سورة القرآن surah-quran.com

سورة آل عمران

سورة آل عمران، الآية 188

الجزء 4، الصفحة 75.

لَا تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوا۟ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا۟ بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا۟ فَلَا تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ ٱلْعَذَابِ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿١٨٨﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

ولا تظنن الذين يفرحون بما أَتَوا من أفعال قبيحة كاليهود والمنافقين وغيرهم، ويحبون أن يُثْنِيَ عليهم الناس بما لم يفعلوا، فلا تظننهم ناجين من عذاب الله في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب موجع. وفي الآية وعيد شديد لكل آت لفعل السوء معجب به، ولكل مفتخر بما لم يعمل؛ ليُثْنِيَ عليه الناس ويحمدوه.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 187 إلى 188

الآية 187: الميثاق: هو العهد الثقيل المؤكد، وهذا الميثاق أخذه الله تعالى على كل من أعطاه الله الكتب، وعلَّمه العلمَ أن يبين للناس ما يحتاجون إليه مما علمه الله ولا يكتمهم ذلك ويبخل عليهم به، خصوصاً إذا سألوه أو وقع ما يوجب ذلك، فإنَّ كلَّ من عنده علم يجب عليه في تلك الحال أن يبينه ويوضح الحق من الباطل. فأما الموفقون فقاموا بهذا أتم القيام وعلَّموا الناس مما علَّمَهم الله ابتغاء مرضاة ربهم وشفقة على الخلق وخوفاً من إثم الكتمان. وأما الذين أوتوا الكتاب من اليهود والنصارى ومن شابههم فنبذوا هذه العهود والمواثيق وراء ظهورهم فلم يعبؤوا بها فكتموا الحق وأظهروا الباطل تجرؤاً على محارم الله وتهاوناً بحقوقه تعالى وحقوق الخلق واشتروا بذلك الكتمان {ثمناً قليلاً} وهو ما يحصل لهم إن حصل من بعض الرياسات والأموال الحقيرة من سفلتهم المتبعين أهواءهم المقدمين شهواتهم على الحق {فبئس ما يشترون} لأنه أخسّ العوض والذي رغبوا عنه وهو بيان الحق الذي فيه السعادة الأبدية والمصالح الدينية والدنيوية أعظمُ المطالب وأجلُّها، فَلَمْ يختاروا الدني الخسيس ويتركوا العالي النفيس إلا لسوء حظهم وهوانهم وكونهم لا يصلحون لغير ما خلقوا له. ثم قال تعالى:

الآية 188:{لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا}؛ أي: من القبائح والباطل القولي والفعلي {ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا}؛ أي: بالخير الذي لم يفعلوه والحق الذي لم يقولوه، فجمعوا بين فعل الشر وقوله والفرح بذلك ومحبة أن يحمدوا على فعل الخير الذي ما فعلوه، {فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب}؛ أي: بمحلِّ نجوة منه وسلامة، بل قد استحقوه وسيصيرون إليه ولهذا قال:{ولهم عذاب أليم}. ويدخل في هذه الآية الكريمة أهل الكتاب الذين فرحوا بما عندهم من العلم ولم ينقادوا للرسول، وزعموا أنهم هم المحقون في حالهم ومقالهم، وكذلك كل من ابتدع بدعة قولية أو فعلية، وفرح بها، ودعا إليها، وزعم أنه محق وغيره مبطل كما هو الواقع من أهل البدع. ودلت الآية بمفهومها على أن من أحبَّ أن يحمدَ ويُثْنَى عليه بما فعله من الخير واتِّباع الحقِّ إذا لم يكن قصده بذلك الرياء والسمعة أنه غير مذموم، بل هذا من الأمور المطلوبة التي أخبر الله أنه يجزي بها المحسنين له الأعمال والأقوال، وأنه جازى بها خواص خلقه وسألوها منه كما قال إبراهيم عليه السلام:{واجعل لي لسان صدق في الآخرين}، وقال:{سلام على نوح في العالمين إنا كذلك نجزي المحسنين}، وقد قال عباد الرحمن:{واجعلنا للمتقين إماماً}، وهي من نعم الباري على عبده ومننه التي تحتاج إلى شكر.

