سورة القرآن surah-quran.com

سورة آل عمران

سورة آل عمران، الآية 200

الجزء 4، الصفحة 76.

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱصْبِرُوا۟ وَصَابِرُوا۟ وَرَابِطُوا۟ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿٢٠٠﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

يا أيها الذين صَدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه اصبروا على طاعة ربكم، وعلى ما ينزل بكم من ضر وبلاء، وغالبوا أعداءكم في الصبر حتى لا يكونوا أشد صبرًا منكم، وأقيموا على جهاد عدوي وعدوكم، وخافوا الله في جميع أحوالكم؛ رجاء أن تفوزوا برضاه في الدنيا والآخرة.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 199 إلى 200

الآية 199: أي: {وإن من أهل الكتاب} طائفة موفقة للخير يؤمنون بالله ويؤمنون بما {أُنزل إليكم وما أُنزل إليهم}، وهذا الإيمان النافع لا كمن يؤمن ببعض الرسل والكتب ويكفر ببعض، ولهذا لما كان إيمانهم عامًّا حقيقيًّا صار نافعاً فأحدث لهم خشية الله وخضوعهم لجلاله الموجب للانقياد لأوامره ونواهيه والوقوف عند حدوده وهؤلاء أهل الكتاب والعلم على الحقيقة، كما قال تعالى:{إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ}، ومن تمام خشيتهم لله أنهم {لا يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً}، فلا يقدمون الدنيا على الدين كما فعل أهل الانحراف الذين يكتمون ما أنزل الله ويشترون به ثمناً قليلاً، وأما هؤلاء فعرفوا الأمر على الحقيقة وعلموا أن من أعظم الخسران الرضا بالدون عن الدين، والوقوف مع بعض حظوظ النفس السفلية وترك الحق الذي هو أكبر حظ وفوز في الدنيا والآخرة، فآثروا الحق وبينوه ودعوا إليه، وحذروا عن الباطل، فأثابهم الله على ذلك بأن وعدهم الأجر الجزيل والثواب الجميل، وأخبرهم بقربه وأنه {سريع الحساب} فلا يستبطئون ما وعدهم الله، لأن ما هو آت محقق حصوله فهو قريب.

الآية 200: ثم حض المؤمنين على ما يوصلهم إلى الفلاح، وهو الفوز بالسعادة والنجاح، وأن الطريق الموصل إلى ذلك لزوم الصبر: الذي هو حبس النفس على ما تكرهه من ترك المعاصي ومن الصبر على المصائب وعلى الأوامر الثقيلة على النفوس، فأمرهم بالصبر على جميع ذلك. والمصابرة: هي الملازمة والاستمرار على ذلك على الدوام، ومقاومة الأعداء في جميع الأحوال. والمرابطة: وهو لزوم المحل الذي يُخاف من وصول العدو منه وأن يراقبوا أعداءهم ويمنعوهم من الوصول إلى مقاصدهم، لعلهم يفلحون: يفوزون بالمحبوب الديني والدنيوي والأخروي وينجون من المكروه كذلك. فعلم من هذا أنه لا سبيل إلى الفلاح بدون الصبر والمصابرة والمرابطة المذكورات، فلم يفلح مَنْ أفلح إلا بها ولم يفت أحداً الفلاحُ إلا بالإخلال بها أو ببعضها.

والله الموفق ولا حول ولا قوة إلا به. تم تفسير سورة آل عمران. والحمد لله على نعمته ونسأله تمام النعمة.

* * *

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿يا أيّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا﴾ عَلى الطّاعات والمَصائِب وعَنْ المَعاصِي ﴿وصابِرُوا﴾ الكُفّار فَلا يَكُونُوا أشَدّ صَبْرًا مِنكُمْ ﴿ورابِطُوا﴾ أقِيمُوا عَلى الجِهاد ﴿واتَّقُوا اللَّه﴾ فِي جَمِيع أحْوالكُمْ ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ تَفُوزُونَ بِالجَنَّةِ وتَنْجُونَ مِن النّار

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يشمل هذا التفسير الآيات 199 إلى 200

يخبرُ تَعَالَى عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ حَقَّ الْإِيمَانِ، وَبِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ، مَعَ مَا هُمْ يُؤْمِنُونَ بِهِ مِنَ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَأَنَّهُمْ خَاشِعُونَ لِلَّهِ، أَيْ: مُطِيعُونَ لَهُ خَاضِعُونَ مُتَذَلِّلُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ، ﴿لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ أَيْ: لَا يَكْتُمُونَ بِأَيْدِيهِمْ مِنَ الْبِشَارَاتِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وَذَكَرَ صِفَتَهُ وَنَعْتَهُ وَمَبْعَثَهُ وَصِفَةَ أُمَّتِهِ، وَهَؤُلَاءِ هُمْ خِيرَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ وَصَفْوَتُهُمْ، سَوَاءً كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْقَصَصِ: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ. وَإِذَا يُتْلَى [[في جـ أ: "تتلى".]] عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ. أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ الْآيَةَ [الْقَصَصِ:٥٢-٥٤] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ الْآيَةَ [الْبَقَرَةِ:١٢١] ، وَقَالَ: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ:١٥٩] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آلِ عِمْرَانَ:١١٣] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأذْقَانِ سُجَّدًا. وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولا. وَيَخِرُّونَ لِلأذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الْإِسْرَاءِ:١٠٧-١٠٩] ، وَهَذِهِ الصِّفَاتُ تُوجَدُ فِي الْيَهُودِ، وَلَكِنْ قَلِيلًا كَمَا وُجِدَ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَأَمْثَالِهِ مِمَّنْ آمَنُ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ وَلَمْ يَبْلُغُوا عَشْرَةَ أنفُس، وَأَمَّا النَّصَارَى فَكَثِيرٌ مِنْهُمْ مُهْتَدُونَ وَيَنْقَادُونَ لِلْحَقِّ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى [ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ. وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ. وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ. [[زيادة من جـ، ر، و. وفي هـ: "إلى قوله تعالى".]] ] فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ الْآيَةَ [الْمَائِدَةِ:٨٢-٨٥] ، وَهَكَذَا قَالَ هَاهُنَا: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ [إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ] [[زيادة من جـ، ر، أ.]] ﴾ الآية.

وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، لَمّا قَرَأَ سُورَةَ ﴿كهيعص﴾ بِحَضْرَةِ النَّجَاشِيِّ مَلِكِ الْحَبَشَةِ، وَعِنْدَهُ الْبَطَارِكَةُ وَالْقَسَاوِسَةُ [[في جـ، ر: "القساقسة".]] بَكَى وبَكَوْا مَعَهُ، حَتَّى أخْضَبُوا [[في جـ، ر: "أخضلوا".]] لِحَاهُم.

وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ النَّجَاشِيَّ لَمَّا مَاتَ نَعَاه النَّبِيُّ [[في جـ، ر، أ، و: "رسول الله".]] ﷺ إِلَى أَصْحَابِهِ، وَقَالَ: "إِنَّ أَخًا [[في جـ: "أخاكم".]] لَكُمْ بِالْحَبَشَةِ قَدْ مَاتَ فصَلُّوا عَلَيْهِ". فَخَرَجَ [بِهِمْ] [[زيادة من جـ، أ، و.]] إِلَى الصَّحْرَاءِ، فَصفَّهم، وَصَلَّى عَلَيْهِ [[صحيح البخاري برقم (١٣٢٠) وصحيح مسلم برقم (٩٥٢) من حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.]] .

وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا تُوُفي النَّجَاشِيُّ قَالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ: اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ. فَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: يَأْمُرُنَا أَنْ نَسْتَغْفِرَ لِعِلْج مَاتَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ. فَنَزَلَتْ: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ الْآيَةَ.

وَرَوَاهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ [[في ر: "عن".]] أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنِ الْحَسَنِ [[في جـ، ر: "أنس".]] عَنِ النَّبِيِّ ﷺ [[ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٢٦٨٨) من طريق مُؤَمَّلِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ بِهِ. ثُمَّ قَالَ: "لم يروه عن حماد إلا مؤمل".]] . ثُمَّ رَوَاهُ ابْنُ مَرْدويه [أَيْضًا] [[زيادة من أ، و.]] مِنْ طُرُقٍ عَنْ حُمَيْد، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ [[ورواه الطبراني في الأوسط برقم (٣٩٢٨) "مجمع البحرين" مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ حميد عن أنس به. قال الهيثمي في المجمع (٣/٣٨) : "رجاله ثقات". ورواه الواحدي في الوسيط (١/٥٣٦) من طريق معتمر بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ بِهِ.]] .

