سورة القرآن surah-quran.com

سورة آل عمران

سورة آل عمران، الآية 176

الجزء 4، الصفحة 73.

وَلَا يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ ۚ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّوا۟ ٱللَّهَ شَيْـًٔا ۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿١٧٦﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

لا يُدْخِل الحزنَ إلى قلبك -أيها الرسول- هؤلاء الكفارُ بمسارعتهم في الجحود والضلال، إنهم بذلك لن يضروا الله شيئًا، إنما يضرون أنفسهم بحرمانها حلاوة الإيمان وعظيم الثواب، يريد الله ألّا يجعل لهم ثوابًا في الآخرة؛ لأنهم انصرفوا عن دعوة الحق، ولهم عذاب شديد.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 176 إلى 177

الآية 176: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - حريصاً على الخلق مجتهداً في هدايتهم، وكان يحزن إذا لم يهتدوا، قال الله تعالى:{ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر} من شدة رغبتهم فيه وحرصهم عليه {إنهم لن يضروا الله شيئاً} فالله ناصر دينه ومؤيد رسوله ومنفذ أمره من دونهم، فلا تبالهم ولا تحفل بهم، إنما يضرون ويسعون في ضرر أنفسهم بفوات الإيمان في الدنيا، وحصول العذاب الأليم في الأخرى، من هوانهم على الله وسقوطهم من عينه وإرادته أن لا يجعل لهم نصيباً في الآخرة من ثوابه؛ خذلهم فلم يوفقهم لما وفق إليه أولياءه، ومن أراد به خيراً عدلاً منه وحكمة، لعلمه بأنهم غير زاكين على الهدى ولا قابلين للرشاد لفساد أخلاقهم وسوء قصدهم.

الآية 177: ثم أخبر أن الذين اختاروا الكفر على الإيمان ورغبوا فيه رَغْبَةَ مَنْ بذلَ ما يحب من المال في شراء ما يحب من السلع {لن يضروا الله شيئاً}، بل ضرر فعلهم يعود على أنفسهم، ولهذا قال:{ولهم عذاب أليم}، وكيف يضرون الله شيئاً؟! وهم قد زهدوا أشد الزهد في الإيمان ورغبوا كل الرغبة بالكفر بالرحمن فالله غني عنهم، وقد قيض لدينه من عباده الأبرار الأزكياء سواهم وأعد له ممن ارتضاه لنصرته أهل البصائر والعقول، وذوي الألباب من الرجال الفحول، قال الله تعالى:{قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجداً ... } الآيات.

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿ولا يَحْزُنك﴾ بِضَمِّ الياء، وكَسْر الزّاي وبِفَتْحِها وضَمّ الزّاي مِن: أحْزَنَهُ ﴿الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الكُفْر﴾ يَقَعُونَ فِيهِ سَرِيعًا بِنُصْرَتِهِ وهُمْ أهْل مَكَّة أوْ المُنافِقُونَ أيْ لا تَهْتَمّ لِكُفْرِهِمْ ﴿إنّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّه شَيْئًا﴾ بِفِعْلِهِمْ وإنَّما يَضُرُّونَ أنْفُسهمْ ﴿يُرِيد اللَّه ألّا يَجْعَل لَهُمْ حَظًّا﴾ نَصِيبًا ﴿فِي الآخِرَة﴾ أيْ الجَنَّة فَلِذَلِكَ خَذَلَهُمْ اللَّه ﴿ولَهُمْ عَذاب عَظِيم﴾ فِي النّار

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يشمل هذا التفسير الآيات 176 إلى 180

يَقُولُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ وَذَلِكَ مِنْ شِدَّةِ حِرْصِهِ عَلَى النَّاسِ كَانَ يُحْزِنُهُ مُبَادَرَة الْكُفَّارِ إِلَى الْمُخَالَفَةِ وَالْعِنَادِ وَالشِّقَاقِ، فَقَالَ تَعَالَى: وَلَا يُحْزِنُكَ ذَلِكَ ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الآخِرَةِ﴾ أَيْ: حِكْمَتُهُ فِيهِمْ أَنَّهُ يُرِيدُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ نَصِيبًا فِي الْآخِرَةِ ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ .

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ ذَلِكَ إِخْبَارًا مُقَرَّرًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالإيمَانِ﴾ أَيِ: اسْتَبْدَلُوا هَذَا بِهَذَا ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ أَيْ: وَلَكِنْ يَضُرُّونَ أَنْفُسَهُمْ ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ .

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ. نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ:٥٥، ٥٦] ، وَكَقَوْلِهِ ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الْقَلَمِ:٤٤] ، وَكَقَوْلِهِ ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التَّوْبَةِ:٥٥] .

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ أَيْ: لَا بُد أَنْ يَعْقِدَ سَبَبًا مِنَ الْمِحْنَةِ، يَظْهَرُ فِيهِ وَلِيُّهُ، وَيَفْتَضِحُ فِيهِ عَدُوُّهُ. يُعرف بِهِ الْمُؤْمِنُ الصَّابِرُ، وَالْمُنَافِقُ الْفَاجِرُ. يَعْنِي بِذَلِكَ يَوْمَ أُحُدٍ الَّذِي امْتَحَنَ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ، فَظَهَرَ بِهِ إِيمَانُهُمْ وَصَبْرُهُمْ وَجَلَدُهُمْ [وَثَبَاتُهُمْ] [[زيادة من ر، أ، و.]] وَطَاعَتُهُمْ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ﷺ، وَهَتَكَ بِهِ سِتْرَ الْمُنَافِقِينَ، فَظَهْرَ مُخَالَفَتُهُمْ ونُكُولهم عَنِ الْجِهَادِ وَخِيَانَتُهُمْ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ [ﷺ] [[زيادة من و.]] وَلِهَذَا قَالَ: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ .

قَالَ مُجَاهِدٌ: مَيَّزَ بَيْنَهُمْ يَوْمَ أُحُدٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ: مَيَّزَ بَيْنَهُمْ بِالْجِهَادِ وَالْهِجْرَةِ. وَقَالَ السُّدِّي: قَالُوا: إنْ كَانَ مُحَمَّدٌ صَادِقًا فَلْيُخْبِرنا عَمّن يُؤْمَنُ بِهِ مِنَّا وَمَنْ يَكْفُر. فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى [يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ أَيْ: حَتَّى] [[زيادة من جـ.]] يُخْرج الْمُؤْمِنَ مِنَ الْكَافِرِ. رَوَى ذَلِكَ كلَّه ابنُ جَرِيرٍ:

ثُمَّ قَالَ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ أَيْ: أَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ غيبَ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ حَتَّى يُميز [[في ر، و: "يتميز".]] لَكُمُ الْمُؤْمِنَ مِنَ الْمُنَافِقِ، لَوْلَا مَا يَعْقِدُهُ [[في ر: "يعتقدوه".]] مِنَ الْأَسْبَابِ الْكَاشِفَةِ عَنْ ذَلِكَ.

ثُمَّ قَالَ: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ كَقَوْلِهِ ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الْجِنِّ:٢٦، ٢٧] .

ثُمَّ قَالَ: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ أَيْ: أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاتَّبِعُوهُ فِيمَا شَرَعَ [[في ر، أ، و: "شرعه".]] لَكُمْ ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾ أَيْ: لَا يَحْسَبَنَّ [[في: "تحسبن".]] الْبَخِيلُ أَنَّ جَمْعَهُ الْمَالَ يَنْفَعُهُ، بَلْ هُوَ مَضّرة عَلَيْهِ فِي دِينِهِ -وَرُبَّمَا كَانَ-فِي دُنْيَاهُ.

ثُمَّ أَخْبَرَ بِمَآلِ أَمْرِ مَالِهِ [[في أ: "أمره إليه".]] يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَالَ: " سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " قَالَ الْبُخَارِيُّ:

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ، سَمِعَ أَبَا النَّضْرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ -هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ-عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُريرة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ آتَاهُ اللهُ مَالا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ شُجَاعًا أقرعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ، يُطَوّقُه يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَأْخُذُ [[في أ، و: "فيأخذ".]] بلِهْزِمَتَيْه -يَعْنِي بشدقَيْه-يَقُولُ: أَنَا مَالُكَ، أَنَا كَنزكَ" ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ.

تَفَرَّدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ دُونَ مُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلان، عَنِ القَعْقاع بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، بِهِ [[صحيح البخاري برقم (١٤٠٣، ٤٥٦٥) .]] .

حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حُجَين بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عمَر، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: "إِنَّ الَّذِي لَا يُؤَدِّي زَكَاةَ مَالِهِ يُمَثِّلُ اللهُ لَهُ مَالَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبتَان، ثُمَّ يُلْزِمهُ يطَوّقه، يَقُول: أنَا كَنزكَ، أنَا كَنزكَ".

وَهَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ سَهْلٍ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ هَاشِمِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، بِهِ [[المسند (٢/٩٨) وسنن النسائي (٥/٣٨) .]] ثُمَّ قَالَ النَّسَائِيُّ: وروايةُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أثبتُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

قُلْتُ: وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا [[في و: "بين الروايتين".]] فَقَدْ يَكُونُ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ مِنَ الْوَجْهَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ سَاقَهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُويَه مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَمِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حُمَيْدٍ، عَنْ زِيَادٍ الْخَطْمِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بِهِ.

حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ جَامِعٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؛ قَالَ: " مَا مِنْ عَبْدٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاةَ مَالِهِ إِلَّا جُعِلَ لَهُ شُجَاعٌ أقْرَعُ يَتْبَعُهُ، يَفِرّ مِنْهُ وَهُوَ يَتْبَعُه فَيقُولُ: أنَا كَنْ ". ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ مِصْدَاقَهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ .

وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ جَامِعِ بْنِ أَبِي رَاشِدٍ، زَادَ التِّرْمِذِيُّ: وَعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَعْيَنَ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي وَائِلٍ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، بِهِ. ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبيعي، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، بِهِ [[المسند (١/٣٧٧) وسنن الترمذي برقم (٣٠١٢) وسنن النسائي (٥/١١) وسنن ابن ماجة برقم (١٧٨٤) والمستدرك (٢/٢٩٨) .]] وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ غَيْرِ وجه، عن ابن مسعود، موقوفا.

حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطام، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ ثَوْبَانَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؛ قَالَ: " مَنْ تَرَكَ بَعْدَهُ كَنزا مُثِّلَ لَهُ شُجُاعًا أَقْرَعَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَهُ زَبِيبَتَان، يَتْبَعُه ويَقُولُ: مَنْ أَنْتَ؟ وَيْلَكَ. فيقُولُ: أنَا كَنزكَ الَّذِي خَلَّفتَ بَعْدَكَ فَلا يَزَالُ يَتْبَعُه حَتَّى يُلْقِمَه يَدَه فَيقْضِمَها، ثُمَّ يَتْبَعه سَائِر جَسَ". إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ قَوِيٌّ وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ [[عزاه إلى أبي يعلى في المطالب العالية الحافظ ابن حجر (١/٢٥٤) ورواه ابن خزيمة في صحيحه برقم (٢٢٥٥) وابن حبان في صحيحه برقم (٨٠٣) "موارد"والبزار في مسنده (١/٤١٨) "كشف الأستار" والطبراني في المعجم الكبير (٢/٩١) والحاكم في المستدرك (١/٣٣٨) وقال: "صحيح الإسناد" ووافقه الذهبي، كلهم مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قتادة به. وقال البزار: "إسناده حسن".]] .

وَقَدْ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ البَجَلي [[المعجم الكبير (٢/٣٢٢) ولفظه: "ما من ذي رحم يأتي رحمه فيسأله فضلا أعطاه الله إياه فيبخل عليه إلا أخرج له يوم القيامة من جهنم حية يقال لها: شجاع يتلمظ فيطوف به". قال الهيثمي في المجمع (٨/١٥٤) : "رواه الطبراني في الأوسط والكبير وإسناده جيد".]] وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ مَرْدُويه مِنْ حَدِيثِ بَهْز بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يَأْتِي الرَّجُلُ مَولاهُ فيَسْأله مِنْ فَضْلِ مَالِهِ [[في ر، أ، و: "مال".]] عِنْدَهُ، فَيَمْنَعهُ إيَّاهُ، إِلَّا دُعِي لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجاعٌ يَتَلَمَّظُ فَضْلَهُ الَّذِي مَنَعَ". لَفْظُ ابْنِ جَرِيرٍ [[تفسير الطبري (٧/٤٣٥) ورواه أحمد في مسنده (٥/٣) والنسائي في السنن (١/٣٥٨) .]] .

