سورة الإنسان، الآية 30
الجزء 29، الصفحة 580.
وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴿٣٠﴾
الآية في سياق السورةاستمع إلى سورة الإنسان
تفسير الآية
التفسير الميسر
يشمل هذا التفسير الآيات 29 إلى 31
إن هذه السورة بما فيها من ترغيب وترهيب، ووعد ووعيد عظة للعالمين، فمن أراد الخير لنفسه في الدنيا والآخرة اتخذ بالإيمان والتقوى طريقًا يوصله إلى مغفرة الله ورضوانه. وما تريدون أمرًا من الأمور إلا بتقدير الله ومشيئته. إن الله كان عليمًا بأحوال خلقه، حكيمًا في تدبيره وصنعه. يُدْخل مَن يشاء مِن عباده في رحمته ورضوانه، وهم المؤمنون، وأعدَّ للظالمين المتجاوزين حدود الله عذابًا موجعًا.
تفسير السعدي
يشمل هذا التفسير الآيات 4 إلى 31
الآية 4: أي: إنَّا هيَّأنا وأرصدنا لمن كفر باللَّه وكذَّب رسله وتجرَّأ على معاصيه، {سلاسل}: في نار جهنَّم؛ كما قال تعالى:{ثمَّ في سلسلةٍ ذَرۡعُها سبعونَ ذِراعاً فاسلكوه}، {وأغلالاً}: تُغَلُّ بها أيديهم إلى أعناقهم ويوثقون بها، {وسعيراً}؛ أي: ناراً تستعر بها أجسامُهم وتُحرق بها أبدانُهم، كلَّما نَضِجَتْ جلودُهم؛ بدَّلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب، وهذا العذاب الدَّائم مؤبَّدٌ لهم ، مخلَّدون فيه سرمداً.
الآية 5: وأمَّا {الأبرار}، وهم الذين بَرَّتْ قلوبُهم بما فيها من معرفة الله ومحبَّته والأخلاق الجميلة؛ فبرَّت أعمالُهم ، واستعملوها بأعمال البرِّ، فأخبر أنَّهم {يشربون من كأسٍ}؛ أي: شرابٍ لذيذٍ من خمرٍ [قد] مُزِجَ بكافورٍ؛ أي: خلط به ليبرِّده ويكسر حدَّته، وهذا الكافور في غاية اللَّذَّة، قد سلم من كلِّ مكدِّرٍ ومنغِّص موجودٍ في كافور الدُّنيا؛ فإنَّ الآفة الموجودة في الدُّنيا تعدم من الأسماء التي ذكرها الله في الجنة ؛ كما قال تعالى:{في سِدۡرٍ مخضودٍ. وطلح منضودٍ}، {وأزواجٌ مطهرةٌ}، {لهم دارُ السلام عند ربِّهم}، {وفيها ما تشتهيهِ الأنفسُ وتَلَذُّ الأعينُ}.
الآية 6:{عيناً يشربُ بها عبادُ اللهِ}؛ أي: ذلك الكأس اللذيذ الذي يشربونه لا يخافون نفاذه، بل له مادَّة لا تنقطع، وهي عينٌ دائمةُ الفيضان والجريان، يفجِّرها عباد الله تفجيراً أنَّى شاؤوا وكيف أرادوا؛ فإن شاؤوا؛ صرفوها إلى البساتين الزاهرات أو إلى الرياض النضرات، أو بين جوانب القصور والمساكن المزخرفات، أو إلى أيِّ جهةٍ يَرَوْنَها من الجهات المؤنَّقات.
الآية 7: ثم ذكر جملةً من أعمالهم ، فقال:{يوفون بالنَّذۡرِ}؛ أي: بما ألزموا به أنفسهم للَّه من النذور والمعاهدات، وإذا كانوا يوفون بالنذر الذي هو غير واجبٍ في الأصل عليهم إلا بإيجابهم على أنفسهم؛ كان فعلُهم وقيامهم بالفروض الأصليَّة من باب أولى وأحرى، {ويخافون يوماً كان شَرُّه مستطيراً}؛ أي: فاشياً منتشراً، فخافوا أن ينالهم شرُّه، فتركوا كلَّ سببٍ موجبٍ لذلك.
