سورة القرآن surah-quran.com

سورة آل عمران

سورة آل عمران، الآية 36

الجزء 3، الصفحة 54.

فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّى وَضَعْتُهَآ أُنثَىٰ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلْأُنثَىٰ ۖ وَإِنِّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّىٓ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ ﴿٣٦﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

فلما تمَّ حملها ووضعت مولودها قالت: ربِّ إني وضعتها أنثى لا تصلح للخدمة في «بيت المقدس» -والله أعلم بما وضعَتْ، وسوف يجعل الله لها شأنًا- وقالت: وليس الذكر الذي أردت للخدمة كالأنثى في ذلك؛ لأن الذكر أقوى على الخدمة وأقْوَم بها، وإني سمَّيتها مريم، وإني حصَّنتها بك هي وذريَّتها من الشيطان المطرود من رحمتك.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 33 إلى 55

{33 ـ 55} لله تعالى من عباده أصفياء يصطفيهم ويختارهم ويمن عليهم بالفضائل العالية والنعوت السامية والعلوم النافعة والأعمال الصالحة والخصائص المتنوعة، فذكر هذه البيوت الكبار وما احتوت عليه من كُمَّل الرجال الذين حازوا أوصاف الكمال، وأن الفضل والخير تسلسل في ذراريهم، وشمل ذكورهم ونساءهم وهذا من أجل مننه وأفضل مواقع جوده وكرمه {والله سميع عليم}؛ يعلم من يستحق الفضل والتفضيل فيضع فضله حيث اقتضت حكمته. فلما قرر عظمة هذه البيوت ذكر قصة مريم وابنها عيسى - صلى الله عليه وسلم - وكيف تسلسلا من هذه البيوت الفاضلة، وكيف تنقلت بهما الأحوال من ابتداء أمرهما إلى آخره، وأن امرأة عمران قالت متضرعة إلى ربها متقربة إليه بهذه القربة التي يحبها، التي فيها تعظيم بيته وملازمة طاعته:{إني نذرت لك ما في بطني محرراً}؛ أي خادماً لبيت العبادة المشحون بالمتعبدين {فتقبل مني}؛ هذا العمل أي اجعله مؤسساً على الإيمان والإخلاص مثمراً للخير والثواب {إنك أنت السميع العليم. فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى}؛ كأن في هذا الكلام نوع تضرع منها وانكسار نفس حيث كان نذرها بناءً على أنه يكون ذكراً يحصل منه من القوة والخدمة والقيام بذلك ما يحصل من أهل القوة، والأنثى بخلاف ذلك، فجبر الله قلبها وتقبل الله نذرها، وصارت هذه الأنثى أكمل وأتم من كثير من الذكور، بل من أكثرهم، وحصل بها من المقاصد أعظم مما يحصل بالذكر، ولهذا قال:{فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتاً حسناً}؛ أي: ربيت تربية عجيبة دينية أخلاقية أدبية، كملت بها أحوالها، وصلحت بها أقوالها وأفعالها، ونما فيها كمالها، ويسر الله لها زكريا كافلاً، وهذا من مِنَّةِ الله على العبد أن يجعل من يتولى تربيته من الكاملين المصلحين. ثم إن الله تعالى أكرم مريم وزكريا حيث يسَّر لمريم من الرزق الحاصل بلا كدٍّ ولا تعب، وإنما هو كرامة أكرمها الله به، إذ {كلما دخل عليها زكريا المحراب}؛ وهو محل العبادة وفيه إشارة إلى كثرة صلاتها وملازمتها لمحرابها {وجد عندها رزقاً}؛ هنيئاً معدًّا قال:{أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزقُ من يشاء بغير حساب}؛ فلما رأى زكريا هذه الحال والبر واللطف من الله بها، ذكَّرَه أن يسأل الله تعالى حصول الولد على حين اليأس منه فقال:{رب هَب لي من لَدُنك ذرية طيبة إنك سميعُ الدُّعاء. فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أنَّ الله يبشرك بيحيى مصدقاً بكلمة من الله}؛ اسمه أي: الكلمة التي مِنَ الله عيسى بن مريم فكانت بشارته بهذا النبي الكريم تتضمن البشارة بعيسى بن مريم والتصديق له والشهادة له بالرسالة، فهذه الكلمة من الله كلمة شريفة اختص الله بها عيسى بن مريم، وإلا فهي من جملة كلماته التي أوجد بها المخلوقات، كما قال تعالى:{إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون}. وقوله:{وسيداً وحصوراً}؛ أي: هذا المبَشَّر به وهو يحيى سيد من فضلاء الرسل وكرامهم، والحصور قيل هو الذي لا يولد له ولا شهوة له في النساء، وقيل هو الذي عصم وحفظ من الذنوب والشهوات الضارة، وهذا أليق المعنيين، {ونبياً من الصالحين}؛ الذين بلغوا في الصلاح ذروته العالية، {قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر}؛ فهذان مانعان فمن أي طريق يا رب يحصل لي ذلك مع ما ينافي ذلك {قال كذلك الله يفعل ما يشاء}؛ فإنه كما اقتضت حكمته جريان الأمور بأسبابها المعروفة، فإنه قد يخرق ذلك لأنه الفعَّالُ لما يريد، الذي قد انقادت الأسباب لقدرته، ونفذت فيها مشيئته وإرادته فلا يتعاصى على قدرته شيء من الأسباب ولو بلغت في القوة ما بلغت {قال رب اجعل لي آية}؛ ليحصل السرور والاستبشار وإن كنت يا رب متيقناً ما أخبرتني به ولكن النفس تفرح، ويطمئن القلب إلى مقدمات الرحمة واللطف، {قال آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً}؛ وفي هذه المدة {اذكر ربك كثيراً وسبح بالعشي والإبكار}؛ أول النهار وآخره، فمنع من الكلام في هذه المدة، فكان في هذا مناسبة لحصول الولد من بين الشيخ الكبير والمرأة العاقر، وكونه لا يقدر على مخاطبة الآدميين ولسانه منطلق بذكر الله وتسبيحه آية أخرى، فحينئذ حصل له الفرح والاستبشار، وشكر الله، وأكثر من الذكر والتسبيح بالعشايا والإبكار. وكان هذا المولود من بركات مريم بنت عمران على زكريا، فإن ما منَّ الله به عليها من ذلك الرزق الهني الذي يحصل بغير حساب ذكَّره وهيَّجه على التضرع والسؤال، والله تعالى هو المتفضل بالسبب والمسبب ولكنه يقدر أموراً محبوبة على يد من يحبه ليرفع الله قدره ويُعْظِمَ أجره، ثم عاد تعالى إلى ذكر مريم وأنها بلغت في العبادة والكمال مبلغاً عظيماً فقال تعالى:{وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك}؛ أي: اختارك ووهب لك من الصفات الجليلة والأخلاق الجميلة {وطهرك}؛ من الأخلاق الرذيلة {واصطفاك على نساء العالمين}؛ ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم وخديجة بنت خويلد، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» ، فنادتها الملائكة عن أمر الله لها بذلك لتغتبط بنعم الله وتشكر الله، وتقوم بحقوقه، وتشتغل بخدمته، ولهذا قال الملائكة:{يا مريم اقنتي لربك}؛ أي: أكثري من الطاعة والخضوع والخشوع لربك وأديمي ذلك {واركعي مع الراكعين}؛ أي: صلي مع المصلين فقامت بكل ما أمرت به وبرزت وفاقت في كمالها. ولما كانت هذه القصة وغيرها من أكبر الأدلة على رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - حيث أخبر بها مفصلة محققة لا زيادة فيها ولا نقص، وما ذاك إلا لأنه وحي من الله العزيز الحكيم لا بتعلم من الناس قال تعالى:{ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك، وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم}؛ حيث جاءت بها أمها فاختصموا أيهم يكفلها لأنها بنت إمامهم ومقدمهم، وكلهم يريد الخير والأجر من الله حتى وصلت بهم الخصومة إلى أن اقترعوا عليها فألقوا أقلامهم مقترعين، فأصابت القرعة زكريا رحمة من الله به وبها فأنت ـ يا أيها الرسول ـ لم تحضر تلك الحالة لتعرفها فتقصها على الناس، وإنما الله نبأك بها، وهذا هو المقصود الأعظم من سياق القصص أنه يحصل بها العبرة، وأعظم العبر والاستدلال بها على التوحيد والرسالة والبعث وغيرها من الأصول الكبار {إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين}؛ أي: له الوجاهة والجاه العظيم في الدنيا والآخرة عند الخلق، ومع ذلك فهو عند الله من المقربين الذين هم أقرب الخلائق إلى الله وأعلاهم درجة، وهذه بشارة لا يشبهها شيء من البشارات، ومن تمام هذه البشارة أنه {يكلم الناس في المهد}؛ فيكون تكليمه آية من آيات الله ورحمة منه بأمه وبالخلق، وكذلك يكلمهم {كهلاً}؛ أي: في حال كهولته، وهذا تكليم النبوة والدعوة والإرشاد، فكلامه في المهد فيه آيات وبراهين على صدقه ونبوته وبراءة أمِّه مما يظن بها من الظنون السيئة، وكلامه في كهولته فيه نفعه العظيم للخلق وكونه واسطة بينهم وبين ربهم في وحيه وتبليغ دينه وشرعه، ومع ذلك فهو {من الصالحين}؛ الذين أصلح الله قلوبهم بمعرفته وحبه، وألسنتهم بالثناء عليه وذكره وجوارحهم بطاعته وخدمته {قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر}؛ وهذا هو من الأمور المستغربة {قال كذلك الله يخلق ما يشاء}؛ ليعلم العباد أنه على كل شيء قدير وأنه لا ممانع لإرادته {إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون. ويعلمه الكتاب}؛ أي: جنس الكتب السابقة والحكم بين الناس ويعطيه النبوة ويجعله {رسولاً إلى بني إسرائيل}؛ ويؤيده بالآيات البينات والأدلة القاهرة حيث قال:{أني قد جئتكم بآية من ربكم}؛ تدلكم أني رسول الله حقاً، وذلك {أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله وأبرئ الأكمه}؛ وهو ممسوح العينين الذي فقد بصره وعيناه {والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم، إن في ذلك}؛ المذكور {لآية لكم إن كنتم مؤمنين. ومصدقاً لما بين يدي من التوراة}؛ فأيده الله بجنسين من الآيات والبراهين الخوارق المستغربة التي لا يمكن لغير الأنبياء الإتيان بها، والرسالة والدعوة والدين الذي جاء به وأنه دين التوراة ودين الأنبياء السابقين، وهذا أكبر الأدلة على صدق الصادقين، فإنه لو كان من الكاذبين لخالف ما جاءت به الرسل ولناقضهم في أصولهم وفروعهم، فعلم بذلك أنه رسول الله وأن ما جاء به حق لا ريب فيه، وأيضاً فقوله:{ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم}؛ أي: ولأخفف عنكم بعض الآصار والأغلال {فاتقوا الله وأطيعون. إن الله ربي وربكم فاعبدوه}؛ وهذا ما يدعو إليه جميع الرسل عبادة الله وحده لا شريك له وطاعتهم، وهذا هو الصراط المستقيم الذي من سلكه أوصله إلى جنات النعيم. فحينئذ اختلفت أحزاب بني إسرائيل في عيسى فمنهم من آمن به واتبعه ومنهم من كفر به وكذبه ورمى أمه بالفاحشة كاليهود {فلما أحس عيسى منهم الكفر}؛ والاتفاق على رد دعوته {قال}؛ نادباً لبني إسرائيل على مؤازرته:{من أنصاري إلى الله، قال الحواريون}؛ أي: الأنصار: {نحن أنصار الله آمنَّا بالله واشهد بأنا مسلمون}؛ وهذا من مِنَّةِ الله عليهم وعلى عيسى حيث ألهم هؤلاء الحواريين الإيمان به والانقياد لطاعته والنصرة لرسوله {ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول}؛ وهذا التزام تام للإيمان بكل ما أنزل الله ولطاعة رسوله {فاكتبنا مع الشاهدين}؛ لك بالوحدانية ولنبيك بالرسالة ولدينك بالحق والصدق. وأما من أحسَّ عيسى منهم الكفرَ وهم جمهور بني إسرائيل فإنهم {مكروا}؛ بعيسى {ومكر الله}؛ بهم {والله خير الماكرين}؛ فاتفقوا على قتله وصلبه، وشُبِّهَ لهم شَبَهُ عيسى فقبضوا على من شُبِّهَ لهم به وقال الله لعيسى:{إني متوفيك ورافعك إليَّ ومطهرك من الذين كفروا}؛ فرفعه الله إليه، وطهره من الذين كفروا، وصلبوا من قتلوه، ظانِّين أنه عيسى، وباؤوا بالإثم العظيم. وسينزل عيسى بن مريم في آخر هذه الأمة حكماً عدلاً يقتل الخنزير ويكسر الصليب ويتبع ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم -، ويعلم الكاذبون غرورَهم وخداعَهم وأنهم مغرورون مخدوعون. وقوله:{وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة}؛ المراد بمن اتبعه الطائفة التي آمنت به ونصرهم الله على من انحرف عن دينه، ثم لما جاءت أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - كانوا هم أتباعه حقًّا فأيدهم ونصرهم على الكفار كلهم، وأظهرهم بالدين الذي جاءهم به محمد - صلى الله عليه وسلم - {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض}؛ الآية. ولكن حكمة الله عادلة فإنها اقتضت أن من تمسك بالدين نصره النصر المبين، وأن من ترك أمره ونهيه ونبذ شرعه وتجرأ على معاصيه أن يعاقبه ويسلط عليه الأعداء. والله عزيز حكيم. وقوله:{ثم إليَّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون}.

