سورة الانفطار، الآية 8
الجزء 30، الصفحة 587.
فِىٓ أَىِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ ﴿٨﴾
الآية في سياق السورةاستمع إلى سورة الانفطار
تفسير الآية
التفسير الميسر
يشمل هذا التفسير الآيات 6 إلى 8
يا أيها الإنسان المنكر للبعث، ما الذي جعلك تغترُّ بربك الجوادِ الكثير الخير، الحقيق بالشكر والطاعة، أليس هو الذي خلقك فسوّى خلقك فعَدَلك، وركَّبك لأداء وظائفك، في أيِّ صورة شاءها خلقك؟
تفسير السعدي
يشمل هذا التفسير الآيات 6 إلى 12
{6 ـ 8} يقول تعالى معاتباً للإنسان المقصِّر في حقِّه المتجرِّئ على معاصيه: {يا أيُّها الإنسان ما غَرَّك بربِّك الكريم}: أتهاوناً منك في حقوقه؟ أم احتقاراً منك لعذابه؟! أم عدم إيمانٍ منك بجزائِهِ؟! أليس هو {الذي خَلَقَكَ فسوَّاك}: في أحسن تقويم، {فعَدَلَك}: وركَّبك تركيباً قويماً معتدلاً في أحسن الأشكال وأجمل الهيئات؟! فهل يَليق بك أن تكفُرَ نعمة المنعِم أو تَجْحَدَ إحسان المحسن؟! إنْ هذا إلاَّ من جهلك وظلمك وعنادك وغشمك؛ فاحمد الله إذْ لم يجعلْ صورتَكَ صورة كلبٍ أو حمارٍ أو نحوهما من الحيوانات، ولهذا قال تعالى:{في أيِّ صورةٍ ما شاء ركَّبَك}.
{9 ـ 12} وقوله: {كلاَّ بل تكذِّبونَ بالدِّين}؛ أي: مع هذا الوعظ والتَّذكير لا تزالون مستمرِّين على التَّكذيب بالجزاء، وأنتم لا بدَّ أن تُحاسبوا على ما عمِلْتُم، وقد أقام الله عليكم ملائكةً كراماً، يكتُبون أقوالكم وأفعالكم ويَعْلَمونها ، فدخل في هذا أفعالُ القلوبِ وأفعالُ الجوارح؛ فاللائق بكم أن تكرِموهم وتُجِلُّوهم.
تفسير الجلالين
﴿فِي أيّ صُورَة ما﴾ صِلَة " شاءَ رَكَّبَك "
تفسير ابن كثير
يشمل هذا التفسير الآيات 1 إلى 12
تَفْسِيرُ سُورَةِ الِانْفِطَارِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ.
قَالَ النَّسَائِيُّ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قَدَامَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دثَار، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَامَ مُعَاذٌ فَصَلَّى الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ فَطَوَّلَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أَفَتَّانٌ يَا مُعَاذُ؟! [أَفَتَّانٌ يَا مُعَاذُ؟!] [[زيادة من سنن النسائي.]] أَيْنَ كُنْتَ عَنْ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، وَالضُّحَى، وَإِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ؟! " [[سنن النسائي الكبرى برقم (١١٦٥٢) .]] .
وَأَصْلُ الْحَدِيثِ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ [[صحيح البخاري برقم (٧٠٠، ٧١١) وصحيح مسلم برقم (٤٦٥) .]] وَلَكِنْ ذُكَر " إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ " فِي [[في م، أ: "من".]] أَفْرَادِ النَّسَائِيِّ. وَتَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ سَرَّه أَنْ يَنْظُرَ إِلَى الْقِيَامَةِ رأي عين فليقرأ: " إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ " و " إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ " وَ " إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ " " [[تقدم تخريج الحديث عند تفسير سورة التكوير، وهو في سنن الترمذي برقم (٣٣٣٣) .]] .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
* *
يَقُولُ تَعَالَى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ أَيِ: انْشَقَّتْ. كَمَا قَالَ: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِه﴾ [الزُّمَرِ: ١٨] .
﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ أَيْ: تَسَاقَطَتْ.
﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فَجَّرَ اللَّهُ بَعْضَهَا فِي بَعْضٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ: فَجَّرَ اللَّهُ بَعْضَهَا فِي بَعْضٍ، فَذَهَبَ مَاؤُهَا. وَقَالَ قَتَادَةُ: اخْتَلَطَ مَالِحُهَا بِعَذْبِهَا. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: مُلِئَتْ.
﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَت﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بُحِثَت. وَقَالَ السُّدِّيُّ: تُبَعثر: تُحرّك فَيَخْرُجُ مَنْ فِيهَا.
﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ أَيْ: إِذَا كَانَ هَذَا حَصَل هَذَا.
وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الإنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ ؟ : هَذَا تَهْدِيدٌ، لا كما يتوهمه بعض الناس مِنْ أَنَّهُ إِرْشَادٌ إِلَى الْجَوَابِ؛ حَيْثُ قَالَ: ﴿الْكَرِيمِ﴾ حَتَّى يَقُولَ قَائِلُهُمْ: غَرَّهُ كَرَمُهُ. بَلِ الْمَعْنَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ: مَا غَرَّكَ يَا ابْنَ آدَمَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ-أَيِ: الْعَظِيمِ-حَتَّى أَقْدَمْتَ عَلَى مَعْصِيَتِهِ، وَقَابَلْتَهُ بِمَا لَا يَلِيقُ؟ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "يَقُولُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: ابْنَ [[في م: "يا ابن".]] آدَمَ، مَا غَرَّكَ بِي؟ ابْنَ آدَمَ، مَاذَا أجبتَ الْمُرْسَلِينَ؟ ".
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ: أَنَّ عُمَرَ سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ: ﴿يَاأَيُّهَا الإنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ فَقَالَ عُمَرُ: الْجَهْلُ [[ذكره السيوطي في الدر المنثور (٨/٤٣٩) وعزاه لابن المنذر وسعيد بن منصور أيضا.]] .
وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ شَبَّة، حَدَّثَنَا أَبُو خَلَفٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى الْبَكَّاءُ، سَمِعْتُ ابن عمر يقول وقرأ هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الإنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: غَرَّهُ-وَاللَّهِ-جَهْلُهُ.
قَالَ: ورُوي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالرَّبِيعِ بْنِ خُثَيم [[في أ: "خيثم".]] وَالْحَسَنِ، مِثْلُ ذَلِكَ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ شيءٌ، مَا غَرّ ابْنَ آدَمَ غَيْرُ هَذَا الْعَدْوِ الشَّيْطَانِ.
وَقَالَ الْفَضِيلُ بْنُ عِيَاضٍ: لَوْ قَالَ لِي:"مَا غَرَّكَ بِي [[في أ: "بربك".]] لَقُلْتُ: سُتُورك المُرخاة.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْوَرَّاقُ: لَوْ قَالَ لِي: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ لَقُلْتُ: غَرَّنِي كَرَمُ الْكَرِيمِ.
قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْإِشَارَةِ: إِنَّمَا قَالَ: ﴿بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ دُونَ سَائِرِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، كَأَنَّهُ لَقَّنَهُ الْإِجَابَةَ [[معالم التنزيل للبغوي (٨/٣٥٦) .]] .
وَهَذَا الَّذِي تَخَيَّلَهُ هَذَا الْقَائِلُ لَيْسَ بِطَائِلٍ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَتَى بِاسْمِهِ ﴿الْكَرِيم﴾ ؛ لِيُنَبِّهَ [[في أ: "للتنبيه".]] عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَابَل الْكَرِيمُ بِالْأَفْعَالِ الْقَبِيحَةِ، وَأَعْمَالِ السُّوءِ.
وَ [قَدْ] [[زيادة من م.]] حَكَى الْبَغَوِيُّ، عَنِ الْكَلْبِيِّ وَمُقَاتِلٍ أَنَّهُمَا قَالَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْأَسْوَدِ بْنِ شَريق، ضَرَبَ النَّبِيَّ ﷺ وَلَمْ يُعَاقَبْ فِي الْحَالَةِ الرَّاهِنَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ ؟ [[معالم التنزيل للبغوي (٨/٣٥٦) .]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ أَيْ: مَا غَرَّكَ بِالرَّبِّ الْكَرِيمِ ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ أَيْ: جَعَلَكَ سَويا مُعْتَدِلَ الْقَامَةِ مُنْتَصِبَهَا، فِي أَحْسَنِ الْهَيْئَاتِ وَالْأَشْكَالِ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنَا حَريزُ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَيسرة، عَنْ جُبير ابن نُفَير، عَنْ بُسْر بْنِ جحَاش الْقُرَشِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَصَقَ يَوْمًا فِي كَفِّهِ، فَوَضَعَ عَلَيْهَا أُصْبُعَهُ، ثُمَّ قَالَ: "قَالَ اللَه عَزَّ وَجَلَّ: ابْنَ [[في م: "يا ابن".]] آدَمَ أنَّى تُعجِزني وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ مِثْلِ هَذِهِ؟ حتى إِذَا سَوّيتك وَعَدَلْتُكَ، مَشَيْتَ بَيْنَ بُرْدَيْنِ وَلِلْأَرْضِ مِنْكَ وَئِيدٌ، فجَمَعت ومَنعت، حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِي قلتَ: أتصدقُ، وأنَّى أوانُ الصَّدَقَةِ".
وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، عَنْ حَريز بْنِ عُثْمَانَ، بِهِ [[المسند (٤/٢١٠) وسنن ابن ماجة برقم (٢٧٠٧) وقال البوصيري في الزوائد (٢/٣٦٥) : "إسناد صحيح رجاله ثقات".]] .
قَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَبُو الْحَجَّاجِ المزِّي: وَتَابَعَهُ يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَيْسَرَةَ [[تحفة الأشراف للمزي (٢/٩٧) .]] .
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: فِي أَيِّ شَبَه أَبٍ أَوْ أُمٍّ أَوْ خَالٍ أَوْ عَمٍّ؟
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ الْقَزَّازُ، حَدَّثَنَا مُطَهَّر بْنُ الْهَيْثَمِ، حَدَّثَنَا مُوسَى بنُ عُلَيِّ بْنِ رَبَاح، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: "مَا وُلِدَ لَكَ؟ " قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا عَسَى أَنْ يُولَد لِي؟ إِمَّا غُلَامٌ وَإِمَّا جَارِيَةٌ. قَالَ: "فَمَنْ يُشْبِهُ؟ ". قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ عَسَى أَنْ يُشْبِهَ؟ إِمَّا أَبَاهُ وَإِمَّا أُمَّهُ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَهَا: "مَهْ. لَا تقولَنَّ هَكَذَا، إِنَّ النُّطْفَةَ إِذَا اسْتَقَرَّتْ فِي الرَّحِمِ أَحْضَرَهَا اللَّهُ كُلَّ نَسَبٍ بَيْنَهَا وَبَيْنَ آدَمَ؟ أَمَا قَرَأْتَ هَذِهِ الْآيَةَ فِي كِتَابِ اللَّهِ: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ " قَالَ: سَلَكك [[في م: "شكلك".]] .
وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالطَّبَرَانِيُّ، مِنْ حَدِيثِ مُطهر بْنِ الْهَيْثَمِ، بِهِ [[المعجم الكبير (٥/٧٤) .]] وَهَذَا الْحَدِيثُ لَوْ صَحَّ لَكَانَ فَيْصَلًا فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَلَكِنَّ إِسْنَادَهُ لَيْسَ بِالثَّابِتِ؛ لَأَنَّ "مُطَهَّر بْنَ الْهَيْثَمِ" قَالَ فِيهِ أَبُو سَعِيدِ بْنُ يُونُسَ: كَانَ مَتْرُوكَ الْحَدِيثِ. وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: يُرْوى عَنْ مُوسَى بْنِ عَلِيٍّ وَغَيْرِهِ مَا لَا يُشبهُ حَديثَ الْأَثْبَاتِ. وَلَكِنْ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيرة أَنَّ رَجُلا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدت غُلامًا أسودَ؟. قَالَ: "هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ ". قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "فَمَا أَلْوَانُهَا؟ " قَالَ: حُمر. قَالَ: "فَهَلْ فِيهَا مَنْ أورَق؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "فَأَنَّى أَتَاهَا ذَلِكَ؟ " قَالَ: عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزْعَةَ عِرْق. قَالَ: "وَهَذَا عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزْعَةَ عِرْقٍ" [[صحيح البخاري برقم (٥٣٠٥) وصحيح مسلم برقم (١٥٠٠) .]] .
وَقَدْ قَالَ عِكْرِمَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ إِنْ شَاءَ فِي صُورَةِ قِرْدٍ، وَإِنْ شَاءَ فِي صُورَةٍ خِنْزِيرٍ. وَكَذَا قَالَ أَبُو صَالِحٍ: إِنْ شَاءَ فِي صُورَةِ كَلْبٍ، وَإِنْ شَاءَ فِي صُورَةِ حِمَارٍ، وَإِنْ شَاءَ فِي صُورَةِ خِنْزِيرٍ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ قَالَ: قَادِرٌ-وَاللَّهِ -رَبُّنَا عَلَى ذَلِكَ. وَمَعْنَى هَذَا الْقَوْلِ عِنْدَ هَؤُلَاءِ: أَنَّ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، قَادِرٌ عَلَى خَلْقِ النُّطْفَةِ عَلَى شكل قبيح من الحيوانات الْمُنْكَرَةِ الْخَلْقِ، وَلَكِنْ بِقُدْرَتِهِ وَلُطْفِهِ وَحِلْمِهِ يَخْلُقُهُ عَلَى شَكْلٍ حَسَنٍ مُسْتَقِيمٍ مُعْتَدِلٍ تَامٍّ، حَسَن الْمَنْظَرِ وَالْهَيْئَةِ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿كَلا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ أَيْ: بَلْ إِنَّمَا يَحْمِلُكُمْ عَلَى مُوَاجَهَةِ الْكَرِيمِ وَمُقَابَلَتِهِ بِالْمَعَاصِي، تَكْذِيبٌ فِي قُلُوبِكُمْ بِالْمَعَادِ وَالْجَزَاءِ وَالْحِسَابِ.
* *
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ يَعْنِي: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَمَلَائِكَةً حَفَظَة كِرَامًا فَلَا تُقَابِلُوهُمْ بِالْقَبَائِحِ، فَإِنَّهُمْ يَكْتُبُونَ عَلَيْكُمْ جَمِيعَ أَعْمَالِكُمْ.
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الطُّنَافِسِيّ، حَدَّثَنَا وَكيع، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ومِسْعَر، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَد، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ:: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَكْرِمُوا الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا عند إِحْدَى حَالَتَيْنِ: الْجَنَابَةِ وَالْغَائِطِ. فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ بِحَرَمِ حَائِطٍ أَوْ بِبَعِيرِهِ، أَوْ لِيَسْتُرْهُ أَخُوهُ".
وَقَدْ رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ، فَوَصَلَهُ بِلَفْظٍ آخَرَ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ كَرَامَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ حَفْصِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ عَنِ التعرِّي، فَاسْتَحْيُوا مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ الَّذِينَ مَعَكُمْ، الْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ، الَّذِينَ لَا يُفَارقونكم إِلَّا عِنْدَ إِحْدَى ثَلَاثِ حَالَاتٍ: الْغَائِطِ، وَالْجَنَابَةِ، وَالْغُسْلِ. فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ بِالْعَرَاءِ فَلْيَسْتَتِرْ بِثَوْبِهِ، أَوْ بِحَرَمِ حَائِطٍ، أَوْ بِبَعِيرِهِ".
ثُمَّ قَالَ: حَفْصُ بْنُ سُلَيْمَانَ لَيِّنُ الْحَدِيثِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ، وَاحْتُمِلَ حَدِيثُهُ [[مسند البزار برقم (٣١٧) "كشف الأستار".]] .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا مُبَشّر بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْحَلَبِيُّ، حَدَّثَنَا تمام ابن نَجِيح، عَنِ الْحَسَنِ-يَعْنِي الْبَصْرِيَّ-عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا مِنْ حَافِظَيْنِ يَرْفَعَانِ إِلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، مَا حَفِظَا فِي يَوْمٍ، فَيَرَى فِي أَوَّلِ الصَّحِيفَةِ وَفِي آخِرِهَا اسْتِغْفَارٌ إِلَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي مَا بَيْنَ طَرَفَيِ الصَّحِيفَةِ".
ثُمَّ قَالَ:تَفَرَّدَ بِهِ تَمَّامُ بْنُ نَجِيحٍ، وَهُوَ صَالِحُ الْحَدِيثِ [[مسند البزار برقم (٣٢٥٢) "كشف الأستار".]] .
قُلْتُ: وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَضَعَّفَهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو زُرْعة، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ عَدِيٍّ. وَرَمَاهُ ابْنُ حِبَّانَ بِالْوَضْعِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: لَا أَعْرِفُ حَقِيقَةَ أَمْرِهِ.