{8 ـ 10}{ويطعِمونَ الطَّعامَ على حبِّه}؛ أي: وهم في حال يحبُّون فيها المال والطعام، لكنَّهم قدَّموا محبَّة الله على محبَّة نفوسهم، ويتحرَّوْن في إطعامهم أولى الناس وأحوجَهم، {مسكيناً ويتيماً وأسيراً}: ويقصدون بإنفاقهم وإطعامهم وجهَ الله تعالى، ويقولون بلسان الحال:{إنَّما نطعِمُكم لوجه الله لا نريدُ منكم جزاءً ولا شكوراً}؛ أي: لا جزاءً ماليًّا ولا ثناءً قوليًّا، {إنا نخاف من ربِّنا يوماً عبوساً}؛ أي: شديد الجهمة والشرِّ، {قمطريراً}؛ أي: ضنكاً ضيقاً.
الآية 11:{فوقاهُمُ اللهُ شرَّ ذلك اليوم}: فلا يحزنهم الفزعُ الأكبر، وتتلقَّاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتُم توعدون، {ولَقَّاهُم}؛ أي: أكرمهم وأعطاهم {نضرةً}: في وجوههم، {وسروراً}: في قلوبهم، فجمع لهم بين نعيم الظَّاهر والباطن.
الآية 12:{وجزاهم بما صبروا}: على طاعته فعملوا ما أمكنهم منها، وعن معاصيه فتركوها، وعلى أقداره المؤلمة فلم يتسخَّطوها {جنَّةً}: جامعةً لكلِّ نعيمٍ سالمةً من كلِّ مكدِّرٍ ومنغِّص، {وحريراً}؛ كما قال تعالى:{ولباسُهم فيها حريرٌ}: ولعلَّ اللهَ إنَّما خصَّ الحريرَ لأنَّه لباسهم الظَّاهر الدالُّ على حال صاحبه.
الآية 13:{متَّكئين فيها على الأرائكِ}: الاتِّكاء: التمكُّن من الجلوس في حال الطُّمأنينة والراحة والرَّفاهية ، والأرائك هي السُّرُر التي عليها اللباس المزيَّن، {لا يَرَوۡن فيها}؛ أي: في الجنة {شمساً}: يضرُّهم حرُّها، {ولا زمهريراً}؛ أي: برداً شديداً، بل جميع أوقاتهم في ظلٍّ ظليلٍ، لا حرٌّ ولا بردٌ؛ بحيث تلتذُّ به الأجساد ولا تتألَّم من حرٍّ ولا بردٍ.
الآية 14:{ودانيةً عليهم ظِلالها وذُلِّلَتۡ قطوفُها تذليلاً}؛ أي: قُرِّبَتْ ثمراتها من مريدها تقريباً، ينالها وهو قائمٌ أو قاعدٌ أو مضطجعٌ.
{15 ـ 16}{ويُطافُ عليهم}؛ أي: يدور الولدان والخدم على أهل الجنة ، {بآنيةٍ من فضَّةٍ وأكوابٍ كانت قواريرَ. قواريرَ من فضَّةٍ}؛ أي: مادتها فضَّةٌ، وهي على صفاء القوارير، وهذا من أعجب الأشياء؛ أن تكون الفضَّةُ الكثيفة من صفاء جوهرها وطيب معدنها على صفاء القوارير، {قدَّروها تَقۡديراً}؛ أي: قدَّروا الأواني المذكورة على قدرِ رِيِّهم؛ لا تزيدُ ولا تنقصُ؛ لأنَّها لو زادت؛ نقصتْ لذَّتها، ولو نقصت؛ لم تكفِهِم لرِيِّهم. ويُحتمل أنَّ المراد: قدَّرها أهلُ الجنة بمقدارٍ يوافقُ لذَّتَهم، فأتتْهم على ما قدَّروا في خواطرهم.
