سورة الكهف، الآية 56
الجزء 15، الصفحة 300.
وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ۚ وَيُجَـٰدِلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِٱلْبَـٰطِلِ لِيُدْحِضُوا۟ بِهِ ٱلْحَقَّ ۖ وَٱتَّخَذُوٓا۟ ءَايَـٰتِى وَمَآ أُنذِرُوا۟ هُزُوًا ﴿٥٦﴾
الآية في سياق السورةاستمع إلى سورة الكهف
تفسير الآية
التفسير الميسر
وما نبعث الرسل إلى الناس إلا ليكونوا مبشرين بالجنة لأهل الإيمان والعمل الصالح، ومخوِّفين بالنار لأهل الكفر والعصيان، ومع وضوح الحق يخاصم الذين كفروا رسلهم بالباطل تعنتًا؛ ليزيلوا بباطلهم الحق الذي جاءهم به الرسول، واتخذوا كتابي وحُجَجِي وما خُوِّفوا به من العذاب سخرية واستهزاء.
تفسير السعدي
الآية 56: أي: لم نرسل الرُّسُلَ عَبَثاً، ولا ليتَّخذهم الناس أرباباً، ولا ليدعوا إلى أنفسهم، بل أرسلناهم يدعون الناس إلى كلِّ خير، وينهَوْن عن كلِّ شرٍّ، ويبشرونهم على امتثال ذلك بالثواب العاجل والآجل، وينذرونهم على معصية ذلك بالعقاب العاجل والآجل، فقامت بذلك حجة الله على العباد، ومع ذلك يأبى الظالمون الكافرون إلاَّ المجادلة بالباطل لِيُدْحِضوا به الحقَّ، فسَعَوا في نصر الباطل مهما أمكنهم، وفي دحض الحقِّ وإبطاله، واستهزؤوا برسل الله وآياته، وفرحوا بما عندهم من العلم، {ويأبى اللهُ إلاَّ أن يُتِمَّ نورَه ولو كره الكافرون}، ويظهر الحق على الباطل، {بل نقذف بالحقِّ على الباطل فيدمَغُه فإذا هو زاهِقٌ}، ومن حكمة الله ورحمته أنَّ تقييضه المبطِلين المجادلين الحقَّ بالباطل من أعظم الأسباب إلى وضوح الحقِّ وتبيُّن شواهده وأدلَّته وتبيُّن الباطل وفساده؛ فبضدِّها تتبيَّن الأشياء.
تفسير الجلالين
﴿وما نُرْسِل المُرْسَلِينَ إلّا مُبَشِّرِينَ﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿ومُنْذِرِينَ﴾ مُخَوِّفِينَ لِلْكافِرِينَ ﴿ويُجادِل الَّذِينَ كَفَرُوا بِالباطِلِ﴾ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أبَعَثَ اللَّه بَشَرًا رَسُولًا﴾ ونَحْوه ﴿لِيُدْحِضُوا بِهِ﴾ لِيُبْطِلُوا بِجِدالِهِمْ ﴿الحَقّ﴾ القُرْآن ﴿واِتَّخَذُوا آياتِي﴾ أيْ القُرْآن ﴿وما أُنْذِرُوا﴾ بِهِ مِن النّار ﴿هُزُوًا﴾ سُخْرِيَّة
تفسير ابن كثير
يشمل هذا التفسير الآيات 55 إلى 56
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ تَمَرُّدِ [[في ت: "ثمود".]] الْكَفَرَةِ فِي قَدِيمِ الزَّمَانِ وَحَدِيثِهِ، وَتَكْذِيبِهِمْ بِالْحَقِّ الْبَيِّنِ الظَّاهِرِ مَعَ مَا يُشَاهِدُونَ مِنَ الْآيَاتِ [وَالْآثَارِ] [[زيادة من ف، أ.]] وَالدَّلَالَاتِ الْوَاضِحَاتِ، وَأَنَّهُ مَا مَنَعَهُمْ مِنَ اتِّبَاعِ ذَلِكَ إِلَّا طَلَبُهُمْ أَنْ يُشَاهِدُوا الْعَذَابَ الَّذِي وُعِدُوا بِهِ عَيَانًا، كَمَا قَالَ أُولَئِكَ لِنَبِيِّهِمْ: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الشُّعَرَاءِ:١٨٧] ، وَآخَرُونَ قَالُوا: ﴿ائْتِنَا [[زيادة من ف.]] بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ:٢٩] ، وَقَالَتْ قُرَيْشٌ: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الْأَنْفَالِ:٣٢] ، ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نزلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ * لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الْحِجْرِ:٧، ٦] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ [مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ] [[زيادة من ف، أ.]] .