وَرَوَاهُ أَيْضًا ابْنُ [[في ر: "وابن".]] جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرِ الهُذَلي، عَنْ قَتَادة، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّب، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ [لَنَا] [[زيادة من جـ، ر.]] رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ مَاتَ النَّجَاشِيُّ: "إِنَّ أَخَاكُمْ أصْحَمة قَدْ مَاتَ". فَخَرَجَ رسولُ اللَّهِ ﷺ فصلَّى كَمَا يُصَلِّي عَلَى الْجَنَائِزِ فَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا، فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ: يُصَلِّي عَلَى عِلْجٍ مَاتَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ [عَزَّ وَجَلَّ] [[زيادة من جـ، أ.]] ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ [وَمَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ] [[زيادة من جـ، ر، أ، و.]] ﴾ [[تفسير الطبري (٧/٤٩٦) .]] .

وَقَدْ رَوَى الحافظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ أَنْبَأَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ السَّيَّارِيُّ بِمَرْوٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ الْغَزَّالُ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، أَنْبَأَنَا مُصْعَبُ بْنُ ثَابِتٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: نَزَلَ بِالنَّجَاشِيِّ عَدُوّ مِنْ أَرْضِهِمْ، فَجَاءَهُ الْمُهَاجِرُونَ فَقَالُوا: نُحِبُّ [[في جـ، ر: "إنا نحب".]] أَنْ نَخْرُجَ إِلَيْهِمْ حَتَّى نُقَاتِلَ مَعَكَ، وَتَرَى جُرْأَتَنَا، وَنَجْزِيَكَ بِمَا صَنَعْتَ بِنَا. فقال: لا دواء بِنُصْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ خَيْر مِنْ دَوَاءٍ بِنُصْرَةِ النَّاسِ. قَالَ: وَفِيهِ نَزَلَتْ: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ الْآيَةَ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ [[المستدرك (٢/٣٠٠) وأقره الذهبي.]] .

وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرو الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: لَمَّا مَاتَ النَّجَاشِيُّ كُنَّا نُحَدِّث أَنَّهُ لَا يَزَالُ يُرَى عَلَى [[في جـ، أ: "في".]] قَبْرِهِ نُورٌ [[سنن أبي داود بررقم (٢٥٢٣) .]] .

وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ يَعْنِي: مُسْلِمَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ.

وَقَالَ عَباد بْنُ مَنْصُورٍ: سَأَلْتُ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ [وَمَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ] ﴾ [[زيادة من جـ، ر، أ، و.]] الْآيَةَ. قَالَ: هُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَاتَّبَعُوهُ وَعَرَفُوا الْإِسْلَامَ، فَأَعْطَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى أَجْرَ اثْنَيْنِ [[في جـ، ر: "إحدى اثنتين".]] لِلَّذِي [[في أ: "للذين".]] كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الْإِيمَانِ [[في جـ، ر، أ، و: "الإسلام".]] قَبْلَ مُحَمَّدٍ ﷺ وَبِالَّذِي اتَّبَعُوا مُحَمَّدًا ﷺ. رَوَاهُمَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.

وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "ثَلَاثَةٌ يُؤتَوْنَ أجرَهم مَرَّتَيْنِ" فَذَكَرَ مِنْهُمْ: "وَرَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ وَآمَنَ بِي" [[صحيح البخاري برقم (٩٧) وصحيح مسلم برقم (١٥٤) .]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ أَيْ: لَا يَكْتُمُونَ مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنَ الْعِلْمِ، كَمَا فَعَلَهُ الطَّائِفَةُ الْمَرْذُولَةُ مِنْهُمْ [[في أ: "بينهم".]] بَلْ يَبْذُلُونَ ذَلِكَ مَجَّانًا؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾

قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ يَعْنِي: سَرِيعَ الْإِحْصَاءِ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ: أُمِرُوا أَنْ يَصْبِرُوا عَلَى دِينِهِمُ الَّذِي ارْتَضَاهُ اللَّهُ لَهُمْ، وَهُوَ الْإِسْلَامُ، فَلَا يَدْعُوهُ لِسَرَّاءَ وَلَا لضرّاءَ وَلَا لشِدَّة وَلَا لرِخَاء، حَتَّى يَمُوتُوا مُسْلِمِينَ، وَأَنْ يُصَابِرُوا الْأَعْدَاءَ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ [[في ر، أ، و، "يملون".]] دِينَهُمْ. وَكَذَلِكَ قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ.

وَأَمَّا الْمُرَابَطَةُ فَهِيَ الْمُدَاوَمَةُ فِي مَكَانِ الْعِبَادَةِ وَالثَّبَاتِ. وَقِيلَ: انْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصلاة، قاله [مجاهد و] [[زيادة من و.]] ابْنُ عَبَّاسٍ وَسَهْلُ بْنُ حُنَيف، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظي، وَغَيْرُهُمْ.

وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ هَاهُنَا الْحَدِيثَ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ، مَوْلَى الحُرَقَة، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عليه وسلم قال: "ألا أُخْبِرُكُمْ بِمَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ إسباغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الخُطا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاط، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ" [[رواه مالك في الموطأ في قصر الصلاة برقم (٥٥) ومن طريقه مسلم في صحيحه برقم (٢٥١) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١٣٩) .]] .

وَقَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْحَاقَ حَدَّثَنَا أَبُو جُحَيْفة [[في جـ: "حجية"، وفي أ: "جحيفة".]] عَلِيُّ ابن يَزِيدَ الْكُوفِيُّ، أَنْبَأَنَا ابْنُ أَبِي كَرِيمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ [[في أ: "سويد".]] عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: أَقْبَلَ عليَّ أَبُو هُرَيْرَةَ يَوْمًا فَقَالَ: أَتَدْرِي يَا ابْنَ أَخِي فِيمَ نَزَلَتْ [[في جـ، ر، أ، و: "أنزلت".]] هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ ﷺ غَزْوٌ يُرَابِطُونَ فِيهِ، وَلَكِنَّهَا نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ يُعَمِّرُونَ الْمَسَاجِدَ، يُصَلُّونَ الصَّلَاةَ فِي مَوَاقِيتِهَا، ثُمَّ يَذْكُرُونَ اللَّهَ فِيهَا، فَعَلَيْهِمْ أُنْزِلَتْ: ﴿اصْبِرُوا﴾ أَيْ: عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ ﴿وَصَابِرُوا﴾ [عَلَى] [[زيادة من أ.]] أَنْفُسِكُمْ وَهَوَاكُمْ ﴿وَرَابِطُوا﴾ فِي مَسَاجِدِكُمْ ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ فِيمَا عَلَيْكُمْ ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [[ذكره السيوطي في الدر (٢/٤١٧) وعزاه لابن مردويه.]] .

وَهَكَذَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -بِنَحْوِهِ [[المستدرك (٢/٣٠١) وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" وأقره الذهبي. ورواه الطبري في تفسيره (٧/٥٠٤) من طريق ابن الْمُبَارَكِ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ دَاوُدَ من كلام أبي سلمة كما سيأتي.]] .

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي أَبُو السَّائِبِ، حَدَّثَنِي ابْنُ فُضَيْلٍ [[في ر: "فضل".]] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ شُرَحْبِيلَ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يُكَفِّر الذُّنُوبَ وَالْخَطَايَا؟ إسْباغُ الوُضُوء عَلَى الْمَكَارِهِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّباط" [[تفسير الطبري (٧/٥٠٥) وفي إسناده المقبري: عبد الله بن سعيد، ضعيف ورمى بالكذب.]] .

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ سَهْل الرَّمْلِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُهاجر، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يَزِيدَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَة، عَنْ شُرَحْبيل، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَلَا أدُلُّكم عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا ويُكفّر بِهِ الذُّنُوبَ؟ " قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: "إِسْبَاغُ الوُضوء فِي أَمَاكِنِهَا، وَكَثْرَةُ الخُطا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّباط" [[تفسير الطبري (٧/٥٠٥، ٥٠٦) ورواه البزار (١/٢٢٣) "كشف الأستار" وقال: "لا نعلم يروى هذا عن جابر بغير هذا الإسناد" ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (١٦١) "موارد" كلاهما من طريق محمد بن سلمة عن خالد بن يزيد عن محمد بن سلمة به.]] .