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا دَاوُدُ، عَنْ أَبِي قَزَعة، عَنْ رَجُلٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا مِنْ ذِي رَحِمٍ يَأْتِي ذَا رَحِمه، فيَسْأله مِنْ فَضْلٍ جَعَلَهُ اللهُ عِنْدَهُ، فَيَبْخَلُ بِهِ عَلَيْه، إِلَّا أخُرِج لَهُ مِنْ جَهَنَّم شُجَاعٌ يَتَلَمَّظ، حَتَّى يُطوّقه".

ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ أَبِي قزَعَة -وَاسْمُهُ حُجَيْر [[في أ، و: "حجر" وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه.]] بْنُ بَيان-عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْعَبْدِيِّ مَوْقُوفًا. وَرَوَاهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي قَزَعَة مُرْسَلًا [[تفسير الطبري (٧/٤٣٤) .]] .

وَقَالَ العَوْفي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ بَخِلُوا بِمَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنَ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ أَنْ يُبَيِّنُوهَا.

رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَإِنْ دَخَلَ هَذَا فِي مَعْنَاهُ. وَقَدْ يُقَالُ: [إِنَّ] [[زيادة من أ، و.]] هَذَا أَوْلَى [[في أ: "روى".]] بِالدُّخُولِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ أَيْ: فَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ، فَإِنَّ الْأُمُورَ كُلَّها مَرْجِعُهَا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. فَقَدِّمُوا لَكُمْ مِنْ أَمْوَالِكُمْ مَا يَنْفَعُكُمْ يَوْمَ مَعَادِكُمْ ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أَيْ: بِنياتِكم وَضَمَائِرِكُمْ.

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

يشمل هذا التفسير الآيات 176 إلى 177

القول في تأويل قوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَلا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٧٦) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: يريد الله أن لا يجعل لهؤلاء الذين يسارعون في الكفر، نصيبًا في ثواب الآخرة، فلذلك خذلهم فسارعوا فيه. ثم أخبر أنهم مع حرمانهم ما حرموا من ثواب الآخرة، لهم عذاب عظيم في الآخرة، وذلك عذابُ النار. وقال ابن إسحاق في ذلك بما:-

٨٢٦٤ - حدثني ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"يريد الله أن لا يجعل لهم حظًّا في الآخرة"، أن يُحبط أعمالهم. [[الأثر: ٨٢٦٤ - ليس في سيرة ابن هشام.]]

* *

القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالإيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٧) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه المنافقين الذين تقدَّم إلى نبيه ﷺ فيهم: أن لا يحزنه مسارعتهم إلى الكفر، فقال لنبيه ﷺ: إن هؤلاء الذين ابتاعوا الكفر بإيمانهم فارتدوا عن إيمانهم بعد دخولهم فيه، [[انظر تفسير"الاشتراء" فيما سلف ١: ٣١٢ - ٣١٥ / ٢: ٣٤١، ٣٤٢ / ٣: ٢٢٨.]] ورضوا بالكفر بالله وبرسوله، عوضًا من الإيمان، لن يضروا الله بكفرهم وارتدادهم عن إيمانهم شيئًا، بل إنما يضرون بذلك أنفسهم، بإيجابهم بذلك لها من عقاب الله ما لا قِبل لها به.

* *

وإنما حث الله جل ثناؤه بهذه الآيات من قوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ إلى هذه الآية، عبادَه المؤمنين على إخلاص اليقين، ولانقطاع إليه في أمورهم، والرضى به ناصرًا وحدَه دون غيره من سائر خلقه= ورغَّب بها في جهاد أعدائه وأعداء دينه، وشجَّع بها قلوبهم، وأعلمهم أن من وليه بنصره فلن يخذل ولو اجتمع عليه جميعُ من خالفه وحادَّه، وأن من خذله فلن ينصره ناصرٌ ينفعُه نصرُه، ولو كثرت أعوانه ونصراؤه، [[في المطبوعة: "أو نصراؤه"، والصواب ما في المخطوطة.]] كما:-

٨٢٦٥ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق:"إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان"، أي: المنافقين="لن يضروا الله شيئًا ولهم عذاب أليم"، أي: موجع. [[الأثر: ٨٢٦٥ - سيرة ابن هشام: ٣: ١٢٨، وهو تتمة الآثار التي آخرها: ٨٢٦٣. وليس في سيرة ابن هشام تفسير"أليم".]]

٨٢٦٦ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: هم المنافقون.