سورة القرآن surah-quran.com

سورة الجاثية

سورة الجاثية، الآية 29

الجزء 25، الصفحة 501.

هَـٰذَا كِتَـٰبُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ ۚ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٢٩﴾

تفسير الآية

التفسير الميسرنخبة من العلماء، مجمع الملك فهد

هذا كتابنا ينطق عليكم بجميع أعمالكم من غير زيادة ولا نقص، إنّا كنا نأمر الحفظة أن تكتب أعمالكم عليكم.

تفسير السعديعبد الرحمن بن ناصر السعدي

يشمل هذا التفسير الآيات 27 إلى 37

الآية 27: يخبر تعالى عن سعة ملكِهِ وانفرادِهِ بالتصرُّف والتدبير في جميع الأوقات، وأنَّه {يوم تقومُ الساعةُ}؛ ويَجمع الخلائق لموقف القيامة؛ يحصُلُ الخسار على المبطلين، الذين أتوا بالباطل ليدحِضوا به الحقَّ، وكانت أعمالهم باطلةً لأنَّها متعلِّقة بالباطل، فبطلت في يوم القيامة، اليوم الذي تستبين فيه الحقائق واضمحلَّت عنهم، وفاتَهم الثوابُ، وحصلوا على أليم العقاب.

الآية 28: ثم وصف تعالى شدَّة يوم القيامةِ وهَوْلَهُ ليحذره العباد ويستعدَّ له العُبَّاد، فقال:{وترى}: أيُّها الرائي لذلك اليوم، {كلَّ أمَّةٍ جاثيةً}: على ركبها خوفاً وذعراً وانتظاراً لحكم الملك الرحمن. {كلُّ أمة تُدعى إلى كتابها}؛ أي: إلى شريعة نبيِّهم الذي جاءهم من عند الله، وهل قاموا بها فيحصُلُ [لهم] الثواب والنجاة؟ أم ضيعوها فيحصُلُ لهم الخسران؟ فأمَّة موسى يُدعون إلى شريعة موسى، وأمَّة عيسى كذلك، وأمَّة محمد كذلك، وهكذا غيرهم؛ كلُّ أمة تُدعى إلى شرعها الذي كلفت به، هذا أحد الاحتمالات في الآية، وهو معنى صحيحٌ في نفسه، غير مشكوك فيه. ويحتمل أن المراد بقوله:{كلُّ أمَّة تُدعى إلى كتابها}؛ أي: إلى كتاب أعمالها وما سطر عليها من خير وشرٍّ، وأنَّ كلَّ أحدٍ يُجازى بما عمله بنفسه؛ كقوله تعالى:{مَنۡ عَمِلَ صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها}. ويحتمل أن المعنيين كليهما مرادٌ من الآية.

الآية 29: ويدل على هذا قولُه: {هذا كتابُنا ينطِقُ عليكم بالحقِّ}؛ أي: هذا كتابنا الذي أنزلنا عليكم يفصِلُ [بينكم] بالحقِّ الذي هو العدل، {إنَّا كنا نَسۡتَنسِخُ ما كنتُم تعملون}: فهذا كتابُ الأعمال.

الآية 30: ولهذا فصَّل ما يفعل الله بالفريقين، فقال:{فأمَّا الذين آمنوا وعملوا الصالحات}: إيماناً صحيحاً، وصدَّقوا إيمانَهم بالأعمال الصالحة من واجبات ومستحبَّات، {فيدخِلُهم ربُّهم في رحمتِهِ}: التي محلُّها الجنة، وما فيها من النعيم المقيم والعيش السليم. {ذلك هو الفوزُ المبينُ}؛ أي: المفاز والنجاة والربح والفلاح الواضح البيِّن، الذي إذا حصل للعبد؛ حصل له كلُّ خير، واندفع عنه كلُّ شرٍّ.

الآية 31:{وأمَّا الذين كفروا}: بالله، فيقال لهم توبيخاً وتقريعاً:{أفلم تكن آياتي تُتۡلى عليكم}، وقد دلَّتكم على ما فيه صلاحكم ونهتْكم عما فيه ضررُكم، وهي أكبر نعمة وصلت إليكم لو وفِّقتم لها، ولكن استكبرتُم عنها وأعرضتُم وكفرتُم بها، فجنيتُم أكبر جناية، وأجرمتم أشدَّ الجرم؛ فاليوم تجزون ما كنتم تعملون.

