سورة القرآن surah-quran.com

سورة الإسراء

سورة الإسراء، الآية 6

الجزء 15، الصفحة 282.

ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَـٰكُم بِأَمْوَٰلٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَـٰكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا ﴿٦﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

ثم رَدَدْنا لكم -يا بني إسرائيل- الغلبة والظهور على أعدائكم الذين سُلِّطوا عليكم، وأكثرنا أرزاقكم وأولادكم، وقَوَّيناكم وجعلناكم أكثر عددًا من عدوكم؛ وذلك بسبب إحسانكم وخضوعكم لله.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 2 إلى 8

الآية 2: كثيراً ما يَقْرِنُ الباري بين نبوَّة محمد - صلى الله عليه وسلم - ونبوَّة موسى - صلى الله عليه وسلم - وبين كتابيهما وشريعتيهما؛ لأنَّ كتابيهما أفضل الكتب، وشريعتيهما أكمل الشرائع، ونبوَّتيهما أعلى النبوَّات، وأتباعهما أكثر المؤمنين، ولهذا قال هنا:{وآتينا موسى الكتابَ}: الذي هو التوراة، {وجَعَلۡناه هدىً لبني إسرائيل}: يهتدونَ به في ظُلُمات الجهل إلى العلم بالحقِّ. {ألاَّ تتَّخذوا مِن دوني وكيلاً}؛ أي: وقلنا لهم ذلك، وأنزلنا إليهم الكتاب لذلك؛ ليعبدوا الله وحده، ويُنيبوا إليه، ويتَّخذوه وحدَه وكيلاً ومدبراً لهم في أمر دينهم ودُنياهم، ولا يتعلَّقوا بغيره من المخلوقين الذين لا يملكون شيئاً ولا ينفعونَهم بشيءٍ.

الآية 3:{ذُرِّيَّةَ مَنۡ حَمَلۡنا مع نوح}؛ أي: يا ذُرِّيَّة مَنْ مَنَنَّا عليهم وحملناهم مع نوح. {إنَّه كان عبداً شكوراً}: ففيه التنويه بالثناء على نوح عليه السلام بقيامه بشكر الله واتِّصافه بذلك، والحثِّ لذُرِّيَّتِهِ أن يقتدوا به في شكره ويتابعوه عليه، وأن يتذكَّروا نعمةَ الله عليهم إذْ أبقاهم، واستخلفهم في الأرض، وأغرق غيرهم.

الآية 4:{وقَضَيۡنا إلى بني إسرائيل}؛ أي: تقدَّمنا وعَهِدْنا إليهم وأخبرناهم في كتابهم أنهم لا بدَّ أن يقعَ: منهم إفسادٌ في الأرض مرتين بعمل المعاصي والبَطَر لنعم الله والعلوِّ في الأرض والتكبُّر فيها، وأنَّه إذا وقع واحدةٌ منهما؛ سلَّطَ الله عليهم الأعداء وانتقم منهم، وهذا تحذيرٌ لهم وإنذارٌ لعلَّهم يرجعون فيتذكَّرون.

الآية 5:{فإذا جاء وَعۡدُ أولاهما}؛ أي: أولى المرتين اللتين يفسدون فيهما؛ أي: إذا وقع منهم ذلك الفسادُ، {بَعَثۡنا عليكم}: بعثاً قدريًّا وسلَّطنا عليكم تسليطاً كونيًّا جزائيًّا، {عباداً لنا أولي بأسٍ شديدٍ}؛ أي: ذوي شجاعة وعددٍ وعُدَّةٍ، فنصرهم اللهُ عليكم، فقتلوكم وسَبَوْا أولادكم ونهبوا أموالكم، وجاسوا {خلالَ الدِّيار}: فهتكوا الدُّور، ودخلوا المسجد الحرام، وأفسدوه. {وكان وعداً مفعولاً}: لا بدَّ من وقوعه لوجود سببه منهم. واختلف المفسِّرون في تعيين هؤلاء المسلَّطين؛ إلاَّ أنَّهم اتَّفقوا على أنَّهم قومٌ كفارٌ: إمَّا من أهل العراق، أو الجزيرة، أو غيرها؛ سلَّطهم الله على بني إسرائيل لما كَثُرَتْ فيهم المعاصي وتركوا كثيراً من شريعتهم وطَغَوا في الأرض.