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿لا تَحْسَبَن﴾ بِالتّاءِ والياء ﴿الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أُتُوا﴾ فَعَلُوا فِي إضْلال النّاس ﴿ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا﴾ مِن التَّمَسُّك بِالحَقِّ وهُمْ عَلى ضَلال ﴿فَلا تَحْسَبَنهُمْ﴾ فِي الوَجْهَيْنِ تَأْكِيد ﴿بِمَفازَةٍ﴾ بِمَكانٍ يَنْجُونَ فِيهِ ﴿مِن العَذاب﴾ مِن الآخِرَة بَلْ هُمْ فِي مَكان يُعَذَّبُونَ فِيهِ وهُوَ جَهَنَّم ﴿ولَهُمْ عَذاب ألِيم﴾ مُؤْلِم فِيها ومَفْعُولًا يَحْسَب الأُولى دَلَّ عَلَيْهِما مَفْعُولا الثّانِيَة عَلى قِراءَة التَّحْتانِيَّة وعَلى الفَوْقانِيَّة حُذِفَ الثّانِي فَقَطْ

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يشمل هذا التفسير الآيات 187 إلى 189

هَذَا تَوْبِيخٌ مِنَ اللَّهِ وَتَهْدِيدٌ لِأَهْلِ الْكِتَابِ، الَّذِينَ أخَذ عَلَيْهِمُ الْعَهْدَ عَلَى أَلْسِنَةِ الْأَنْبِيَاءِ أَنْ يُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وَأَنْ يُنَوِّهُوا بِذِكْرِهِ فِي النَّاسِ لِيَكُونُوا [[في و: "فيكونوا".]] عَلَى أهْبَة مِنْ أَمْرِهِ، فَإِذَا أَرْسَلَهُ اللَّهُ تابعوه، فَكَتَمُوا ذَلِكَ وَتَعَوَّضُوا عَمَّا وَعَدُوا عَلَيْهِ مِنَ الْخَيْرِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بِالدُّونِ الطَّفِيفِ، وَالْحَظِّ الدُّنْيَوِيِّ السَّخِيفِ، فَبِئْسَتِ الصَّفْقَةُ صَفْقَتُهُمْ، وَبِئْسَتِ الْبَيْعَةُ بَيْعَتُهُمْ.

وَفِي هَذَا تَحْذير لِلْعُلَمَاءِ أَنْ يَسْلُكُوا مَسْلَكَهُمْ فَيُصِيبَهُمْ مَا أَصَابَهُمْ، ويُسْلكَ بِهِمْ مَسْلكهم، فَعَلَى الْعُلَمَاءِ أَنْ يَبْذُلُوا مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنَ الْعِلْمِ النَّافِعِ، الدَّالِّ عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَلَا يَكْتُمُوا [[في ر: "يكتمون".]] مِنْهُ شَيْئًا، فَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ سُئِل عَنْ عِلْم فكَتَمه ألْجِم يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلجَامٍ مِنْ نَارٍ".

* *

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا [فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ] [[زيادة من جـ، ر، أ، و.]] ﴾ الْآيَةَ، يَعْنِي بِذَلِكَ الْمُرَائِينَ الْمُتَكَثِّرِينَ بِمَا لَمْ يُعْطَوا، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "مَنِ ادَّعَى دَعْوى كَاذِبَةً لِيتَكَثَّر بِهَا لَمْ يَزِدْه اللَّهُ إِلَّا قِلَّة" [[صحيح البخاري برقم (٦١٠٥، ٦٦٥٢) وصحيح مسلم برقم (١١٠) من حديث ثابت بن الضحاك رضي الله عنه.]] وَفِي الصَّحِيحِ: "الْمُتَشَبِّعُ [[في أ: "المشبع".]] بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلَابِسِ ثَوْبَي زُور" [[رواه مسلم برقم (٢١٢٩) من حديث عائشة رضي الله عنها.]] .