{17 ـ 18}{ويُسۡقَوۡنَ فيها}؛ أي: الجنة {كأساً}: وهو الإناء [المملوء] من خمرٍ ورحيقٍ. {كان مِزاجُها}؛ أي: خلطها {زنجبيلاً}: ليطيب طعمُه وريحُه. {عيناً فيها}؛ [أي: في الجنة]{تسمّى سَلۡسَبيلاً}: سمِّيت بذلك لسلاستها ولذَّتها وحسنها.
الآية 19:{ويطوفُ}: على أهل الجنة في طعامهم وشرابهم وخدمتهم، {ولدانٌ مخلَّدون}؛ أي: خلقوا من الجنة للبقاء؛ لا يتغيَّرون ولا يكبرون، وهم في غاية الحسن، {إذا رأيتَهم}: منتشرين في خدمتهم، {حسبتَهم}: من حسنهم {لؤلؤاً منثوراً}: وهذا من تمام لذَّة أهل الجنة؛ أن يكون خُدَّامُهم الولدان المخلَّدون، الذين تَسُرُّ رؤيتُهم، ويدخُلون في مساكنهم آمنين من تَبِعَتِهِم، ويأتونَهم بما يدَّعون وتطلُبُه نفوسُهم.
الآية 20:{وإذا رأيتَ ثَمَّ}؛ أي: رمقتَ ما أهل الجنة عليه من النعيم الكامل، {رأيتَ نعيماً وملكاً كبيراً}: فتجد الواحد منهم عنده من [القصور و] المساكن والغرف المزيَّنة المزخرفة ما لا يدرِكُه الوصفُ، ولديه من البساتين الزاهرة والثِّمار الدَّانية والفواكه اللَّذيذة والأنهار الجارية والرِّياض المعجِبَة والطُّيور المطربة المُشْجِيَة، ما يأخُذُ بالقلوب ويُفْرِحُ النفوس، وعنده من الزَّوْجاتِ اللاَّتي هنَّ في غاية الحسن والإحسان الجامعات لجمال الظاهر والباطن الخَيِّراتِ الحسانِ، ما يملأ القلبَ سروراً ولذَّةً وحبوراً، وحوله من الوِلْدان المخلَّدين والخدم المؤبَّدين ما به تحصل الراحة والطُّمأنينة، وتتمُّ لَذَّة العيش وتكمل الغِبطة، ثم علاوة ذلك ومعظمه الفوز برضا الربِّ الرحيم وسماع خطابه ولَذَّة قربه والابتهاج برضاه والخلود الدائم، وتزايد ما هم فيه من النعيم كلَّ وقتٍ وحينٍ؛ فسبحان المالك الملك الحقِّ المُبين، الذي لا تَنْفَدُ خزائنُه ولا يقلُّ خيرُه؛ كما لا نهاية لأوصافِهِ؛ فلا نهايةَ لبرِّه وإحسانه.
الآية 21:{عاليهم ثيابُ سندسٍ خضرٌ}؛ أي: قد جلَّلتهم ثياب السندس والإستبرق الأخضران اللَّذان هما أجلُّ أنواع الحرير، فالسُّندس ما غلظ من الحرير، والإستبرقُ ما رقَّ منه، {وحُلُّوا أساوِرَ من فضَّةٍ}؛ أي: حُلُّوا في أيديهم أساور الفضَّة؛ ذكورهم وإناثهم. وهذا وعدٌ وَعَدَهم الله، وكان وعدُه مفعولاً؛ لأنَّه لا أصدق منه قيلاً ولا حديثاً. وقوله:{وسقاهم ربُّهم شراباً طهوراً}؛ أي: لا كدر فيه بوجهٍ من الوجوه، مطهراً لما في بطونهم من كلِّ أذىً وقذىً.