وَقَالَ ابْنُ مَرْدُويه: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، أَنْبَأَنَا محمد بن عبد الله بن [[في جـ، ر، أ، و: "عبد الله بن عبد السلام".]] السَّلَامِ الْبَيْرُوتِيُّ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبٍ الْأَنْطَاكِيُّ، أَنْبَأَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنْبَأَنَا الْوَازِعُ بن نافع، عن أبي سلمة بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: وَقَفَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "هَلْ لَكُمْ [[في جـ، أ: "هل أدلكم".]] إِلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الذُّنُوبَ وَيُعْظِمُ بِهِ الْأَجْرَ؟ " قُلْنَا: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُوَ؟ قَالَ: "إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ".

قَالَ: "وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ فَذَلِكَ هُوَ الرِّبَاطُ فِي الْمَسَاجِدِ" وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ جِدًّا [[وفي إسناده الوازع بن نافع، قال ابن معين: ليس بثقة. وقال البخاري: منكر الحديث وتركه النسائي. وقال ابن عدي: عامة ما يرويه الوازع غير محفوظ. ميزان الاعتدال (٤/٣٢٧) .]] .

وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مُصْعَب بْنِ ثَابِتِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْر، حَدَّثَنِي دَاوُدُ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: قَالَ لِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: يَا ابْنَ أَخِي، هَلْ تَدْرِي فِي أَيِّ شَيْءٍ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا. قَالَ: إِنَّهُ -يَا ابْنَ أَخِي-لَمْ يَكُنْ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ ﷺ غَزْو يُرَابَطُ فِيهِ، وَلَكِنَّهُ انْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ سياقُ ابْنِ مَرْدُويه، وَأَنَّهُ مِنْ كَلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْمُرَابَطَةِ هَاهُنَا مُرَابَطَةُ الْغَزْوِ فِي نُحور الْعَدُوِّ، وَحِفْظُ ثُغور الْإِسْلَامِ وَصِيَانَتُهَا عَنْ دُخُولِ الْأَعْدَاءِ إِلَى حَوْزَة بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ وَرَدَتِ الْأَخْبَارُ بِالتَّرْغِيبِ فِي ذَلِكَ، وذِكْر كَثْرَةِ الثَّوَابِ فِيهِ، فرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ سَهْل بْنِ سَعْد السَّاعِدِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ [[في أ، و: "عنهما".]] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "رباطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا" [[صحيح البخاري برقم (٢٨٩٢) .]] .

حَدِيثٌ آخَرُ: رَوَى مُسْلِمٌ، عَنْ سَلمان الفارسي، عن رسوله اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "رباطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ، وأجْرِيَ عَلَيْهِ رزْقُه، وأمِنَ الفَتَّان " [[صحيح مسلم برقم (١٩١٣) .]] .

حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ حَيْوة بْنِ شُرَيح، أَخْبَرَنِي أَبُو هَانِئٍ الْخَوْلَانِيُّ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ مَالِكٍ الجَنْبي [[في أ: "الختني".]] أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ فُضالة بْنَ عُبيد يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ، إِلَّا الَّذِي مَاتَ مُرَابطًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ يَنْمى [[في جـ، ر: "ينمو".]] لَهُ عملُه إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَيَأْمَنُ فِتْنَةَ الْقَبْرِ".

وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هَانِئٍ الْخَوْلَانِيِّ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ أَيْضًا [[المسند (٦/٢٠) وسنن أبي داود برقم (٢٥٠٠) وسنن الترمذي برقم (١٦٢١) وصحيح ابن حبان (٧/٦٩) "الإحسان".]] .

حَدِيثٌ آخَرُ: وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا عَنْ يَحْيَى بْنِ إِسْحَاقَ وَحَسَنِ بْنِ مُوسَى وَأَبِي [[في جـ، أ: "أبو".]] سعيد [وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ] [[زيادة من جـ، ر، أ، و.]] قَالُوا: حَدَّثَنَا [[في جـ، ر، أ، و: "كلهم عن عبد الله بن لهيعة".]] ابْنُ لَهِيعة حَدَّثَنَا مَشْرَح بْنُ هَاعَانَ، سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَم لَهُ عَلَى عَمَلِهِ، إِلَّا الْمُرَابِطَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ يَجْرِي عَلَيْهِ [[في أ: "له".]] عَمَلُهُ حَتَّى يُبْعَثَ وَيَأْمَنَ مِنَ الفَتَّان" [[المسند (٣/١٥٧) وقال الهيثمي في المجمع (٥/٢٨٩) : "فيه ابن لهيعة وحديثه حسن".]] .

وَرَوَى الْحَارِثُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ فِي مُسْنَدِهِ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، بِهِ إِلَى قَوْلِهِ: "حَتَّى يُبْعَثَ" دُونَ ذِكْرِ "الْفَتَّانِ" [[مسند الحارث برقم (٦٢٧) "بغية الباحث" ورواية عبد الله بن يزيد عن ابن لهيعة صحيحة، فهو ممن روى عنه قبل الاختلاط.]] . وَابْنُ لَهِيعة إِذَا صَرَّحَ بِالتَّحْدِيثِ فَهُوَ حَسَن، وَلَا سِيَّمَا مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الشَّوَاهِدِ.

حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْب، أَخْبَرَنِي اللَّيْث، عَنْ زُهرة بْنِ مَعْبَد [[في ر: "وابن سعيد".]] عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيرة، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم قال: "من مَاتَ مُرَابطًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أُجْرِيَ [[في أ، و: "أجر".]] عَلَيْهِ عَمَلُهُ الصَّالِحُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ وأجْري عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَأَمِنَ مِنَ الْفَتَّانِ، وَبَعَثَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ آمِنًا مِنَ الفَزَع" [[سنن ابن ماجة برقم (٢٧٦٧) وقال البوصيري في الزوائد (٢/٣٩١) : "هذا إسناد صحيح رجاله ثقات".]] .

طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُوسَى، أَنْبَأَنَا ابْنُ لَهِيعة، عَنْ مُوسَى بْنِ وَرْدان، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ مَاتَ مُرَابطا وُقِيَ فِتنة الْقَبْرِ، وَأَمِنَ [[في ر: "وأومن".]] مِنَ الفَزَع الْأَكْبَرِ، وغَدَا عَلَيْهِ وَرِيحَ بِرِزْقِهِ مِنَ الْجَنَّةِ، وَكُتِبَ لَهُ أَجْرُ الْمُرَابِطِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" [[المسند (٢/٤٠٤) .]] .

حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عيَّاش، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَة الدُّؤَلِيِّ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أُمِّ الدَّرْداء تَرْفَعُ الْحَدِيثَ قَالَتْ [[في ر، أ، و: "قال".]] مَنْ رَابَطَ فِي شَيْءٍ مِنْ سَوَاحِلِ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَجْزَأَتْ عَنْهُ رِبَاطَ سَنَةٍ" [[المسند (٦/٣٦٢) وقال الهيثمي في المجمع (٥/٢٨٩) : "رواه أحمد والطبراني من رواية إسماعيل بن عياش عن طريق المدنيين وبقية رجاله ثقات".]] .

حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا كَهْمَس، حَدَّثَنَا مُصْعب بْنُ ثابت بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: قَالَ عُثْمَانُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -وَهُوَ يَخْطُبُ عَلَى مِنْبَرِهِ-: إِنِّي مُحدِّثكم حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَمْنَعُنِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ بِهِ إِلَّا الضِّنُّ بِكُمْ، سَمِعْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حَرْسُ لَيْلَةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ [[في أ: "خير".]] مِنْ أَلْفِ لَيْلَةٍ يُقَامُ لَيْلُهَا ويُصَام نَهَارُهَا" [[المسند (١/٦٤) .]] .

وَهَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا عَنْ رَوْح عَنْ كَهْمَسٍ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ عُثْمَانَ [[المسند (١/٦١) .]] . وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عمَّار، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عن أبيه، عن مُصْعب بن ثابت، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: خَطَبَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ النَّاسَ فقال: يأيها النَّاسُ، إِنِّي سَمِعْتُ حَدِيثًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ بِهِ إِلَّا الضِّنُّ بِكُمْ وَبِصَحَابَتِكُمْ، فَليخْتَرْ مُخْتَار لِنَفْسِهِ أَوْ ليَدَعْ. سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ رَابطَ لَيْلة فِي سَبِيل اللَّهِ كَانَتْ كألْفِ لَيْلَةٍ صِيامها وقِيامها" [[سنن ابن ماجة برقم (٢٧٦٦) وقال البوصيري في الزوائد (٢/٣٩٠) : "إسناده ضعيف".]] .

طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْ عُثْمَانَ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من و.]] قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْخَلَّالُ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو [[في جـ: "أبي".]] عَقِيل زهْرَة بْنُ مَعْبد، عَنْ أَبِي صَالِحٍ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ -وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ-يَقُولُ: إِنِّي كَتَمْتُكُمْ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَرَاهية تَفَرُّقِكُمْ عَنِّي، ثُمَّ بَدَا لِي أَنْ أحدثكُمُوه، لِيَخْتَارَ امْرُؤٌ لِنَفْسِهِ مَا بَدَا لَهُ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "رباطُ يَوْمٍ فِي سَبِيل اللَّهِ خَير مِنْ أَلْفِ يَوْمٍ فِيمَا سِوَاه مِنَ الْمَنَازِلِ".

ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، قَالَ مُحَمَّدٌ -يَعْنِي الْبُخَارِيَّ-: أَبُو صَالِحٍ مَوْلَى عُثْمَانَ اسْمُهُ بُرْكان [[في جـ، أ: "تركان".]] وَذَكَرَ غَيْرُ التِّرْمِذِيِّ أَنَّ اسْمَهُ الْحَارِثُ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ [[سنن الترمذي برقم (١٦٦٧) ورواه النسائي في السنن (٦/٣٩) .]] وَهَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ لَهِيعة وَعِنْدَهُ زِيَادَةٌ فِي آخِرِهِ فَقَالَ -يَعْنِي عُثْمَانَ-: فَلْيُرَابِطِ امْرُؤٌ كَيْفَ شَاءَ، هَلْ بَلَّغْتُ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ [[المسند (١/٦٢) .]] .

حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدر قَالَ: مَرَّ سَلْمان الْفَارِسِيُّ بشُرَحْبِيل بْنِ السِّمْط، وَهُوَ فِي مُرَابَط لَهُ، وَقَدْ شَق عَلَيْهِ وَعَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أَفَلَا [[في جـ: "ألا".]] أُحَدِّثُكَ -يَا ابْنَ السِّمْطِ-بِحَدِيثٍ سمعتُه مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: سمعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "رِبَاط يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ -أَوْ قَالَ: خَيْرٌ-مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَمَنْ مَاتَ فِيهِ وُقي فِتْنَة الْقَبْرِ، ونَمَا لَهُ عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ".

تَفَرَّدَ بِهِ التِّرْمِذِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ [[سنن الترمذي برقم (١٦٦٥) .]] . وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ زِيَادَةٌ: وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِمُتَّصِلٍ، وَابْنُ الْمُنْكَدِرِ لَمْ يُدْرِكْ سَلْمَانَ.

قُلْتُ: الظَّاهِرُ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُنْكَدِرِ سَمِعَهُ مِنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمط وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ مَكْحُولٍ وَأَبِي عُبيدة بنُ عُقْبَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ -وَلَهُ صُحْبَةٌ-عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "رِباطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ، وأجرِي عَلَيْهِ رزقُه، وَأَمِنَ الفَتَّان" وَقَدْ تَقَدَّمَ [[في جـ: "قدم".]] سِيَاقُ مُسْلِمٍ بِمُفْرَدِهِ [[صحيح مسلم برقم (١٩١٣) وسنن النسائي (٣٩١٦) .]] .

حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ ابْنُ مَاجَهْ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَمُرة، حَدَّثَنَا [[في جـ: "قال: حدثنا".]] مُحَمَّدُ بْنُ يَعْلى السُّلَمي، حَدَّثَنَا عُمَر بْنُ صُبَيْح، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرو، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لربَاط يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، مِنْ وَرَاءِ عَوْرَة الْمُسْلِمِينَ مُحْتَسبًا، مِنْ غَيْرِ شَهْرِ رَمَضَانَ، أعظمُ أَجْرًا مِنْ عِبَادَةِ مِائَةِ سَنَةٍ، صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا. ورباطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، مِنْ وَرَاءِ عَوْرَةِ الْمُسْلِمِينَ مُحْتَسِبًا، مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَعْظَمُ أَجْرًا -أَرَاهُ قَالَ-: مِنْ عِبَادَةِ أَلْفِ سَنَةٍ صِيَامِهَا، وَقِيَامِهَا فَإِنْ رَدَّهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى أَهْلِهِ سَالِمًا، لَمْ تُكْتَبْ [[في جـ: "يكتب".]] عَلَيْهِ سَيِّئَةُ أَلْفِ سَنَةٍ، وَتُكْتَبُ لَهُ الْحَسَنَاتُ، ويُجْرَى لَهُ أَجْرُ الرِّبَاطِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ".

هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، بَلْ مُنْكَرٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وعُمَر بْنُ صُبَيْح مُتَّهم [[سنن ابن ماجة برقم (٢٧٦٨) .]] .

حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ ابْنُ مَاجَهْ: حَدثنا عِيسَى بْنُ يُونُسَ الرمْلي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعيب بْنِ شَابُورَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أَبِي طَوِيلٍ، سمعتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "حَرْسُ لَيْلَةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِنْ صِيَامِ رَجُل وَقِيَامِهِ فِي أَهْلِهِ أَلْفَ سَنَةٍ: السَّنَةُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ [[في جـ، ر، أ: "وستين".]] يَوْمًا، وَالْيَوْمُ [[في جـ، ر: "يوم اليوم".]] كَأَلْفِ سَنَةٍ".

وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ أَيْضًا [[سنن ابن ماجة برقم (٢٧٧٠) .]] وَسَعِيدُ بْنُ خَالِدٍ هَذَا ضَعَّفَه أَبُو زُرْعَة وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ، وَقَالَ الْعُقَيْلِيُّ: لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: لَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ. وَقَالَ الْحَاكِمُ: رَوَى عَنْ أَنَسٍ أَحَادِيثَ مَوْضُوعَةً.

حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ ابْنُ مَاجَهْ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاح، أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ مُحَمَّد بْنِ زائدَةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "رَحِمَ اللَّهُ حَارِسَ الْحَرَسِ" [[سنن ابن ماجة برقم (٢٧٦٩) وقال البوصيري في الزوائد (٢/٣٩٤) : "هذا إسناد ضعيف. صالح بن محمد ضعفه ابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم والبخاري وأبو داود والنسائي وابن عدي وغيرهم".]] .

فِيهِ انْقِطَاعٌ بَيْنَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، فَإِنَّهُ لَمْ يُدْرِكْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ -يَعْنِي ابْنَ سَلَّامٍ عَنْ زَيْدٍ-يَعْنِي ابْنَ سَلَّامٍ-أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي السَّلُولِيُّ: أَنَّهُ حَدَّثَهُ سَهْلُ ابْنُ الْحَنْظَلِيَّةِ [[في ر: "الحنطلية".]] أَنَّهُمْ سَارُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنين، فَأَطْنَبُوا السَّيْرَ حَتَّى كَانَتْ عَشِيّة، فَحَضَرْتُ الصَّلَاةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَارِسٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي انْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ حَتَّى طَلَعْتُ جَبَلَ كَذَا وَكَذَا، فَإِذَا أَنَا بهُوازن عَلَى بَكْرَة أَبِيهِمْ بظُعنهم ونَعَمِهم وشَائِهم [[في ر، أ: "وشياههم".]] اجْتَمَعُوا إِلَى حُنَيْنٍ، فَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَالَ: "تِلْكَ غَنِيمَة الْمُسْلِمِينَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ [تَعَالَى [[زيادة من جـ، أ.]] ] ". ثُمَّ قَالَ: "مَنْ يَحْرُسُنَا اللَّيْلَةَ؟ " قَالَ أَنَسُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ [[في جـ، أ، و: "قال".]] فَارْكَبْ" فَرَكِبَ فَرَسًا لَهُ، فَجَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم، فقال له رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اسْتَقْبِل هَذَا الشِّعْب حَتَّى تَكُونَ فِي أَعْلَاهُ وَلَا يَغَرَّن [[في جـ، أ، و: "تغرن".]] مِنْ قِبَلِك اللَّيْلَةَ" فَلَمَّا أَصْبَحْنَا خرَج رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى مُصَلاه فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ: "هَلْ أَحْسَسْتُمْ فَارِسَكُمْ؟ " قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَحْسَسْنَاهُ، فثُوِّب بِالصَّلَاةِ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ، وَهُوَ يُصَلِّي يَلْتَفِتُ إِلَى الشِّعْبِ، حَتَّى إِذَا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ: "أبْشِرُوا فَقَدْ جَاءَكُمْ فَارِسُكُمْ" فَجَعَلْنَا نَنْظُرُ إِلَى خِلال الشَّجَرِ فِي الشِّعْبِ، فَإِذَا هُوَ قَدْ جَاءَ، حَتَّى وَقَفَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي انْطَلَقْتُ حَتَّى كُنْتُ فِي أَعْلَى هَذَا الشِّعْبِ حَيْثُ رَسُولُ اللَّهِ [[في جـ، ر، أ: "حيث أمرني رسول الله".]] ﷺ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ طَلَعْتُ الشِّعْبَيْنِ كِلَيْهِمَا، فَنَظَرْتُ فَلَمْ أَرَ أَحَدًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "هل نَزَلْتَ اللَّيْلَةَ؟ " قَالَ: لَا إِلَّا مُصَلِّيًا أَوْ قَاضِيًا حَاجَةً، فَقَالَ لَهُ: "أوْجَبْتَ، فَلَا عَلَيْكَ أَلَّا تَعْمَلَ بَعْدَهَا".

وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ الْحَرَّانِيِّ، عَنْ أَبِي تَوْبَةَ وَهُوَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ بِهِ [[سنن أبي داود برقم (٢٥٠١) والنسائي في السنن الكبرى برقم (٨٨٧٠) .]] .

حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحُبَاب: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شُرَيح، سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ شُمَير [[في جـ، ر: "سمير".]] الرُّعَيْني يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا عَامِرٍ التَّجِيبي. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: وَقَالَ غَيْرُ زَيْدٍ: أَبَا عَلِيٍّ الجَنْبِي [[في جـ، ر، و: "الحنفي".]] يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا رَيْحَانَةَ يَقُولُ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ، فَأَتَيْنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ إِلَى شَرَف فَبتْنَا عَلَيْهِ، فَأَصَابَنَا بَرْدٌ شَدِيدٌ، حَتَّى رأيتُ مَنْ يَحْفِرُ فِي الْأَرْضِ حُفْرَةً، يَدْخُلُ فِيهَا وَيُلْقِي عَلَيْهِ الجَحْفَة -يَعني التِّرس-فَلِمَا رَأَى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن النَّاسِ نَادَى: "مَنْ يَحْرُسُنا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ فَأَدْعُوَ لَهُ بِدُعَاءٍ يَكُونُ لَهُ فِيهِ فَضْلٌ؟ " فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: "ادْنُ" فَدَنَا، فَقَالَ: "مَنْ أَنْتَ؟ " فَتَسَمَّى لَهُ الْأَنْصَارِيُّ، فَفَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالدُّعَاءِ، فَأَكْثَرَ مِنْهُ. فَقَالَ [[في جـ، ر، أ، و: "قال".]] أَبُو رَيْحَانَةَ: فَلَمَّا سَمِعْتُ مَا دَعَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُلْتُ [[في جـ، ر: "فقلت".]] أَنَا رَجُلٌ آخَرُ. فَقَالَ: "ادْنُ". فَدَنَوْتُ. فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: فَقُلْتُ: أَنَا أَبُو رَيْحَانَةَ. فَدَعَا بِدُعَاءٍ هُوَ دُونَ مَا دَعَا لِلْأَنْصَارِيِّ، ثُمَّ قَالَ: "حُرِّمَت النَّارُ عَلَى عَيْنٍ دَمِعَت -أَوْ بَكَتْ-مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَحُرِّمَتِ النَّارُ عَلَى عَيْنٍ سَهِرَتْ فِي سَبِيل اللَّهِ".

وَرَوَى النَّسَائِيُّ مِنْهُ: "حُرِّمَتِ النَّارُ ... " إِلَى آخِرِهِ عَنْ عِصْمَة بْنِ الْفَضْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ بِهِ، وَعَنِ الْحَارِثِ بْنِ مِسْكِينٍ، عَنِ ابْنِ وَهْب، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شُرَيح، بِهِ، وَأَتَمَّ، وَقَالَ فِي الرِّوَايَتَيْنِ: عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْجَنْبِيِّ [[في أ، و: "التجيبي".]] [[المسند (٤/١٣٤) وسنن النسائي (٥/١٥) .]] .

حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الجَهْضَمِيّ، حَدَّثَنَا بِشْر بْنُ عُمَر، حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ رزَيق أَبُو شَيْبة، حَدَّثَنَا عطَاء الْخُرَاسَانِيُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاح، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "عَيْنان لَا تَمَسُّهما النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَعَيْنٌ باتت تَحْرُسُ في سبيل الله".

ثُمَّ قَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ شُعَيب بْنِ رُزَيق [[في أ: "زريق".]] قَالَ: وَفِي الْبَابِ عَنْ عُثْمَانَ وَأَبِي رَيْحَانَةَ [[سنن الترمذي برقم (١٦٣٩) .]] قُلْتُ: وَقَدْ تَقَدَّمَا، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.

حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ غَيْلان، حَدَّثَنَا رِشْدين، عن زَبّان [[في ر: "رثان".]] عن سهل بن معاذ عَنْ أَبِيهِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " مَنْ حَرَس مِنْ وَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مُتَطَوِّعًا لَا بِأُجْرَةِ سُلْطَانٍ، لَمْ يَرَ النَّارَ بِعَيْنَيْهِ إِلَّا تَحِلَّة القَسَم، فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا﴾ [مَرْيَمَ:٧١] .

تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ [[المسند (٣/٤٣٧) .]] رَحِمَهُ اللَّهُ [تَعَالَى] [[زيادة من ر.]] .

حَدِيثٌ آخَرُ: رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: " تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَم وَعَبْدُ الخَميصة، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِط، تَعس وانتكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَش [[في ر: "انتفش".]] طُوبَى لعَبدٍ آخذٍ بِعِنَانِ فَرَسه فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أشعثَ رأسُهُ، مُغَبَّرةٍ قَدَمَاهُ، إِنْ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقة كَانَ فِي السَّاقَةِ، إِنِ اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، وَإِنْ شَفَع لَمْ يُشفَّعْ" [[صحيح البخاري برقم (٢٨٨٦) .]] .

فَهَذَا مَا تَيَسَّر إِيرَادُهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَذَا الْمَقَامِ، وَلِلَّهِ الحمدُ عَلَى جَزِيلِ الْإِنْعَامِ، عَلَى تَعَاقُبِ الْأَعْوَامِ وَالْأَيَّامِ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي المُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُطَرِّف بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَدَنِيُّ [[في ر: "المديني".]] حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: كَتَبَ أَبُو عُبَيْدَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَذْكُرُ لَهُ جُمُوعًا مِنَ الرُّومِ وَمَا يَتَخَوَّفُ مِنْهُمْ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ مَهْمَا يَنزلْ بِعَبْدٍ مُؤْمِنٍ مِنْ مَنزلة شِدَّةٍ يَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَهَا فَرَجَا، وَإِنَّهُ لَنْ يَغْلِبَ عُسْر يُسْرَيْنِ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [[تفسير الطبري (٧/٥٠٣) ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٣٠٠) من طريق زيد بن أسلم به وقال: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي.]] .

وَقَدْ رَوَى الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ [[انظر: مخنصر تاريخ دمشق لابن منظور (١٤/٢٢) .]] مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي سُكَيْنَةَ قَالَ: أَمْلَى عَلَيَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ هذه الأبيات بطرسوس، وودعته للخروج، وأنشدها مَعِي إِلَى الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ فِي سَنَةِ سَبْعِينَ وَمِائَةٍ، وَفِي رِوَايَةٍ: سَنَةَ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ: يَا عابدَ الْحَرَمَيْنِ لَوْ أبْصَرْتَنا ... لَعَلمْتَ أنكَ فِي العبادِة تلعبُ ...

مَنْ كَانَ يَخْضِبُ خدَّه بدموعِه ... فَنُحورنا بِدِمَائِنَا تَتَخضَّب ...

أَوْ كَانَ يُتْعِبُ خَيْلَه فِي باطلٍ ... فخُيولنا يومَ الصبِيحة تَتْعبُ ...