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَجَّاج، عَنِ ابْنِ جُرَيْج، أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيكة أَنَّ حُمَيد بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْف أَخْبَرَهُ: أَنَّ مَرْوَانَ قَالَ: اذْهَبْ يَا رَافِعُ -لبَوَّابه-إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقُلْ [[في جـ، ر، أ: "فقل له".]] لَئِنْ كَانَ كُلُّ امْرِئٍ منَّا فَرح بِمَا أتَى [[في جـ: "أوتى".]] وَأَحَبَّ أَنْ يُحْمَدَ بِمَا لَمْ يَفْعَلْ -معَذَّبًا، لنُعَذبن أَجْمَعُونَ؟ [[في جـ، ر، أ، و: "أجمعين".]] فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَمَا لَكُمْ [[في جـ: "ما لكم".]] وَهَذِهِ؟ إِنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ، ثُمَّ تَلَا ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [[في جـ، ر، أ، و: "لتبيننه للناس.. الآية".]] وَتَلَا ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ الْآيَةَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سَأَلَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ شَيْءٍ، فَكَتَمُوهُ [[في ر، أ، و: "فكتموه إياه".]] وَأَخْبَرُوهُ بِغَيْرِهِ، فَخَرَجُوا قَدْ أرَوْه أَنْ قَدْ أَخْبَرُوهُ بِمَا سَأَلَهُمْ عَنْهُ، وَاسْتَحْمَدُوا بِذَلِكَ إِلَيْهِ، وَفَرِحُوا بِمَا أُوتُوا [[في جـ: "أوتوا".]] مِنْ كِتْمَانِهِمْ مَا سَأَلَهُمْ عَنْهُ.

وَهَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّفْسِيرِ، وَمُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ فِي تَفْسِيرَيْهِمَا، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ جَرِيرٍ [[في و: "وابن خزيمة".]] وَابْنُ مَرْدُويه، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، كُلُّهُمْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ جُرَيج، بِنَحْوِهِ [[المسند (١/٢٩٨) وصحيح البخاري برقم (٤٥٦٨) وصحيح مسلم برقم (٢٧٧٨) وسنن الترمذي برقم (٣٠١٤) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٠٨٦) .]] وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنِ عَلقمة بن وقاص: أن مَرْوان قَالَ لِبَوَّابِهِ: اذهبْ يَا رَافِعُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَذَكَرَهُ [[صحيح البخاري برقم (٤٥٦٨) .]] .

وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ أَنَّ رِجَالًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم كان إِذَا خرَج رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْغَزْوِ تَخَلَّفوا عَنْهُ، وفَرِحوا بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإِذَا قَدم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْغَزْوِ اعْتَذَرُوا [[في ر: "أعذروا".]] إِلَيْهِ وَحَلَفُوا، وَأَحَبُّوا أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا، فَنَزَلَتْ: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ الْآيَةَ.

وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي مَرْيَمَ، بِنَحْوِهِ [[صحيح البخاري برقم (٤٥٦٧) وصحيح مسلم برقم (٢٧٧٧) .]] وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَرْدُويه فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ هشَام بْنِ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: كَانَ [[في و: "قال".]] أَبُو سَعِيدٍ وَرَافِعُ بْنُ خَديج وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ عِنْدَ مَرْوان فَقَالَ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، رَأيت [[في جـ: "أرأيت".]] قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ [[في أ: "لا يحسبن".]] الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ وَنَحْنُ نَفْرَحُ بِمَا أتَيْنا ونُحِب أَنْ نُحْمَد بِمَا لَمْ نَفْعَلْ؟ فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: إِنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ ذَاكَ، إِنَّمَا ذَاكَ [[في أ: "من ذلك إنما ذلك".]] أَنَّ نَاسًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ كَانُوا يَتخلَّفون إِذَا بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْثًا، فَإِنْ كَانَ فِيهِ نَكْبة فَرِحُوا بِتَخَلُّفِهِمْ، وَإِنْ كَانَ لَهُمْ نَصْر مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ حَلَفُوا [[في ر: "يحلفوا".]] لَهُمْ لِيُرْضُوهُمْ وَيَحْمَدُوهُمْ عَلَى سُرُورِهِمْ بِالنَّصْرِ وَالْفَتْحِ. فَقَالَ مَرْوَانُ: أَيْنَ هَذَا مِنْ هَذَا؟ فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: وَهَذَا يَعْلَمُ هَذَا، فَقَالَ مَرْوَانُ: أَكَذَلِكَ يَا زَيْدُ؟ قَالَ: نَعَمْ، صَدَقَ أَبُو سَعِيدٍ. ثُمَّ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: وَهَذَا يَعْلَمُ ذَاكَ [[في أ: "ذلك".]] -يَعْنِي رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ-وَلَكِنَّهُ يَخْشَى إِنْ أَخْبَرَكَ أَنْ تَنْزِعَ قَلائصه فِي الصَّدَقَةِ. فَلَمَّا خَرَجُوا قَالَ زَيْدٌ لِأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَلَا تَحْمَدُنِي عَلَى شَهَادَةٍ لَكَ [[في ر: "أني شهدت لك"، وفي أ، و: "على ما شهدت لك".]] ؟ فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: شهدتَ الْحَقَّ. فَقَالَ زَيْدٌ: أَوْ لَا تَحْمَدُنِي عَلَى مَا شَهِدْتُ الْحَقَّ؟

ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ: أَنَّهُ كَانَ هُوَ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ عِنْدَ مَروان بْنِ الْحَكَمِ، وَهُوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ مَرْوَانُ: يَا رَافِعُ، فِي أَيِّ شَيْءٍ نَزَلَتْ [[في جـ، ر، أ، و: "أنزلت".]] هَذِهِ؟ فَذَكَرَهُ [[ورواه عبد بن حميد في تفسيره كما في الدر (٢/٤٠٤) وذكره الحافظ ابن حجر في الفتح (٨/٢٣٤) .]] كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَكَانَ مَرْوان يَبْعَثُ [[في ر: "بعث".]] بَعْدَ ذَلِكَ يَسْأَلُ ابْنَ عَبَّاسٍ كَمَا تَقَدَّمَ، فَقَالَ لَهُ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَلَا منَافاة بَيْنَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمَا قَالَهُ هَؤُلَاءِ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ عَامَّةٌ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَرْدُويه أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيق وَمُوسَى بْنِ عُقْبة، عَنِ الزهْري، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ؛ أَنَّ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ الْأَنْصَارِيَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ هَلَكْتُ. قَالَ: "لِمَ؟ " قَالَ: نَهَى اللَّهُ الْمَرْءَ أَنْ يُحِب أَنْ يُحْمَدَ بِمَا لَمْ يَفْعَلْ، وَأَجِدُنِي أُحِبُّ الحمدَ. وَنَهَى اللَّهُ عَنِ الخُيلاء، وَأَجِدُنِي [[في أ: "وإني".]] أُحِبُّ الْجَمَالَ، وَنَهَى اللَّهُ أَنْ نَرْفَعَ أَصْوَاتَنَا فَوْقَ صَوْتِكَ، وَأَنَا [[في ر، أ، و: "وإني".]] امْرُؤٌ جَهْوَرِيُّ الصَّوْتِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَلَّا تَرْضى أَنْ تَعِيش حَمِيدا، وتُقْتَل شَهِيدا، وَتَدْخُلَ الْجَنَّةَ؟ " قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَعَاشَ [[في ر، أ، و: "قال: فعاش".]] حَمِيدًا، وقُتل شَهِيدَا يَوْمَ مُسَيْلَمة الْكَذَّابِ [[ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٤٢) من طريق الزهري عن محمد بن ثابت به. ورواه الحاكم في المستدرك (١/٢٣٤) من طريق إسماعيل بن محمد عن أبيه محمد بن ثابت به. ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (٢٢٧٠) "موارد"، والطبراني في المعجم الكبير (٢/٦٧) كلاهما من طريق إسماعيل بن ثابت أن ثابت فذكره. ورواه عبد الرزاق في مصنفه برقم (٢٠٤٢٥) من طريق الزهري أن ثابت بن قيس فذكره مرسلا. ورواه مالك ومن طريق ابن عبد البر في الاستيعاب (٢/٧٥) من طريق الزهري عن إسماعيل بن محمد بن ثابت عن ثابت به. والأصح: الزهري عن محمد بن ثابت عن ثابت به، وهي رواية ابن مردويه والطبراني في المعجم الأوسط برقم (٤٢) وقد صرح محمد بن ثابت بالتحديث عند الطبراني فقال: حدثني ثابت بن قيس فذكره، والحديث حسن إن شاء الله.]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ يُقْرَأُ بِالتَّاءِ عَلَى مُخَاطَبَةِ الْمُفْرَدِ، وَبِالْيَاءِ عَلَى الْإِخْبَارِ عَنْهُمْ، أَيْ: لَا تَحْسَبُونَ [[في جـ، ر، أ، و: "ولا تحسبوا".]] أَنَّهُمْ نَاجُونَ مِنَ الْعَذَابِ، بَلْ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾

ثُمَّ قَالَ: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أَيْ: هُوَ مَالِكُ كُل شَيْءٍ، وَالْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَلَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، فَهَابُوهُ وَلَا تُخَالِفُوهُ، وَاحْذَرُوا نِقْمَتَهُ وَغَضَبَهُ، فَإِنَّهُ الْعَظِيمُ الَّذِي لَا أَعْظَمَ مِنْهُ، الْقَدِيرُ الَّذِي لَا أَقْدَرَ مِنْهُ.

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨٨) ﴾

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: عني بذلك قومٌ من أهل النفاق كانوا يقعدون خلاف رسول الله ﷺ إذا غزا العدو، فإذا انصرف رسول الله ﷺ اعتذروا إليه، وأحبّوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا.

ذكر من قال ذلك:

٨٣٣٥ - حدثنا محمد بن سهل بن عسكر وابن عبد الرحيم البرقي قالا حدثنا ابن أبي مريم قال، حدثنا محمد بن جعفر بن أبي كثير قال، حدثني زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري: أن رجالا من المنافقين كانوا على عهد رسول الله ﷺ إذا خرج النبي ﷺ إلى الغزو، تخلّفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله. وإذا قدم النبي ﷺ من السفر اعتذروا إليه، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا. فأنزل الله تعالى فيهم:"لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا" الآية. [[الحديث: ٨٣٣٥ - رواه البخاري من طريق شيخه سعيد بن أبي مريم، كرواية الطبري (الفتح: ٨: ١٧٥) . وقال ابن كثير ٢: ٣١٧: "رواه مسلم من حديث ابن أبي مريم بنحوه".]]

٨٣٣٦ - حدثني يونس قال، أخبرنا بن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"لا تحسبن الذين يفرحون بما أوتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا"، قال: هؤلاء المنافقون، يقولون للنبي ﷺ: لو قد خرجت لخرجنا معك! فإذا خرج النبي ﷺ تخلَّفوا وكذبوا، ويفرحون بذلك، ويرون أنها حيلة احتالوا بها.

* *

وقال آخرون: عني بذلك قوم من أحبار اليهود، كانوا يفرحون بإضلالهم الناس، ونسبة الناس إياهم إلى العلم.

ذكر من قال ذلك:

٨٣٣٧ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة مولى ابن عباس أو سعيد بن جبير:"وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب" إلى قوله:"ولهم عذاب أليم"، يعني فنحاصا وأشيع وأشباههما من الأحبار، الذين يفرحون بما يصيبون من الدنيا على ما زيَّنوا للناس من الضلالة="ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا"، أن يقول لهم الناس علماء، وليسوا بأهل علم، لم يحملوهم على هدى ولا خير، [[سيرة ابن هشام"هدى ولا حق". وفي المطبوعة: "لم يحملوهم على هدى" غير ما في المخطوطة، ولكنها الصواب، ويدل على ذلك الأثر التالي، فإنه ذكر وجه الخلاف بين الروايتين.]] ويحبون أن يقول لهم الناس: قد فعلوا. [[الأثر: ٨٣٣٧، ٨٣٣٨ - سيرة ابن هشام ٢: ٢٠٨، وهو تتمة الأثر السالف رقم: ٨٣١٨، والإسناد متصل إلى ابن عباس، كما مضى مرارًا.]]