الآية 6:{ثم رَدَدۡنا لكمُ الكَرَّةَ عليهم}؛ أي: على هؤلاء الذين سُلطوا عليكم فأجْلَيْتموهم من دياركم، {وأمدَدۡناكم بأموال وبنينَ}؛ أي: أكثرنا أرزاقكم وكثَّرناكم وقوَّيناكم عليهم، {وجعلناكُم أكثرَ نفيراً}: منهم، وذلك بسبب إحسانكم وخضوعكم لله.

الآية 7:{إنۡ أحسنتُم أحسنتُم لأنفسِكم}: لأنَّ النفع عائدٌ إليكم حتى في الدُّنيا كما شاهدتم من انتصِاركم على أعدائكم. {وإنۡ أسأتُم فلها}؛ أي: فلأنفسكم يعود الضرر؛ كما أراكم الله من تسليط الأعداء. {فإذا جاء وعدُ الآخرة}؛ أي: المرَّة الأخرى التي تفسِدون فيها في الأرض؛ سلَّطْنا أيضاً عليكم الأعداء، {ليسوءوا وجوهكم}: بانتصارهم عليكم وسَبْيِكم، {ولِيَدۡخُلوا المسجد كما دَخَلوه أوَّل مرَّةٍ}: والمراد بالمسجد مسجد بيت المقدس، {ولِيُتَبِّروا}؛ أي: يخرِّبوا ويدمِّروا {ما عَلَوۡا}: عليه {تتبيراً}: فيخرِّبوا بيوتكم ومساجدكم وحروثكم.

الآية 8:{عسى ربُّكم أن يرحَمَكم}: فيُديل لكم الكرة عليهم، فرحمهم وجعل لهم الدولة وتوعَّدهم على المعاصي، فقال:{وإنۡ عُدتم}: إلى الإفساد في الأرض، {عُدۡنا}: إلى عقوبتِكم، فعادوا لذلك، فسلَّط الله عليهم رسوله محمداً - صلى الله عليه وسلم -، فانتقم الله به منُهم؛ فهذا جزاء الدُّنيا، وما عند الله من النَّكال أعظمُ وأشنعُ، ولهذا قال:{وجَعَلۡنا جهنَّم للكافرين حصيراً}: يصلونها ويلازِمونها لا يخرجون منها أبداً. وفي هذه الآيات التحذير لهذه الأمَّة من العمل بالمعاصي؛ لئلاَّ يصيبهم ما أصاب بني إسرائيل؛ فسنَّة الله واحدةٌ لا تبدَّل ولا تغيَّر، ومن نظر إلى تسليط الكفرة على المسلمين والظَّلَمة؛ عَرَفَ أنَّ ذلك من أجل ذنوبهم عقوبةً لهم، وأنَّهم إذا أقاموا كتاب الله وسنَّة رسوله؛ مكَّن لهم في الأرض، ونصرهم على أعدائهم.

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿الكَرَّة﴾ الدَّوْلَة والغَلَبَة ﴿عَلَيْهِمْ﴾ بَعْد مِائَة سَنَة بِقَتْلِ جالُوت ﴿نَفِيرًا﴾ عَشِيرَة

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يشمل هذا التفسير الآيات 4 إلى 8

يَقُولُ تَعَالَى: إِنَّهُ قَضَى إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ، أَيْ: تَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ وَأَخْبَرَهُمْ فِي الْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ سَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَيَعْلُونَ [[في ف، أ: "ولتعلن".]] عُلُوًّا كَبِيرًا، أَيْ: يَتَجَبَّرُونَ وَيَطْغَوْنَ وَيَفْجُرُونَ عَلَى النَّاسِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ [الْحِجْرِ: ٦٦] أَيْ: تَقَدَّمْنَا إِلَيْهِ وَأَخْبَرْنَاهُ بِذَلِكَ وَأَعْلَمْنَاهُ بِهِ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا﴾ أَيْ: أُولَى الْإِفْسَادَتَيْنِ ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ أَيْ: سَلَّطْنَا عَلَيْكُمْ جُنْدًا مِنْ خَلْقِنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ، أَيْ: قُوَّةٍ وَعُدَّةٍ وَسُلْطَةٍ [[في ف: "وسلطنة".]] شَدِيدَةٍ ﴿فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ﴾ أَيْ: تَمَلَّكُوا بِلَادَكُمْ وَسَلَكُوا خِلَالَ بُيُوتِكُمْ، أَيْ: بَيْنَهَا وَوَسَطَهَا، وَانْصَرَفُوا ذَاهِبِينَ وَجَائِينَ لَا يَخَافُونَ أَحَدًا ﴿وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولا﴾