ريحُ العبيرِ لَكُمْ ونحنُ عبيرُنا ... وَهجُ السنابِك والغبارُ الأطيبُ ...

ولَقَد أَتَانَا مِنْ مَقَالِ نَبِيِّنَا ... قَوْلٌ صَحيح صَادِقٌ لَا يَكْذبُ ...

لَا يَسْتَوِي وَغُبَارَ خَيْلِ اللَّهِ فِي ... أَنْفِ امْرِئٍ ودخانَ نَارٍ تَلْهَبُ ...

هَذَا كِتَابُ اللَّهِ يَنْطق بَيْنَنَا ... لَيْسَ الشهيدُ بمَيِّت لَا يَكْذبُ ...

قَالَ: فَلَقِيتُ الفُضيل بْنَ عِيَاضٍ بِكِتَابِهِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَلَمَّا قَرَأَهُ ذَرِفَتْ عَيْنَاهُ وَقَالَ: صَدَق أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَنَصَحَنِي، ثُمَّ قَالَ: أَنْتَ مِمَّنْ يَكْتُبُ الْحَدِيثَ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ: فَاكْتُبْ هَذَا الْحَدِيثَ كرَاءَ حَمْلِكَ كِتَابَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِلَيْنَا. وَأَمْلَى عَلَيّ الفُضيل بْنُ عِيَاضٍ: حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلمني عَمَلًا أَنَالُ بِهِ ثَوَابَ الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَالَ: " هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُصَلِّي فَلَا تَفْتُر وتصومَ فَلَا تُفْطِر؟ " فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا أضْعَفُ مِنْ أَنْ أَسْتَطِيعَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: " فَوالَّذي نَفْسِي بِيَدِه لَوْ طُوقْتَ ذَلِكَ مَا بلغتَ الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوَمَا عَلمتَ أَنَّ الْفَرَسَ الْمُجَاهِدَ ليَسْتَنُّ فِي طِوَله فَيُكْتَبُ لَهُ بِذَلِكَ الْحَسَنَاتُ" [[رواه أحمد في المسند (٥/٢٣٦) .]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أَيْ: فِي جَمِيعِ أُمُورِكُمْ وَأَحْوَالِكُمْ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِمُعَاذِ [بْنِ جَبَلٍ] [[زيادة من أ.]] [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [[زيادة من و.]] حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ: " اتَّق اللَّهَ حَيْثُما كُنْتَ وأتْبع السيئَة الْحَسَنَةَ تَمْحُها وَخَالِقِ النَّاسَ بخُلق حَسَنٍ ".

﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أَيْ: فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَنْبَأَنَا أَبُو [[في أ: "ابن".]] صَخْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظي: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ وَاتَّقُوا اللَّهَ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ غَدًا إِذَا لَقِيتُمُونِي.

آخَرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، نَسْأَلُهُ الْمَوْتَ على الكتاب والسنة.

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: معنى ذلك:"اصبروا على دينكم وصابروا الكفار ورَابطوهم".

ذكر من قال ذلك:

٨٣٨٦ - حدثنا المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن المبارك بن فضالة، عن الحسن: أنه سمعه يقول في قول الله:"يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا"، قال: أمرهم أن يصبروا على دينهم، ولا يدعوه لشدة ولا رخاء ولا سَرَّاء ولا ضراء، وأمرهم أن يُصابروا الكفار، وأن يُرابطوا المشركين.

٨٣٨٧ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:"يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا"، أي: اصبروا على طاعة الله، وصابروا أهل الضلالة، ورابطوا في سبيل الله="واتقوا الله لعلكم تفلحون".

٨٣٨٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله:"اصبروا وصابروا ورابطوا"، يقول: صابروا المشركين، ورابطوا في سبيل الله.

٨٣٨٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: اصبروا على الطاعة، وصابروا أعداء الله، ورابطوا في سبيل الله.

٨٣٩٠ - حدثني يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله:"اصبروا وصابروا ورابطوا"، قال: اصبروا على ما أمرتم به، وصابروا العدو ورابطوهم.

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: اصبروا على دينكم، وصابروا وَعدي إياكم على طاعتكم لي، ورَابطوا أعداءكم.

ذكر من قال ذلك:

٨٣٩١ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني أبو صخر، عن محمد بن كعب القرظي: أنه كان يقول في هذه الآية:"اصبروا وصابروا ورابطوا"، يقول: اصبروا على دينكم، وصابروا الوعد الذي وعدتكم، ورابطوا عدوِّي وعدوَّكم، حتى يترك دينه لدينكم. [[الأثر: ٨٣٩١ -"أبو صخر" هو: حميد بن زياد بن أبي المخارق، أبو صخر الخراط، صاحب العباء، سكن مصر. ذكره ابن حبان في الثقات. مترجم في التهذيب.]]

* *

وقال آخرون: معنى ذلك: اصبروا على الجهاد، وصابروا عدوكم ورابطوهم.

ذكر من قال ذلك:

٨٣٩٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا جعفر بن عون قال، أخبرنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم في قوله:"اصبروا وصابروا ورابطوا"، قال: اصبروا على الجهاد، وصابروا عدوَّكم، ورابطوا على عدوكم.

٨٣٩٣ - حدثني المثنى قال، حدثنا مطرف بن عبد الله المدنّي قال، حدثنا مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم قال: كتب أبو عبيدة بن الجراح إلى عمر بن الخطاب، فذكر له جموعًا من الروم وما يتخوَّف منهم، فكتب إليه عمر:"أما بعد، فإنه مهما نزل بعبد مؤمن من منزلة شدة، يجعل الله بعدها فرجًا، وإنه لن يغلب عُسر يسرين، وإن الله يقول في كتابه:"يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورَابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون". [[الأثر: ٨٣٩٣ -"مطرف بن عبد الله بن مطرف بن سليمان الهلالي، المدني، مولى ميمونة أم المؤمنين، وأمه أخت مالك بن أنس، روى عن خاله مالك بن أنس، وابن أبي ذئب، وعبد الله بن عمر العمري، وغيرهم. روى عنه البخاري والترمذي، عن محمد بن أبي الحسن عنه وابن ماجه، عن الذهلي عنه، والربيع المرادي، وأبو حاتم، وأبو زرعة وآخرون. قال أبو حاتم: "مضطرب الحديث صدوق". وقال= ابن سعد"كان ثقة، وبه صمم". مترجم في التهذيب، والكبير ٤ / ١ / ٣٩٧، والجرح ٤ / ١ / ٣١٥. وكان في المطبوعة: "المرى"، وفي المخطوطة مثلها، وتقرأ"المزني" والصواب"المدني" أو "المديني" في نسبه كما جاء في المراجع، وابن كثير ٢: ٣٣٧.

وفي ابن كثير ٢: ٣٣٧: "مهما ينزل بعبد مؤمن من منزلة شدة"، وفي الدر المنثور ٢: ١١٤"مهما ينزل بعبد مؤمن من شدة"، وفي المطبوعة والمخطوطة: "مهما نزل بعبد مؤمن منزلة شدة"، بحذف"من" والصواب إثباتها.

ومن الأخطاء الشائعة أن يقال إن"مهما" لا تدخل على الماضي، وقد وردت في الآثار والأخبار والأشعار، من ذلك قول أبي هريرة للفرزدق: "مهما فعلت فقنطك الناس فلا تقنط من رحمة الله" (الكامل ١: ٧٠) وقول الأسود بن يعفر (نوادر أبي زيد: ١٥٩) : أَلا هَلْ لِهَذَا الدَّهْرِ مِنْ مُتَعَلَّلِ ... سِوَى النَّاسِ، مَهْمَا شَاءَ بِالنَّاسِ يَفْعَلِ

وهذا الأثر رواه الحاكم مطولا في المستدرك ٢: ٣٠٠ بإسناده قال:

"أخبرنا أبو العباس السباريّ، حدثنا عبد الله بن علي، حدثنا عبد الله بن المبارك، أنبأنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أنه بلغه أن أبا عبيدة حُصِر بالشأم، وقد تألّبَ عليه القوم، فكتب إليه عمر: "سلام الله عليك، أمّا بعد، فإنه ما ينزلْ بعبد مؤمن من منزلة شدة، إلا يجعل الله له بعدها فرجًا، ولن يغلب عُسْرٌ يُسْرين، (يَأَيُّهَا الذِّينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصَابِرُوا ورَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) .