٨٣٣٨ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير قال، حدثنا محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة: أنه حدثه عن ابن عباس بنحو ذلك= إلا أنه قال: وليسوا بأهل علم، لم يحملوهم على هدى. [[في المطبوعة: "ابن كريب"، وهو خطأ، قد مضى على صحته في مئات من المواضع.]]

* *

وقال آخرون: بل عُني بذلك قومٌ من اليهود، فرحوا باجتماع كلمتهم على تكذيب محمد ﷺ، ويحبون أن يحمدوا بأن يقال لهم: أهل صلاة وصيام.

ذكر من قال ذلك:

٨٣٣٩ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك بن مزاحم يقول في قوله:"لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا"، فإنهم فرحوا باجتماعهم على كفرهم بمحمد ﷺ وقالوا:"قد جمع الله كلمتنا، ولم يخالف أحد منا أحدًا [أن محمدًا ليس بنبي] . [[هذه الجملة بين القوسين، كان مكانها في المطبوعة: "أنه نبي"، وفي المخطوطة"أن بنبي"، والذي في المطبوعة مخالف لما تمالأ عليه اليهود، والذي في المخطوطة بين الفساد والخرم، واستظهرت ما بين القوسين من الأثر الذي رواه السيوطي في الدر المنثور ٢: ١٠٩ ونسبه لعبد بن حميد وابن جرير عن الضحاك، والذي سيأتي في الأثر التالي، ونصه: "إن اليهود كتب بعضهم إلى بعض أن محمدًا ليس بنبي، فأجمعوا كلمتكم، وتمسكوا بدينكم وكتابكم الذي معكم". فمن هذا استظهرت صواب العبارة التي أثبتها.]] وقالوا:"نحن أبناء الله وأحباؤه، ونحن أهل الصلاة والصيام"، وكذبوا، بل هم أهل كفر وشرك وافتراء على الله، قال الله:"يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا".

٨٣٤٠ - حدثني يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله:"لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا"، قال: كانت اليهود أمر بعضهم بعضًا، [[في المطبوعة والمخطوطة: "قال: قالت اليهود أمر بعضهم بعضًا"، وهو كلام غير مستقيم، صحفت"كانت" إلى"قالت" فأثبتها على الصواب إن شاء الله.]] فكتب بعضهم إلى بعض:"أنّ محمدًا ليس بنبي، فأجمعوا كلمتكم، وتمسكوا بدينكم وكتابكم الذي معكم"، ففعلوا وفرحوا بذلك، وفرحوا باجتماعهم على الكفر بمحمد ﷺ.

٨٣٤١ - حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: كتموا اسم محمد ﷺ، ففرحوا بذلك، وفرحوا باجتماعهم على الكفر بمحمد ﷺ.

٨٣٤٢ - حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: كتموا اسم محمد ﷺ، وفرحوا بذلك حين اجتمعوا عليه، وكانوا يزكون أنفسهم فيقولون:"نحن أهل الصيام وأهل الصلاة وأهل الزكاة، ونحن على دين إبراهيم ﷺ"، فأنزل الله فيهم:"لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا"، من كتمان محمد ﷺ="ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا"، أحبوا أن تحمدهم العرب، بما يزكون به أنفسهم، وليسوا كذلك.

٨٣٤٣ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن أبي الجحاف، عن مسلم البطين قال: سأل الحجاج جلساءه عن هذه الآية:"لا تحسبن الذي يفرحون بما أتوا"، قال سعيد بن جبير: بكتمانهم محمدًا="ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا"، قال: هو قولهم:"نحن على دين إبراهيم عليه السلام". [[الأثر: ٨٣٤٣ - انظر الأثر السالف رقم: ٨٣٢٢.]]

