سورة الإنسان، الآية 7
الجزء 29، الصفحة 579.
يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُۥ مُسْتَطِيرًا ﴿٧﴾
الآية في سياق السورةاستمع إلى سورة الإنسان
تفسير الآية
التفسير الميسر
يشمل هذا التفسير الآيات 6 إلى 10
هذا الشراب الذي مزج من الكافور هو عين يشرب منها عباد الله، يتصرفون فيها، ويُجْرونها حيث شاؤوا إجراءً سهلًا. هؤلاء كانوا في الدنيا يوفون بما أوجبوا على أنفسهم من طاعة الله، ويخافون عقاب الله في يوم القيامة الذي يكون ضرره خطيرًا، وشره فاشيًا منتشرًا على الناس، إلا مَن رحم الله، ويُطْعِمون الطعام مع حبهم له وحاجتهم إليه، فقيرًا عاجزًا عن الكسب لا يملك ما يكفيه ويسدُّ حاجته، وطفلًا مات أبوه وهو دون سن البلوغ ولا مال له، وأسيرًا أُسر في الحرب من المشركين وغيرهم، ويقولون في أنفسهم: إنما نحسن إليكم ابتغاء مرضاة الله، وطلب ثوابه، لا نبتغي عوضًا ولا نقصد حمدًا ولا ثناء منكم. إنا نخاف من ربنا يومًا شديدًا تَعْبِس فيه الوجوه، وتتقطَّبُ الجباه مِن فظاعة أمره وشدة هوله.
تفسير السعدي
يشمل هذا التفسير الآيات 4 إلى 31
الآية 4: أي: إنَّا هيَّأنا وأرصدنا لمن كفر باللَّه وكذَّب رسله وتجرَّأ على معاصيه، {سلاسل}: في نار جهنَّم؛ كما قال تعالى:{ثمَّ في سلسلةٍ ذَرۡعُها سبعونَ ذِراعاً فاسلكوه}، {وأغلالاً}: تُغَلُّ بها أيديهم إلى أعناقهم ويوثقون بها، {وسعيراً}؛ أي: ناراً تستعر بها أجسامُهم وتُحرق بها أبدانُهم، كلَّما نَضِجَتْ جلودُهم؛ بدَّلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب، وهذا العذاب الدَّائم مؤبَّدٌ لهم ، مخلَّدون فيه سرمداً.
الآية 5: وأمَّا {الأبرار}، وهم الذين بَرَّتْ قلوبُهم بما فيها من معرفة الله ومحبَّته والأخلاق الجميلة؛ فبرَّت أعمالُهم ، واستعملوها بأعمال البرِّ، فأخبر أنَّهم {يشربون من كأسٍ}؛ أي: شرابٍ لذيذٍ من خمرٍ [قد] مُزِجَ بكافورٍ؛ أي: خلط به ليبرِّده ويكسر حدَّته، وهذا الكافور في غاية اللَّذَّة، قد سلم من كلِّ مكدِّرٍ ومنغِّص موجودٍ في كافور الدُّنيا؛ فإنَّ الآفة الموجودة في الدُّنيا تعدم من الأسماء التي ذكرها الله في الجنة ؛ كما قال تعالى:{في سِدۡرٍ مخضودٍ. وطلح منضودٍ}، {وأزواجٌ مطهرةٌ}، {لهم دارُ السلام عند ربِّهم}، {وفيها ما تشتهيهِ الأنفسُ وتَلَذُّ الأعينُ}.
الآية 6:{عيناً يشربُ بها عبادُ اللهِ}؛ أي: ذلك الكأس اللذيذ الذي يشربونه لا يخافون نفاذه، بل له مادَّة لا تنقطع، وهي عينٌ دائمةُ الفيضان والجريان، يفجِّرها عباد الله تفجيراً أنَّى شاؤوا وكيف أرادوا؛ فإن شاؤوا؛ صرفوها إلى البساتين الزاهرات أو إلى الرياض النضرات، أو بين جوانب القصور والمساكن المزخرفات، أو إلى أيِّ جهةٍ يَرَوْنَها من الجهات المؤنَّقات.
الآية 7: ثم ذكر جملةً من أعمالهم ، فقال:{يوفون بالنَّذۡرِ}؛ أي: بما ألزموا به أنفسهم للَّه من النذور والمعاهدات، وإذا كانوا يوفون بالنذر الذي هو غير واجبٍ في الأصل عليهم إلا بإيجابهم على أنفسهم؛ كان فعلُهم وقيامهم بالفروض الأصليَّة من باب أولى وأحرى، {ويخافون يوماً كان شَرُّه مستطيراً}؛ أي: فاشياً منتشراً، فخافوا أن ينالهم شرُّه، فتركوا كلَّ سببٍ موجبٍ لذلك.