الآية 32: ويوبَّخون أيضاً بقوله: {وإذا قيل إنَّ وعدَ الله حقٌّ والساعة لا ريبَ فيها قلتم}: منكرين لذلك: {ما ندري ما الساعة إن نظنُّ إلاَّ ظنًّا وما نحن بمستيقنينَ}: فهذه حالهم في الدُّنيا، وحال البعث الإنكار له، وردُّوا قولَ مَنْ جاء به.

الآية 33: قال تعالى: {وبدا لهم سيئاتُ ما عملوا}؛ أي: وظهر لهم يوم القيامةِ عقوباتُ أعمالهم، {وحاق بهم}؛ أي: نزل {ما كانوا به يستهزِئون}؛ أي: نزل بهم العذابُ الذي كانوا في الدُّنيا يستهزئون بوقوعه وبمن جاء به.

الآية 34:{وقيل اليوم ننساكم}؛ أي: نترككم في العذاب {كما نسيتُم لقاء يومكم هذا}؛ فإنَّ الجزاء من جنس العمل، {ومأواكم النارُ}؛ أي: هي مقرُّكم ومصيركم. {وما لكم من ناصرينَ}: ينصرونَكم من عذابِ الله ويدفعون عنكم عقابه.

الآية 35:{ذلكم}: الذي حصل لكم من العذاب. بسبب {أنَّكم اتَّخذتم آياتِ الله هزواً}: مع أنها موجبةٌ للجدِّ والاجتهاد وتلقِّيها بالسرور والاستبشار والفرح، {وغرَّتۡكُم الحياة الدُّنيا}: بزخارفها ولذَّاتها وشهواتها، فاطمأننتُم إليها، وعملتم لها، وتركتم العمل للدار الباقية. {فاليومَ لا يُخۡرَجونَ منها ولا هم يُسۡتَعۡتَبونَ}؛ أي: ولا يُمْهَلون ولا يردُّون إلى الدُّنيا ليعملوا صالحاً.

الآية 36:{فلله الحمدُ}: كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، {ربِّ السمواتِ وربِّ الأرض ربِّ العالمين}؛ أي: له الحمد على ربوبيته لسائر الخلق ؛ حيث خلقهم وربَّاهم، وأنعم عليهم بالنعم الظاهرة والباطنة.

الآية 37:{وله الكبرياءُ في السمواتِ والأرض}؛ أي: له الجلال والعظمة والمجدُ؛ فالحمد فيه الثناء على الله بصفات الكمال ومحبَّته تعالى وإكرامه، والكبرياء فيها عظمتُه وجلالُه، والعبادة مبنيَّة على ركنين: محبة الله والذُّلُّ له، وهما ناشئان عن العلم بمحامد الله وجلاله وكبريائه، {وهو العزيز}: القاهر لكلِّ شيء. {الحكيم}: الذي يضعُ الأشياء مواضِعَها؛ فلا يشرع ما يشرعُه إلاَّ لحكمة ومصلحة، ولا يخلُقُ ما يخلُقُه إلاَّ لفائدةٍ ومنفعةٍ.

تم تفسير سورة الجاثية. ولله الحمد والمنة والفضل.

* * *

تفسير الجلالينجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

﴿هَذا كِتابنا﴾ دِيوان الحَفَظَة ﴿يَنْطِق عَلَيْكُمْ بِالحَقِّ إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخ﴾ نُثْبِت ونَحْفَظ