٨٣٤٤ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا"، هم أهل الكتاب، أنزل عليهم الكتاب فحكموا بغير الحق، وحرفوا الكلم عن مواضعه، وفرحوا بذلك، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا. فرحوا بأنهم كفروا بمحمد ﷺ وما أنزل الله، وهم يزعمون أنهم يعبدون الله، ويصومون ويصلون، ويطيعون الله. فقال الله جل ثناؤه لمحمد ﷺ:"لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا"، كفرًا بالله وكفرًا بمحمد ﷺ [[في المطبوعة: "كفروا بالله، وكفروا بمحمد"، والصواب من المخطوطة.]] ="ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا"، من الصلاة والصوم، فقال الله جل وعز لمحمد ﷺ:"فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم".

* *

وقال آخرون: بل معنى ذلك:"لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا"، من تبديلهم كتاب الله، ويحبون أن يحمَدهم الناس على ذلك.

ذكر من قال ذلك:

٨٣٤٥ - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى:"لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا"، قال: يهودُ، فرحوا بإعجاب الناس بتبديلهم الكتاب وحمدهم إياهم عليه، ولا تملك يهود ذلك. [[قوله: "ولا تملك يهود ذلك" كأنه يعني: ولا تملك يهود النجاة من عذاب الله، كما أنذرهم في الآية.]]

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: أنهم فرحوا بما أعطى الله تعالى آل إبراهيم عليه السلام.

ذكر من قال ذلك:

٨٣٤٦ - حدثني محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن أبي المعلى، عن سعيد بن جبير أنه قال في هذه الآية:"ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا"، قال: اليهود، يفرحون بما آتى الله إبراهيم عليه السلام.

* *

٨٣٤٧ - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا وهب بن جرير قال، حدثنا شعبة عن أبي المعلى العطّار، عن سعيد بن جبير قال: هم اليهود، فرحوا بما أعطى الله تعالى إبراهيم عليه السلام.

وقال آخرون: بل عُني بذلك قومٌ من اليهود، سألهم رسول الله ﷺ عن شيء فكتموه، ففرحوا بكتمانهم ذلك إياه.

ذكر من قال ذلك:

٨٣٤٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن جريج قال، أخبرني ابن أبي مليكة: أن علقمة بن أبي وقاص أخبره: أن مروان قال لرافع: اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل له:"لئن كان كل امرئ منا فرح بما أتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبًا، ليعذبنا الله أجمعين"! فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه! إنما دعا النبي ﷺ يهود، فسألهم عن شيء فكتموه إياه، وأخبروه بغيره، فأروه أن قد استجابوا لله بما أخبروه عنه مما سألهم، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه. ثم قال:"وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب"، الآية.

٨٣٤٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج: أخبرني عبد الله بن أبي مليكة: أن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أخبره: أن مروان بن الحكم قال لبوابه: يا رافع، اذهب إلى ابن عباس فقل له:"لئن كان كل امرئ منا فرح بما أتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبًا، لنعذبن جميعًا"! فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه الآية؟ إنما أنزلت في أهل الكتاب! ثم تلا ابن عباس:"وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبينه للناس" إلى قوله:"أن يحمدوا بما لم يفعلوا". قال ابن عباس: سألهم النبيّ ﷺ عن شيء فكتموه إياه، وأخبروه بغيره، فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما قد سألهم عنه، فاستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه ما سألهم عنه. [[الأثران: ٨٣٤٨، ٨٣٤٩ - أخرجهما البخاري في كتاب التفسير، الأول من طريق: "إبراهيم بن موسى عن هشام، أن ابن جريج أخبرهم ... " والآخر من طريق: "ابن مقاتل، أخبرنا الحجاج، عن ابن جريج"، وأخرجه الترمذي في كتاب التفسير. وقد استوفى الحافظ ابن حجر في الفتح ٨: ١٧٥، ١٧٦، في هذين الأثرين، ذكر رافع، الذي لم يروا له ذكرًا في كتب الرواة، وفي اختلافهم على ابن جريج في شيخ شيخه مرة"علقمة بن أبي وقاص"، وأخرى"حميد بن عبد الرحمن بن عوف". وانظر أسباب النزول الواحدي: ١٠١، ١٠٢.]]