فكتب إليه أبو عبيدة: "سلامٌ عليك، أما بعد، فإن الله يقول في كتابه: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ والأوْلادِ) - إلى آخرها".

قال: فخرج عمر بكتابه، فقعد على المنبر، فقرأ على أهل المدينة ثم قال: يا أهْل المدينة، إِنما يعرّضُ بكم أبو عبيدة: أَنِ ارغبوا في الجهادِ".

قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي.]]

* *

وقال آخرون: معنى:"ورابطوا"، أي: رابطوا على الصلوات، أي: انتظروها واحدة بعد واحدة.

ذكر من قال ذلك:

٨٣٩٤ - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير قال، حدثني داود بن صالح قال، قال لي أبو سلمة بن عبد الرحمن: يا ابن أخي، هل تدري في أي شيء نزلت هذه الآية:"اصبروا وصابروا ورابطوا"؟ قال قلت: لا! قال: إنه يا ابن أخي لم يكن في زمان النبي ﷺ غزو يُرَابَطُ فيه، ولكنه انتظار الصلاة خلف الصلاة. [[الأثر: ٨٣٩٤ -"مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير"، مضت ترجمته برقم: ٦٤٥٦. و"داود بن صالح التمار المدني"،. روى عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، والقاسم، وسالم، وأبي سلمة. قال أحمد: "لا أعلم به بأسًا"، وذكره ابن حبان في الثقات، مترجم في التهذيب. و"أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف" من التابعين، روى عن خلق من الصحابة والتابعين. كان ثقة فقيها كثير الحديث.

والأثر خرجه ابن كثير في تفسيره ٢: ٣٣٢، وذكر سياق ابن مردويه له (٢: ٣٣١) من طريق"محمد بن أحمد، حدثنا موسى بن إسحاق، حدثنا أبو جحيفة علي بن يزيد الكوفي، أنبأنا ابن أبي كريمة، عن محمد بن يزيد، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: أقبل على أبو هريرة يومًا فقال: أتدري يا ابن أخي فيم نزلت هذه الآية"، وساق الخبر بغير هذا اللفظ.

ورواه الحاكم في المستدرك ٢: ٣٠١ من طريق سعيد بن منصور، عن ابن المبارك، بمثل رواية الطبري، إلا أنه قال في جواب السؤال: "قال: قلت: لا. قال: يا ابن أخي إني سمعت أبا هريرة يقول: لم يكن في زمان النبي ... " بلفظه.

وكذلك خرجه السيوطي في الدر المنثور ٢: ١١٣، ونسبه لابن المبارك وابن المنذر، والحاكم، وصححه، والبيهقي في شعب الإيمان.

وفي جميع هذه المواضع: "انتظار الصلاة بعد الصلاة"، والثابت في المخطوطة"خلف الصلاة"، وكان الكاتب قد كتب فيها"بعد" ثم جعل الباء والعين خاء، ومد الدال وعقد عليها فاء، فالظاهر أنه كتبها كما كان يحفظها، ثم استدرك، لأنه رأى في النسخة التي كتب عنها"خلف".]]

٨٣٩٥ - حدثني أبو السائب قال، حدثنا ابن فضيل، عن عبد الله بن سعيد المقبري، عن جده، عن شرحبيل، عن علي قال: قال رسول الله ﷺ: ألا أدلكم على ما يكفر الله به الذنوب والخطايا؟ إسباغ الوضوء على المكاره، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلك الرباط". [[الحديث: ٨٣٩٥ - أبو السائب: هو سلم بن جنادة. وابن فضيل: هو محمد بن فضيل بن غزوان.

عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري: ضعيف جدا، رمي بالكذب. وقد مضى في: ٧٨٥٥.

شرحبيل: لست أدري من هو؟ والإسناد ضعيف من أجل عبد الله بن سعيد، كما ترى.

ولو صح هذا الإسناد لظننت أنه"شرحبيل بن السمط الكندى"، من كبار التابعين، مختلف في صحبته. وهو معاصر لعلي. ومن المحتمل أن يروي عنه أبو سعيد المقبري، الذي يروي عن علي مباشرة.

والحديث نقله ابن كثير ٢: ٣٣٢، عن هذا الموضع. ولم ينسبه لغير الطبري. وأشار إليه السيوطي ٢: ١١٤، بعد حديث جابر، الآتي بعد هذا، فقال: "وأخرج ابن جرير عن علي مثله".

ومعنى الحديث ثابت عن علي، من وجه آخر صحيح. ولكن ليس فيه قوله: "فذلك الرباط" - ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٢: ٣٦، وقال: "رواه أبو يعلى، والبزار، ورجاله رجال الصحيح".

وذكره المنذري في الترغيب والترهيب ١: ٩٧، وقال: "رواه أبو يعلى والبزار بإسناد صحيح. والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم".]]

٨٣٩٦ - حدثنا موسى بن سهل الرملي قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا محمد بن مهاجر قال، حدثني يحيى بن يزيد، عن زيد بن أبي أنيسة، عن شرحبيل، عن جابر بن عبد الله قال، قال رسول الله ﷺ: ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويكفِّر به الذنوب؟ " قال: قلنا: بلى يا رسول الله! قال: إسباغ الوضوء في أماكنها، وكثرة الخطَا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط. [[الحديث: ٨٣٩٦ - محمد بن مهاجر بن أبي مسلم، الأنصاري الشامي: ثقة، وثقه أحمد، وابن معين، وغيرهما. مترجم في التهذيب. والكبير للبخاري ١ / ١ / ٢٢٩، وابن أبي حاتم ٤ / ١ / ٩١.

يحيى بن يزيد الجزري، أبو شيبة الرهاوي: قال البخاري في الكبير ٤ / ٢ / ٣١٠: "لم يصح حديثه" وذكره في الضعفاء أيضا، ص: ٣٧، وقال مثل ذلك. وقال ابن أبي حاتم ٤ / ٢ / ١٩٨، عن أبيه: "ليس به بأس، أدخله البخاري في كتاب الضعفاء، يحول من هناك".

فمثل هذا حديثه حسن. ثم هو لم ينفرد براوية هذا الحديث، كما سنذكر في التخريج، إن شاء الله.

زيد بن أبي أنيسة الجزري الرهاوي: ثقة، وثقه ابن معين وغيره. قال ابن سعد ٧ / ٢ / ١٨٠: "كان ثقة كثير الحديث، فقيها راوية للعلم". أخرج له الجماعة كلهم.

شرحبيل -هنا-: هو ابن سعد الخطمي المدني مولى الأنصار. مختلف فيه، والحق أنه ثقة. إلا أنه اختلط في آخر عمره، إذ جاوز المئة. وقد فصلنا القول فيه في شرح المسند: ٢١٠٤، وأخرج له ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما. مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ٢ / ٢ / ٢٥٢، ولم يذكر فيه جرحًا، وابن سعد ٥: ٢٢٨، وابن أبي حاتم ٢ / ١ / ٣٣٨- ٣٣٩.

وقد بين ابن حبان في صحيحه، في رواية هذا الحديث، أنه شرحبيل بن سعد.

والحديث رواه ابن حبان في صحيحه (٢: ٣٣٠ من مخطوطة الإحسان) ، من طريق أبي عبد الرحيم، عن زيد بن أبي أنيسة، عن شرحبيل بن سعد، عن جابر، به.

وأبو عبد الرحيم: هو خالد بن أبي يزيد الحراني، وهو ثقة، وثقه ابن معين وغيره. فروايته متابعة صحيحة، توثق رواية يحيى بن يزيد، التي هنا، وتؤيدها.

والحديث نقله ابن كثير ٢: ٣٣٢، عن رواية الطبري هذه.

وذكره المنذري في الترغيب والترهيب ١: ١٦٠- ١٦١، عن رواية ابن حبان في صحيحه، وأشار إليه أيضا قبل ذلك، ص: ١٢٨.

وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٢: ٣٧، ونسبه للبزار، وذكر أن"في إسناده شرحبيل بن سعد، وهو ضعيف عند الجمهور، وذكره ابن حبان في الثقات، وأخرج له في صحيحه هذا الحديث".

وذكره السيوطي ٢: ١١٤، ونسبه لابن جرير، وابن حبان.]]