ثم بين ما يفعله بهم فقال:

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿فَلَمّا وضَعَتْها﴾ ولَدَتْها جارِيَة وكانَتْ تَرْجُو أنْ يَكُون غُلامًا إذْ لَمْ يَكُنْ يُحَرَّر إلّا الغِلْمان ﴿قالَتْ﴾ مُعْتَذِرَة يا ﴿رَبّ إنِّي وضَعْتها واللَّه أعْلَم﴾ أيْ عالِم ﴿بِما وضَعَتْ﴾ جُمْلَة اعْتِراض مِن كَلامه تَعالى وفِي قِراءَة بِضَمِّ التّاء ﴿ولَيْسَ الذَّكَر﴾ الَّذِي طَلَبْت ﴿كالأُنْثى﴾ الَّتِي وهَبْت لِأَنَّهُ يُقْصَد لِلْخِدْمَةِ وهِيَ لا تَصْلُح لِضَعْفِها وعَوْرَتها وما يَعْتَرِيها مِن الحَيْض ونَحْوه ﴿وإنِّي سَمَّيْتها مَرْيَم وإنِّي أُعِيذها بِك وذُرِّيَّتها﴾ أوْلادها ﴿مِن الشَّيْطان الرَّجِيم﴾ المَطْرُود فِي الحَدِيث (ما مِن مَوْلُود يُولَد إلّا مَسَّهُ الشَّيْطان حَيْن يُولَد فَيَسْتَهِلّ صارِخًا إلّا مَرْيَم وابْنها) رَواهُ الشَّيْخانِ

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يشمل هذا التفسير الآيات 35 إلى 36

امْرَأَةُ عِمْرَانَ هَذِهِ أَمُّ مَرْيَمَ [بِنْتِ عِمْرَانَ] [[زيادة من جـ، ر، أ، و.]] عَلَيْهَا السَّلَامُ [[في و: "سم".]] وَهِيَ حَنَّة بِنْتُ فَاقُوذَ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَتِ امْرَأَةً لَا تَحْمِلُ، فَرَأَتْ يَوْمًا طَائِرًا يَزُقُّ فَرْخَهُ، فَاشْتَهَتِ الْوَلَدَ، فَدَعَتِ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، أَنْ يَهَبَهَا وَلَدًا، فَاسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَهَا، فَوَاقَعَهَا زَوْجُهَا، فَحَمَلَتْ مِنْهُ، فَلِمَا تَحَقَّقَتِ الْحَمْلَ نَذَرَتْهُ أَنْ يَكُونَ ﴿مُحَرَّرًا﴾ أَيْ: خَالِصًا مُفَرَّغًا لِلْعِبَادَةِ، وَلِخِدْمَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَقَالَتْ: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ أَيْ: السَّمِيعُ لِدُعَائِي، الْعَلِيمُ بِنيتي، وَلَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ مَا فِي بَطْنِهَا أَذَكَرًا أَمْ أُنْثَى؟ ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ قُرِئَ بِرَفْعِ التَّاءِ عَلَى أَنَّهَا تَاءُ الْمُتَكَلِّمِ، وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَمَامِ قَوْلِهَا، وقُرئ بِتَسْكِينِ التَّاءِ عَلَى أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأنْثَى﴾ أَيْ: فِي الْقُوَّةِ والجَلَد فِي الْعِبَادَةِ وَخِدْمَةِ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ التَّسْمِيَةِ يَوْمَ الْوِلَادَةِ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنَ السياق؛ لأنه شرع من قَبْلَنَا، وَقَدْ حُكِيَ مُقَرَّرًا، وَبِذَلِكَ ثَبَتَتِ السُّنَّةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَيْثُ قَالَ: "وُلِدَ لِي اللَّيْلَةَ وَلَد سَمَّيْتُهُ بِاسْمِ أبِي إبْرَاهِيمَ". أَخْرَجَاهُ [[رواه البخاري تعليقا برقم (١٣٠٣) ورواه مسلم برقم (٢٣١٥) من حديث أنس بن مالك.]] وَكَذَلِكَ ثَبَتَ فِيهِمَا أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ذَهَبَ بِأَخِيهِ، حِينَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَحَنَّكه وَسَمَّاهُ عَبْدَ اللَّهِ [[رواه البخاري برقم (٥٤٧٠) ورواه مسلم برقم (٢١٤٤) .]] وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وُلِدَ لِي وَلَد، فَمَا أُسمِّيه؟ قَالَ: "اسْم وَلدِك [[في جـ، ر: "ابنك".]] عَبْد الرَّحْمَنِ" [[صحيح البخاري برقم (٦١٨٦) من حديث جابر.]] وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَيْضًا: أَنَّهُ لَمَّا جَاءَهُ أَبُو أسَيد بِابْنِهِ ليُحنّكه، فذَهَل عَنْهُ، فَأَمَرَ بِهِ أَبُوهُ فَرَدّه إِلَى مَنْزِلِهِمْ، فَلَمَّا ذكرَ رسولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَجْلِسِ سَمّاه الْمُنْذِرَ [[رواه البخاري برقم (٦١٩١) ورواه مسلم برقم (٢١٤٩) من حديث سهل بن سعد الساعدي.]] .