* *

وقال آخرون: بل عني بذلك قومٌ من يهود، أظهروا النفاق للنبي ﷺ محبة منهم للحمد، والله عالم منهم خلاف ذلك.

ذكر من قال ذلك:

٨٣٥٠ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ذكر لنا أنّ أعداء الله اليهود، يهود خيبر، أتوا نبي الله ﷺ، فزعموا أنهم راضون بالذي جاء به، وأنهم متابعوه، وهم متمسكون بضلالتهم، وأرادوا أن يحمَدهم نبي الله ﷺ بما لم يفعلوا، فأنزل الله تعالى:"لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا"، الآية.

٨٣٥١ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة قال: إن أهل خيبر أتوا النبي ﷺ وأصحابه فقالوا:"إنا على رأيكم وسنتكم، [[في المطبوعة: "على رأيكم وهيئتكم"، والذي في المخطوطة"على رأيكم وسكم" غير منقوطة، وأرجح أن صواب قراءتها ما أثبت. وأكثر من روى هذا الخبر حذف منه هذه الكلمة. و"السنة": الطريقة والنهج.]] وإنا لكم رِدْء". [["الردء": العون والناصر، ينصره ويشد ظهره.]] فأكذبهم الله فقال:"لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا" الآيتين.

٨٣٥٢ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة قال: جاء رجل إلى عبد الله فقال: إن كعبًا يقرأ عليك السلام ويقول: إن هذه الآية لم تنزل فيكم:"لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا"، قال: أخبروه أنها نزلت وهو يهودي. [[الأثر: ٨٣٥٢ - انظر الأثر السالف رقم: ٨٣٢٥، "وكعب" هو"كعب الأحبار".]]

* *

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب في تأويل قوله:"لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا" الآية، قول من قال:"عني بذلك أهل الكتاب الذين أخبر الله جل وعز أنه أخذ ميثاقهم، ليبين للناس أمر محمد ﷺ، ولا يكتمونه، لأن قوله:"لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا" الآية، في سياق الخبر عنهم، وهو شبيه بقصتهم مع اتفاق أهل التأويل على أنهم المعنيون بذلك.

فإذْ كان ذلك كذلك، فتأويل الآية: لا تحسبن، يا محمد، الذين يفرحون بما أتوا من كتمانهم الناسَ أمرك، وأنك لي رسول مرسل بالحق، وهم يجدونك مكتوبًا عندهم في كتبهم، وقد أخذت عليهم الميثاق بالإقرار بنبوتك، وبيان أمرك للناس، وأن لا يكتموهم ذلك، وهم مع نقضهم ميثاقي الذي أخذت عليهم بذلك، يفرحون بمعصيتهم إياي في ذلك، ومخالفتهم أمري، ويحبون أن يحمدهم الناس بأنهم أهل طاعة لله وعبادة وصلاة وصوم، واتباع لوحيه وتنزيله الذي أنزله على أنبيائه، وهم من ذلك أبرياء أخلياء، لتكذيبهم رسوله، ونقضهم ميثاقه الذي أخذ عليهم، لم يفعلوا شيئًا مما يحبون أن يحمدهم الناس عليه="فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم".

* *

وقوله:"فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب"، فلا تظنهم بمنجاة من عذاب الله الذي أعده لأعدائه في الدنيا، [[انظر تفسير"فاز" فيما سلف قريبا ص: ٤٥٢.]] من الخسف والمسخ والرجف والقتل، وما أشبه ذلك من عقاب الله، ولا هم ببعيد منه، [[انظر معاني القرآن للفراء ١: ٢٥٠.]] كما:-

٨٣٥٣ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب"، قال: بمنجاة من العذاب.

* *

قال أبو جعفر:"ولهم عذاب أليم"، يقول: ولهم عذابٌ في الآخرة أيضًا مؤلم، مع الذي لهم في الدنيا معجل. [[أخشى أن يكون صواب العبارة: "ولهم عذاب مؤلم في الآخرة أيضا مؤجل، مع الذي لهم في الدنيا معجل".]]