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْبَغْدَادِيُّ الْمَعْرُوفُ بالقُلُوسِي [[في مسند البزار: "الفلوسي" نسبة إلى الفلوس.]] حَدَّثَنَا بَيَانُ بْنُ حِمْرَانَ [[في أ: "عمران".]] حَدَّثَنَا سَلَامٌ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيرة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً [[في م: "إن ملائكة الله".]] يَعْرِفُونَ بَنِي آدَمَ-وَأَحْسَبُهُ قَالَ: وَيَعْرِفُونَ أَعْمَالَهُمْ-فَإِذَا نَظَرُوا إِلَى عَبْدٍ يَعْمَلُ بِطَاعَةِ اللَّهِ ذَكَرُوهُ بَيْنَهُمْ وسَمَّوه، وَقَالُوا: أَفْلَحَ اللَّيْلَةَ فُلَانٌ، نَجَا اللَّيْلَةَ فُلَانٌ. وَإِذَا نَظَرُوا إِلَى عَبْدٍ يَعْمَلُ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ وَذَكَرُوهُ بَيْنَهُمْ وَسَمَّوْهُ، وقالوا:هلك الليلة فلان".
ثُمَّ قَالَ الْبَزَّارُ: سَلَامٌ هَذَا، أَحْسَبُهُ سَلَامٌ الْمَدَائِنِيُّ، وَهُوَ لَيِّنُ الْحَدِيثِ [[مسند البزار برقم (٢١٩٥) "كشف الأستار".]] .
تفسير الطبري
يشمل هذا التفسير الآيات 6 إلى 8
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الإنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨) ﴾
.
يقول تعالى ذكره: يا أيها الإنسان الكافر، أيّ شيء غرّك بربك الكريم، غرّ الإنسانَ به عدوُّه المسلَّط عليه.
كما:-
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ شيء ما غرّ ابن آدم هذا العدوّ الشيطان.
* *
وقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ﴾
يقول: الذي خلقك أيها الإنسان فسوّى خلقك ﴿فَعَدَلَكَ﴾ واختلفت القرَّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرَّاء المدينة ومكة والشام والبصرة ﴿فعدّلك﴾ بتشديد الدال، وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة بتخفيفها، وكأن من قرأ ذلك بالتشديد وجَّه معنى الكلام إلى أنه جعلك معتدلا معدّل الخلق مقوَّما، وكأن الذين قرءوه بالتخفيف، وجَّهوا معنى الكلام إلى صرفك وأمالك إلى أيّ صورة شاء، إما إلى صورة حسنة، وإما إلى صورة قبيحة، أو إلى صورة بعض قراباته.
وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال: إنهما قراءتان معروفتان في قراءة الأمصار صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، غير أن أعجبهما إليّ أن أقرأ به قراءة من قَرَأ ذلك بالتشديد، لأن دخول" في" للتعديل أحسن في العربية من دخولها للعدل، ألا ترى أنك تقول: عدّلتك في كذا، وصرفتك إليه، ولا تكاد تقول: عدلتك إلى كذا وصرفتك فيه، فلذلك اخترت التشديد.
وبنحو الذي قلنا في ذلك وذكرنا أن قارئي ذلك تأوّلوه، جاءت الرواية عن أهل التأويل أنهم قالوه.
ذكر الرواية بذلك:
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ قال: في أيّ شبه أب أو أم أو خال أو عمّ.
⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن إسماعيل، في قوله: ﴿مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ قال: إن شاء في صورة كلب، وإن شاء في صورة حمار.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن إسماعيل، عن أبي صالح ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ قال: خنزيرا أو حماوا.
⁕ حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، عن أبي رجاء، عن عكرِمة، في قوله: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ قال: إن شاء في صورة قرد، وإن شاء في صورة خنزير.
⁕ حدثني محمد بن سنان القزّاز، قال: ثنا مطهر بن الهيثم، قال: ثنا موسى بن عليّ بن أبي رباح اللَّخمي، قال: ثني أبي، عن جدي، أن النبيّ ﷺ قال له: " ما وُلِدَ لَك؟ " قال: يا رسول الله ما عسَى أن يولد لي، إما غلام، وإما جارية، قال: "فَمَن يُشْبِهُ؟ " قال: يا رسول الله من عسى أن يشبه؟ إما أباه، وإما أمه؛ فقال النبيّ ﷺ عندها: "مَهْ، لا تَقُولَنَّ هَكَذَا، إنَّ النُّطْفَةَ إذَا اسْتَقَرَّتْ فِي الرَّحِمِ أحْضَرَ اللهُ كُلَّ نَسَبٍ بَيْنَها وَبَينَ آدَمَ، أما قَرأْتَ هَذِهِ الآيَةَ فِي كتاب الله ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ قال: سَلَكَكَ ".