فَأَمَّا حَدِيثُ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، عَنْ سَمُرَة بْنِ جُنْدُب؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "كُلُّ غُلامٍ رَهِين [[في أ، و: "رهينته".]] بِعقِيقتِهِ، يُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ، ويُسَمَّى وَيحْلَقُ رَأْسُهُ" فَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَهْلُ السُّنَنِ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَيَرْوِي: "ويُدَمَّى"، وَهُوَ أَثْبَتُ وَأَحْفَظُ [[المسند (٥/١٢) وسنن أبي داود برقم (٢٨٣٨) وسنن الترمذي برقم (١٥٢٢) وسنن النسائي (٧/١٦٦) وسنن ابن ماجة برقم (٣١٦٥) . وقد صرح الحسن بسماعه هذا الحديث من سمرة؛ لذا قال الترمذي: "حديث حسن صحيح".]] وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَذَا مَا رَوَاهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ فِي كِتَابِ النَّسَبِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَقَّ عَنْ وَلَدِهِ إِبْرَاهِيمَ يَوْمَ سَابِعِهِ وَسَمَّاهُ إِبْرَاهِيمَ. فَإِسْنَادُهُ لَا يَثْبُتُ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الصَّحِيحِ [[وقال ابن القيم، رحمه الله، في كتابه "تحفة المودود في أحكام المولود" ص ٦٧ بعد ما ساق قول الزبير بن بكار عن أشياخه: "هكذا قال الزبير وسماه يوم سابعه، والحديث المرفوع أصح من قوله وأولى".]] وَلَوْ صَحَّ لَحُمِل [[في جـ، ر: "يحمل".]] عَلَى أَنَّهُ أشْهَرَ اسمَه بِذَلِكَ يَوْمَئِذٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ إِخْبَارًا عَنْ أُمِّ مَرْيَمَ أَنَّهَا قَالَتْ: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ أَيْ: عَوَّذتها بِاللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، مِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ، وَعَوَّذَتْ ذُرِّيَّتَهَا، وَهُوَ وَلَدُهَا عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ. فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهَا ذَلِكَ كَمَا قَالَ عَبْدُ الرزَّاق: أَنْبَأَنَا مَعْمَر، عَنِ الزَّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: "مَا مِن مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا مَسَّه الشَّيْطَانُ حِينَ يُولَدُ، فَيَسْتَهِلّ صَارخًا مِنْ مَسِّهِ إيَّاهُ، إِلَّا مَرْيَم َوابْنَهَا". ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَأُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ أَخْرَجَاهُ [[صحيح البخاري (٤٥٤٨) وصحيح مسلم برقم (٢٣٦٦) .]] مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْفَرَجِ، عن بَقِيَّة، [عن الزُّبَيْدِيِّ] [[زيادة من أ، و.]] عَنِ الزَّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِنَحْوِهِ. ورَوَى مِنْ حَدِيثِ قَيْسٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا مِنْ مَوْلُود إِلَّا وَقَدْ عَصَرَهُ الشَّيطانُ عَصْرَةً أَوْ عَصْرَتَيْن إِلَّا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ وَمَرْيمََ". ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [[تفسير الطبري (٦/٣٣٩) .]] .

وَمِنْ حَدِيثِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي الطَّاهِرِ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي يُونُسَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَرَوَاهُ وَهْبٌ أَيْضًا، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ عَجْلان مَوْلَى المِشْمَعَلِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيط، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِأَصْلِ الْحَدِيثِ. وَهَكَذَا رَوَاهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ، الْأَعْرَجِ [[في أ: "عن الأعرج".]] قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كُلُّ بَنِي آدَمَ يَطْعنُ الشَّيْطَانُ فِي جَنْبِه حِينَ تَلِدهُ أمُّهُ، إِلَّا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، ذَهَبَ يَطْعَنُ فَطَعَنَ فِي الحِجَاب" [[تفسير الطبري (٦/٣٤٢) ورواه أحمد في مسنده (٢/٥٢٣) من طريق أبي الزناد عن الأعرج به.]] .

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾

قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"فلما وضعتها"، فلما وضعت حَنَّة النذيرةَ، ولذلك أنث. ولو كانت"الهاء" عائدة على"ما" التي في قوله:"إني نذرت لك ما في بطني محررًا"، لكان الكلام:"فلما وضعته قالتْ رب إني وضعته أنثى".

* *

ومعنى قوله: ﴿وضعتها﴾ "، ولدتها. يقال منه:"وضعت المرأة تَضَع وضْعًا".

* *

="قالت ربّ إني وضعتها أنثى"، أي: ولدت النذيرة أنثى ="والله أعلم بما وضعت".

* *

واختلف القرأة في قراءة ذلك.

فقرأته عامة القرأة: ﴿وَضَعَتْ﴾ ، خبرًا من الله عز وجل عن نفسه: أنه العالم بما وضعت، من غير قيلها:"ربّ إني وضعتها أنثى".

* *

وقرأ ذلك بعض المتقدّمين: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ على وجه الخبر بذلك عن أم مريم أنها هي القائلة:"والله أعلم بما ولدتُ مني".