الآية 22:{[إنَّ] هذا}: الجزاء الجزيل [والعطاء الجميل]{كان لكم جزاءً}: على ما أسلَفْتموه من الأعمال، {وكان سعيُكم مشكوراً}؛ أي: القليل [منه] يجعل الله لكم به من النعيم [المقيم] ما لا يمكن حصره.
الآية 23: وقوله تعالى لما ذكر نعيم الجنة: {إنَّا نحن نزَّلۡنا عليك القرآن تنزيلاً}: فيه الوعد والوعيد وبيانُ كلِّ ما يحتاجه العباد، وفيه الأمر بالقيام بأوامره وشرائعه أتمَّ القيام والسعي في تنفيذها والصبر على ذلك.
الآية 24: ولهذا قال: {فاصبر لحكم ربِّكَ ولا تُطِعۡ منهم آثماً أو كفوراً}؛ أي: اصبر لحكمه القدريِّ؛ فلا تسخطه، ولحكمه الدينيِّ؛ فامض عليه، ولا يعوقَنَّك عنه عائقٌ، {ولا تطعۡ}: من المعاندين الذين يريدونَ أن يَصُدُّوك {آثماً}؛ أي: فاعلاً إثماً ومعصيةً، {ولا كفوراً}: فإنَّ طاعة الكفَّار والفجَّار والفسَّاق لا بدَّ أن تكون معصيةً لله ؛ فإنَّهم لا يأمرون إلاَّ بما تهواه أنفسهم.
الآية 25: ولما كان الصبر يُسْتَمَدُّ من القيام بطاعة الله والإكثار من ذِكْرِه؛ أمر الله بذلك، فقال:{واذكُرِ اسمَ ربِّك بكرةً وأصيلاً}؛ أي: أول النهار وآخره، فدخل في ذلك الصلوات المكتوبات، وما يتبعها من النَّوافل والذِّكْر والتَّسبيح والتَّهليل والتَّكبير في هذه الأوقات.
الآية 26:{ومن الليل فاسۡجُدۡ له}؛ أي: أكثر له من السُّجود، وذلك متضمِّن لكثرة الصلاة ، {وسبِّحۡه ليلاً طويلاً}: وقد تقدَّم تقييد هذا المطلق بقوله: {يا أيُّها المزَّمِّلُ. قم الليلَ إلاَّ قليلاً. نِصۡفَهُ أو انقُصۡ منه قليلاً. أو زِدۡ عليه ... }.
الآية 27: وقوله: {إنَّ هؤلاء}؛ أي: المكَذِّبين لك أيها الرسول بعدما بُيِّنَتْ لهم الآيات ورُغِّبوا ورُهِّبوا، ومع ذلك لم يُفِدْ فيهم ذلك شيئاً، بل لا يزالون يُؤْثرون {العاجلةَ}: ويطمئنُّون إليها، {ويذرونَ}؛ أي: يتركون العمل ويهملون {وراءهم}؛ أي: أمامهم {يوماً ثقيلاً}: وهو يوم القيامةِ، الذي مقداره خمسون ألفَ سنةٍ ممَّا تعدُّون، وقال تعالى:{يقولُ الكافرون هذا يومٌ عَسِرٌ}؛ فكأنَّهم ما خُلِقوا إلاَّ للدُّنيا والإقامة فيها.
الآية 28: ثم استدلَّ عليهم وعلى بعثهم بدليل عقليٍّ، وهو دليلُ الابتداء، فقال:{نحن خَلَقۡناهم}؛ أي: أوجدناهم من العدم، {وشَدَدۡنا أسۡرَهم}؛ أي: أحكمنا خِلْقَتَهم بالأعصاب والعروق والأوتار والقُوى الظاهرة والباطنة، حتى تمَّ الجسم واستكمل وتمكَّن من كلِّ ما يريده؛ فالذي أوجدهم على هذه الحالة قادرٌ على أن يعيدَهم بعد موتهم لجزائهم، والذي نقَّلهم في هذه الدار إلى هذه الأطوار لا يَليقُ به أن يَتْرُكَهم سدىً، لا يُؤْمَرون، ولا يُنْهَوْن، ولا يُثابون، ولا يُعاقبون، ولهذا قال:{وإذا شِئۡنا بَدَّلۡنا أمثالَهم تَبۡديلاً}؛ أي: أنشأناكم للبعث نشأةً أخرى، وأعدْناكم بأعيانكم، وهم بأنفسهم أمثالهم.
الآية 29:{إنَّ هذه تذكرةٌ}؛ أي: يتذكَّر بها المؤمن، فينتفع بما فيها من التخويف والترغيب، {فمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى ربِّه سَبيلاً}؛ أي: طريقاً موصلاً إليه؛ فالله يبيِّن الحقَّ والهدى، ثم يخيِّر الناس بين الاهتداء بها أو النُّفور عنها؛ إقامةً للحُجَّة ؛ ليهلكَ من هَلَكَ عن بيِّنةٍ، ويحيا من حيَّ عن بينةٍ.
الآية 30:{وما تشاؤون إلاَّ أن يشاءَ اللهُ}: فإنَّ مشيئة الله نافذةٌ. {إنَّ الله كان عليماً حكيماً}: فله الحكمةُ في هداية المهتدي وإضلال الضالِّ.
الآية 31:{يُدۡخِلُ مَن يشاءُ في رحمتِهِ}: فيختصُّه بعنايته، ويوفِّقه لأسباب السعادة، ويهديه لطُرُقِها، {والظَّالمين}: الذين اختاروا الشقاء على الهدى، {أعدَّ لهم عذاباً أليماً}: بظلمهم وعدوانهم.
تمت. ولله الحمد.
* * *
تفسير الجلالين
﴿وما تشاءون﴾ بالتاء والياء اتخاذ السبيل بالطاعة ﴿إلا أن يشاء الله﴾ ذلك ﴿إن الله كان عليما﴾ بخلقه ﴿حكيما﴾ في فعله
تفسير ابن كثير
يشمل هذا التفسير الآيات 23 إلى 31
يَقُولُ تَعَالَى مُمْتَنًّا عَلَى رَسُولِهِ ﷺ بِمَا نَزَّلَهُ عَلَيْهِ مِنَ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ تَنْزِيلًا ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ أَيْ: كَمَا أكرمتُكَ بِمَا أنزلتُ عَلَيْكَ، فَاصْبِرْ عَلَى قَضَائِهِ وقَدَره، وَاعْلَمْ أَنَّهُ سَيُدَبرك بِحُسْنِ تَدْبِيرِهِ، ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ أَيْ: لَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنْ أَرَادُوا صَدّك عَمًّا أُنْزِلَ إِلَيْكَ [[في أ: "عليك".]] بَلْ بَلّغ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ، وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ. فَالْآثِمُ هُوَ الْفَاجِرُ فِي أَفْعَالِهِ، وَالْكَفُورُ هُوَ الْكَافِرُ بِقَلْبِهِ.
﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلا﴾ أَيْ: أولَ النَّهَارِ وَآخِرَهُ.
﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلا طَوِيلا﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٧٩] وَكَقَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا﴾ [الْمُزَّمِّلِ: ١-٤] .
ثُمَّ قَالَ: مُنْكِرًا عَلَى الْكُفَّارِ وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ فِي حُبّ الدُّنْيَا وَالْإِقْبَالِ عَلَيْهَا وَالِانْصِبَابِ إِلَيْهَا، وَتَرْكِ الدَّارِ الْآخِرَةِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلا﴾ يَعْنِي: يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ: يَعْنِي خَلْقَهم. ﴿وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلا﴾ أَيْ: وَإِذَا شِئْنَا بَعَثْنَاهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وبَدلناهم فَأَعَدْنَاهُمْ خَلْقًا جَدِيدًا. وَهَذَا اسْتِدْلَالٌ بِالْبُدَاءَةِ عَلَى الرَّجْعَةِ.
