتَخَيل الشَّاةَ صداقة الكبش وعداوة الذئب.

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه:"ولقد كنتم تمنون الموت"، ولقد كنتم، يا معشر أصحاب محمد ="تمنون الموت"، يعني أسبابَ الموت، وذلك: القتالُ ="فقد رأيتموه"، فقد رأيتم ما كنتم تمنونه - و"الهاء" في قوله"رأيتموه" عائدة على"الموت"، والمعنىُّ: [القتال] = [[في المطبوعة: " عائدة على الموت، ومعنى وأنتم تنظرون"، وهو كلام فاسد. وفي المخطوطة: "عائدة على الموت، والمعنى" وبعدها بياض قدر كلمة، ثم كتب: "وأنتم تنظرون" فوضعت بين القوسين ما استظهرته من كلام أبي جعفر.]] "وأنتم تنظرون"، يعني: قد رأيتموه بمرأى منكم ومنظر، أي بقرب منكم.

* *

وكان بعض أهل العربية يزعم أنه قيل:"وأنتم تنظرون"، على وجه التوكيد للكلام، كما يقال:"رأيته عيانًا" و"رأيته بعيني، وسمعته بأذني".

* *

قال أبو جعفر: وإنما قيل:"ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه"، لأن قومًا من أصحاب رسول الله ﷺ ممن لم يشهد بدرًا، كانوا يتمنون قبل أحد يومًا مثل يوم بدر، فيُبْلُوا الله من أنفسهم خيرًا، وينالوا من الأجر مثل ما نال أهل بدر. فلما كان يوم أحد فرّ بعضهم، وصبرَ بعضهم حتى أوفَى بما كان عاهد الله قبل ذلك، فعاتب الله من فرّ منهم فقال:"ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه"، الآية، وأثنى على الصابرين منهم والموفين بعهدهم.

ذكر الأخبار بما ذكرنا من ذلك:

٧٩٣٠- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله:"ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون"، قال: غاب رجال عن بدر، فكانوا يتمنون مثل يوم بدر أن يلقوه، فيصيبوا من الخير والأجر مثل ما أصابَ أهل بدر. فلما كان يوم أحد، ولَّى من ولىَّ منهم، فعاتبهم الله = أو: فعابهم، أو: فعيَّبهم = على ذلك. [[في المطبوعة: "أو فعتبهم"، وفي المخطوطة" فتعتهم" غير منقوطة، وكأن صواب قراءتها ما أثبت عابه وعيبه: نسبه إلى العيب.]] شك أبو عاصم.

٧٩٣١- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد نحوه - إلا أنه قال:"فعاتبهم الله على ذلك"، ولم يشكّ.

٧٩٣٢- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:"ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون"، أناسٌ من المؤمنين لم يشهدوا يوم بدر والذي أعطى الله أهل بدر من الفضل والشرف والأجر، فكان يتمنون أن يرزقوا قتالا فيقاتلوا، فسيق إليهم القتال حتى كان في ناحية المدينة يوم أحُد، فقال الله عز وجل كما تسمعون:"ولقد كنتم تمنون الموت"، حتى بلغ"الشاكرين".

٧٩٣٣- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة، قوله:"ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه"، قال: كانوا يتمنون أن يلقوا المشركين فيقاتلوهم، فلما لقوهم يوم أحد ولّوا.

٧٩٣٤- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قال: إن أناسًا من المؤمنين لم يشهدوا يوم بدر والذي أعطاهم الله من الفضل، فكانوا يتمنون أن يروا قتالا فيقاتلوا، فسيق إليهم القتال حتى كان بناحية المدينة يوم أحد، فأنزل الله عز وجل:"ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه"، الآية.

٧٩٣٥- حدثني محمد بن بشار قال، حدثنا هوذة قال، حدثنا عوف، عن الحسن قال: بلغني أن رجالا من أصحاب النبي ﷺ كانوا يقولون:"لئن لقينا مع النبي ﷺ لنفعلن ولنفعلن"، فابتلوا بذلك، فلا والله ما كلُّهم صَدق الله، فأنزل الله عز وجل."ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون".

٧٩٣٦- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: كان ناسٌ من أصحاب النبي ﷺ لم يشهدوا بدرًا، فلما رأوا فضيلة أهل بدر قالوا:"اللهم إنا نسألك أن ترينا يومًا كيوم بدر نبليك فيه خيرًا"! فرأوا أحدًا، فقال لهم:"ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون".

٧٩٣٧- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون"، أي: لقد كنتم تمنون الشهادة على الذي أنتم عليه من الحق قبل أن تلقوا عدوكم = يعني الذين استنهضوا رسول الله ﷺ على خروجه بهم إلى عدوهم، [[في المطبوعة: "يعني الذين حملوا رسول الله. ."، غيره الناشر، وكان في المخطوطة"استاصوا" غير منقوطة، ولولا أن الذي في سيرة ابن هشام"استنهضوا"، لقلت إن صواب قراءتها: "استباصوا" بالصاد في آخره من قولهم: "بصت فلانًا" إذا استعجلته. والبوص (بفتح فسكون) : أن تستعجل إنسانًا في تحميلكه أمرًا، لا تدعه يتمهل فيه. وهذه صفة فعل أصحاب رسول الله الذين لم يشهدوا بدرًا، وأرادوا القتال يوم أحد.]] لما فاتهم من الحضور في اليوم الذي كان قبله ببدر، رغبة في الشهادة التي قد فاتتهم به. يقول:"فقد رأيتموه وأنتم تنظرون"، أي: الموتَ بالسيوف في أيدي الرجال، قد خلَّى بينكم وبينهم، [[في المطبوعة: "قد حل بينكم وبينهم"، وهي في المخطوطة غير بينة، والصواب ما جاء في سيرة ابن هشام، وقد أثبته.]] وأنتم تنظرون إليهم، فصددتُم عنهم. [[الأثر: ٧٩٣٧- سيرة ابن هشام ٣: ١١٧، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٧٩٢٩. هذا وفي السيرة خطأ بين، تصحيحه في رواية الطبري، فليراجع. وقد جاء في السيرة."ثم صدهم عنكم" مكان"فصددتم عنهم"، وهما معنيان مختلفان، ولكنها الرواية، لا يمكن أن أرجح فيها بغير مرجح، فكلاهما صواب.]]