* *

قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب ما نقلته الحجة مستفيضة فيها قراءته بينها، لا يتدافعون صحتها. وذلك قراءة من قرأ"والله أعلم بما وضعتْ"، ولا يعترض بالشاذّ عنها عليها.

* *

فتأويل الكلام إذًا: والله أعلم من كل خلقه بما وضعت = ثم رجع جل ذكره إلى الخبر عن قولها، وأنها قالت - اعتذارًا إلى ربها مما كانت نذرتْ في حملها فحررته لخدمة ربها -:"وليس الذكر كالأنثى"، لأن الذكر أقوى على الخدمة وأقوم بها، وأن الأنثى لا تصلح في بعض الأحوال لدخول القدْس والقيام بخدمة الكنيسة، لما يعتريها من الحيض والنفاس ="وإني سميتها مريم"، كما:-

٦٨٧٧ - حدثني ابن حميد قال، ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير:"فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى"، أي: لما جعلتها محرّرًا له نذيرة. [[الأثر: ٦٨٧٧- سيرة ابن هشام ٢: ٢٢٨، وهو بقية الآثار التي آخرها رقم: ٦٨٥٩. ونص ابن هشام في المطبوعة الأوربية: "لما جعلتها محررًا له نذيرة" كنص الطبري هنا، وفي مطبوعة الحلبي: "محررًا لك"، وفي إحدى نسخ سيرة ابن هشام"محررة"، وهي صواب جيد، ولكن مطبوعة الطبري غيرت نص المخطوطة الذي أثبته، فجعلتها: "لما جعلتها له محررة نذيرة"، ولست أدري لم فعل ذلك!!]]

٦٨٧٨ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق: "وليس الذكر كالأنثى"، لأن الذكر هو أقوى على ذلك من الأنثى.

٦٨٧٩ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"وليس الذكر كالأنثى"، كانت المرأة لا يستطاع أن يصنع بها ذلك = [[في المطبوعة: "لا تستطيع"، وفي المخطوطة: "لا تستطاع"، وهو الصواب، إلا أن الناسخ أخطأ فجعلها بالتاء الفوقية.]] يعني أن تحرر للكنيسة، فتجعل فيها، تقوم عليها وتكنسها فلا تبرحها = مما يصيبها من الحيض والأذى، فعند ذلك قالت: [[هكذا في المطبوعة والمخطوطة، وأنا أرجح أن الصواب: "فعن ذلك قالت"، أي من أجل ذلك قالت. و"عن" هنا بمعنى التعليل، كما في قوله تعالى: "وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك". وهي عبارة مشهورة من نهج عبارات القدماء، وهي أجود من نص المخطوطة والمطبوعة وأشبه بالعربية.]] "ليس الذكر كالأنثى".

٦٨٨٠ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة:"قالت رب إني وضعتها أنثى"، وإنما كانوا يحرّرون الغلمان - قال:"وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم".

٦٨٨١ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قال: كانت امرأة عمران حرّرت لله ما في بطنها، وكانت على رَجاء أن يهبَ لها غلامًا، لأن المرأة لا تستطيع ذلك = يعني القيامَ على الكنيسة لا تَبرحها، وتكنُسها = لما يصيبها من الأذى.

٦٨٨٢ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: أن امرأة عمران ظنتّ أن ما في بطنها غلامٌ، فوهبته لله. فلما وضعت إذا هي جارية، فقالت تعتذر إلى الله:"رب إني وضعتها أنثى وليس الذكر كالأنثى"، تقول: إنما يحرّر الغلمان. يقول الله:"والله أعلم بما وضعت"، فقالت:"إني سَمّيتها مريم".

٦٨٨٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن القاسم بن أبي بزة: أنه أخبره عن عكرمة = وأبي بكر، عن عكرمة:"فلما وضعتها قالت رَبّ إني وضعتها أنثى" ="وليس الذكر كالأنثى"، يعني: في المحيض، ولا ينبغي لامرأة أن تكون مع الرجال = أمها تقول ذلك.

* *

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦) ﴾

قال أبو جعفر: تعني بقولها:"وإني أعيذُها بك وذُريتها"، وإني أجعل مَعاذها ومَعاذ ذرّيتها من الشيطان الرجيم، بك.

* *

وأصل"المعاذ"، الموئل والملجأ والمعقل. [[انظر ما سلف في تفسير"عاذ يعوذ" ١: ١١١، قال: "الاستعاذة: الاستجارة".]]

* *

= فاستجاب الله لها، فأعاذها الله وذرّيتها من الشيطان الرجيم، فلم يجعل له عليها سبيلا.

* *

٦٨٨٤ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عبدة بن سليمان، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ ما من نَفْس مولود يُولد إلا والشيطان ينال منه تلك الطعنة، ولها يَستهلّ الصبي، إلا ما كان من مريم ابنة عمران، فإنها لما وضعتها قالت:"رب إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم"، فضُرب دُونها حجاب، فطعَن فيه. [[الحديث: ٦٨٨٤ - يزيد بن عبد الله بن قسيط الليثي المدني: تابعي فقيه ثقة من الثقات، من شيوخ مالك، احتج به في مواضع من الموطأ. وأخرج له الجماعة.

والحديث سيأتي، عقب هذا، بإسنادين آخرين إلى ابن إسحاق، بهذا الإسناد، نحوه.

وأشار إليه ابن كثير في التاريخ ٢: ٥٧، من رواية ابن إسحاق، دون تعيين في تخريجه.

ورواه الحاكم في المستدرك ٢: ٥٩٤، من طريق إسماعيل بن جعفر، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبي هرير. وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي.

وإسماعيل بن جعفر بن أبي كثير، قارئ أهل المدينة: ثقة مأمون، شارك مالكًا في أكثر شيوخه.

ووقع في المستدرك ومختصر الذهبي: "يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبيه، عن أبي هريرة". وزيادة"عن أبيه" في الإسناد - خطأ صرف، لا معنى لها. وأرجح أنه خطأ من ناسخي المستدرك. فإن والد يزيد هذا - غير معروف بالرواية، ولم يذكره أحد في رواة الحديث.

ثم رواه ابن جرير بنحوه، بأسانيد متعددة، إلى رقم: ٦٨٩٩. وكلها عن أبي هريرة، إلا: ٦٨٩٣، فإنه عن ابن عباس.]]

٦٨٨٥ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير قال، حدثني محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبي هريرة قال، قال رسول الله ﷺ: كل مولود من ولد آدم له طَعنةٌ من الشيطان، وبها يستهلُّ الصبي، إلا ما كان من مريم ابنة عمران وولدها، فإنّ أمها قالت حين وضعتها:"إني أعيذها بك وذرّيتها من الشيطان الرجيم"، فضرب دونهما حجاب، فطَعَن في الحجاب.

٦٨٨٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ، بنحوه.

٦٨٨٧ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا هارون بن المغيرة، عن عمرو، عن شعيب بن خالد، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: ما من بني آدم مولودٌ يولد إلا قد مسَّه الشيطان حين يولد، فيستهلّ صارخًا بمسِّه إياه، غير مريم وابنها. قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم:"إني أعيذها بك وذرّيتها من الشيطان الرجيم". [[الحديث: ٦٨٨٧ -عمرو- شيخ هارون: هو عمرو بن أبي قيس الرازي الأزرق، وهو ثقة، أثنى عليه الثوري.

شعيب بن خالد البجلي، قاصي الري: ثقة، أثنى عليه الثوري أيضًا. وقال ابن عيينة: "حفظ من الزهري ومالك شابًا".

وهو هنا يروي عن"الزهري". ووقع في المطبوعة"الزبير" بدل"الزهري". وهو خطأ. صوابه من المخطوطة.

والحديث رواه البخاري ٦: ٣٣٨ - ٣٣٩، من طريق شعيب، عن الزهري، بهذا، بنحوه. و"شعيب" - في إسناد البخاري-: هو"شعيب بن أبي حمزة الحمصي". وأما "شعيب بن خالد" فلم يرو له من أصحاب الكتب الستة غير أبي داود.

وكذلك رواه مسلم ٢: ٢٢٤، من طريق شعيب بن أبي حمزة.

وانظر: ٦٨٩١.]]

٦٨٨٨ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب، قال، أخبرني ابن أبي ذئب، عن عجلان مولى المشمعِلّ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: كل مولود يولد من بني آدم يمسُّه الشيطان بإصبعه، إلا مريم وابنها. [[الحديث: ٦٨٨٨- عجلان مولى المشمعل: تابعي ثقة.

والحديث: رواه أحمد في المسند: ٧٨٦٦، عن إسماعيل بن عمر: و: ٧٩٠٢، عن يزيد بن هارون، و: ٧٩٠٢، عن هاشم بن القاسم (٢: ٢٨٨، ٢٩٢، ٣١٩ حلبي) - ثلاثتهم عن ابن أبي ذئب، بهذا الإسناد.

ونقله ابن كثير في التاريخ ٢: ٥٧، عن الرواية الأولى من روايات المسند.

وذكره في التفسير ٢: ١٣٠، من رواية ابن وهب - إشارة إلى رواية الطبري هذه.]]

٦٨٨٩ - حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب قال، حدثني عمي عبد الله بن وهب قال، أخبرني عمرو بن الحارث: أن أبا يونس سُليماً مولى أبي هريرة حدثه، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: كل بني آدم يمسُّه الشيطان يوم ولدته أمه، إلا مريم وابنها. [[الحديث: ٦٨٨٩ - عمرو بن الحارث بن يعقوب المصري: مضت ترجمته في: ١٣٨٧.

سليم - بضم السين - بن جبير، أبو يونس مولى أبي هريرة: تابعي مصري ثقة.

وقع في المطبوعة: "أن أبا يونس سليمان"، بزيادة النون في آخر الاسم. وصوابه من المخطوطة"سليما"، بالتنوين. بل في رواية مسلم طبعة بولاق: "أن أبا يونس سليم مولى أبي هريرة"، فرسم بالتنوين دون ألف، على لغة ربيعة، في الوقوف على المنصوب بالسكون.

والحديث رواه مسلم ٢: ٢٢٤، من طريق ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، بهذا الإسناد.]]

٦٨٩٠ - حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني عمران، أن أبا يونس حدثه، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ مثله. [[الحديث ٦٨٩٠ -"عمران" - في الإسناد: هكذا ثبت في المخطوطة والمطبوعة. ولا ندري من هو؟ والظاهر أنه خطأ من الناسخين، فرجح أن صوابه"ابن عمران". فإن يكنه يكن"حرملة بن عمران التجيبي المصري". وهو ثقة، يروي عن سليم بن جبير مولى أبي هريرة، راوي هذا الحديث. ويروي عنه ابن وهب. وهو الصواب إن شاء الله.]]

٦٨٩١ - حدثني الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: ما من مولود يولد إلا يمسُّه الشيطان، فيستهل صارخًا من مسَّةِ الشيطان، إلا مريم وابنها. ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم:"وإني أعيذُها بك وذرّيتها من الشيطان الرجيم". [[الحديث: ٦٨٩١- مضى بنحوه: ٦٨٨٧، من رواية شعيب بن خالد عن الزهري. وأشرنا هناك إلى رواية شعيب بن أبي حمزة عن الزهري. وهذه رواية معمر عن الزهري.

وقد رواه أحمد في المسند: ٧٦٩٤، عن عبد الرزاق، عن معمر، به. ونقله ابن كثير في التاريخ ٢: ٥٧، عن رواية المسند.

وكذلك رواه البخاري ٨: ١٥٩، ومسلم ٢: ٢٢٤ كلاهما من طريق عبد الرزاق.

ورواه أحمد أيضًا: ٧١٨٢، عن عبد الأعلى، عن معمر، به.

وكذلك رواه مسلم ٢: ٢٢٤، من طريق عبد الأعلى.]]