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ فِي هَؤُلَاءِ الْمُسَلَّطِينَ عَلَيْهِمْ: مَنْ هُمْ؟ فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةَ: أَنَّهُ جَالُوتُ الجَزَريّ وَجُنُودُهُ، سُلِّطَ عَلَيْهِمْ أَوَّلًا ثُمَّ أُدِيلُوا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ. وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾

وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أَنَّهُ مَلِكُ الْمَوْصِلِ سِنْجَارِيبُ وَجُنُودُهُ. وَعَنْهُ أَيْضًا، وَعَنْ غَيْرِهِ: أَنَّهُ بُخْتُنَصَّرُ مَلِكُ بَابِلَ.

وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ لَهُ قِصَّةً عَجِيبَةً فِي كَيْفِيَّةِ تَرَقِّيهِ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، إِلَى أَنْ مَلَكَ الْبِلَادَ، وَأَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا مُقْعَدًا ضَعِيفًا يَسْتَعْطِي النَّاسَ وَيَسْتَطْعِمُهُمْ، ثُمَّ آلَ بِهِ الْحَالُ إِلَى مَا آلَ، وَأَنَّهُ سَارَ إِلَى بِلَادِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَقَتَلَ بِهَا خَلْقًا كَثِيرًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ.

وَقَدْ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ فِي هَذَا الْمَكَانِ حَدِيثًا أَسْنَدَهُ عَنْ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا مُطَوَّلًا [[تفسير الطبري (١٥/١٧)]] وَهُوَ حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ لَا مَحَالَةَ، لَا يَسْتَرِيبُ فِي ذَلِكَ مَنْ عِنْدَهُ أَدْنَى مَعْرِفَةٍ بِالْحَدِيثِ! وَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ كَيْفَ رَاجَ عَلَيْهِ مَعَ إِمَامَتِهِ وَجَلَالَةِ قَدْرِهِ! وَقَدْ صَرَّحَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ الْعَلَّامَةُ أَبُو الْحَجَّاجِ الْمِزِّيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، بِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ مَكْذُوبٌ، وَكَتَبَ ذَلِكَ عَلَى حَاشِيَةِ الْكِتَابِ.

وَقَدْ وَرَدَتْ فِي هَذَا آثَارٌ كَثِيرَةٌ إِسْرَائِيلِيَّةٌ لَمْ أَرَ تَطْوِيلَ الْكِتَابِ بِذِكْرِهَا؛ لِأَنَّ مِنْهَا مَا هُوَ مَوْضُوعٌ، مِنْ وَضْعِ [بَعْضِ] [[زيادة من ف، أ.]] زَنَادِقَتِهِمْ، وَمِنْهَا مَا قَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا، وَنَحْنُ فِي غُنْيَة عَنْهَا، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَفِيمَا قَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْنَا فِي كِتَابِهِ غُنْيَةٌ عَمَّا سِوَاهُ مِنْ بَقِيَّةِ الْكُتُبِ قَبْلَهُ، وَلَمْ يُحْوِجْنَا اللَّهُ وَلَا رَسُولُهُ إِلَيْهِمْ. وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُمْ لَمَّا بَغَوْا وَطَغَوْا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُّوَهُمْ، فَاسْتَبَاحَ بَيْضَتَهم، وَسَلَكَ خِلَالَ بُيُوتِهِمْ وَأَذَلَّهُمْ وَقَهَرَهُمْ، جَزَاءً وِفَاقًا، وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ؛ فَإِنَّهُمْ كَانُوا قَدْ تَمَرَّدُوا وَقَتَلُوا خَلْقًا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْعُلَمَاءِ.

وَقَدْ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ: ظَهَرَ بُختنَصَّر عَلَى الشَّامِ، فَخَرَّبَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَقَتَلَهُمْ، ثُمَّ أَتَى دِمَشْقَ فَوَجَدَ بِهَا دَمًا يَغْلِي عَلَى كِبًا، فَسَأَلَهُمْ: مَا هَذَا الدَّمُ؟ فَقَالُوا أَدْرَكْنَا آبَاءَنَا عَلَى هَذَا، وَكُلَّمَا ظَهَرَ عَلَيْهِ الْكِبَا ظَهَرَ. قَالَ: فَقَتَلَ عَلَى ذَلِكَ الدَّمِ سَبْعِينَ أَلْفًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ، فَسَكَنَ [[تفسير الطبري (١٥/٢٤) .]] .