تفسير ابن كثيرإسماعيل بن عمر بن كثير

يشمل هذا التفسير الآيات 27 إلى 29

يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ مَالِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، الْحَاكِمُ فِيهِمَا [[في م: "فيما".]] فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ أَيْ: يَوْمَ [[في ت، أ: "تقوم".]] الْقِيَامَةِ ﴿يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ﴾ وَهُمُ الْكَافِرُونَ بِاللَّهِ الْجَاحِدُونَ بِمَا أَنْزَلَهُ عَلَى رُسُلِهِ مِنَ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ وَالدَّلَائِلِ الْوَاضِحَاتِ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: قَدِمَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ الْمَدِينَةَ، فَسَمِعَ الْمُعَافِرِيَّ [[في ت، م، أ: "العاضري".]] يَتَكَلَّمُ بِبَعْضِ مَا يَضْحَكُ بِهِ النَّاسُ. فَقَالَ لَهُ: يَا شَيْخُ، أَمَّا عَلِمْتَ أَنَّ لِلَّهِ يَوْمًا يَخْسَرُ فِيهِ الْمُبْطِلُونَ؟ قَالَ: فَمَا زَالَتْ تُعْرَفُ فِي الْمُعَافِرِيِّ [[في ت، م، أ: "العاضري".]] حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ، عز وجل. ذكره ابن أبي حاتم.

ثُمَّ قَالَ: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ أَيْ: عَلَى رُكَبِهَا مِنَ الشِّدَّةِ وَالْعَظَمَةِ، وَيُقَالُ: إِنَّ هَذَا [يَكُونُ] [[زيادة من أ.]] إِذَا جِيءَ بِجَهَنَّمَ فَإِنَّهَا تَزْفِرُ زَفْرَةً لَا يَبْقَى أَحَدٌ إِلَّا جَثَا لِرُكْبَتَيْهِ، حَتَّى إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ، وَيَقُولُ: نَفْسِي، نَفْسِي، نَفْسِي لَا أَسْأَلُكَ الْيَوْمَ إِلَّا نَفْسِي، وَحَتَّى أَنَّ عِيسَى لَيَقُولُ: لَا أَسْأَلُكَ الْيَوْمَ إِلَّا نَفْسِي، لَا أَسْأَلُكَ [الْيَوْمَ] [[زيادة من أ.]] مَرْيَمَ الَّتِي وَلَدَتْنِي.

قَالَ مُجَاهِدٌ، وَكَعْبُ الْأَحْبَارِ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: ﴿كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ أَيْ: عَلَى الرُّكَبِ. وَقَالَ عِكْرِمة: ﴿جَاثِيَةً﴾ مُتَمَيِّزَةً عَلَى نَاحِيَتِهَا، [[في أ: "ناصيتها".]] وَلَيْسَ عَلَى الرُّكَبِ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى.

قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَابَاهُ [[في ت: "وقال ابن أبي حاتم بإسناده".]] ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ [ﷺ] [[زيادة من ت.]] قَالَ: "كَأَنِّي أَرَاكُمْ جَاثِينَ بِالْكَوَمِ دُونَ جَهَنَّمَ" [[ورواه أبو نعيم في زوائد زهد ابن المبارك برقم (٣٦٠) وأبو نعيم في الحلية (٧/٢٩٩) من طريق سفيان بن عيينة به.]] .

وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ رَافِعٍ الْمَدِينِيُّ [[في أ: "المدني".]] ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، مَرْفُوعًا فِي حَدِيثِ الصُّورَةِ [[في ت، م، أ: "الصور".]] : فَيَتَمَيَّزُ النَّاسُ وَتَجْثُو الْأُمَمُ، وَهِيَ الَّتِي يَقُولُ اللَّهُ: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا﴾ [[انظر تفسير حديث الصور عند الآية: ٧٣ من سورة الأنعام.]] .

وَهَذَا فِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ: وَلَا مُنَافَاةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا﴾ يَعْنِي: كِتَابَ أَعْمَالِهَا، كَقَوْلِهِ: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ [الزُّمَرِ: ٦٩] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أَيْ: تُجَازَوْنَ بِأَعْمَالِكُمْ خَيْرِهَا وَشَرِّهَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُنَبَّأُ الإنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ. بَلِ الإنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ. وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ [الْقِيَامَةِ: ١٣ -١٥] .