٦٨٩٢ - حدثني المثنى قال، حدثني الحماني قال، حدثنا قيس، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: ما من مولود يولد إلا وقد عَصَره الشيطان عَصرةً أو عصرتين، إلا عيسى ابن مريم ومريم. ثم قرأ رسول الله ﷺ:"إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم". [[الحديث: ٦٨٩٢ - الحماني، بكسر الحاء المهملة وتشديد الميم: هو يحيى بن عبد الحميد ابن عبد الرحمن، أبو زكريا الحافظ. وقد اختلف فيه كثيرًا، والراجح عندي أنه ثقة. وقد وثقه ابن معين. وقال فيه غيره كلامًا شديدًا. ولكن المنصف إذا تتبع ترجمته مع إنصاف اقتنع بتوثيقه. مترجم في التهذيب، والكبير ٤ / ٢ / ٢٩١، والصغير: ٢٢٩، وابن أبي حاتم ٤ / ٢ / ١٦٨-١٧٠، وتاريخ بغداد ١٤: ١٦٧- ١٧٧، وتذكره الحفاظ ٢: ١٠-١١.

قيس: هو ابن الربيع الأسدي، وهو ثقة، كما رجحنا في: ٤٨٤٢.

والحديث - من هذا الوجه - ذكره ابن كثير في التفسير ٢: ١٣٠، والتاريخ ٢: ٥٧ - تعليقًا عن قيس، دون أن يبين مخرجه.

ولكن سياق كلامه في التفسير يدل على أنه يشير إلى روايته عند الطبري، يعني هذا الإسناد.

فإنه ذكر في التفسير رواية الطبري الآتية: ٦٨٩٩، ثم قال: "وروي من حديث قيس، عن الأعمش. . ." - إلخ. فهذا الفعل"روى"، ينبغي أن يقرأ مبنيًا للفاعل، فيكون معناه أن ابن جرير"روى من حديث قيس". ولا نرى أن يقرأ بالبناء لما لم يسم فاعله. لأن علماء الحديث وأئمته، أمثال ابن كثير - لا يستعملون صيغة التمريض هذه، بالبناء للمجهول، إلا في الأحاديث الواهية الإسناد. ولا يذكر الأحاديث الجياد بصيغة التمريض إلا جاهل أو غافل.

ثم ذكر ابن كثير - بعد حديث قيس هذا، عطفًا عليه - ما نصه: "ومن حديث العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة".

فهذه إشارة منه إلى إسناد آخر. أرجح أنه رواه أيضًا الطبري، بعد حديث قيس. ولعله سقط سهوًا من الناسخين.

فرأيت - تمامًا للسياق- أن أذكره هنا من رواية أحمد، واحتياطًا أيضًا:

فقال الإمام أحمد في المسند: ٨٨٠١ (ج ٢ ص ٣٦٨ حلبي) : "حدثنا هُشيم، قال: حدثنا حفص بن ميسرة، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: كل إنسانٍ تَلِدُه أُمُّه يَلْكُزُه الشَّيطانُ بِحِضْنَيْه، إِلاّ ما كان مِن مريمَ وابنها، أَلَمْ تَرَوْا إِلى الصَّبِيّ حين يَسْقُطُ، كيفَ يَصْرُخُ؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: فَذَاكَ حين يَلْكُزُه الشيطان بِحِضْنَيْه".

وهذا إسناد صحيح، على شرط مسلم.

ورواية قيس بن الربيع ذكرها السيوطي ٢: ١٩، ولم ينسبها لغير الطبري.

وقوله: "عصره الشيطان. . ." - عصر العنب وغيره عصرًا: ضغطه ليستخرج ما فيه. وهو هنا مجاز، أي: شديده عليه وضغطه.]]

٦٨٩٣ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا هارون بن المغيرة، عن عمرو بن أبي قيس، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: ما ولد مولود إلا وقد استهلّ، غير المسيح ابن مريم، لم يسلَّط عليه الشيطان ولم يَنْهَزْه. [[الحديث: ٦٨٩٣- هذا إسناد صحيح.

ولم أجد هذا الحديث من غير رواية الطبري، وكذلك ذكره السيوطي ٢: ١٩، ولم ينسبه لغيره.

وقوله"ولم ينهزه" - من"التهز"، وهو الدفع."تهزه ينهزه نهزًا": دفعه، مثل"نكزه"، و"وكزه".]]

٦٨٩٤ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا المنذر بن النعمان الأفطس: أنه سمع وهب بن منبه يقول: لما وُلد عيسى أتت الشياطينُ إبليس، فقالوا: أصبحت الأصنام قد نكست رؤوسها! فقال: هذا في حادث حدث! وقال: مكانَكم! [[في المطبوعة: "فقال"، والصواب من المخطوطة.]] فطارَ حتى جاء خَافقي الأرض، فلم يجد شيئًا، [[الخافقان: أفق المشرق وأفق المغرب، محيطان بجانبي الأرض.]] ثم جاء البحار فلم يجد شيئًا، ثم طار أيضًا فوجد عيسى قد ولد عند مِذْوَد حمار، [[المذود (بكسر الميم وسكون الذال) : معلف الدابة.]] وإذا الملائكة قد حفَّت حوله، فرجع إليهم فقال: إن نبيًّا قد ولد البارحة، ما حملت أنثى قط ولا وضعت إلا أنا بحضرتها، إلا هذه! فَأيِسوا أن تُعبد الأصنام بعد هذه الليلة، [[أيس الرجل يأيس يأسًا، لغة في يئس. والأمر منه هنا على هذه اللغة.]] ولكن ائتوا بني آدم من قبل الخفَّة والعجَلة. [[الأثر: ٦٨٩٤ - في المخطوطة"أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر المنذر بن النعمان"، أو كأنها تقرأ"معتمر" ثم ضرب على"معمر". والمنذر بن النعمان الأفطس اليماني، روى عن وهب بن منبه. ثقة. روى عنه عبد الرزاق، وروى عنه معتمر بن سليمان، فأخشى أن يكون كان أصل الطبري"حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق ومعتمر قال: أخبر المنذر بن النعمان الأفطس". والمنذر مترجم في الكبير ٤ / ١ / ٣٥٩، وابن أبي حاتم ٤ / ١ / ٢٤٢، وتعجيل المنفعة: ٤١٠.]]