ثُمَّ قَالَ: ﴿إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ مِنْ غِشْيَانِهِمْ بِالْعَذَابِ وَأَخْذِهِمْ عَنْ آخِرِهِمْ، ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلا﴾ أَيْ: يَرَوْنَهُ عَيَانًا مُوَاجَهَةً [وَمُقَابَلَةً] [[زيادة من ف، أ.]] ، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا﴾ أَيْ: قَبْلَ الْعَذَابِ مُبَشِّرِينَ [[في ت، ف، أ: "مبشرون".]] مَنْ صَدَّقَهُمْ وَآمَنَ بِهِمْ، وَمُنْذِرِينَ [[في ت، ف، أ: "ومنذرون".]] مَنْ كَذَّبَهُمْ وَخَالَفَهُمْ.
ثُمَّ أَخْبَرَ عَنِ الْكَفَّارِ بِأَنَّهُمْ يُجَادِلُونَ بِالْبَاطِلِ ﴿لِيُدْحِضُوا بِهِ﴾ أَيْ: لِيُضْعِفُوا بِهِ ﴿الْحَقَّ﴾ الَّذِي جَاءَتْهُمْ بِهِ الرُّسُلُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِحَاصِلٍ لَهُمْ. ﴿وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا﴾ أَيْ: اتَّخَذُوا الْحُجَجَ وَالْبَرَاهِينَ وَخَوَارِقَ الْعَادَاتِ الَّتِي بُعِثَ [[في ت، أ: "أبعث".]] بِهَا الرُّسُلُ وَمَا أَنْذَرُوهُمْ وَخَوَّفُوهُمْ بِهِ مِنَ الْعَذَابِ ﴿هُزُوًا﴾ أَيْ: سَخِرُوا مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ أَشَدُّ التَّكْذِيبِ.
تفسير الطبري
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا (٥٦) ﴾
يقول عزّ ذكره: وما نرسل رسلنا إلا ليبشروا أهل الإيمان والتصديق بالله بجزيل ثوابه في الآخرة، ولينذروا أهل الكفر به والتكذيب، عظيم عقابه، وأليم عذابه، فينتهوا عن الشرك بالله، وينزجروا عن الكفر به ومعاصيه ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ يقول: ويخاصم الذين كذّبوا بالله ورسوله بالباطل، ذلك كقولهم للنبيّ ﷺ: أخبرنا عن حديث فتية ذهبوا في أوّل الدهر لم يدر ما شأنهم، وعن الرجل الذي بلغ مشارق الأرض ومغاربها، وعن الروح، وما أشبه ذلك مما كانوا يخاصمونه به، يبتغون إسقاطه، تعنيتا له ﷺ، فقال الله لهم: إنا لسنا نبعث إليكم رسلنا للجدال والخصومات، وإنما نبعثهم مبشرين أهل الإيمان بالجنة، ومنذرين أهل الكفر بالنار، وأنتم تجادلونهم بالباطل طلبا منكم بذلك أن تبطلوا الحقّ الذي جاءكم به رسولي، وعنى بقوله: ﴿لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ ليبطلوا به الحقّ ويزيلوه ويذهبوا به. يقال منه: دحض الشيء: إذا زال وذهب، ويقال: هذا مكان دَحْض: أي مُزِل مُزْلِق لا يثبت فيه خفّ ولا حافر ولا قدم، ومنه قوله الشاعر:
رَدِيتُ ونجَّى اليَشْكُرِيّ حِذَارُهُ ... وحادَ كما حادَ البَعيرُ عَن الدَّحْضِ [[البيت في (اللسان: دحض) وفي التاج وأساس البلاغة، منسوبا إلى طرفة، ولا يوجد في شعر الشعراء الستة (مختار الشعر الجاهلي) وغيره. وأورد صاحب شعراء النصرانية وصاحب العقد الثمين في الملحق بشعر طرفة مقطعوعة ضادية مطلعها: أبا مُنْذرٍ كانَتْ غَرُورًا صحِيفتي ... ولم أُعْطِكُمْ بالطَّوْعِ مالي ولا عِرْضي
وأغلب الظن أن البيت سقط من هذه المقطوعة، وإن كان شائعا في كتب الأدب واللغة. وهو من شواهد أبي عبيدة في مجاز القرآن (١: ٤٠٨) قال في تفسير قوله تعالى: لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ: مجازه: ليزيلوا به الحق، ويذهبوا به. ويقال مكان دحض البيت أي مزل مزلق، ولا يثبت فيه خف ولا قدم ولا حافر. قال طرفة " رديت ونحبي. . . ".
وفي (اللسان: دحض) ، وشاهد الدحض قول طرفة: " رديت. . . " إلخ.]] ويروى: ونحَّى، وأدحضته أنا: إذا أذهبته وأبطلته.
* *
وقوله: ﴿وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا﴾
يقول: واتخذوا الكافرون بالله حججه التي احتج بها عليهم، وكتابه الذي أنزله إليهم، والنذر التي أنذرهم بها سخريا يسخرون بها، يقولون: ﴿إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ .