سورة القرآن surah-quran.com

سورة الإسراء

سورة الإسراء، الآية 49

الجزء 15، الصفحة 286.

وَقَالُوٓا۟ أَءِذَا كُنَّا عِظَـٰمًا وَرُفَـٰتًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا ﴿٤٩﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

وقال المشركون منكرين أن يُخْلَقوا خَلْقًا جديدًا بعد أن تبلى عظامهم، وتصير فُتاتًا: أئِنا لمبعوثون يوم القيامة بعثًا جديدًا؟

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 49 إلى 52

الآية 49: يخبر تعالى عن قول المنكرين للبعث وتكذيبهم به واستبعادهم بقولهم: {أإذا كُنَّا عظاماً ورُفاتاً}؛ أي: أجساداً بالية. {أإنَّا لَمبعوثون خلقاً جديداً}؛ أي: لا يكون ذلك، وهو محالٌ بزعمهم، فجهلوا أشدَّ الجهل؛ حيثُ كذَّبوا رسل الله، وجَحَدوا آيات الله، وقاسوا قدرةَ خالق السماواتِ والأرضِ بِقُدَرِهِمُ الضعيفة العاجزة، فلما رأوا أنَّ هذا ممتنعٌ عليهم لا يقدرون عليه؛ جعلوا قدرة الله كذلك؛ فسبحان مَنْ جَعَلَ خلقاً من خلقه يزعُمون أنَّهم أولو العقول والألباب مثالاً في جهل أظهر الأشياء وأجلاها وأوضحها براهين وأعلاها؛ لِيُري عباده أنه ما ثَمَّ إلا توفيقه وإعانتُه أو الهلاك والضلال، {ربَّنا لا تُزِغۡ قلوبنا بعد إذۡ هَدَيۡتَنا وَهَبۡ لنا من لَدُنۡك رحمةً إنَّك أنت الوهاب}.

{50 ـ 51} ولهذا أمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يقول لهؤلاء المنكرين للبعث استبعاداً:{قُلۡ كونوا حجارة أو حديداً. أو خلقاً مما يكبر}؛ أي: يعظُم {في صدورِكم}: لتسلموا بذلك ـ على زعمكم ـ من أن تنالكم قدرة الله أو تنفذَ فيكم مشيئتُه؛ فإنكم غير معجزين الله في أيِّ حالة تكونون وعلى أيِّ وصفٍ تتحوَّلون، وليس لكم في أنفسكم تدبيرٌ في حالة الحياة وبعد الممات؛ فدعوا التدبير والتصريف لِمَنْ هو على كلِّ شيء قدير وبكلِّ شيء محيط. {فسيقولون}: حين تُقيم عليهم الحجَّة في البعث: {من يعيدنا قل الذي فَطَرَكم أول مرة}: فكما فطركم ولم تكونوا شيئاً مذكوراً؛ فإنَّه سيعيدكم خلقاً جديداً؛ {كما بَدَأنا أوَّلَ خلقٍ نعيدُه}، {فسيُنۡغِضونَ إليك رؤوسهم}؛ أي: يهزُّونها إنكاراً وتعجُّباً مما قلت. {ويقولون متى هو}؛ أي: متى وقتُ البعث الذي تزعمه على قولك؟ لا إقراراً منهم لأصل البعث، بل ذلك سفهٌ منهم وتعجيزٌ. {قل عسى أن يكونَ قريباً}: فليس في تعيين وقتِهِ فائدةٌ، وإنَّما الفائدة والمدار على تقريره والإقرار به وإثباته، وإلاَّ؛ فكلُّ ما هو آتٍ؛ فإنَّه قريب.

الآية 52:{يوم يدعوكم}: للبعث والنُّشور وينفُخ في الصور، {فتستجيبونَ بحمدِهِ}؛ أي: تنقادون لأمرِهِ ولا تستعصونَ عليه. وقوله:{بحمده}؛ أي: هو المحمود تعالى على فعله، ويجزي به العباد إذا جمعهم ليوم التَّنادِ، {وتظنُّونَ إن لَبِثۡتُم إلاَّ قليلاً}: من سرعة وقوعه، وأنَّ الذي مرَّ عليكم من النعيم كأنَّه ما كان؛ فهذا الذي يقول عنه المنكرون: متى هو؟ يندمون غاية الندم عند ورودِهِ، ويُقال لهم: هذا الذي كنتُم به تكذِّبون.

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿وقالُوا﴾ مُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يشمل هذا التفسير الآيات 49 إلى 52

يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْكُفَّارِ الْمُسْتَبْعَدِينَ وُقُوعَ الْمَعَادِ، الْقَائِلِينَ اسْتِفْهَامَ إِنْكَارٍ مِنْهُمْ لِذَلِكَ: ﴿أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا﴾ أَيْ: تُرَابًا. قَالَهُ مُجَاهِدٌ.

وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: غُبَارًا.

﴿أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿خَلْقًا جَدِيدًا﴾ أَيْ: بَعْدَ مَا بُلِينَا وَصِرْنَا عَدَمًا لَا يُذْكَرُ. كَمَا أَخْبَرَ عَنْهُمْ فِي الْمَوْضِعِ الْآخَرِ: ﴿يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ* أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً* قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾ [النَّازِعَاتِ: ١٠ -١٢] قَالَ تَعَالَى [[في ف: "وقال تعالى".]] : ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٨، ٧٩] .

وَهَكَذَا أَمَرَ رَسُولَهُ هَهُنَا [[في ف: "هنا".]] أَنْ يُجِيبَهُمْ فَقَالَ: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ وَهُمَا [[في ف: "إذا هما".]] أَشَدُّ امْتِنَاعًا مِنَ الْعِظَامِ وَالرُّفَاتِ ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾

قَالَ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: هُوَ الْمَوْتُ.

وَرَوَى عَطِيَّةُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: لَوْ كُنْتُمْ مَوْتَى لَأَحْيَيْتُكُمْ. وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَأَبُو صَالِحٍ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ.

وَمَعْنَى ذَلِكَ: أَنَّكُمْ لَوْ فَرَضْتُمْ أَنَّكُمْ لَوْ [[في ف: "قد".]] صِرْتُم مَوْتًا الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْحَيَاةِ لَأَحْيَاكُمُ اللَّهُ إِذَا شَاءَ، فَإِنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ [[في ت: "إذا شاء فلا".]] عَلَيْهِ شَيْءٌ إِذَا أَرَادَهُ.

وَقَدْ ذكر بن جَرِيرٍ [هَاهُنَا] [[زيادة من أ.]] حَدِيثَ: "يُجَاءُ بِالْمَوْتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُ كَبْش أَمْلَحُ، فَيُوقَفُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، أَتَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَهْلَ النَّارِ، أَتَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَيُذْبَحُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، خُلُودٌ بِلَا مَوْتٍ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ، خُلُودٌ بِلَا مَوْتٍ" [[تفسير الطبري (١٥/٦٩) من طريق العوفيين عن ابن عمر، رضي الله عنه، وإسناده مسلسل بالضعفاء وأصله في صحيح مسلم برقم (٢٨٤٩) من جديث أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه.]] .

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ يَعْنِي: السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَالْجِبَالَ.

وَفِي رِوَايَةٍ: مَا شِئْتُمْ فَكُونُوا، فَسَيُعِيدُكُمُ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِكُمْ.

وَقَدْ وَقَعَ فِي التَّفْسِيرِ الْمَرْوِيِّ عَنِ الْإِمَامِ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي قَوْلِهِ ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ قَالَ: النَّبِيُّ ﷺ، قَالَ مَالِكٌ: وَيَقُولُونَ: هُوَ الْمَوْتُ.

* *

وَقَوْلُهُ [تَعَالَى] [[زيادة من ت.]] ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا﴾ أَيْ: مَنْ يُعِيدُنَا إِذَا كُنَّا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا أَوْ خَلْقًا آخَرَ شَدِيدًا ﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أَيِ: الَّذِي خَلَقَكُمْ وَلَمْ تَكُونُوا شَيْئًا مَذْكُورًا، ثُمَّ صِرْتُمْ بَشَرًا تَنْتَشِرُونَ؛ فَإِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إِعَادَتِكُمْ وَلَوْ صِرْتُمْ إِلَى أَيِّ حَالٍ ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الرُّومِ: ٢٧] .

* *

وَقَوْلُهُ [تَعَالَى] [[زيادة من ت.]] : ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ: يُحَرِّكُونَهَا اسْتِهْزَاءً.

وَهَذَا الَّذِي قَالَاهُ هُوَ الَّذِي تَفْهَمُهُ الْعَرَبُ مِنْ لُغَاتِهَا؛ لِأَنَّ [[في ت، ف: "فإن".]] الْإِنْغَاضَ هُوَ: التَّحَرُّكُ مِنْ أَسْفَلَ إِلَى أَعْلَى، أَوْ مِنْ أَعْلَى إِلَى أَسْفَلَ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلظَّلِيمِ -وَهُوَ وَلَدُ النَّعَامَةِ -: نَغْضًا؛ لِأَنَّهُ إِذَا مَشَى عَجل [[في ت، ف: "أعجل".]] فِي مِشْيَتِهِ وحَرَك رَأْسَهُ. وَيُقَالُ: نَغَضَت [[في ت: "نغض".]] سنُه إِذَا تَحَرَّكَتْ وَارْتَفَعَتْ مِنْ مَنْبَتها؛ قَالَ: الرَّاجِزُ [[الرجز في تفسير الطبري (١٥/٧٠) .]] .

ونَغَضَتْ مِنْ هَرَم أَسْنَانُهَا ...

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ﴾ إِخْبَارٌ عَنْهُ بِالِاسْتِبْعَادِ مِنْهُمْ لِوُقُوعِ [[في ت: "وقوع".]] ذَلِكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الملك: ٢٥] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾ [الشُّورَى: ١٨] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ أَيْ: احْذَرُوا ذَلِكَ، فَإِنَّهُ قَرِيبٌ إِلَيْكُمْ، سَيَأْتِيكُمْ لَا مَحَالَةَ، فَكُلُّ مَا هُوَ آتٍ آتٍ.

* *

وَقَوْلُهُ [تَعَالَى] [[زيادة من ت.]] : ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ أَيْ: الرَّبُّ تَعَالَى ﴿إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الرُّومِ: ٢٥] أَيْ: إِذَا أَمَرَكُمْ بِالْخُرُوجِ مِنْهَا فَإِنَّهُ لَا يُخالَف وَلَا يُمَانع، بَلْ كَمَا قَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من ت.]] ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [الْقَمَرِ: ٥٠] ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النَّحْلِ: ٤٠] وَقَالَ ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ. فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النَّازِعَاتِ: ١٣، ١٤] أَيْ: إِنَّمَا هُوَ أَمْرٌ وَاحِدٌ بِانْتِهَارٍ، فَإِذَا النَّاسُ قَدْ خَرَجُوا مِنْ بَاطِنِ الْأَرْضِ إِلَى ظَاهِرِهَا [[في ت: "ظهرها".]] كَمَا قَالَ: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ أَيْ: تَقُومُونَ [[في ت، ف: "تقولون".]] كُلُّكُمْ إِجَابَةً لِأَمْرِهِ وَطَاعَةً لِإِرَادَتِهِ.

قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ أَيْ: بِأَمْرِهِ. وَكَذَا قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: بِمَعْرِفَتِهِ وَطَاعَتِهِ.

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ أَيْ: وَلَهُ الْحَمْدُ فِي كُلِّ حَالٍ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "لَيْسَ عَلَى أَهْلِ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" وَحْشَةٌ فِي قُبُورِهِمْ، وَكَأَنِّي [[في ت، ف: "فكأني".]] بِأَهْلِ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" يَقُومُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ يَنْفُضُونَ التُّرَابَ عَنْ رُءُوسِهِمْ، يَقُولُونَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ". وَفِي رِوَايَةٍ يَقُولُونَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فَاطِرٍ: ٣٤] وَسَيَأْتِي فِي سُورَةِ فَاطِرٍ [إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى] [[زيادة من ف، أ.]] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَظُنُّونَ﴾ أَيْ: يَوْمَ تَقُومُونَ مِنْ قُبُورِكُمْ ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ﴾ [أَيْ] [[زيادة من ف.]] : فِي الدَّارِ الدُّنْيَا ﴿إِلا قَلِيلا﴾ ، وَكَمَا قَالَ: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النَّازِعَاتِ: ٤٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا * يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا عَشْرًا * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا يَوْمًا﴾ [طه: ١٠٢ -١٠٤] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ [الرُّومِ: ٥٥] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ * قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا قَلِيلا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ١١٢ -١١٤] .

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٤٩) ﴾

يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة من مشركي قريش، وقالوا بعنتهم: ﴿أئِذَا كُنَّا عِظاما﴾ لم نتحطم ولم نتكسَّر بعد مماتنا وبلانا ﴿وَرُفاتا﴾ يعني ترابا في قبورنا.

كما:-

⁕ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، يقول الله ﴿رُفاتا﴾ قال: ترابا.

⁕ حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

⁕ حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله ﴿وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا﴾ يقول: غُبارا، ولا واحد للرُّفات، وهو بمنزلة الدُّقاق والحُطَام، يقال منه: رُفت يُرْفت رَفْتا فهو مرفوت: إذا صُير كالحُطام والرُّضاض.

* *

وقوله ﴿أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾

قالوا، إنكارا منهم للبعث بعد الموت: إنا لمبعوثون بعد مصيرنا في القبور عظاما غير منحطمة، ورفاتا منحطمة، وقد بَلِينا فصرنا فيها ترابا، خلقا مُنْشَأ كما كنا قبل الممات جديدا، نعاد كما بدئنا، فأجابهم جلّ جلاله يعرّفهم قُدرته على بعثه إياهم بعد مماتهم، وإنشائه لهم كما كانوا قبل بِلاهم خلقا جديدا، على أيّ حال كانوا من الأحوال، عظاما أو رُفاتا، أو حجارة أو حديدا، أو غير ذلك مما يعظُم عندهم أن يحدث مثله خَلْقا أمثالَهم أحياء، قل يا محمد كونوا حجارة أو حديدا، أو خلقا مما يكبر في صدوركم.