{8 ـ 10}{ويطعِمونَ الطَّعامَ على حبِّه}؛ أي: وهم في حال يحبُّون فيها المال والطعام، لكنَّهم قدَّموا محبَّة الله على محبَّة نفوسهم، ويتحرَّوْن في إطعامهم أولى الناس وأحوجَهم، {مسكيناً ويتيماً وأسيراً}: ويقصدون بإنفاقهم وإطعامهم وجهَ الله تعالى، ويقولون بلسان الحال:{إنَّما نطعِمُكم لوجه الله لا نريدُ منكم جزاءً ولا شكوراً}؛ أي: لا جزاءً ماليًّا ولا ثناءً قوليًّا، {إنا نخاف من ربِّنا يوماً عبوساً}؛ أي: شديد الجهمة والشرِّ، {قمطريراً}؛ أي: ضنكاً ضيقاً.
الآية 11:{فوقاهُمُ اللهُ شرَّ ذلك اليوم}: فلا يحزنهم الفزعُ الأكبر، وتتلقَّاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتُم توعدون، {ولَقَّاهُم}؛ أي: أكرمهم وأعطاهم {نضرةً}: في وجوههم، {وسروراً}: في قلوبهم، فجمع لهم بين نعيم الظَّاهر والباطن.
الآية 12:{وجزاهم بما صبروا}: على طاعته فعملوا ما أمكنهم منها، وعن معاصيه فتركوها، وعلى أقداره المؤلمة فلم يتسخَّطوها {جنَّةً}: جامعةً لكلِّ نعيمٍ سالمةً من كلِّ مكدِّرٍ ومنغِّص، {وحريراً}؛ كما قال تعالى:{ولباسُهم فيها حريرٌ}: ولعلَّ اللهَ إنَّما خصَّ الحريرَ لأنَّه لباسهم الظَّاهر الدالُّ على حال صاحبه.
الآية 13:{متَّكئين فيها على الأرائكِ}: الاتِّكاء: التمكُّن من الجلوس في حال الطُّمأنينة والراحة والرَّفاهية ، والأرائك هي السُّرُر التي عليها اللباس المزيَّن، {لا يَرَوۡن فيها}؛ أي: في الجنة {شمساً}: يضرُّهم حرُّها، {ولا زمهريراً}؛ أي: برداً شديداً، بل جميع أوقاتهم في ظلٍّ ظليلٍ، لا حرٌّ ولا بردٌ؛ بحيث تلتذُّ به الأجساد ولا تتألَّم من حرٍّ ولا بردٍ.
الآية 14:{ودانيةً عليهم ظِلالها وذُلِّلَتۡ قطوفُها تذليلاً}؛ أي: قُرِّبَتْ ثمراتها من مريدها تقريباً، ينالها وهو قائمٌ أو قاعدٌ أو مضطجعٌ.
{15 ـ 16}{ويُطافُ عليهم}؛ أي: يدور الولدان والخدم على أهل الجنة ، {بآنيةٍ من فضَّةٍ وأكوابٍ كانت قواريرَ. قواريرَ من فضَّةٍ}؛ أي: مادتها فضَّةٌ، وهي على صفاء القوارير، وهذا من أعجب الأشياء؛ أن تكون الفضَّةُ الكثيفة من صفاء جوهرها وطيب معدنها على صفاء القوارير، {قدَّروها تَقۡديراً}؛ أي: قدَّروا الأواني المذكورة على قدرِ رِيِّهم؛ لا تزيدُ ولا تنقصُ؛ لأنَّها لو زادت؛ نقصتْ لذَّتها، ولو نقصت؛ لم تكفِهِم لرِيِّهم. ويُحتمل أنَّ المراد: قدَّرها أهلُ الجنة بمقدارٍ يوافقُ لذَّتَهم، فأتتْهم على ما قدَّروا في خواطرهم.
{17 ـ 18}{ويُسۡقَوۡنَ فيها}؛ أي: الجنة {كأساً}: وهو الإناء [المملوء] من خمرٍ ورحيقٍ. {كان مِزاجُها}؛ أي: خلطها {زنجبيلاً}: ليطيب طعمُه وريحُه. {عيناً فيها}؛ [أي: في الجنة]{تسمّى سَلۡسَبيلاً}: سمِّيت بذلك لسلاستها ولذَّتها وحسنها.
الآية 19:{ويطوفُ}: على أهل الجنة في طعامهم وشرابهم وخدمتهم، {ولدانٌ مخلَّدون}؛ أي: خلقوا من الجنة للبقاء؛ لا يتغيَّرون ولا يكبرون، وهم في غاية الحسن، {إذا رأيتَهم}: منتشرين في خدمتهم، {حسبتَهم}: من حسنهم {لؤلؤاً منثوراً}: وهذا من تمام لذَّة أهل الجنة؛ أن يكون خُدَّامُهم الولدان المخلَّدون، الذين تَسُرُّ رؤيتُهم، ويدخُلون في مساكنهم آمنين من تَبِعَتِهِم، ويأتونَهم بما يدَّعون وتطلُبُه نفوسُهم.
الآية 20:{وإذا رأيتَ ثَمَّ}؛ أي: رمقتَ ما أهل الجنة عليه من النعيم الكامل، {رأيتَ نعيماً وملكاً كبيراً}: فتجد الواحد منهم عنده من [القصور و] المساكن والغرف المزيَّنة المزخرفة ما لا يدرِكُه الوصفُ، ولديه من البساتين الزاهرة والثِّمار الدَّانية والفواكه اللَّذيذة والأنهار الجارية والرِّياض المعجِبَة والطُّيور المطربة المُشْجِيَة، ما يأخُذُ بالقلوب ويُفْرِحُ النفوس، وعنده من الزَّوْجاتِ اللاَّتي هنَّ في غاية الحسن والإحسان الجامعات لجمال الظاهر والباطن الخَيِّراتِ الحسانِ، ما يملأ القلبَ سروراً ولذَّةً وحبوراً، وحوله من الوِلْدان المخلَّدين والخدم المؤبَّدين ما به تحصل الراحة والطُّمأنينة، وتتمُّ لَذَّة العيش وتكمل الغِبطة، ثم علاوة ذلك ومعظمه الفوز برضا الربِّ الرحيم وسماع خطابه ولَذَّة قربه والابتهاج برضاه والخلود الدائم، وتزايد ما هم فيه من النعيم كلَّ وقتٍ وحينٍ؛ فسبحان المالك الملك الحقِّ المُبين، الذي لا تَنْفَدُ خزائنُه ولا يقلُّ خيرُه؛ كما لا نهاية لأوصافِهِ؛ فلا نهايةَ لبرِّه وإحسانه.
الآية 21:{عاليهم ثيابُ سندسٍ خضرٌ}؛ أي: قد جلَّلتهم ثياب السندس والإستبرق الأخضران اللَّذان هما أجلُّ أنواع الحرير، فالسُّندس ما غلظ من الحرير، والإستبرقُ ما رقَّ منه، {وحُلُّوا أساوِرَ من فضَّةٍ}؛ أي: حُلُّوا في أيديهم أساور الفضَّة؛ ذكورهم وإناثهم. وهذا وعدٌ وَعَدَهم الله، وكان وعدُه مفعولاً؛ لأنَّه لا أصدق منه قيلاً ولا حديثاً. وقوله:{وسقاهم ربُّهم شراباً طهوراً}؛ أي: لا كدر فيه بوجهٍ من الوجوه، مطهراً لما في بطونهم من كلِّ أذىً وقذىً.
الآية 22:{[إنَّ] هذا}: الجزاء الجزيل [والعطاء الجميل]{كان لكم جزاءً}: على ما أسلَفْتموه من الأعمال، {وكان سعيُكم مشكوراً}؛ أي: القليل [منه] يجعل الله لكم به من النعيم [المقيم] ما لا يمكن حصره.
الآية 23: وقوله تعالى لما ذكر نعيم الجنة: {إنَّا نحن نزَّلۡنا عليك القرآن تنزيلاً}: فيه الوعد والوعيد وبيانُ كلِّ ما يحتاجه العباد، وفيه الأمر بالقيام بأوامره وشرائعه أتمَّ القيام والسعي في تنفيذها والصبر على ذلك.
الآية 24: ولهذا قال: {فاصبر لحكم ربِّكَ ولا تُطِعۡ منهم آثماً أو كفوراً}؛ أي: اصبر لحكمه القدريِّ؛ فلا تسخطه، ولحكمه الدينيِّ؛ فامض عليه، ولا يعوقَنَّك عنه عائقٌ، {ولا تطعۡ}: من المعاندين الذين يريدونَ أن يَصُدُّوك {آثماً}؛ أي: فاعلاً إثماً ومعصيةً، {ولا كفوراً}: فإنَّ طاعة الكفَّار والفجَّار والفسَّاق لا بدَّ أن تكون معصيةً لله ؛ فإنَّهم لا يأمرون إلاَّ بما تهواه أنفسهم.
الآية 25: ولما كان الصبر يُسْتَمَدُّ من القيام بطاعة الله والإكثار من ذِكْرِه؛ أمر الله بذلك، فقال:{واذكُرِ اسمَ ربِّك بكرةً وأصيلاً}؛ أي: أول النهار وآخره، فدخل في ذلك الصلوات المكتوبات، وما يتبعها من النَّوافل والذِّكْر والتَّسبيح والتَّهليل والتَّكبير في هذه الأوقات.
الآية 26:{ومن الليل فاسۡجُدۡ له}؛ أي: أكثر له من السُّجود، وذلك متضمِّن لكثرة الصلاة ، {وسبِّحۡه ليلاً طويلاً}: وقد تقدَّم تقييد هذا المطلق بقوله: {يا أيُّها المزَّمِّلُ. قم الليلَ إلاَّ قليلاً. نِصۡفَهُ أو انقُصۡ منه قليلاً. أو زِدۡ عليه ... }.
الآية 27: وقوله: {إنَّ هؤلاء}؛ أي: المكَذِّبين لك أيها الرسول بعدما بُيِّنَتْ لهم الآيات ورُغِّبوا ورُهِّبوا، ومع ذلك لم يُفِدْ فيهم ذلك شيئاً، بل لا يزالون يُؤْثرون {العاجلةَ}: ويطمئنُّون إليها، {ويذرونَ}؛ أي: يتركون العمل ويهملون {وراءهم}؛ أي: أمامهم {يوماً ثقيلاً}: وهو يوم القيامةِ، الذي مقداره خمسون ألفَ سنةٍ ممَّا تعدُّون، وقال تعالى:{يقولُ الكافرون هذا يومٌ عَسِرٌ}؛ فكأنَّهم ما خُلِقوا إلاَّ للدُّنيا والإقامة فيها.
الآية 28: ثم استدلَّ عليهم وعلى بعثهم بدليل عقليٍّ، وهو دليلُ الابتداء، فقال:{نحن خَلَقۡناهم}؛ أي: أوجدناهم من العدم، {وشَدَدۡنا أسۡرَهم}؛ أي: أحكمنا خِلْقَتَهم بالأعصاب والعروق والأوتار والقُوى الظاهرة والباطنة، حتى تمَّ الجسم واستكمل وتمكَّن من كلِّ ما يريده؛ فالذي أوجدهم على هذه الحالة قادرٌ على أن يعيدَهم بعد موتهم لجزائهم، والذي نقَّلهم في هذه الدار إلى هذه الأطوار لا يَليقُ به أن يَتْرُكَهم سدىً، لا يُؤْمَرون، ولا يُنْهَوْن، ولا يُثابون، ولا يُعاقبون، ولهذا قال:{وإذا شِئۡنا بَدَّلۡنا أمثالَهم تَبۡديلاً}؛ أي: أنشأناكم للبعث نشأةً أخرى، وأعدْناكم بأعيانكم، وهم بأنفسهم أمثالهم.
الآية 29:{إنَّ هذه تذكرةٌ}؛ أي: يتذكَّر بها المؤمن، فينتفع بما فيها من التخويف والترغيب، {فمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى ربِّه سَبيلاً}؛ أي: طريقاً موصلاً إليه؛ فالله يبيِّن الحقَّ والهدى، ثم يخيِّر الناس بين الاهتداء بها أو النُّفور عنها؛ إقامةً للحُجَّة ؛ ليهلكَ من هَلَكَ عن بيِّنةٍ، ويحيا من حيَّ عن بينةٍ.
الآية 30:{وما تشاؤون إلاَّ أن يشاءَ اللهُ}: فإنَّ مشيئة الله نافذةٌ. {إنَّ الله كان عليماً حكيماً}: فله الحكمةُ في هداية المهتدي وإضلال الضالِّ.
الآية 31:{يُدۡخِلُ مَن يشاءُ في رحمتِهِ}: فيختصُّه بعنايته، ويوفِّقه لأسباب السعادة، ويهديه لطُرُقِها، {والظَّالمين}: الذين اختاروا الشقاء على الهدى، {أعدَّ لهم عذاباً أليماً}: بظلمهم وعدوانهم.
تمت. ولله الحمد.
* * *
تفسير الجلالين
﴿يوفون بالنذر﴾ في طاعة الله ﴿ويخافون يوما كان شره مستطيرا﴾ منتشرا
تفسير ابن كثير
يشمل هذا التفسير الآيات 4 إلى 12
يُخْبِرُ تَعَالَى عَمَّا أَرْصَدَهُ لِلْكَافِرِينَ مِنْ خَلْقِهِ بِهِ مِنَ السَّلَاسِلِ وَالْأَغْلَالِ وَالسَّعِيرِ، وَهُوَ اللَّهَبُ وَالْحَرِيقُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، كَمَا قَالَ: ﴿إِذِ الأغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غَافِرٍ: ٧١، ٧٢] .
وَلَمَّا ذَكَرَ مَا أَعَدَّهُ [[في أ: "أعده الله".]] لِهَؤُلَاءِ الْأَشْقِيَاءِ مِنَ السَّعِيرِ قَالَ بَعْدَهُ: ﴿إِنَّ الأبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ وَقَدْ عُلِمَ مَا فِي الْكَافُورِ مِنَ التَّبْرِيدِ وَالرَّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ، مَعَ مَا يُضَافُ إِلَى ذَلِكَ مِنَ اللَّذَاذَةِ فِي الْجَنَّةِ.
قَالَ الْحَسَنُ: بَرْدُ الْكَافُورِ فِي طِيبِ الزَّنْجَبِيلِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ أَيْ: هَذَا الَّذِي مُزج لِهَؤُلَاءِ الْأَبْرَارِ مِنَ الْكَافُورِ هُوَ عَيْنٌ يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ صَرْفًا بِلَا مَزْجٍ ويَرْوَوْنَ بِهَا؛ وَلِهَذَا ضَمَّنَ يشرَب "يَرْوَى" حَتَّى عَدَّاهُ بِالْبَاءِ، وَنَصَبَ ﴿عَيْنًا﴾ عَلَى التَّمْيِيزِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا الشَّرَابُ [[في م: "الطعام".]] فِي طِيبِهِ كَالْكَافُورِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ مِنْ عَيْنٍ كَافُورٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا بِـ ﴿يَشْرَبُ﴾ حَكَى هَذِهِ الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ ابنُ جَرِيرٍ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ أَيْ: يَتَصَرَّفُونَ فِيهَا حَيْثُ شَاؤُوا وَأَيْنَ شَاؤُوا، مِنْ قُصُورِهِمْ وَدُورِهِمْ وَمَجَالِسِهِمْ وَمَحَالِّهِمْ.
وَالتَّفْجِيرُ هُوَ الْإِنْبَاعُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٩٠] . وَقَالَ: ﴿وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا﴾ [الْكَهْفِ: ٣٣] .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ يَقُودُونَهَا حَيْثُ شَاؤُوا، وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَقَتَادَةُ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: يَصْرِفُونَهَا حَيْثُ شَاؤُوا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ أَيْ: يَتَعَبَّدُونَ لِلَّهِ فِيمَا أَوْجَبَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ [فِعْلِ] [[زيادة من م، أ.]] الطَّاعَاتِ الْوَاجِبَةِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ، وَمَا أَوْجَبُوهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِطَرِيقِ النذر.
قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الْأَيْلِيِّ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعصي اللَّهَ فَلَا يَعصِه"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ [[صحيح البخاري برقم (٦٦٩٦، ٦٧٠٠) .]] .
وَيَتْرُكُونَ الْمُحَرَّمَاتِ الَّتِي نَهَاهُمْ عَنْهَا خِيفَةً مِنْ سُوءِ الْحِسَابِ يَوْمَ الْمَعَادِ، وَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي شَرُهُ مُسْتَطِيرٌ، أَيْ: مُنْتَشِرٌ عَامٌّ عَلَى النَّاسِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَاشِيًا. وَقَالَ قَتَادَةُ: اسْتَطَارَ -وَاللَّهِ-شَرُّ ذَلِكَ الْيَوْمِ حَتَّى مَلأ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَمِنْهُ قَوْلُهُمُ: اسْتَطَارَ الصَّدْعُ فِي الزُّجَاجَةِ وَاسْتَطَالَ. وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَعْشَى:
فَبَانَتْ وَقَد أسْأرت فِي الفُؤا ... دِ صَدْعًا، عَلَى نَأيها مُستَطيرًا [[تفسير الطبري (٢٩/١٢٩) .]]
يَعْنِي: مُمْتَدًّا فَاشِيًا.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ قِيلَ: عَلَى حُبِّ اللَّهِ تَعَالَى. وَجَعَلُوا الضَّمِيرَ عَائِدًا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِدَلَالَةِ السِّيَاقِ عَلَيْهِ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الضَّمِيرَ عَائِدٌ عَلَى الطَّعَامِ، أَيْ: وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ فِي حَالِ مَحَبَّتِهِمْ وَشَهْوَتِهِمْ لَهُ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَمُقَاتِلٌ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٧٧] ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٩٢] .
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ، مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: مَرِضَ ابْنُ عُمَرَ فَاشْتَهَى عِنَبًا -أَوَّلَ مَا جَاءَ الْعِنَبُ-فَأَرْسَلَتْ صَفِيَّةُ -يَعْنِي امْرَأَتَهُ-فَاشْتَرَتْ عُنْقُودًا بِدِرْهَمٍ، فَاتَّبَعَ الرسولَ السَّائِلُ، فَلَمَّا دَخَلَ بِهِ قَالَ السَّائِلُ: السَّائِلَ. فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَعْطُوهُ إِيَّاهُ. فَأَعْطَوْهُ إِيَّاهُ. ثُمَّ أَرْسَلَتْ بِدِرْهَمٍ آخَرَ فَاشْتَرَتْ عُنْقُودًا فَاتَّبَعَ الرسولَ السائلُ، فَلَمَّا دَخَلَ قَالَ السَّائِلُ: السَّائِلَ. فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَعْطُوهُ إِيَّاهُ. فَأَعْطَوْهُ إِيَّاهُ. فَأَرْسَلَتْ صَفِيَّةُ إِلَى السَّائِلِ فَقَالَتْ: وَاللَّهِ إِنْ عُدتَ لَا تصيبُ مِنْهُ خَيْرًا أَبَدًا. ثُمَّ أَرْسَلَتْ بِدِرْهَمٍ آخَرَ فَاشْتَرَتْ بِهِ [[السنن الكبرى للبيهقي (٤/١٨٥) .]] .
وَفِي الصَّحِيحِ: "أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ أَنْ تَصَدّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ، شَحِيحٌ، تَأْمَلُ الْغِنَى، وَتَخْشَى الْفَقْرَ" [[صحيح مسلم برقم (١٠٣٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] أَيْ: فِي حَالِ مَحَبَّتِكَ لِلْمَالِ وَحِرْصِكَ عَلَيْهِ وَحَاجَتِكَ إِلَيْهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ أَمَّا الْمِسْكِينُ وَالْيَتِيمُ، فَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُمَا وَصِفَتُهُمَا. وَأَمَّا الْأَسِيرُ: فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنُ، وَالضَّحَّاكُ: الْأَسِيرُ: مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ أُسَرَاؤُهُمْ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكِينَ. وَيَشْهَدُ لِهَذَا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أَمَرَ أَصْحَابَهُ يَوْمَ بَدْرٍ أَنْ يُكْرِمُوا الْأُسَارَى، فَكَانُوا يُقَدِّمُونَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ عِنْدَ الْغَدَاءِ، وَهَكَذَا قال سعيد بن جبير، وعطاء، والحس، وقتادة.
وَقَدْ وَصَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم بالإحسان إلى الأرقاء في غير ما حَدِيثٍ، حَتَّى إِنَّهُ كَانَ آخِرَ مَا أَوْصَى أَنْ جَعَلَ يَقُولُ: "الصلاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ" [[رواه أحمد في المسند (١/٧٨) من حديث على رضي الله عنه.]] .
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: هُمُ الْعَبِيدُ -وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ-لِعُمُومِ الْآيَةِ لِلْمُسْلِمِ وَالْمُشْرِكِ.
قَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ الْمَحْبُوسُ، أَيْ: يُطْعِمُونَ لِهَؤُلَاءِ الطَّعَامَ وَهُمْ يَشْتَهُونَهُ وَيُحِبُّونَهُ، قَائِلِينَ بِلِسَانِ الْحَالِ: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ أَيْ: رجاءَ ثَوَابِ اللَّهِ وَرِضَاهُ ﴿لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا﴾ أَيْ: لَا نَطْلُبُ مِنْكُمْ مُجَازَاةً تُكَافِئُونَا بِهَا وَلَا أَنْ تَشْكُرُونَا عِنْدَ النَّاسِ.
قَالَ مُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أَمَا وَاللَّهِ مَا قَالُوهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ، وَلَكِنْ عَلِمَ اللَّهُ بِهِ مِنْ قُلُوبِهِمْ، فَأَثْنَى عَلَيْهِمْ بِهِ لِيَرْغَبَ فِي ذَلِكَ رَاغِبٌ.
﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ أَيْ: إِنَّمَا نَفْعَلُ هَذَا لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَرْحَمَنَا وَيَتَلَقَّانَا بِلُطْفِهِ، فِي الْيَوْمِ الْعَبُوسِ الْقَمْطَرِيرِ.
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿عَبُوسًا﴾ ضَيِّقًا، ﴿قَمْطَرِيرًا﴾ طَوِيلًا.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَغَيْرُهُ، عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: ﴿يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ أَيْ: يَعْبَسُ الْكَافِرُ يَوْمَئِذٍ حَتَّى يَسِيلَ مِنْ بَيْنِ عَيْنَيْهِ عَرَق مِثْلُ القَطرَان.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿عَبُوسًا﴾ الْعَابِسُ الشَّفَتَيْنِ، ﴿قَمْطَرِيرًا﴾ قَالَ: تَقْبِيضُ الوَجه بالبُسُور.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَقَتَادَةُ: تَعْبَسُ فِيهِ الْوُجُوهُ مِنَ الْهَوْلِ، ﴿قَمْطَرِيرًا﴾ تَقْلِيصُ الْجَبِينِ وَمَا بَيْنَ الْعَيْنَيْنِ، مِنَ الْهَوْلِ.
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: الْعُبُوسُ: الشَّرُّ. وَالْقَمْطَرِيرُ: الشَّدِيدُ.
وَأَوْضَحُ الْعِبَارَاتِ وَأَجْلَاهَا وَأَحْلَاهَا، وَأَعْلَاهَا وَأَوْلَاهَا -قولُ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَالْقَمْطَرِيرُ هُوَ: الشَّدِيدُ؛ يُقَالُ: هُوَ يَوْمٌ قَمْطَرِيرٌ وَيَوْمٌ قُماطِر، وَيَوْمٌ عَصِيب وعَصَبْصَب، وَقَدِ اقْمَطَرَّ اليومُ يَقْمَطِرُّ اقْمِطْرَارًا، وَذَلِكَ أَشَدُّ الْأَيَّامِ وَأَطْوَلُهَا فِي الْبَلَاءِ وَالشِّدَّةِ، وَمِنْهُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ:
بنَي عَمّنا، هَلْ تَذكُرونَ بَلاءنَا ؟ ... عَلَيكم إذَا مَا كانَ يومُ قُمَاطرُ [[البيت في تفسير الطبري (٢٩/١٣١) غير منسوب.]]
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ وَهَذَا مِنْ بَابِ التَّجَانُسِ الْبَلِيغِ، ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ﴾ أَيْ: آمَنَهُمْ مِمَّا خَافُوا مِنْهُ، ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً﴾ أَيْ: فِي وُجُوهِهِمْ، ﴿وَسُرُورًا﴾ أَيْ: فِي قُلُوبِهِمْ. قَالَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ. وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عَبَسَ: ٣٨، ٣٩] . وَذَلِكَ أَنَّ الْقَلْبَ إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ الْوَجْهُ، قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ فِي حَدِيثِهِ الطَّوِيلِ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سُرَّ، اسْتَنَارَ وَجْهُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ قِطْعَةُ [[في م: "كأنه فلقة".]] قَمَر [[حديث توبه كعب بن مالك في صحيح البخاري برقم (٣٩٥١، ٤٦٧٣) ، وفي صحيح مسلم برقم (٢٧٦٩) ، وتقدم عند تفسير الآية: ١١٨ من سورة "التوبة".]] وَقَالَتْ عائشةُ: دَخَلَ عَلَيّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَسْرُورًا تَبرُقُ أسَاريرُ وَجْهه [[حديث عائشة في لحاق أسامة بأبيه زيد. رواه البخاري في صحيحه برقم (٣٥٥٥) ، ومسلم في صحيحه برقم (١٤٥٩) .]] . الْحَدِيثَ.
* *
وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا﴾ أَيْ: بِسَبَبِ صَبْرِهِمْ أَعْطَاهُمْ ونَوّلهم وَبَوَّأَهُمْ ﴿جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ أَيْ: مَنْزِلًا رَحْبًا، وَعَيْشًا رَغَدًا [[في م: "رغيدا".]] وَلِبَاسًا حَسَنًا.
وَرَوَى الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ هِشَامِ بْنِ سُلَيْمَانَ الدّارَاني قَالَ: قُرِئَ عَلَى أَبِي سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيِّ سُورَةُ: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ﴾ فَلَمَّا بَلَغَ الْقَارِئُ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ قَالَ بِمَا صَبَرُوا عَلَى تَرْكِ الشَّهَوَاتِ فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ أَنْشَدَ:
كَم قَتيل بشَهوةٍ وَأَسِيرٌ ... أُفٍّ مِنْ مُشتَهِي خِلاف الجَميل ...
شَهوَاتُ الإنْسان تُوْرِثُهُ الذُّل ... وَتُلْقيه فِي البَلاء الطَّويل [[انظر: مختصر تاريخ دمشق لابن منظور (٢٧/٨٦) ووقع صدره فيه:
كم قتيل لشهوة وأسير]]
تفسير الطبري
يشمل هذا التفسير الآيات 7 إلى 9
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا (٩) ﴾ .
يقول تعالى ذكره: إن الأبرار الذين يشربون من كأس كان مزاجها كافورا، برّوا بوفائهم لله بالنذور التي كانوا ينذرونها في طاعة الله.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ قال: إذا نذروا في حق الله.
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ قال: كانوا ينذرون طاعة الله من الصلاة والزكاة، والحجّ والعمرة، وما افترض عليهم، فسماهم الله بذلك الأبرار، فقال: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ .
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ قال: بطاعة الله، وبالصلاة، وبالحجّ، وبالعمرة.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، قوله: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ قال: في غير معصية، وفي الكلام محذوف اجتزئ بدلالة الكلام عليه منه، وهو كان ذلك. وذلك أن معنى الكلام: إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا، كانوا يوفون بالنذر، فترك ذكر كانوا لدلالة الكلام عليها، والنذر: هو كلّ ما أوجبه الإنسان على نفسه من فعل؛ ومنه قول عنترة:
الشَّاتِمَيْ عرْضِي وَلَمْ أشْتُمْهُما ... والنَّاذِرَيْن إذا لَمْ ألْقَهُما دَمي [[قوله "لا تمانع"، أي لا اختلاف بينهم، يدعو بعضهم إلى دفع ما يقوله الآخر. وسيأتي مثله في ص: ١٢٦.]]
* *
وقوله: ﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾
يقول تعالى ذكره: ويخافون عقاب الله بتركهم الوفاء بما نذروا لله من برّ في يوم كان شرّه مستطيرا، ممتدّا طويلا فاشيا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ استطار والله شرّ ذلك اليوم حتى ملأ السموات والأرض، وأما رجل يقول عليه نذر أن لا يصل رحما، ولا يتصدّق، ولا يصنع خيرا، فإنه لا ينبغي أن يكفر عنه، ويأتي ذلك، ومنه قولهم: استطار الصدع في الزجاجة واستطال: إذا امتدّ، ولا يقال ذلك في الحائط؛ ومنه قول الأعشى:
فَبانَتْ وَقد أثأرَتْ فِي الفُؤَا ... دِ صَدْعا عَلى نَأْيِها مُسْتَطيرا [[ديوانه: ١٦٥. المده: جمع ماده. ومده فلانًا يمدهه مدهًا: نعت هيئته وجماله وأثنى عليه ومدحه. و "استرجعن": قلن" إنا لله وإنا إليه راجعون. يقلنها حسرة عليه كيف تنسك وهجر الدنيا، بعد الذي كان من شبابه وجماله وصبوته!]]
يعني: ممتدّا فاشيا.
* *
وقوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا﴾
يقول تعالى ذكره: كان هؤلاء الأبرار يطعمون الطعام على حبهم إياه، وشهوتهم له.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا يحيى بن طلحة اليربوعي، قال: ثنا فضيل بن عياض، عن منصور، عن مجاهد، في قوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ قال: وهم يشتهونه.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا أبو العريان، قال: سألت سليمان بن قيس أبا مقاتل بن سليمان، عن قوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا﴾ قال: على حبهم للطعام.
* *
وقوله: ﴿مِسْكينًا﴾
يعني جلّ ثناؤه بقوله مسكينا: ذوي الحاجة الذين قد أذلتهم الحاجة، ﴿ويَتِيمًا﴾ وهو الطفل الذي قد مات أبوه ولا شيء له ﴿وأسِيرًا﴾ : وهو الحربيّ من أهل دار الحرب يُؤخذ قهرا بالغلبة، أو من أهل القبلة يُؤخذ فيُحبس بحقّ، فأثنى الله على هؤلاء الأبرار بإطعامهم هؤلاء تقرّبا بذلك إلى الله وطلب رضاه، ورحمة منهم لهم.
واختلف أهل العلم في الأسير الذي ذكره الله في هذا الموضع، فقال بعضهم: بما:-
⁕ حدثنا به بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ قال: لقد أمر الله بالأسراء أن يحسن إليهم، وإن أسراهم يومئذ لأهل الشرك.
⁕ حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿وأسِيرًا﴾ قال: كان أسراهم يومئذ المشرك، وأخوك المسلم أحقّ أن تطعمه.
⁕ قال: ثنا المعتمر، عن أبيه، عن أبي عمرو أن عكرِمة قال في قوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ زعم أنه قال: كان الأسرى في ذلك الزمان المشرك.
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا حماد بن مسعدة، قال: ثنا أشعث، عن الحسن ﴿وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ قال: ما كان أسراهم إلا المشركين.
وقال آخرون: عني بذلك: المسجون من أهل القبلة.
ذكر من قال ذلك:
⁕ حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: الأسير: المسجون.
⁕ حدثني أبو شيبة بن أبي شيبة، قال: ثنا عمر بن حفص، قال: ثني أبي عن حجاج، قال: ثني عمرو بن مرّة، عن سعيد بن جُبير في قوله الله: ﴿مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ من أهل القبلة وغيرهم، فسألت عطاء، فقال مثل ذلك.
⁕ حدثني علي بن سهل الرملي، قال: ثنا يحيى - يعني: ابن عيسى - عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وأسِيرًا﴾ قال: الأسير،: هو المحبوس.
⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله وصف هؤلاء الأبرار بأنهم كانوا في الدنيا يطعمون الأسير، والأسير الذي قد وصفت صفته؛ واسم الأسير قد يشتمل على الفريقين، وقد عمّ الخبر عنهم أنهم يطعمونهم فالخبر على عمومه حتى يخصه ما يجب التسليم له. وأما قول من قال: لم يكن لهم أسير يومئذ إلا أهل الشرك، فإن ذلك وإن كان كذلك، فلم يخصص بالخبر الموفون بالنذر يومئذ، وإنما هو خبر من الله عن كلّ من كانت هذه صفته يومئذ وبعده إلى يوم القيامة، وكذلك الأسير معنيّ به أسير المشركين والمسلمين يومئذ، وبعد ذلك إلى قيام الساعة.
* *
وقوله: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾
يقول تعالى ذكره: يقولون: إنما نطعمكم إذا هم أطعموهم لوجه الله، يعنون طلب رضا الله، والقُربة إليه ﴿لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا﴾ يقولون للذين يطعمونهم ذلك الطعام: لا نريد منكم أيها الناس على إطعامناكم ثوابا ولا شكورا.
وفي قوله: ﴿وَلا شُكُورًا﴾ وجهان من المعنى: أحدهما أن يكون جمع الشكر كما الفُلوس جمع فَلس، والكفور جمع كُفْر. والآخر: أن يكون مصدرًا واحدًا في معنى جمع، كما يقال: قعد قعودا، وخرج خروجا.
⁕ وقد حدثنا أبو كُريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن سالم، عن مجاهد ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا﴾ قال: أما إنهم ما تكلموا به، ولكن علمه الله من قلوبهم، فأثنى به عليهم ليرغب في ذلك راغب.
⁕ حدثنا محمد بن سنان القزاز، قال: ثنا موسى بن إسماعيل، قال: ثنا محمد بن مسلم بن أبي الوضاح، عن سالم، عن سعيد بن جُبير ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا﴾ قال: أما والله ما قالوه بألسنتهم، ولكن علمه الله من قلوبهم، فأثنى عليهم ليرغب في ذلك راغب.