٨٣٩٧ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا خالد بن مخلد قال، حدثنا محمد بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: ألا أدلكم على ما يحطُّ الله به الخطايا ويَرفع به الدرجات؟ " قالوا: بلى يا رسول الله! قال: إسباغ الوضوء عند المكاره، وكثرة الخُطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرِّباط، فذلكم الرباط". [[الحديث: ٨٣٩٧ - خالد بن مخلد: هو القطواني. ومحمد بن جعفر: هو ابن أبي كثير. وقد مضى مثل هذا الإسناد في حديث آخر: ٢٢٠٦.

والحديث رواه أحمد في المسند: ٧٢٠٨، من طريق شعبة، عن العلاء، عن أبيه، دون كلمة"فذلك" الرباط".

ورواه أحمد أيضا: ٧٧٥١، مع هذه الكلمة - من طريق مالك عن العلاء.

ثم رواه ثالثًا: ٨٠٠٨، (ج٢ ص٣٠٣ حلبي) ، من طريق مالك أيضًا. وفي آخره: "فذلكم الرباط" - ثلاث مرات.

وهو بهذا اللفظ، في الموطأ، ص: ١٦١.

وكذلك رواه النسائي ١: ٣٤، من طريق مالك.

وكذلك رواه ابن حبان في صحيحه (٢: ٣٢٩- ٣٣٠ من مخطوطة الإحسان) ، من طريق مالك.

ونقله ابن كثير ٢: ٣٣١، من رواية ابن أبي حاتم، من حديث مالك، كرواية الموطأ.

ورواه مسلم ١: ٨٦، من طريق مالك، ومن طريق شعبة. وذكر أن رواية مالك -عنده-"فذلكم الرباط" مرتين.

وذكره المنذري في الترغيب والترهيب ١: ٩٧، ١٢٨، ونسبه لمالك، ومسلم، والترمذي، والنسائي.

وذكره السيوطي ٢: ١١٤، وزاد نسبته للشافعي، وعبد الرزاق.

وانظر الإسناد التالي لهذا.]]

٨٣٩٨ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، بنحوه. [[الحديث: ٨٣٩٨ - القاسم: هو ابن الحسن، والحسين: هو ابن داود المصيصي، ولقبه"سنيد".

وهذا الإسناد"القاسم، عن الحسين" يدور عند الطبري كثيرًا، في التفسير والتاريخ، فما مضى منه في التفسير: ١٤٤، ١٦٥، ١٦٨٨. وفي التاريخ -مثلا- ١: ٢١، ٤١.

أما "سنيد" فقد ترجمنا له في: ١٤٤، ١٦٨٨.

وأما "القاسم بن الحسن" - شيخ الطبري: فلم أجد له ترجمة. ولكن في تاريخ بغداد ١٢: ٤٣٢- ٤٣٣ ترجمة"القاسم بن الحسن بن يزيد، أبو محمد الهمذاني الصائغ"، المتوفى سنة ٢٧٢. فهذا يصلح أن يكون هو المراد، ولكن لا أطمئن إلى ذلك، ولا أستطيع الجزم به، بل لا أستطيع ترجيحه.

وعسى أن نجد ما يدل على حقيقة هذا الشيخ، في فرصة أخرى، إن شاء الله.

إسماعيل: هو ابن جعفر بن أبي كثير الأنصاري القارئ، وهو ثقة مأمون. مضت الإشارة إليه في شرح: ٦٨٨٤.

وهذا الحديث تكرار لما قبله.

وكذلك رواه مسلم ١: ٨٦، والترمذي. (رقم: ٥١ بشرحنا) = كلاهما من طريق إسماعيل بن جعفر. ورواه الترمذي أيضا: ٥٢، من طريق الدراوردي، عن العلاء. وقال: "حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح".]]

* *

قال أبو جعفر: وأولى التأويلات بتأويل الآية، قول من قال في ذلك:"يا أيها الذين آمنوا"، يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله،="اصبروا" على دينكم وطاعة ربكم. وذلك أنّ الله لم يخصص من معاني"الصبر" على الدين والطاعة شيئًا، فيجوز إخراجه من ظاهر التنزيل. فلذلك قلنا إنه عني بقوله:"اصبروا"، الأمرَ بالصبر على جميع معاني طاعة الله فيما أمر ونهى، صعبها وشديدها، وسهلها وخفيفها. [[انظر تفسير"الصبر" فيما سلف ٢: ١١، ١٢٤ / ٣: ٢١٤، ٣٤٩ / ٥: ٣٥٢ / ٦: ٢٦٤ / ٧: ١٨١.]]

="وصابروا"، يعني: وصابروا أعداءكم من المشركين.

* *

وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن المعروف من كلام العرب في"المفاعلة" أن تكون من فريقين، أو اثنين فصاعدًا، ولا تكون من واحد إلا قليلا في أحرف معدودة. فإذْ كان ذلك كذلك، فإنما أمر المؤمنون أن يصابروا غيرهم من أعدائهم، حتى يظفرهم الله بهم، ويعلي كلمته، ويخزي أعداءهم، وأن لا يكون عدوُّهم أصبر منهم. [[في المطبوعة: "وإلا يكن عددهم"، وهو خطأ، صوابه من المخطوطة.]]

* *

وكذلك قوله:"ورابطوا"، معناه: ورابطوا أعداءكم وأعداء دينكم من أهل الشرك، في سبيل الله.

* *

قال أبو جعفر: ورأى أن أصل"الرباط"، ارتباط الخيل للعدوّ، كما ارتبط عدوهم لهم خيلهم، [[في المخطوطة: "كما ارتبط عددهم لهم حملهم"، ولعل صواب قراءتها"جيادهم"، ولكني تركت ما في المطبوعة على حاله، فهو صواب حسن.]] ثم استعمل ذلك في كل مقيم في ثغر يدفع عمن وراءه من أراده من أعدائهم بسوء، ويحمي عنهم من بينه وبينهم ممن بغاهم بشر، كان ذا خيل قد ارتبطها، أو ذا رَجْلة لا مركب له. [["الرجلة" (بضم الراء وسكون الجيم) : المشي راجلا غير راكب.]]

* *

وإنما قلنا معنى:"ورابطوا"، ورابطوا أعداءكم وأعداء دينكم، لأن ذلك هو المعنى المعروف من معاني"الرباط". وإنما يوجه الكلام إلى الأغلب المعروف في استعمال الناس من معانيه، دون الخفي، حتى تأتي بخلاف ذلك مما يوجب صرفه إلى الخفي من معانيه= حجة يجب التسليم لها من كتاب، أو خبر عن الرسول ﷺ، أو إجماع من أهل التأويل. [[قوله: "حجة"، فاعل قوله: "حتى تأتي بخلاف ذلك..". وكان في المطبوعة والمخطوطة: "حتى يأتي بخلاف ذلك ما يوجب صرفه ... "، والصواب"مما يوجب" كما أثبتها، وفي المطبوعة أيضا: "إلى الخفي من معاينة"، وهو خطأ ظاهر.]]

* *

القول في تأويل قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠) ﴾

قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره:"واتقوا الله"، أيها المؤمنون، واحذروه أن تخالفوا أمره أو تتقدموا نهيه [[في المطبوعة: "وتتقدموا" بالواو، والصواب من المخطوطة. وقوله: "تتقدموا نهيه" هكذا جاء متعديا، وكأنه أراد: أو تسبقوا نهيه، وسبقهم نهيه. أن يخاطروا بالإسراع إلى المحارم بشهواتهم، قبل أن يردهم نهي الله عن إتيانها.]] ="لعلكم تفلحون"، يقول: لتفلحوا فتبقوا في نعيم الأبد، وتنجحوا في طلباتكم عنده، [[انظر تفسير"لعل" فيما سلف ١: ٣٦٤، ٣٦٥، ومواضع أخرى كثيرة. وانظر تفسير"الفلاح" فيما سلف ١: ٢٤٩، ٢٥٠ / ٣: ٥٦١ / ٧: ٩١.]] كما:-

٨٣٩٩ - حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني أبو صخر، عن محمد بن كعب القرظي: أنه كان يقول في قوله:"واتقوا الله لعلكم تفلحون"، واتقوا الله فيما بيني وبينكم، لعلكم تفلحون غدًا إذا لقيتموني.

* *

آخر تفسير سورة آل عمران. [[عند هذا الموضع، انتهى جزء من التقسيم القديم الذي نقلت عنه نسختنا، وفيها ما نصه:

"يتلوه القول في تفسير السورة التي يذكر فيها النساء.

وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله وصحبه وسلم كثيرا"

ثم يتلوه ما أثبتناه في أول تفسير سورة النساء.]]