وَهَذَا صَحِيحٌ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَأَنَّهُ قَتَلَ أَشْرَافَهُمْ وَعُلَمَاءَهُمْ، حَتَّى إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَنْ يَحْفَظُ التَّوْرَاةَ، وَأَخَذَ مَعَهُ خَلْقًا مِنْهُمْ أَسْرَى مِنْ أَبْنَاءِ الْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ، وَجَرَتْ أُمُورٌ وَكَوَائِنُ يَطُولُ ذِكْرُهَا. وَلَوْ وَجَدْنَا مَا هُوَ صَحِيحٌ أَوْ مَا يُقَارِبُهُ، لَجَازَ كِتَابَتُهُ وَرِوَايَتُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ أَيْ: فَعَلَيْهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فُصِّلَتْ: ٤٦] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ﴾ أَيْ: الْمَرَّةُ الْآخِرَةُ [[في ت: "الأخرى".]] أَيْ: إِذَا أَفْسَدْتُمُ الْمَرَّةَ الثَّانِيَةَ وَجَاءَ أَعْدَاؤُكُمْ ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ أَيْ: يُهِينُوكُمْ وَيَقْهَرُوكُمْ ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ﴾ أَيْ بَيْتَ الْمَقْدِسِ ﴿كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أَيْ: فِي الَّتِي جَاسُوا فِيهَا خِلَالَ الدِّيَارِ ﴿وَلِيُتَبِّرُوا﴾ أَيْ: يُدَمِّرُوا وَيُخَرِّبُوا ﴿مَا عَلَوْا﴾ أَيْ: مَا ظَهَرُوا عَلَيْهِ ﴿تَتْبِيرًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ أَيْ: فَيَصْرِفَهُمْ عَنْكُمْ ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ أَيْ: مَتَى عُدْتُمْ إِلَى الْإِفْسَادِ ﴿عُدْنَا﴾ إِلَى الْإِدَالَةِ عَلَيْكُمْ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا نَدَّخِرُهُ لَكُمْ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ، وَلِهَذَا قَالَ [تَعَالَى] [[زيادة من ت.]] ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ أَيْ: مُسْتَقَرًّا وَمَحْصَرًا وَسِجْنًا لَا مَحِيدَ لَهُمْ عَنْهُ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] [[زيادة من ف، أ.]] : ﴿حَصِيرًا﴾ أَيْ: سِجْنًا.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يُحْصَرُونَ فِيهَا. وَكَذَا قَالَ غَيْرُهُ.

وَقَالَ الْحَسَنُ: فِرَاشٌ وَمِهَادٌ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: قَدْ عَادَ بَنُو إِسْرَائِيلَ، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هَذَا الْحَيَّ، مُحَمَّدٌ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، يَأْخُذُونَ مِنْهُمُ الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ.

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦) ﴾

يقول تعالى ذكره: ثم أدلناكم يا بني إسرائيل على هؤلاء القوم الذين وصفهم جلّ ثناؤه أنه يبعثهم عليهم، وكانت تلك الإدالة والكرّة لهم عليهم، فيما ذكر السديّ في خبره أن بني إسرائيل غزوهم، وأصابوا منهم، واستنقذوا ما في أيديهم منهم. وفي قول آخرين: إطلاق الملك الذي غزاهم ما في يديه من أسراهم، ورد ما كان أصاب من أموالهم عليهم من غير قتال، وفي قول ابن عباس الذي رواه عطية عنه هي إدالة الله إياهم من عدوّهم جالوت حتى قتلوه، وقد ذكرنا كلّ ذلك بأسانيده فيما مضى

﴿وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ يقول: وزدنا فيما أعطيناكم من الأموال والبنين.

* *

وقوله ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾

يقول: وصيرناكم أكثر عدَدَ نافرٍ منهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ : أي عددا، وذلك في زمن داود.

⁕ حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ يقول: عددا.

⁕ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قالا قال ابن زيد، في قوله ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ لبني إسرائيل، بعد أن كانت الهزيمة، وانصرف الآخرون عنهم ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ قال: جعلناكم بعد هذا أكثر عددا.

⁕ حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور عن معمر، عن قتادة ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ ثم رددت الكرة لبني إسرائيل.

⁕ حدثني محمد بن سنان القزّاز، قال: ثنا أبو عاصم، عن سفيان، في قوله ﴿وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ قال: أربعة آلاف.