ثُمَّ قَالَ: ﴿هَذَا [[في ت، م، أ: "ولهذا" وهو خطأ.]] كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ أَيْ: يَسْتَحْضِرُ [[في أ: "سيحضر".]] جَمِيعَ أَعْمَالِكُمْ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نَقْصٍ [[في م: "نقصان".]] ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الْكَهْفِ: ٤٩] .

* *

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أَيْ: إِنَّا كُنَّا نَأْمُرُ الْحَفَظَةَ أَنْ تَكْتُبَ أَعْمَالَكُمْ عَلَيْكُمْ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: تَكْتُبُ الْمَلَائِكَةُ أَعْمَالَ الْعِبَادِ، ثُمَّ تَصْعَدُ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ، فَيُقَابِلُونَ الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ فِي دِيوَانِ الْأَعْمَالِ عَلَى مَا بِأَيْدِيهِمْ مِمَّا قَدْ أُبْرِزَ لَهُمْ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ فِي كُلِّ لَيْلَةِ قَدْرٍ، مِمَّا كَتَبَهُ [[في أ: "مما قد كتبه".]] اللَّهُ فِي الْقِدَمِ عَلَى الْعِبَادِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُمْ، فَلَا يَزِيدُ حَرْفًا وَلَا يَنْقُصُ حَرْفًا، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ .

تفسير الطبريمحمد بن جرير الطبري

يشمل هذا التفسير الآيات 29 إلى 30

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (٣٠) ﴾

يقول تعالى ذكره: لكلّ أمة دعيت في القيامة إلى كتابها الذي أملت على حفظتها في الدنيا ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فلا تجزعوا من ثوابناكم على ذلك، فإنكم ينطق عليكم إن أنكرتموه بالحق فاقرءوه ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يقول: إنا كنا نستكتب حفظتنا أعمالكم، فتثبتها في الكتب وتكتبها.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

⁕ حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا طلق بن غنام، عن زائدة، عن عطاء بن مقسم، عن ابن عباس ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ قال: هو أمّ الكتاب فيه أعمال بني آدم ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ قال: نعم، الملائكة يستنسخون أعمال بني آدم.

⁕ حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا يعقوب القمي، قال: ثني أخي عيسى بن عبد الله بن ثابت الثُّمالي، عن ابن عباس، قال: "إن الله خلق النون وهي الدواة، وخلق القلم، فقال: اكتب، قال: ما أكتب، قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة من عمل معمول، برّ أو فجور، أو رزق مقسوم، حلال أو حرام، ثم ألزم كلّ شيء من ذلك شأنه دخوله في الدنيا، ومقامه فيها كم، وخروجه منه كيف، ثم جعل على العباد حفظة، وعلى الكتاب خزانا، فالحفظة ينسخون كلّ يوم من الخزان عمل ذلك اليوم، فإذا فني الرزق وانقطع الأثر، وانقضى الأجل، أتت الحفظة الخزنة يطلبون عمل ذلك اليوم، فتقول لهم الخزنة: ما نجد لصاحبكم عندنا شيئا، فترجع الحفظة، فيجدونهم قد ماتوا، قال: فقال ابن عباس: ألستم قوما عربا تسمعون الحفظة يقولون ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وهل يكون الاستنساخ إلا من أصل".

⁕ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ قال: الكتاب: الذكر ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ قال: نستنسخ الأعمال.

وقال آخرون في ذلك ما:-

⁕ حدثنا الحسن بن عرفة، قال: ثنا النضر بن إسماعيل، عن أبي سنان الشيبانيّ، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي عبد الرحمن السلميّ، عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: إن لله ملائكة ينزلون في كل يوم بشيء يكتبون فيه أعمال بني آدم.

* *

وقوله ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ﴾

يقول تعالى ذكره: فأما الذين آمنوا بالله في الدنيا فوحدوه، ولم يشركوا به شيئا، وعملوا الصالحات: يقول: وعملوا بما أمرهم الله به، وانتهوا عما نهاهم الله عنه ﴿فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ﴾ يعني في جنته برحمته.

* *

وقوله ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾

يقول: دخولهم في رحمة الله يومئذ هو الظفر بما كانوا يطلبونه، وإدراك ما كانوا يسعون في الدنيا له، المبين غايتهم فيها، أنه هو الفوز.