٦٨٩٥ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"وإني أعيذُها بك وذريتها من الشيطان الرجيم"، وذكر لنا أن نبيّ الله ﷺ كان يقول: كل بني آدم طَعَن الشيطانُ في جنبه، إلا عيسى ابن مريم وأمه، جُعل بينهما وبينه حجابٌ، فأصابت الطعنة الحجابَ، ولم ينفذ إليهما شيء = وذكر لنا أنهما كانا لا يصيبان الذنوبَ كما يصيبها سائرُ بني آدم. = وذكر لنا أنّ عيسى كان يمشي على البحر كما يمشي على البر، مما أعطاه الله تعالى من اليقين والإخلاص.

٦٨٩٦ - حدثني المثنى قال، حدثني إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع:"وإني أعيذها بك وذرّيتها من الشيطان الرجيم"، قال: إن نبي الله ﷺ قال: كل آدمي طَعن الشيطان في جنبه غير عيسى وأمه، كانا لا يُصيبان الذنوب كما يصيبُها بنو آدم. قال: وقال عيسى ﷺ فيما يثني على ربَه: وأعاذني وأمي من الشيطان الرجيم، فلم يكن له علينا سبيلٌ. [[الأثران: ٦٨٩٥، ٦٨٩٦ - هذان خبران مرسلان كما هو ظاهر.]]

٦٨٩٧ - حدثنا الربيع بن سليمان قال، حدثنا شعيب بن الليث قال، حدثنا الليث، عن جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز أنه قال: قال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ: كل بني آدم يَطعن الشيطان في جنبه حين تلده أمه، إلا عيسى ابن مريم، ذهب يطعَن فطعَن في الحجاب. [[الحديث: ٦٨٩٧- جعفر بن ربيعة بن شرحبيل بن حسنة المصري: ثقة من شيوخ الليث بن سعد. أخرج له الجماعة.

عبد الرحمن بن هرمز الأعرج المدني: تابعي ثقة مشهور، من شيوخ الزهري وأبي الزناد. كان الناس يقرأون عليه حديثه عن أبي هريرة. انظر المسند: ٧٢٧٦، وابن سعد ٥: ٢٠٩، وهذا يرد على من يزعم أن الأحاديث لم تكتب إلا في عصر مالك. وهذا عبد الرحمن شيخ شيوخ مالك، ومات سنة ١١٧.

والحديث ذكره ابن كثير في التفسير ٢: ١٣٠، من رواية الليث بن سعد، بهذا الإسناد. ولم يذكر من خرجه، فهو إشارة منه إلى رواية الطبري هذه.

وقد رواه أحمد في المسند: ١٠٧٨٣ (ج ٢ ص ٥٢٣ حلبي) ، عن عبد الملك بن عمرو، عن المغيرة - وهو ابن عبد الرحمن الحزامي - عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، مرفوعًا، بنحوه.

ونقله ابن كثير في التاريخ ٢: ٥٧، عن رواية المسند. وقال: "وهذا على شرط الصحيحين. ولم يخرجوه من هذا الوجه".

ووقع في ابن كثير"المغيرة، وهو ابن عبد الله الحزامي"، وهو خطأ مطبعي.

ولسنا نوافق ابن كثير على دعواه أنهم"لم يخرجوه من هذا الوجه" - فإن البخاري رواه ٦: ٢٤٢، عن أبي اليمان، عن شعيب، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، مرفوعًا، بنحو روايتي المسند والطبري.

فهذا من هذا الوجه: يجتمع مع إسناد المسند في"أبي الزناد"، ومع إسناد الطبري في"الأعرج".]]

٦٨٩٨ - حدثنا الربيع قال، حدثنا شعيب قال، أخبرنا الليث، عن جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز أنه قال: قال أبو هريرة: أرأيتَ هذه الصرخة التي يَصرُخها الصبيُّ حين تلده أمه؟ فإنها منها. [[الحديث: ٦٨٩٨- وهذا حديث صحيح، بالإسناد السابق نفسه. وظاهره أنه موقوف، من كلام أبي هريرة. وعن ذلك - فيما أرى - فصله الطبري عن المرفوع الذي قبله.

ومعناه ثابت صحيح، من حديث أبي هريرة مرفوعًا:

فرواه مسلم ٢: ٢٢٤، من رواية سهيل - وهو ابن أبي صالح - عن أبيه، عن أبي هرير، قال: "قال رسول الله ﷺ: صياح المولود حين يقع، نزغة من الشيطان".

ثم معناه ثابت مرفوعًا، ضمن بعض الأحاديث الصحاح السابقة.]]

٦٨٩٩ - حدثني أحمد بن الفرج قال، حدثنا بقية بن الوليد قال، حدثنا الزُّبيديّ، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أنّ رسول الله ﷺ قال: ما من بني آدم مولودٌ إلا يمسُّه الشيطان حين يولدُ يستهلّ صارخًا. [[الحديث: ٦٨٩٩ - بقية بن الوليد الحمصي: ثقة. تكلموا فيه من أجل تدليسه، فإذا صرح بالسماع - كما هنا - كانت روايته صحيحة.

الزبيدي - بضم الزاي: هو محمد بن الوليد بن عامر الحمصي. وهو ثقة، روى له الشيخان.

والحديث ذكره ابن كثير في التاريخ ٢: ٥٧، عن الموضع، دون أن يسوق لفظه. ووقع فيه تسمية الزبيدي"عبد الله بن الزبيدي"! وهو تحريف من ناسخ أو طابع. ولا يوجد راو بهذا الاسم.

وهذه الرواية، هي من رواية الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة. وقد مضى الحديث بنحوه: ٦٨٨٧، ٦٨٩١، من رواية الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة. ولا تعل إحدى الروايتين بالأخرى. فالزهري له إذن في هذا الحديث شيخان.

وقد أشار الحافظ في الفتح ٦: ٣٣٨ إلى هذه الرواية، عند رواية الزهري عن ابن المسيب، فقال: "كذا قال أكثر أصحاب الزهري. وقال الزبيدي: عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. أخرجه الطبري".

ووقع في الفتح"السدي" بدل"الزبيدي". وهو تحريف من الناسخين.]]