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ: ﴿وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلا﴾ [أَيْ] [[زيادة من م.]] : وَإِذَا شِئْنَا أَتَيْنَا بِقَوْمٍ آخَرِينَ غَيْرِهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ [[في أ: "وكان الله على كل شيء" وهو خطأ.]] قَدِيرًا﴾ [النِّسَاءِ: ١٣٣] وَكَقَوْلِهِ: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ١٩، ٢٠، وَفَاطِرٍ ١٦، ١٧] .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ هَذِهِ﴾ يَعْنِي: هَذِهِ السُّورَةَ ﴿تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلا﴾ أَيْ طَرِيقًا وَمَسْلَكًا، أَيْ: مَنْ شَاءَ اهْتَدَى بِالْقُرْآنِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ [النساء: ٣٩] .
ثُمَّ قَالَ: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ أَيْ: لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَهدي نَفْسَهُ، وَلَا يَدْخُلُ فِي الْإِيمَانِ [[في م: "في إيمان"]] وَلَا يُجْرِ لِنَفْسِهِ نَفْعًا، ﴿إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أَيْ: عَلِيمٌ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ الْهِدَايَةَ فَيُيَسّرها لَهُ، وَيُقَيِّضُ لَهُ أَسْبَابَهَا، وَمَنْ يَسْتَحِقُّ الْغَوَايَةَ فَيَصْرِفُهُ عَنِ الْهُدَى، وَلَهُ الْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ، وَالْحُجَّةُ الدَّامِغَةُ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾
ثُمَّ قَالَ: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ أَيْ: يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ، وَمَنْ يَهْدِهِ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ.
[آخِرُ سورة "الإنسان"] [[زيادة من م، أ.]] [والله أعلم] [[زيادة من أ.]]
تفسير الطبري
يشمل هذا التفسير الآيات 30 إلى 31
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٣١) ﴾
.
يقول تعالى ذكره: ﴿وَما تَشاءُونَ﴾ اتخاذ السبيل إلى ربكم أيها الناس ﴿إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ذلك لكم لأن الأمر إليه لا إليكم، وهو في قراءة عبد الله فيما ذُكر ﴿وَما تَشاءُونَ إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ .
* *
وقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾
فلن يعدو منكم أحد ما سبق له في علمه بتدبيركم.
* *
وقوله: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾
يقول: يدخل ربكم من يشاء منكم في رحمته، فيتوب عليه حتى يموت تائبا من ضلالته، فيغفر له ذنوبه، ويُدخله جنته ﴿وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ يقول: الذين ظلموا أنفسهم، فماتوا على شركهم، أعدّ لهم في الآخرة عذابا مؤلما موجعا، وهو عذاب جهنم. ونصب قوله: ﴿والظَّالمِينَ﴾ لأن الواو ظرف لأعدّ، والمعنى: وأعد للظالمين عذابا أليما. وذُكر أن ذلك في قراءة عبد الله: ﴿ولِلظَّالِمِينَ أعَدَّ لَهُمْ﴾ بتكرير اللام، وفد تفعل العرب ذلك، وينشد لبعضهم:
أقولُ لَهَا إذا سألَتْ طَلاقًا ... إلامَ تُسارِعينَ إلى فِرَاقي؟ [[جواب قوله "فإذ كان صحيحًا. . . " وما بينهما فصل.]]
ولآخر:
فأصْبَحْنَ لا يسأَلْنهُ عَنْ بِمَا بِهِ ... أصَعَّد فِي غاوِي الهَوَى أمْ تَصَوَّبا؟ [[الحديث ١٤٨- نقله ابن كثير في التفسير ١: ٤١ عن هذا الموضع، وقد مضى الكلام في هذا الإسناد، وبيان ضعفه: ١٣٧، ١٤١. والذي في الدر المنثور ١: ٨- ٩ "على من أحب أن يضعف عليه العذاب"، والظاهر أنه تصرف من ناسخ أو طابع.]]
بتكرير الباء، وإنما الكلام لا يسألنه عما به.
آخر تفسير سورة الإنسان.